← Акыда

Акыда · id 30847

أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (272 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثمرات الإيمان بالرسل: إذا تحقق الإيمان بالرسل ترك آثاره الطيبة وثماره اليانعة على المؤمن فمن ذلك: ١ - العلم برحمة الله تعالى وعنايته بخلقه حيث أرسل إليهم أولئك الرسل الكرام للهداية والإرشاد. ٢ - شكر الله على هذه النعمة الكبرى. ٣ - محبة الرسل وتوقيرهم والثناء عليهم بما يليق بهم لأنهم رسل الله تعالى وخلاصة عبيده، ولما قاموا به من تبليغ رسالة الله لخلقه وكمال نصحهم لأقوامهم وصبرهم على أذاهم.

стр. 142

[المبحث الثاني تعريف النبي والرسول والفرق بينهما] المبحث الثاني: تعريف النبي والرسول والفرق بينهما النبي في اللغة: مشتق من النبأ وهو الخبر ذو الفائدة العظيمة. قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ - عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ - ٢] (النبأ: ١، ٢) . وسمي النبي نبيًّا لأنه مُخبرٌ من الله، ويُخْبِرُ عن الله فهو مُخبَر ومُخبِر. وقيل النبي مشتق من النباوة: وهي الشيء المرتفع. وسمي النبي نبيًّا على هذا المعنى: لرفعة محله على سائر الناس. قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] (مريم: ٥٧) . والرسول في اللغة: مشتق من الإرسال وهو التوجيه. قال تعالى مخبرًا عن ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] (النمل: ٣٥) . وقد اختلف العلماء في تعريف كل من النبي والرسول في الشرع على أقوال أرجحها: أن النبي: هو من أوحى الله إليه بما يفعله ويأمر به المؤمنين. والرسول: هو من أوحى الله إليه وأرسله إلى من خالف أمر الله ليبلغ رسالة الله. والفرق بينهما: أن النبي هو من نبأه الله بأمره ونهيه ليخاطب المؤمنين ويأمرهم بذلك ولا يخاطب الكفار ولا يرسل إليهم.

стр. 143

وأما الرسول فهو من أرسل إلى الكفار والمؤمنين ليبلغهم رسالة الله ويدعوهم إلى عبادته. وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة فقد كان يوسف على ملة إبراهيم، وداود وسليمان كانا على شريعة التوراة وكلهم رسل. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] (غافر: ٣٤) . وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا - وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤] (النساء: ١٦٣، ١٦٤) . وقد يطلق على النبي أنه رسول كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] (الحج: ٥٢) فذكر الله أنه يرسل النبي والرسول. وبيان ذلك أن الله تعالى إذا أمر النبي بدعوة المؤمنين إلى أمر فهو مرسل من الله إليهم لكن هذا الإرسال مقيد. وأما الإرسال المطلق فهو بإرسال الرسل إلى عامة الخلق من الكفار والمؤمنين.

стр. 144

[المبحث الثالث كيفية الإيمان بالرسل] المبحث الثالث: كيفية الإيمان بالرسل الإيمان بالرسل هو اعتقاد ما أخبر الله به عنهم في كتابه وأخبر به النبي ﷺ في سنته إجمالا وتفصيلا. فالإيمان المجمل: هو التصديق الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دون الله. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (النحل: ٣٦) . وبأنهم جميعهم صادقون، بارون، راشدون، كرام بررة، أتقياء أمناء، هداة مهتدون. قال تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] (يس: ٥٢) . وقال تعالى بعد أن ذكر طائفة كبيرة من الأنبياء والرسل: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٧ - ٨٨] (الأنعام: ٨٧، ٨٨) . وبأنهم كلهم كانوا على الحق المبين، والهدى المستبين جاءوا بالبينات من ربهم إلى أقوامهم. قال تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] (الأعراف: ٤٣) . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] (الحديد: ٢٥) . وبأن أصل دعوتهم واحدة وهي الدعوة إلى توحيد الله وأما شرائعهم

стр. 145

فمختلفة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (الأنبياء: ٢٥) . وقال : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (المائدة: ٤٨) . وبأنهم قد بلغوا جميع ما أرسلوا به البلاغ المبين، فقامت بذلك الحجة على الخلق. قال تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] (الجن: ٢٨) . وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] (النساء: ١٦٥) . ويجب الإيمان بأن الرسل بشر مخلوقون، ليس لهم من خصائص الربوبية شيء. وإنما هم عباد أكرمهم الله بالرسالة. قال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] (إبراهيم: ١١) . وقال تعالى عن نوح: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١] (هود: ٣١) . وقال آمرًا نبينا محمدًا ﷺ أن يقول لقومه: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] (الأنعام: ٥٠) . ومما يجب اعتقاده أيضًا في حق الرسل أنهم منصورون مؤيدون من الله، وأن العاقبة لهم ولأتباعهم. قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] (غافر: ٥١) . كما يجب اعتقاد تفاضل الرسل على ما أخبر في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] (البقرة: ٢٥٣) . فيجب الإيمان بكل هذا وبكل ما جاء في الكتاب والسنة عن الرسل على وجه العموم إيمانًا مجملًا.

стр. 146

وأما الإيمان المفصل: فيكون بالإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه والنبي ﷺ في سنته منهم، إيمانًا مفصلًا على نحو ما جاءت به النصوص من ذكر أسمائهم وأخبارهم وفضائلهم وخصائصهم. والمذكورون في القرآن من الأنبياء والرسل خمسة وعشرون. ورد ذكر ثمانية عشر منهم في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ - وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ - وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٦] (الأنعام: ٨٣-٨٦) . وورد ذكر الباقين في مواضع أخرى من القرآن. قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] (الأعراف: ٦٥) . وقال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] (الأًعراف: ٧٣) . وقال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] (الأعراف: ٨٥) . وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] (آل عمران: ٣٣) . وقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] (الأنبياء: ٨٥) . وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] (الفتح: ٢٩) . فيجب الإيمان بهؤلاء الأنبياء والمرسلين إيمانًا مفصلًا، والإقرار لكل واحد منهم بالنبوة أو الرسالة على ما أخبر الله ورسوله ﷺ عنهم. كما يجب اعتقاد صحة ما جاءت به النصوص من ذكر فضائلهم وخصائصهم وأخبارهم، كاتخاذ الله إبراهيمَ ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم

стр. 147

خليلين لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (النساء: ١٢٥) . ولقول النبي ﷺ : «إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا» أخرجه مسلم (١) . وكتكليم الله تعالى لموسى لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (النساء: ١٦٤) . وكذلك تسخير الجبال والطير لداود يسبحن بتسبيحه، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] (الأنبياء: ٧٩) . وإلانة الحديد لداود كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] (سبأ: ١٠) . وتسخير الرياح لسليمان تسير بأمره، وتسخير الجن له يعملون بين يديه ما يشاء، قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ: ١٢] (سبأ: ١٢) . وتعليم سليمان منطق الطير، قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] (النمل: ١٦) . كما يجب الإيمان على وجه التفصيل بما قص الله في كتابه من أخبار الرسل مع أقوامهم، وما جرى بينهم من الخصومة، ونصر الله لرسله وأتباعهم. كقصة موسى مع فرعون، وإبراهيم مع قومه، وقصص نوح وهود وصالح وشعيب ولوط مع أقوامهم. وما قص الله علينا في شأن يوسف مع إخوته وأهل مصر، وقصة يونس مع قومه، إلى آخر ما جاء في كتاب الله من أخبار الأنبياء والرسل، وكذلك ما جاء في السنة فيجب الإيمان به إيمانًا مفصلًا بحسب ما جاءت به النصوص. وبذلك يتحقق الإيمان بالرسل بقسميه المجمل والمفصل. والله تعالى أعلم.

стр. 148

[المبحث الرابع ما يجب علينا نحو الرسل] المبحث الرابع: ما يجب علينا نحو الرسل يجب على الأمة تجاه الرسل حقوق عظيمة بحسب ما أنزلهم الله من المنازل الرفيعة في الدين، وما رفعهم الله إليه من الدرجات السامية الجليلة عنده، وما شرفهم به من المهمات النبيلة وما اصطفاهم به من تبليغ وحيه وشرعه لعامة خلقه. ومن هذه الحقوق: ١ - تصديقهم جميعًا فيما جاءوا به، وأنهم مرسلون من ربهم، مبلغون عن الله ما أمرهم الله بتبليغه لمن أرسلوا إليهم وعدم التفريق بينهم في ذلك. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] (النساء: ٦٤) . وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] (المائًدة: ٩٢) . وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] (النساء: ١٥٠، ١٥١) . فيجب تصديق الرسل فيما جاءوا به من الرسالات وهذا مقتضى الإيمان بهم. ومما يجب معرفته أنه لا يجوز لأحد من الثقلين متابعة أحدٍ من الرسل السابقين بعد مبعث محمد ﷺ المبعوث للناس كافة، إذْ أن شريعته جاءت ناسخة لجميع شرائع الأنبياء قبله فلا دين إلا ما بعثه الله به ولا متابعة إلا لهذا النبي الكريم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (آل عمران: ٨٥) .

стр. 149

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] (سبأ: ٢٨) . وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (الأعراف: ١٥٨) . ٢ - موالاتهم جميعًا ومحبتهم والحذر من بغضهم وعداوتهم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] (المائدة: ٥٦) . وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (التوبة: ٧١) . فتضمنت الآية وصف المؤمنين بموالاة بعضهم لبعض فدخل في ذلك رسل الله الذين هم أكمل المؤمنين إيمانًا وعليه فإن موالاتهم ومحبتهم في قلوب المؤمنين هي أعظم من موالاة غيرهم من الخلق لعلو مكانتهم في الدين ورفعة درجاتهم في الإيمان. ولذا حذر الله من معاداة رسله وعطفها في الذكر على معاداة الله وملائكته وقرن بينهما في العقوبة والجزاء. فقال عز من قائل: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] (البقرة: ٩٨) . ٣ - اعتقاد فضلهم على غيرهم من الناس، وأنه لا يبلغ منزلتهم أحد من الخلق مهما بلغ من الصلاح والتقوى إذ الرسالة اصطفاء من الله يختص الله بها من يشاء من خلقه ولا تنال بالاجتهاد والعمل. قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] (الحج: ٧٥) . وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] (الأنعام: ٨٣) . إلى أن قال بعد ذكر طائفة كبيرة من الأنبياء والمرسلين: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] (الأنعام: ٨٦) . وقد تقدم نقل هذا السياق في

стр. 150

المبحث الأول من هذا الفصل. كما دلت السنة أيضًا على أن منزلة الرسل لا يبلغها أحد من الخلق لما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» (١) وفي رواية للبخاري: «من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» (٢) . قال بعض شراح الحديث: " إنه ﷺ قال هذا زجرًا أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئًا من حط مرتبة يونس ﷺ من أجل ما في القرآن العزيز من قصته ". وبيّن العلماء: " أن ما جرى ليونس ﷺ لم يحطه من النبوة مثقال ذرة وخص يونس بالذكر لما ذكر الله من قصته في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] (الأنبياء: ٨٧، ٨٨) . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] الآيات (الصافات: ١٣٩-١٤٨) ". ٤ - اعتقاد تفاضلهم فيما بينهم وأنهم ليسوا في درجة واحدة بل فضل الله بعضهم على بعض. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] (البقَرة: ٢٥٣) . قال الطبري في تفسير الآية: " يقول تعالى ذكره: هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض، فكلمت بعضهم كموسى ﷺ ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة ". فإنزال كل واحد منهم منزلته في الفضل والرفعة بحسب دلالات النصوص من جملة حقوقهم على الأمة.

стр. 151

٥ - الصلاة والسلام عليهم فقد أمر الله الناس بذلك وأخبر الله بإبقائه الثناء الحسن على رسله وتسليم الأمم عليهم من بعدهم. قال تعالى عن نوح: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ - سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٨ - ٧٩] (الصافات: ٧٨، ٧٩) . وقال عن إبراهيم: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ - سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩] (الصافات: ١٠٨، ١٠٩) . وقال عن موسى وهارون: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ - سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: ١١٩ - ١٢٠] (الصافات: ١١٩، ١٢٠) . وقال تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] (الصافات: ١٨١) . قال ابن كثير: " قوله تعالى ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] (الصافات: ٧٩) مفسرًا لما أبقى عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه جميع الطوائف ". وقد نقل الإمام النووي إجماع العلماء على جواز الصلاة على سائر الأنبياء واستحبابها. قال: " أجمعوا على الصلاة على نبينا محمد ﷺ . وكذلك أجمع من يعتد به على جوازها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالا وأما غير الأنبياء فالجمهور على أنه لا يصلى عليهم ابتداء ". فهذه طائفة مما يجب للرسل من حقوق على هذه الأمة مما دلت عليه النصوص وقرره أهل العلم. والله تعالى أعلم.

стр. 152

[المبحث الخامس أولو العزم من الرسل] المبحث الخامس: أولو العزم من الرسل أولو العزم من الرسل هم: ذوو الحزم والصبر. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (الأحقاف: ٣٥) . وقد اختلف العلماء فيهم. فقيل المراد بأولي العزم هم جميع الرسل. و" من " في قوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] لبيان الجنس لا للتبعيض. قال ابن زيد: " كل الرسل. كانوا أولي عزم لم يبعث الله نبيًّا إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل ". وقيل هم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم. قال ابن عباس: " أولو العزم من الرسل النبي ﵌ ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ". وبهذا القول قال مجاهد وعطاء الخراساني، وعليه كثير من متأخري أهل العلم. وقد ذكر الله هؤلاء الخمسة مجتمعين في موطنين من كتابه وبه استدل لهذا القول. الأول في سورة الأحزاب. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] (الأحزاب: ٧) . والثاني في سورة الشورى. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] (الشورى: ١٣) . قال بعض المفسرين: " ووجه تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل لكونهم من أصحاب الشرائع المشهورة ومن أولي العزم من الرسل ".

стр. 153

وهؤلاء الخمسة هم أفضل الرسل وخيار بني آدم. فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (خيار ولد آدم خمسة نوح وإبراهيم وعيسى وموسى ومحمد ﷺ وخيرهم محمد ﷺ وصلى الله وسلم عليهم أجمعين) (١) . وأفضلهم محمد ﷺ على ما أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع» (٢) .

стр. 154

[المبحث السادس خصائص نبينا محمد ﷺ وحقوقه على أمته] [أولا خصائصه ﷺ ] المبحث السادس خصائص نبينا محمد ﷺ وحقوقه على أمته مع بيان أن رؤية النبي ﷺ في المنام حق أولا: خصائصه ﷺ : لقد خص الله ﵎ نبينا محمدًا ﷺ بكثير من الخصائص والمناقب التي فضله بها على غيره من المرسلين وميزه عن سائر العالمين. ومن هذه الخصائص: ١ - عموم رسالته لكافة الثقلين من الجن والإنس فلا يسع أحدًا منهم إلا اتباعه والإيمان برسالته. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] (سبأ: ٢٨) . وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (الفرقان: ١) . قال ابن عباس ﵄: " العالمين: الجن والإنس ". وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (١) . وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من

стр. 155

أصحاب النار» (١) . ٢ - أنه خاتم الأنبياء والمرسلين كما دلت على ذلك النصوص. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (الأحزاب: ٤٠) . وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: « (إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (٢) . ولهذه النصوص أجمعت الأمة سلفًا وخلفًا على هذه العقيدة كما أجمعت على تكفير من ادعى النبوة بعده ﷺ ووجوب قتل مدعيها إن أصر على ذلك. قال الألوسي: " وكونه ﷺ خاتم النبيين مما نطق به الكتاب، وصدعت به السنة، وأجمعت عليه الأمة، فيكفر مدعي خلافه ويقتل إن أصر ". ٣ - أن الله أيده بأعظم معجزة وأظهر آية وهو القرآن العظيم، كلام الله المحفوظ من التغيير والتبديل، الباقي في الأمة إلى أن يأذن الله برفعه إليه. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (الإسراء: ٨٨) . وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] (العنكبوت: ٥١) . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ النبي ﷺ أنه قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن

стр. 156

عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١) . ٤ - أن أمته خير الأمم وأكثر أهل الجنة. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران: ١١٠) . وعن معاوية بن حيدة القشيري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال: «إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله» (٢) . وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: «كنا مع النبي ﷺ في قبة فقال: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة) . قلنا: نعم. قال: (أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة) . قلنا نعم. قال: (أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة) . قلنا: نعم. قال: (والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر) » (٣) . ٥ - أنه سيد ولد آدم يوم القيامة. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع» (٤) .

стр. 157

٦ - أنه صاحب الشفاعة العظمى وذلك عندما يشفع لأهل الموقف في أن يقضي بينهم ربهم بعد أن يتدافعها أفضل الرسل وهي المقام المحمود المذكور في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (الإسراء: ٧٩) . وقد فسر المقام المحمود بالشفاعة جمع من الصحابة والتابعين منهم حذيفة وسلمان وأنس وأبو هريرة وابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. وقال قتادة: " كان أهل العلم يرون المقام المحمود هو شفاعته يوم القيامة ". وقد دلت السنة كذلك على شفاعته ﷺ في أهل الموقف كما جاء ذلك في حديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ذكر اعتذار آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عن قبول الشفاعة وكلهم يقول: (لست هناك) إلى أن قال: «فيأتونني فأنطلق، فأستأذن على ربي فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها ثم أشفع» . .) (١) الحديث. ٧ - أنه صاحب لواء الحمد وهو لواء حقيقي يختص بحمله يوم القيامة، ويكون الناس تبعا له وتحت رايته واختص به لأنه حمد الله بمحامد لم يحمده بها غيره. ذكر هذا بعض أهل العلم. وقد دلت السنة على اختصاصه بهذه الفضيلة العظيمة. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ

стр. 158

آدم فمن سواه، إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر» (١) . ٨ - أنه صاحب الوسيلة، وهي درجة عالية في الجنة، لا تكون إلا لعبد واحد، وهي أعلى درجات الجنة. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى عليه الله بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٢) . إلى غير ذلك من خصائصه ومناقبه ﷺ ، الدالة على علو درجته عند ربه، وسمو مكانته في الدنيا والآخرة، وهي كثيرة جدا. [ثانيا حقوق النبي ﷺ على أمته] ثانيا: حقوق النبي ﷺ على أمته: حقوق النبي ﷺ على أمته كثيرة وقد تقدم ذكر بعضها فيما يجب على الأمة من حقوق عامة تجاه الرسل قاطبة. وفيما يلي عرض لبعض حقوقه الخاصة على أمته، وهي: ١- الإيمان المفصل بنبوته ورسالته واعتقاد نسخ رسالته لجميع الرسالات السابقة. ومقتضى ذلك: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما

стр. 159

نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. وقد دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨] (التغابن: ٨) . وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (الأعراف: ١٥٨) . وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (الحشر: ٧) . وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (١) . ٢ - وجوب الإيمان بأن الرسول ﷺ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، فما من خير إلا ودل الأمة عليه ورغبها فيه، وما من شر إلا ونهى الأمة عنه وحذرها منه. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (المائدة: ٣) . وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: (. . «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (٢) . وقد شهد للنبي بالبلاغ أصحابه في أكبر مجمع لهم يوم أن خطبهم في حجة الوداع خطبته البليغة فبين لهم ما أوجب الله عليهم وما حرم عليهم وأوصاهم بكتاب الله إلى أن قال لهم: «وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون» . قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال

стр. 160

بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات» (١) . وقال أبو ذر ﵁: (لقد تركنا محمد ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما) (٢) . والآثار في هذا كثيرة عن السلف ﵏. ٣ - محبته ﷺ وتقديم محبته على النفس وسائر الخلق. والمحبة وإن كانت واجبة لعموم الأنبياء والرسل إلا أن لنبينا ﷺ مزيد اختصاص بها ولذا وجب أن تكون محبته مقدمة على محبة الناس كلهم من الأبناء والآباء وسائر الأقارب بل مقدمة على محبة المرء لنفسه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] (التوبة: ٢٤) . فقرن الله محبة رسوله ﷺ بمحبته وتوعد من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله - توعدهم بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (٣) . وعن عمر ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ : «لا

стр. 161

والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك» . فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ : «الآن يا عمر» (١) . ٤ - تعظيم النبي ﷺ وتوقيره وإجلاله. فإن هذا من حقوق النبي ﷺ التي أوجبها الله في كتابه. قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (الفتح: ٩) . وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (الأعراف: ١٥٧) . قال ابن عباس: " تعزروه: تجلوه. وتوقروه: تعظموه ". وقال قتادة: " تعزروه: تنصروه. وتوقروه: أمر الله بتسويده ". وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] (الحجرات: ١) . وقال : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] (النور: ٦٣) . قال مجاهد: " أمرهم أن يدعوه يا رسول الله في لين وتواضع ولا يقولوا يا محمد في تجهم ". وقد ضرب أصحاب النبي ﷺ أروع الأمثال في تعظيم النبي ﷺ . قال أسامة بن شريك: " أتيت النبي ﷺ وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير ". وتعظيم النبي ﷺ واجب بعد موته كتعظيمه في حياته. قال القاضي عياض: " واعلم أن حرمة النبي ﷺ بعد موته، وتوقيره وتعظيمه، لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره ﷺ ، وذكر حديثه وسنته، وسماع اسمه وسيرته، ومعاملة آله وعترته، وتعظيم أهل بيته وصحابته ".

стр. 162

٥ - والصلاة والتسليم على النبي ﷺ والإكثار من ذلك كما أمر الله بذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (الأحزاب: ٥٦) . قال المبرد: " أصل الصلاة: الترحم. فهي من الله رحمة. ومن الملائكة رقة واستدعاء للرحمة من الله ". وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» (١) . وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل علي» (٢) . والصلاة والسلام وإن كانت مشروعة في حق الأنبياء كلهم كما تقدم فهي متأكدة في حق نبينا ﷺ ومن أعظم حقوقه على أمته وهي واجبة عليهم ولذا ذكرناها هنا من جملة حقوقه الخاصة على أمته. وقد صرح العلماء بوجوب الصلاة على النبي ﷺ ونقل بعضهم الإجماع على ذلك. قال القاضي عياض: " اعلم أن الصلاة على النبي ﷺ فرض على الجملة، غير محدد بوقت لأمر الله تعالى بالصلاة عليه، وحمله الأئمة والعلماء على الوجوب وأجمعوا عليه ". ٦ - الإقرار له بما ثبت في حقه من المناقب الجليلة والخصائص السامية والدرجات العالية الرفيعة على ما تقدم بيان بعضها في أول هذا المبحث وغير ذلك مما دلت عليه النصوص. والتصديق بكل ذلك والثناء عليه به ونشره في الناس، وتعليمه للصغار وتنشئتهم على محبته وتعظيمه ومعرفة قدره الجليل عند ربه .

стр. 163

٧ - تجنب الغلو فيه والحذر من ذلك فإن في ذلك أعظم الأذية له ﷺ . قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يخاطب الأمة بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (الكهف: ١١٠) . وبقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] (الأنعام: ٥٠) . فأمر اللهّ نبيه ﷺ أن يقرر للأمة أنه مرسل من الله ليس له من مقام الربوبية شيء وليس هو بمَلَك إنما يتبع أمر ربه ووحيه. كما حذر النبي ﷺ أمته من الغلو فيه والتجاوز في إطرائه ومدحه. ففي صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (١) . والإطراء: هو المدح بالباطل ومجاوزة الحد في المدح ذكره ابن الأثير. وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فراجعه في بعض الكلام فقال: ما شاء الله وشئت! فقال رسول الله ﷺ : «أجعلتني لله ندًّا بل ما شاء الله وحده» (٢) . فحذر النبي ﷺ من الغلو فيه وإنزاله فوق منزلته، مما يختص به الرب . وفي هذا تنبيه إلى غير ما ذكر من أنواع الغلو فإن الغلو في النبي ﷺ محرم بشتى صوره وأشكاله. ومن صور الغلو في النبي ﷺ التي تصل إلى حدّ الشرك، التوجه له بالدعاء فيقول القائل: يا رسول الله افعل لي كذا وكذا. فإن هذا دعاء والدعاء عبادة

стр. 164

لا يصح صرفها لغير الله. ومن صور الغلو فيه ﷺ الذبح له أو النذر له أو الطواف بقبره أو استقبال قبره بصلاة أو عبادة فكل هذا محرم لأنه عبادة وقد نهى الله عن صرف شيء من أنواع العبادة لأحد من المخلوقين فقال : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣) . ٨ - ومن حقوق النبي ﷺ محبة أصحابه وأهل بيته وأزواجه وموالاتهم جميعًا والحذر من تنقصهم أو سبهم أو الطعن فيهم بشيء فإن الله قد أوجب على هذه الأمة موالاة أصحاب نبيه وندب من جاء بعدهم إلى الاستغفار لهم وسؤال الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم. فقال بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (الحشر: ١٠) . وقال تعالى في حق قرابة رسوله ﷺ وأهل بيته: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] (الشورى: ٢٣) . جاء في تفسير الآية: " قل لمن اتبعك من المؤمنين لا أسألكم على ما جئتكم به أجرًا إلا أن تودوا قرابتي ". وأخرج مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا في الناس فقال: «أما بعد ألا أيها الناس. فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب فيه الهدى والنور. فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» . فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في

стр. 165

أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (١) . فأمر النبي ﷺ بالإحسان إلى أهل بيته وأن يعرف لهم قدرهم وحقهم، لقربهم منه وشرفهم. كما أوصى النبي ﷺ بأصحابه خيرًا ونهى عن سبّهم وتنقصهم فعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٢) أخرجه الشيخان. وقد كان من أعظم أصول أهل السنة التي اجتمعت عليه كلمتهم محبة أصحاب رسول الله ﷺ وقرابته وأزواجه وما كانوا يعدون الطعن فيهم إلا علامة الزيغ والضلال. قال أبو زرعة: " إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق ". وقال الإمام أحمد: " إذا رأيت رجلًا يذكر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ (أي بسوء) فاتهمه على الإسلام ". فهذه بعض حقوق النبي ﷺ على أمته على سبيل الإيجاز والاختصار والله تعالى الهادي لنا ولإخواننا على تأديتها والعمل بها. [ثالثًا بيان أن رؤية النبي ﷺ في المنام حق] ثالثًا: بيان أن رؤية النبي ﷺ في المنام حق: دلت السنة على إمكانية رؤية النبي ﷺ في المنام وأن من رآه في المنام فقد رآه. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني. فإن

стр. 166

الشيطان لا يتمثل بي» (١) أخرجه مسلم. وفي لفظ آخر أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» (٢) قال البخاري قال ابن سيرين: " إذا رآه في صورته ". وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «من رآني في النوم فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي» (٣) رواه مسلم. فدلت الأحاديث على صحة رؤية النبي ﷺ في المنام وأن من رآه فرؤياه صحيحة لأن الشيطان لا يتصور في صورة رسول الله ﷺ على أنه ينبغي أن يتنبه إلى أن الرؤية الصحيحة لرسول الله ﷺ هو أن يُرى على صورته الحقيقية المعروفة من صفاته، وإلا فلا تكون الرؤية صحيحة ولذا قال ابن سيرين: " إذا رآه في صورته " كما تقدم النقل عنه من صحيح البخاري. ولذا أورد البخاري قول ابن سيرين بعد ذكر الحديث على سبيل التفسير لمعنى الرؤية في الحديث. ويشهد لهذا ما أخرجه الحاكم من طريق عاصم بن كليب: حدثني أبي قال: قلت لابن عباس رأيت النبي ﷺ في المنام. قال: صفه لي. قال: ذكرت الحسن بن علي فشبهته به. قال: إنه كان يشبهه (٤) . قال ابن حجر سنده جيد. وعن أيوب قال: " كان محمد - يعني ابن سيرين - إذا قص عليه رجل

стр. 167

أنه رأى النبي ﷺ قال: صف لي الذي رأيته. فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره " نقله ابن حجر في الفتح وقال: سنده صحيح. وأما قول النبي ﷺ : «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» ، فللعلماء في تفسير الرؤية في اليقظة أقوال أشهرها ثلاثة: الأول: أنها على التشبيه والتمثيل وقد دل على هذا ما جاء في رواية مسلم من حديث أبي هريرة وفيها: «فكأنما رآني في اليقظة» . الثاني: أنها خاصة بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه. الثالث: أنها تكون يوم القيامة. فيكون لمن رآه في المنام مزيد خصوصية على من لم يره في المنام. هذا والله تعالى أعلم.

стр. 168

[المبحث السابع ختم الرسالة وبيان أنه لا نبي بعده] المبحث السابع ختم الرسالة وبيان أنه لا نبي بعده تقدم الحديث عن هذه المسألة مع ذكر الأدلة عليها عند الحديث عن خصائص النبي ﷺ وأنه خاتم النبيين والحديث عن ختم الرسالة هنا هو من جانب آخر وهو أثر هذه العقيدة على دين المسلمين وثمرة تقريرها عليهم. فمن ثمار هذه العقيدة: ١ - استقرار التشريع وكمال الدين لدى الأمة وأثر ذلك الكبير في حياة الأمة ولذا امتن الله على هذه الأمة بذلك في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (المائدة: ٣) . وقد كان نزول هذه الآية على النبي ﷺ في حجة الوداع قبل وفاته بأشهر بعد أن أكمل الله له التشريع. ولذا كان اليهود يغبطون المسلمين على هذه الآية على ما أخرج الشيخان أن رجلا من اليهود جاء إلى عمر ﵁ فقال: (آية في كتابكم تقرؤوها لو نزلت علينا معشر يهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا) . قال وأي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (١) . وقد أبرز النبي ﷺ الحقيقة في صورة محسوسة وذلك بتشبيهه الرسالات قبله بقصر أكمل وأحسن بناؤه إلا موضع لبنة، فكانت بعثته موضع تلك اللبنة ختم بها البناء، وفي هذا تقرير ظاهر إلى أنه لم يبق مجال للزيادة في هذا الدين خاصة ولا الرسالات عامة كما أنه لا يمكن الزيادة في ذلك القصر بعد أن اكتمل بناؤه. وقد تقدم الحديث بنصه في المبحث السابق ضمن الحديث عن خصائص

стр. 169

النبي صلى الله علي وسلم فليراجع في موضعه (١) . ٢ - ثقة الأمة بعدم نسخ هذا الدين وشريعة محمد ﷺ ببعثه نبيا آخر " ومعنى ختم النبوة بنبوته ﵊ أنه لا تبتدأ نبوة ولا تشرع شريعة بعد نبوته وشرعته، وأما نزول عيسى ﵇ وكونه متصفا بنبوته السابقة فلا ينافي ذلك، على أن عيسى ﵇ إذا نزل إنما يتعبد بشريعة نبينا ﷺ دون شريعته المتقدمة لأنها منسوخة فلا يتعبد إلا بهذه الشريعة أصولا وفروعا ". ٣ - القطع بتكذيب كل مدع للنبوة بعده ﵊ دون نظر أو تأمل، وهذا من أبرز ثمرات الإيمان بعقيدة ختم النبوة التي تحصل بها العصمة للأمة من اتباع من ادعى النبوة من الدجالين الكذابين، ولهذا كان التنبيه على هذا الأمر العظيم هو من أعظم مقاصد النبي ﷺ في تقريره اعتقاد ختم النبوة به وذلك بإخباره عن خروج كذابين ثلاثين في هذه الأمة كلهم يدعي النبوة ثم تقريره أنه لا نبي بعده تحذيرا للأمة من تصديقهم واتباعهم. كما جاء هذا في حديث ثوبان ﷺ في الفتن مرفوعا للنبي ﷺ وفيه: (. . . «وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٢) . ٤ - ظهور فضل الأمراء والعلماء من هذه الأمة حيث جعل سياسة الأمة في الدين والدنيا لهم بخلاف بني إسرائيل فإنهم كانت تسوسهم الأنبياء. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: « (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء تكثر) . قالوا: فما

стр. 170

تأمرنا؟ قال: (فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) » (١) . فكان مقام الخلفاء في الأمة مقام الأنبياء في بني إسرائيل في سياسة الناس وقيادتهم. وفي حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (٢) . وواقع الأمة يشهد بهذا فلا يزال أمر الدين والدنيا محفوظا بالخلفاء والأمراء والعلماء الذين يسوسون الناس بالشرع، ولا يزال الله تعالى يجدد لهذه الأمة ما اندرس من معالم دينها على مر العصور والدهور بالأئمة المجددين الذين ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فدين الله بهم قائم غضا طريا على تطاول عهد البعثة وتقادم زمن الرسالة. وذلك فضل الله على هذه الأمة عامة ومن شرفه بهذا المقام خاصة. وعلى كل حال فعقيدة ختم النبوة وآثارها في الدين من أبرز خصائُص هذه الأمة التي أكسبتها قوة الإيمان بدينها وصدق اليقين به ورسوخ القدم في الثبات عليه، إلى أن يأتي أمر الله.

стр. 171

[المبحث الثامن الإسراء بالرسول ﷺ حقيقته وأدلته] المبحث الثامن الإسراء بالرسول ﷺ حقيقته وأدلته تعريف الإسراء لغة وشرعا: الإسراء في اللغة: من السرى وهو: سير الليل أو عامته. وقيل: سير الليل كله. ويقال: سريت، وأسريت. ومنه قول حسان: أسرت إليك ولم تكن تسري والإسراء إذا أطلق في الشرع يراد به: الإسراء برسول الله ﷺ من المسجد الحرام بمكة إلى بيت المقدس بإيليا ورجوعه من ليلته. حقيقة الإسراء وأدلته: والإسراء آية عظيمة أيد الله بها النبي ﷺ قبل الهجرة حيث أسري به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكبا على البراق بصحبة جبريل ﵇ حتى وصل بيت المقدس، فربط البراق بحلقة باب المسجد، ثم دخل المسجد وصلى فيه بالأنبياء إماما، ثم جاءه جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاختار اللبن على الخمر فقال له جبريل: هديت للفطرة. وقد دل على الإسراء الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (الإسراء: ١) .

стр. 172

ومن السنة حديث أنس بن مالك الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق ثابت البناني عن النبي ﷺ قال: «أتيت بالبراق " وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه " قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس. قال: فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن. فقال جبريل ﷺ : اخترت الفطرة» (١) . ثم ذكر بقية الحديث وعروجه إلى السماء. وقد دل على الإسراء برسول الله ﷺ عدة أحاديث منها ما جاء في الصحيحين ومنها ما جاء في السنن وغيرها وقد رواه عن رسول الله ﷺ ، جمع من الصحابة نحو الثلاثين رجلا ثم تناقلها عنهم مالا يحصي عدهم إلا الله من رواة السنة وأئمة الدين. وقد اتفقت كلمة علماء المسلمين سلفا وخلفا وانعقد إجماعهم على صحة الإسراء برسول الله ﷺ وأنه حق. نقل الإجماع على ذلك القاضي عياض في (الشفاء) والسفاريني في (لوامع الأنوار) . والإسراء كان بروح النبي ﷺ وجسده، يقظة لا مناما. فهذا هو الذي دلت عليه النصوص الصحيحة وعليه عامة الصحابة وأئمة أهل السنة والمحققين من أهل العلم. قال ابن أبي العز الحنفي: (وكان من حديث الإسراء: أنه أسري بجسده في اليقظة على الصحيح من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. .) . وقال القاضي عياض مقررا أن هذا هو الذي عليه عامة أهل العلم من الصحابة

стр. 173

فمن بعدهم: (وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة، وهذا هو الحق، وهو قول ابن عباس وجابر، وأنس، وحذيفة، وعمر، وأبي هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبي حبة البدري، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب، وابن شهاب، وابن زيد، والحسن، وإبراهيم، ومسروق، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريج، وهو دليل قول عائشة، وهو قول الطبري وابن حنبل وجماعة عظيمة من المسلمين، وقول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين) . وقال أحد المحققين الأفذاذ في نقده لقول من زعم أن الإسراء مرتان: (والصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة. ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا ثم يقول: (أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرا عشرا) . المعراج وحقيقته: الحديث عن المعراج هو قرين الحديث عن الإسراء في النصوص وكلام أهل العلم ولذا كان من المناسب التعريف به تتميما للفائدة. والمعراج: مفعال من العروج. أي الآلة التي يعرج فيها، أي يصعد. وهو منزلة السلم لكن لا نعلم كيفيته. والمقصود بالمعراج عند الإطلاق في الشرع: هو صعود النبي ﷺ بصحبة جبريل ﵇ من بيت المقدس

стр. 174

إلى السماء الدنيا ثم باقي السماوات إلى السماء السابعة ورؤية الأنبياء في السماوات على منازلهم وتسليمه عليهم وترحيبهم به، ثم صعوده إلى سدرة المنتهى، ورؤيته جبريل عندها على الصورة التي خلقه الله عليها، ثم فرض الله عليه الصلوات الخمس تلك الليلة وتكليم الله له بذلك ثم نزوله إلى الأرض. وكان المعراج ليلة الإسراء على الصحيح. وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على المعراج. أما الكتاب فقد جاء فيه ذكر بعض الآيات العظيمة التي حصلت للنبي ﷺ ليلة المعراج كقوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى - إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى - مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى - لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٢ - ١٨] (النجم: ١٢-١٨) . فذكر الله تعالى في هذا السياق الآيات العظيمة التي أكرم بها رسوله ﷺ ليلة المعراج كرؤيته جبريل ﵇ عند سدرة المنتهى، ورؤيته سدرة المنتهى وقد غشاها ما غشاها من أمر الله. قال ابن عباس ومسروق " غشيها فراش من ذهب ". وقد جاء في السنة خبر المعراج مفصلا في أكثر من حديث منها حديث أنس المتقدم في قصة الإسراء والذي سبق نقل ما يتعلق بالإسراء منه ثم قال النبي ﷺ : «ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير» . (ثم ذكر عروجه إلى السماوات وملاقاته الأنبياء إلى أن قال) : «ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، إذا ثمارها كالقلال. قال: فلما غشيها من الله ما

стр. 175

غشيها تغيرت. فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها. فأوحى الله إلي ما أوحى. ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﷺ . فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي. فقلت: يا رب خفف على أمتي. فحط عني خمسا. فرجعت إلى موسى. فقلت: حط عني خمسا. قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمد. إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة» . .) (١) الحديث. أخرجه مسلم وقد جاء خبر المعراج بألفاظ متقاربة من حديث مالك بن صعصعة وأبي ذر وابن عباس في الصحيحين وغيرهما. تنبيه: الإسراء والمعراج من الآيات العظيمة التي أكرم الله بها نبيه ﷺ والواجب على المسلم اعتقاد صحتهما وأنهما منقبتان عظيمتان اختص الله بهما نبينا ﷺ من بين الرسل ولا يشرع للمسلم الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج كما لا تشرع لهما صلاة خاصة كما يفعله بعض عوام المسلمين، بل كل ذلك بدع منكرة لم يشرعها النبي ﷺ ولم يفعلها أحد من السلف ولم يقل بها أحد ممن يقتدي به في العلم.

стр. 176

وقد بين العلماء من أهل السنة أن صلاة ليلة سبع وعشرين من شهر رجب وأمثالها: (من البدع التي أحدثت في دين الله، وأنه عمل غير مشروع باتفاق أئمة الإسلام ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع) . وقد قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) أي مردود عليه.

стр. 177

[المبحث التاسع القول في حياة الأنبياء ﵈] المبحث التاسع القول في حياة الأنبياء ﵈ دلت الأدلة على موت الأنبياء إلا ما وردت النصوص باستثنائه كعيسى ﵇ فإنه لم يمت بعد وإنما رفع إلى الله تعالى حيا على ما سيأتي بيانه. فمن الأدلة على موت الأنبياء قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣] (البقرة: ١٣٣) . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] (غافر: ٣٤) . وقال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤] (سبأ: ١٤) . وقال تعالى مخاطبا نبيه محمدا ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (الزمر: ٣٠) . قال بعض المفسرين نعيت للنبي ﷺ نفسه ونعيت إليهم أنفسهم ففي الآية الإعلام للصحابة بأنه يموت. وقال تعالى مخبرا عن موت كل نفس مخلوقة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (آل عمران: ١٨٥) . فدلت هذه الآيات على موت الأنبياء وأنهم يموتون كما يموت بقية البشر إلا ما أخبر به الله عن عيسى ﵇ من رفعه إليه كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] (آل عمران: ٥٥) . فدلت الآية على رفع الله تعالى لعيسى بجسده وروحه إلى السماء وأنه لم يمت، وأما الوفاة المذكورة في الآية في

стр. 178

قوله تعالى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] فقد جاء في تفسير الآية أن: " توفيه هو رفعه إليه "، وإلى ذلك ذهب ابن جرير الطبري. وأكثر المفسرين على أن الوفاة المذكورة هي النوم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] (الزمر: ٤٢) . فتقرر بهذا أن عيسى حي الآن في السماء لم يمت، وقد أخبر الله عن موته قبل قيام الساعة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] (النساء: ١٥٩) . والموت المذكور هنا هو موت عيسى ﵇ في آخر الزمان بعد أن ينزل من السماء فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة في نزول عيسى في آخر الزمان وقد جاءت تلك الأحاديث في الصحيحين وغيرهما. وممن قيل إنه لم يمت من الأنبياء إدريس ﵇، فقد ذكر بعض أهل العلم أنه لم يمت وإنما رفعه الله كما رفع عيسى ﵇ واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا - وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٦ - ٥٧] (مريم: ٥٦، ٥٧) . فعن مجاهد قال: إدريس رفع فلم يمت كما رفع عيسى. وعن ابن عباس قال: رفع إلى السماء فمات بها. وقال آخرون: رفع إلى السماء الرابعة والعلم في ذلك عند الله تعالى. وإنما القصد حصول الخلاف بين أهل العلم في موت إدريس من عدمه، هذا مع القطع بأنه إن لم يمت فلا بد أن يموت لعموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وأما ما عدا عيسى وإدريس ﵉ من الرسل فلم يقل أحد من أهل العلم المعتد بقولهم في الأمة بحياة أحد منهم لما تقدم من النصوص وللواقع المشاهد من موتهم. لكن جاء في بعض النصوص ما أشكَل فهمه

стр. 179

على البعض في هذا الباب مثل ما جاء عن النبي ﷺ في أحاديث المعراج من رؤيته لبعض الرسل في السماء وتكليمه لهم على ما جاء في حديث أنس الذي أخرجه الشيخان وفيه: «ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه. . قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه. قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما. فرحبا بي ودعوا لي بخير» (١) إلى آخر الحديث وقد ذكر فيه رؤيا يوسف في السماء الثالثة وإذا هو أعطي شطر الحسن ورؤياه إدريس في السماء الرابعة وهارون في السماء الخامسة وموسى في السماء السادسة ورؤيته إبراهيم في السماء السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور وأنهم كلهم رحبوا به ودعوا له بخير. ومثل ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوعا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس» . . .) (٢) الحديث. ففهم بعض الناس من هذه النصوص ومن غيرها مما يماثلها عدم موت الأنبياء فاستدلوا بها على ما اعتقدوه من حياة الأنبياء. والحق أن الأنبياء

стр. 180

ماتوا إلا ما وردت به النصوص في حق عيسى ﵇ وما اختلف فيه من أمر إدريس ﵇. وأما من عداهما فقد دلت النصوص على موتهم قطعا ولا شك في ذلك. وقد سبق نقل الأدلة عليه. وأما ما جاء في الأحاديث من إخبار الرسول ﷺ عن رؤية الرسل ليلة المعراج وما جاء في معناه من النصوص الأخرى فحق ولا تعارض بين النصوص في ذلك. وذلك أن الذي رآه الرسول ﷺ هي أرواح الرسل مصورة في صور أبدانهم، وأما أجسادهم فهي في الأرض إلا من جاءت النصوص برفعهم، وهذا هو الذي عليه الأئمة المحققون من أهل السنة. قال أحد الأئمة الراسخين في تحقيق هذه المسألة: (وأما رؤيته غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء لما رأى آدم في السماء الدنيا، ورأى يحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في الثالثة وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، أو بالعكس، فهذا رأي أرواحهم مصورة في صور أبدانهم. قد قال بعض الناس: لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور، وهذا ليس بشيء. لكن عيسى صعد إلى السماء بروحه وجسده، وكذلك قيل في إدريس. وأما إبراهيم وموسى، وغيرهما فهم مدفونون في الأرض) . وعلى أنه ينبغي أن يقرر هنا أن الله تعالى كما أكرم رسله برفع أرواحهم إلى السماء فهي تنعم على ما شاء الله فإنه حفظ أجسادهم في الأرض، وحرم على الأرض أن تأكل أجسادهم على ما ثبت ذلك من حديث أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» . فقالوا: يا
следующие страницы →