← Акыда

Акыда · id 30847

أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (272 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقد بين العلماء من أهل السنة أن صلاة ليلة سبع وعشرين من شهر رجب وأمثالها: (من البدع التي أحدثت في دين الله، وأنه عمل غير مشروع باتفاق أئمة الإسلام ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع) . وقد قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) أي مردود عليه.

стр. 177

[المبحث التاسع القول في حياة الأنبياء ﵈] المبحث التاسع القول في حياة الأنبياء ﵈ دلت الأدلة على موت الأنبياء إلا ما وردت النصوص باستثنائه كعيسى ﵇ فإنه لم يمت بعد وإنما رفع إلى الله تعالى حيا على ما سيأتي بيانه. فمن الأدلة على موت الأنبياء قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣] (البقرة: ١٣٣) . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] (غافر: ٣٤) . وقال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤] (سبأ: ١٤) . وقال تعالى مخاطبا نبيه محمدا ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (الزمر: ٣٠) . قال بعض المفسرين نعيت للنبي ﷺ نفسه ونعيت إليهم أنفسهم ففي الآية الإعلام للصحابة بأنه يموت. وقال تعالى مخبرا عن موت كل نفس مخلوقة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (آل عمران: ١٨٥) . فدلت هذه الآيات على موت الأنبياء وأنهم يموتون كما يموت بقية البشر إلا ما أخبر به الله عن عيسى ﵇ من رفعه إليه كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] (آل عمران: ٥٥) . فدلت الآية على رفع الله تعالى لعيسى بجسده وروحه إلى السماء وأنه لم يمت، وأما الوفاة المذكورة في الآية في

стр. 178

قوله تعالى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] فقد جاء في تفسير الآية أن: " توفيه هو رفعه إليه "، وإلى ذلك ذهب ابن جرير الطبري. وأكثر المفسرين على أن الوفاة المذكورة هي النوم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] (الزمر: ٤٢) . فتقرر بهذا أن عيسى حي الآن في السماء لم يمت، وقد أخبر الله عن موته قبل قيام الساعة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] (النساء: ١٥٩) . والموت المذكور هنا هو موت عيسى ﵇ في آخر الزمان بعد أن ينزل من السماء فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة في نزول عيسى في آخر الزمان وقد جاءت تلك الأحاديث في الصحيحين وغيرهما. وممن قيل إنه لم يمت من الأنبياء إدريس ﵇، فقد ذكر بعض أهل العلم أنه لم يمت وإنما رفعه الله كما رفع عيسى ﵇ واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا - وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٦ - ٥٧] (مريم: ٥٦، ٥٧) . فعن مجاهد قال: إدريس رفع فلم يمت كما رفع عيسى. وعن ابن عباس قال: رفع إلى السماء فمات بها. وقال آخرون: رفع إلى السماء الرابعة والعلم في ذلك عند الله تعالى. وإنما القصد حصول الخلاف بين أهل العلم في موت إدريس من عدمه، هذا مع القطع بأنه إن لم يمت فلا بد أن يموت لعموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وأما ما عدا عيسى وإدريس ﵉ من الرسل فلم يقل أحد من أهل العلم المعتد بقولهم في الأمة بحياة أحد منهم لما تقدم من النصوص وللواقع المشاهد من موتهم. لكن جاء في بعض النصوص ما أشكَل فهمه

стр. 179

على البعض في هذا الباب مثل ما جاء عن النبي ﷺ في أحاديث المعراج من رؤيته لبعض الرسل في السماء وتكليمه لهم على ما جاء في حديث أنس الذي أخرجه الشيخان وفيه: «ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه. . قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه. قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما. فرحبا بي ودعوا لي بخير» (١) إلى آخر الحديث وقد ذكر فيه رؤيا يوسف في السماء الثالثة وإذا هو أعطي شطر الحسن ورؤياه إدريس في السماء الرابعة وهارون في السماء الخامسة وموسى في السماء السادسة ورؤيته إبراهيم في السماء السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور وأنهم كلهم رحبوا به ودعوا له بخير. ومثل ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوعا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس» . . .) (٢) الحديث. ففهم بعض الناس من هذه النصوص ومن غيرها مما يماثلها عدم موت الأنبياء فاستدلوا بها على ما اعتقدوه من حياة الأنبياء. والحق أن الأنبياء

стр. 180

ماتوا إلا ما وردت به النصوص في حق عيسى ﵇ وما اختلف فيه من أمر إدريس ﵇. وأما من عداهما فقد دلت النصوص على موتهم قطعا ولا شك في ذلك. وقد سبق نقل الأدلة عليه. وأما ما جاء في الأحاديث من إخبار الرسول ﷺ عن رؤية الرسل ليلة المعراج وما جاء في معناه من النصوص الأخرى فحق ولا تعارض بين النصوص في ذلك. وذلك أن الذي رآه الرسول ﷺ هي أرواح الرسل مصورة في صور أبدانهم، وأما أجسادهم فهي في الأرض إلا من جاءت النصوص برفعهم، وهذا هو الذي عليه الأئمة المحققون من أهل السنة. قال أحد الأئمة الراسخين في تحقيق هذه المسألة: (وأما رؤيته غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء لما رأى آدم في السماء الدنيا، ورأى يحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في الثالثة وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، أو بالعكس، فهذا رأي أرواحهم مصورة في صور أبدانهم. قد قال بعض الناس: لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور، وهذا ليس بشيء. لكن عيسى صعد إلى السماء بروحه وجسده، وكذلك قيل في إدريس. وأما إبراهيم وموسى، وغيرهما فهم مدفونون في الأرض) . وعلى أنه ينبغي أن يقرر هنا أن الله تعالى كما أكرم رسله برفع أرواحهم إلى السماء فهي تنعم على ما شاء الله فإنه حفظ أجسادهم في الأرض، وحرم على الأرض أن تأكل أجسادهم على ما ثبت ذلك من حديث أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» . فقالوا: يا

стр. 181

رسول الله. وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: يقول: بليت. قال: «إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء» (١) . وبهذا يتبين الحق في هذه المسألة المهمة وما يجب على المسلم اعتقاده فيها والله تعالى أعلم.

стр. 182

[المبحث العاشر معجزات الأنبياء والفرق بينها وبين كرامات الأولياء] المبحث العاشر معجزات الأنبياء والفرق بينها وبين كرامات الأولياء التعريف بالمعجزة: المعجزة: مأخوذة من العجز. وهو عدم القدرة. جاء في القاموس: ومعجزة النبي ﷺ ما أعجز به الخصم عند التحدي والهاء للمبالغة. والمعجزة في الاصطلاح: أمر خارق للعادة يجري على أيديَ الأنبياء للدلالة على صدقهم مع سلامة المعارضة. فقولنا: خارق للعادة: أخرج ما ليس بخارق للعادة مثل ما يصدر من الأنبياء من الأفعال والأحوال الطبيعية فهي ليست بمعجزات. وقولنا: يجري على أيدي الأنبياء: أخرج الأمور الخارقة التي تجري على أيدي الأولياء فهي ليست بمعجزات وإنما هي كرامات، لمتابعتهم للأنبياء ويخرج من باب أولى ما يأتي به السحرة والكهان من الشعبذة فهذه لا تصدر إلا من شرار الخلق. وقولنا للدلالة على صدقهم مع سلامة المعارضة: أخرج ما يدعيه المتنبئون الكذابون من الأمور الخارقة وكذلك السحرة فإنها لا تسلم من المعارضة بل يعارضها أمثالهم من السحرة لأنها من قبيل السحر والشعبذة. أمثلة لبعض معجزات الأنبياء: ومعجزات الأنبياء كثيرة: فمن معجزات صالح ﵇ أن قومه طلبوا منه أن يخرج لهم من

стр. 183

صخرة عينوها له ناقة ثم حددوا صفات الناقة فدعا ربه بذلك فأمر الله تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة على الوجه الذي طلبوا (١) . يقول الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] (الأعراف: ٧٣) . ومن معجزات إبراهيم ﵇ جعل الله النار التي أشعلها قومه لتعذيبه وإهلاكه ثم ألقوه فيها بردا وسلاما عليه. قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ - قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ - وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠] (الأنبياء: ٦٨- ٧٠) . ومن معجزات موسى ﵇ العصا التي كانت تتحول إلى حية عظيمة إذا ألقاها إلى الأرض. قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى - قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى - قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى - فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى - قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ١٧ - ٢١] (طه: ١٧- ٢١) . ومن معجزات موسى أيضا أنه كان يدخل يده في درع قميصه ثم يخرجها فإذا هي بيضاء تتلألأ كالقمر من غير سوء. قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٢٢] (طه: ٢٢) . ومن معجزات عيسى ﵇ أنه يصنع من الطين ما يشبه الطيور ثم

стр. 184

ينفخ فيها فتكون طيورا بإذن الله، ويمسح الأكمه -وهو الأعمى- والأبرص فيبرآن بإذن الله، وينادي الموتى في قبورهم فيجيبون بإذن الله. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] (المائدة: ١١٠) . ومن معجزات نبينا ﷺ القرآن العظيم وهو أعظم معجزات الرسل على الإطلاق. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] (البقرة: ٢٣) . وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (الإسراء: ٨٨) . ومن معجزاته ﷺ انشقاق القمر عندما سأل أهل مكة النبي ﷺ آية فانشق القمر شقين فرآه أهل مكة ورآه غيرهم. قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] (القمر: ١، ٢) . ومن معجزاته ﵊ الإسراء والمعراج. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] (الإسراء: ١) . ومعجزات الرسل كثيرة خصوصا معجزات نبينا محمد ﷺ فإن الله أيده بكثير من الآيات والبراهين التي لم تجتمع لنبي قبله وما سقته هنا إنما هو للتمثيل فقط.

стр. 185

التعريف بالكرامة: الكرامة: أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا هو مقدمة لها تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح. فقولنا: أمر خارق للعادة: أخرج ما كان على وفق العادة من أعمال. وغير مقرون بدعوى النبوة: أخرج معجزات الأنبياء. ولا هو مقدمة لها: أخرج الإرهاص وهو كل خارق تقَدم النبوة. ويظهر على يد عبد ظاهر الصلاح. .: أخرج ما يجري على أيدي السحرة والكهان فهو سحر وشعبذة. وكرامات الأولياء كثيرة منها ما ثبت في حق بعض الصالحين من الأمم الماضية. ومن ذلك ما أخبر الله به عن مريم ﵍. قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧] (آل عمران: ٣٧) . ومنها: ما أخبر الله به عن أهل الكهف على ما قص الله ذلك في كتابه. ومن كرامات الأولياء من هذه الأمة ما ثبت في حق أسيد بن حضير ﵁ أنه كان يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج وهي الملائكة نزلت لقراءته. وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين ﵁. وكان سلمان وأبو الدرداء ﵄ يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها. وخبيب بن عدي ﵁ كان أسيرا عند المشركَين بمكة شرفها الله تعالى وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة.

стр. 186

ومر العلاء الحضرمي ﵁ بجيشه فوق البحر على خيولهم فما ابتلت سروج خيولهم. ووقع أبو مسلم الخولاني ﵀ في أسر الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه يصلي فيها وقد صارت بردا وسلاما، وغير ذلك كثير مما هو منقول في كتب السير والتاريخ. الفرق بين المعجزة والكرامة: الفرق بين المعجزة والكرامة: أن المعجزة تكون مقرونة بدعوى النبوة. بخلاف الكرامة فإن صاحبها لا يدعي النبوة وإنما حصلت له الكرامة باتباعَ النبي والاستقامة على شرعه. فالمعجزة للنبي والكرامة للولي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة. وذهب بعض الأئمة من العلماء: إلى أن كرامات الأولياء في الحقيقة تدخل في معجزات الأنبياء لأن الكرامات إنما حصلت للولي باتباع الرسول، فكل كرامة لولي هي من معجزات رسوله الذي يعبد الله بشرعه. ومن هذا يتبين أن إطلاق المعجزة على خوارق الأنبياء والكرامة على خوارق الأولياء معنيان اصطلاحيان ليسا موجودين في الكتاب والسنة وإنما اصطلح عليهما العلماء فيما بعد وإن كانا في مدلولهما يرجعان إلى ما تقرر في النصوص من الحق.

стр. 187

حكم الإيمان بالمعجزات والكرامات: الإيمان بمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء أصل من أصول الإيمان دلت عليه نصوص الكتاب والسنة والواقع المشاهد فيجب على المسلم اعتقاد صحة ذلك وأنه حق. وإلا فالتكذيب بذلك أو إنكار شيء منه رد للنصوص ومصادمة للواقع وانحراف كبير عما كان عليه أئمة الدين وعلماء المسلمين في هذا الباب. والله تعالى أعلم.

стр. 188

[المبحث الحادي عشر الولي والولاية في الإسلام] المبحث الحادي عشر الولي والولاية في الإسلام تعريف الولي والولاية: الولاية: ضد العداوة. وأصل الولاية: المحبة والقَرب. وأصل العداوة: البغض والبعد. والولاية في الاصطلاح: هي القرب من الله بطاعته. والولي في الشرع: هو من اجتمع فيه وصفان: الإيمان والتقوى. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣] (يونس: ٦٢، ٦٣) . تفاضل الأولياء: وإذا كان أولياء الله هم المؤمنون المتقون فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى فمن كان أكمل إيمانا وتقوى كان أكمل ولاية لله. فالناس يتفاضلون في ولاية الله بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى. وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ وأفضل أولي العزم محمد ﷺ على ما تقدم ذلك في موضعه - ثم إبراهيم ﵇. ثم اختلف الناس في المفاضلة بين الثلاثة الباقين.

стр. 189

أقسام أولياء الله: وأولياء الله على قسمين: القسم الأول: سابقون مقربون. القسم الثاني: أصحاب يمين مقتصدون. وقد ذكرهم الله تعالى في عدة مواضع من كتابه. قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ - لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ - خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ - إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا - وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا - فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا - وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً - فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ - وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ - وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١ - ١٢] (الواقعة: ١- ١٢) . فذكر ثلاثة أصناف. صنفا في النار وهم أصحاب الشمال وصنفين في الجنة وهما: أصحاب يمين وسابقون مقربون. وقد ذكرهما أيضا في آخر هذه السورة وهي سورة الواقعة فقال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ - فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ - فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩١] (الواقعة: ٨٨- ٩١) . وقد ذكر النبي ﷺ عمل القسمين في حديث الأولياء المشهور وهو حديث قدسي يرويه النبي ﷺ عن ربه وقد أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذيَ يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها

стр. 190

ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه» (١) . فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه تعالى بالفرائض، يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرم الله عليهم، ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات ولا الكف عن فضول المباحات. وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه تعالى بالنوافل بعد الفرائض ففعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات فلما تقربوا إلى الله بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبهم الرب حبا تاما وعصمهم من الذنوب واستجاب دعاءهم كما قال تعالى: «ولا يزال عبديَ يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» . .) إلى آخر ما ذكر في الحديث. لا يختص أولياء الله بلباس ولا هيئة: وأولياء الله لا يتميزون عن غيرهم من الناس في الظاهر بلباس ولا بهيئة على ما هو مقرر عند أهل العلم والتحقيق من أهل السنة. قال بعض الأئمة المصنفين في الأولياء: (وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان مباحا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ضفره إذا كان مباحا. كما قيل كم من صديق في قباء، وكم من زنديق في عباء، بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد ﷺ إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن، وأهل العلم، يوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجارة والصناع والزراع) .

стр. 191

بطلان ما قد يعتقد فيهم من الغلو: وأولياء الله ليسوا معصومين ولا يعلمون الغيب وليس لهم قدرة على التصرف في الخلق والرزق ولا يدعون الناس إلى تعظيمهم أو صرف شيء من الأموال والعطايا لهم ومن فعل ذلك فليس بولي لله بل كذاب أفاك ولي للشيطان. والله تعالى أعلم.

стр. 192

[الفصل الرابع الإيمان باليوم الآخر] [المبحث الأول أشراط الساعة وأنواعها] الفصل الرابع: الإيمان باليوم الآخر وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أشراط الساعة وأنواعها. المبحث الثاني: نعيم القبر وعذابه. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الإيمان بنعيم القبر وعذابه وأدلة ذلك. المطلب الثاني: وقوعه على الروح والجسد معا. المطلب الثالث: الإيمان بالملكين منكر ونكير. المبحث الثالث: الإيمان بالبعث. وفيه مطالب: المطلب الأول: معنى البعث وحقيقته. المطلب الثاني: أدلة البعث من الكتاب والسنة والنظر. المطلب الثالث: الحوض صفته وأدلته. المطلب الرابع: الميزان صفته وأدلته. المطلب الخامس: الشفاعة تعريفها وأنواعها وأدلتها. المطلب السادس: الصراط صفته وأدلته. المطلب السابع: الجنة والنار صفتهما وكيفية الإيمان بهما وأدلة ذلك.

стр. 193

المبحث الأول: أشراط الساعة وأنواعها تعريف أشراط الساعة: الأشراط: جمع شرط وهو: العلامة. وقيل أشراط الشيء: أوائله. جاء في لسان العرب: والاشتقاقان متقاربان لأن علامة الشيء أوله. والساعة: جزء من أجزاء الزمن، ويعبر به عن القيامة. قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] (الزخرف: ٨٥) . والساعة من أشهر أسماء يوم القيامة في النصوص الشرعية وكلام الناس، وسمي ذلك اليوم بالساعة: لأنه يأتي بغتة فيفاجأ الناس في ساعة. وأشراط الساعة: علاماتها وأماراتها التي تقع قبل قيامها. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] (محمد: ١٨) . أقسام أشراط الساعة: أشراط الساعة وأماراتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأمارات البعيدة: وهي التي ظهرت وانقضت. منها بعثة الرسول ﷺ على ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين. وضم السبابة والوسطى» (١) .

стр. 194

ومنها انشقاق القمر على ما أخبر الله في كتابه، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] (القمر: ١) . ومنها خروج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى على ما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» (١) . وقد خرجت هذه النار على ما أخبر النبي ﷺ في مستهل جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة وكان خروجها من شرقي المدينة النبوية وسالت بسببها أودية من نار وارتاع الناس منها ورأى ضوءها أهل الشام ورأى أهل بصرى - وهي إحدى قرى دمشق-، أعناق الإبل في ضوئها كما أخبر النبي ﷺ . القسم الثاني: الأمارات المتوسطة: وهي التي ظهرت ولم تنقض بل تتزايد وتكثر وهي كثيرة جدا. منها أن تلد الأمة ربتها (٢) وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان على ما جاء في حديث جبريل المشهور الذي أخرجه مسلم وقد تقدم في الفصل الأول من هذا الباب وفيه: «قال فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (٣) .

стр. 195

ومنها خروج دجالين ثلاثين يدعون النبوة كما جاء في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله» (١) . وفي سنن أبي داود والترمذي من حديث ثوبان عن النبي ﷺ : «وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٢) . ومنها انحسار الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه على ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة تسعون ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو» (٣) وهذه العلامة لم تقع بعد. القسم الثالث: العلامات الكبرى: وهي التي تعقبها الساعة إذا ظهرت. وهي عشر علامات ولم يظهر منها شيء. روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن أسيد قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من

стр. 196

اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (١) . وجاء في بعض الأحاديث الأخرى ذكر المهدي، وهدم الكعبة، ورفع القرآن من الأرض على ما سيأتي ذكر الأحاديث في ذلك. والذي عليه أكثر المحققين من أهل العلم أن العلامات العشر العظمى هي هذه الثلاث وما ذكر في حديث حذيفة بن أسيد سوى الخسوف فإنها وإن كانت من علامات الساعة بلا شك كما هو نص الحديث إلا أنها تقع قبل العشر العظمى، وهي مقدمة لها، ويشهد لهذا ما جاء في رواية أخرى من حديث حذيفة بن أسيد وقد خرجها مسلم أيضا وفيها تقديم الخسوف في الذكر على غيرها من العلامات حيث قال ﷺ : «إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال» . .) (٢) ثم ذكر بقية العلامات. قال القرطبي: (فأول الآيات على ما في هذه الرواية الخسوفات الثلاثة وقد وقع بعضها في زمن النبي ﷺ ذكره ابن وهب. . .) . وفيما يلي عرض لهذه العلامات العشر مفصلة بأدلتها: العلامة الأولى: خروج المهدي: وهو رجل من أهل البيت من ولد الحسن بن علي ﵄ يخرج وقد ملئت الأرض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا يوافق اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أب النبي ﷺ على ما روى أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي

стр. 197

يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما» (١) . العلامة الثانية: ظهور المسيح الدجال: وهو رجل من بني آدم يخرج في آخر الزمان فيفتن به كثير من الخلق، يجري الله على يديه بعض الأعمال الخارقة، ويدعي الربوبية ولا يروج باطله على المؤمن ويدخل الأمصار كلها إلا مكة والمدينة، ومعه نار وجنة فناره جنة وجنته نار. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على خروجه، منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه» . . .) (٢) الحديث. وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: «إني أنذركموه وما من نبي إلا قد أنذره قومه لقد أنذره نوح قومه ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور» (٣) . العلامة الثالثة: نزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء إلى الأرض حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقضي على الدجال كما دلت على ذلك النصوص من الكتاب والسنة. أما الكتاب فيقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] (الزخرف: ٦١) ، وقد استدل بهذه الآية على

стр. 198

نزول عيسى كثير من المفسرين وينقل هذا عن ابن عباس على ما أخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية قال: «هو خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة» (١) . كما دلت على نزول عيسى ﵇ الأحاديث الصحيحة: ففيِ الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» (٢) . العلامة الرابعة: خروج يأجوج ومأجوج: وهم خلق كثير لا يدين لأحد بقتالهم قيل إنهم من ولد يافث من ولد نوح ﵇ وقد دل على خروجهم الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ - وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧] (الأنبياء: ٩٦، ٩٧) . وأخرج الشيخان عن زينب بنت جحش ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها يوما فزعا يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها» . . ") (٣) الحديث. العلامة الخامسة: هدم الكعبة وسلب حليها على يد ذي السويقتين من الحبشة كما صحت بذلك السنة. فقد أخرج الشيِخان من حديث أبي

стр. 199

هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» (١) . وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليها ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله» (٢) . العلامة السادسة: الدخان: وهو انبعاث دخان عظيم من السماء يغشى الناس ويعمهم، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ - يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١] (الدخان: ١٠، ١١) . ومن السنة حديث حذيفة بن أسيد المتقدم عن النبي ﷺ أنه قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة» (٣) الحديث. العلامة السابعة: رفع القرآن من الأرض إلى السماء فلا يبقى منه آية في سطر ولا صدر إلا رفعت. وقد دلت على ذلك السنة فقد أخرج ابن ماجه والحاكم من حديث حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك، وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية» . . .) (٤) . العلامة الثامنة: طلوع الشمس من مغربها. وقد دلت على هذه الآية

стр. 200

النصوص من الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] (الأنعام: ١٥٨) . فقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن بعض آيات ربك، هي طلوع الشمس من مغربها. قال الطبري بعد ذكره أقوال المفسرين في الآية: (وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال ذلك حين تطلع الشمس من مغربها) (١) وروى الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا» (٢) . العلامة التاسعة: خروج الدابة: وهي مخلوق عظيم قيل إن طولها ستون ذراعًا ذات قوائم ووبر، وقيل هي مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات وقد دل الكتاب والسنة على خروجها قبل قيام الساعة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] (النمل: ٨٢) . وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللهّ ﷺ : (ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض) (٣) . وأخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ثم يغمرون فيكم حتى يشتري

стр. 201

الرجل البعير فيقول ممن اشتريته فيقول: من أحد المخطمين» (١) وقد صحح سند الحديث الهيثمي وغيره من المحدثين. العلامة العاشرة: خروج نار عظيمة تخرج من عدن تحشر الناس إلى محشرهم وهي آخر العلامات العظام. وقد دلت على هذه العلامة السنة كما جاء في حديث حذيفة بن أسيد المتقدم والذي أخرجه مسلم وفيه: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٢) . وفي رواية من حديث حذيفة «ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس» . فهذه الأمارات أعظم أشراط الساعة التي تقع قبل قيامها فإذا انقضت قامت الساعة بإذن الله تعالى وقد ورد أن هذه الأمارات متتابعة كتتابع الخرز في النظام فإذا ظهرت إحداها تبعتها الأخرى. روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خروج الآيات بعضها على إثر بعض، يتتابعن كما تتابع الخرز في النظام» (٣) .

стр. 202

[المبحث الثاني نعيم القبر وعذابه] [المطلب الأول الإيمان بنعيم القبر وعذابه وأدلة ذلك] المبحث الثاني: نعيم القبر وعذابه وبحث هذا الموضوع يتم من خلال ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الإيمان بنعيم القبر وعذابه وأدلة ذلك: الإيمان بنعيم القبر لأهل الطاعة وبعذاب القبر لمن كان مستحقا له من أهل المعصية والفجور من أصول الإيمان التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب على نعيم القبر قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (إبراهيم: ٢٧) ، فدلت الآية على تثبيت الله تعالى للمؤمنين عند السؤال في القبر وما يتبع ذلك من النعيم. أخرج البخاري من حديث البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أقعد المؤمن في قبره أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] » (١) . ودليل عذاب القبر من القرآن قول الله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ - النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦] (غافر: ٤٥، ٤٦) ، قال القرطبي: (الجمهور على أن

стр. 203

هذا العرض يكون في البرزخ وهو حجة في تثبيت عذاب القبر) . وقال الحافظ ابن كثير: (وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور) (١) . كما دل على عذاب القبر من القرآن أيضا قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] (التوبة: ١٠١) ، فقد استدل بها كثير من السلف على عذاب القبر، فعن مجاهد أنه قال في تفسير الآية: (بالجوع وعذاب القبر، قال: " ثم يردون إلى عذاب عظيم " يوم القيامة) . وعن قتادة قال: (عذاب الدنيا وعذاب القبر ثم يردون إلى عذاب عظيم) ، وقد استدل بهذه الآية والتي قبلها على عذاب القبر الإمام البخاري في ترجمته للأحاديث في عذاب القبر (٢) . وأما ما جاء في السنة من الأدلة على نعيم القبر وعذابه فكثير جدا من ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (٣) . وفي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر» (٤) . والأدلة على هذا كثيرة من الكتاب والسنة وقد ذكرت ما يستدل به في إثبات عذاب القبر ونعيمه، والله أعلم.

стр. 204

[المطلب الثاني وقوع نعيم القبر وعذابه على الروح والجسد معا] المطلب الثاني: وقوع نعيم القبر وعذابه على الروح والجسد معا: نعيم القبر وعذابه يكون للروح والبدن جميعا، فتنعم الروح أو تعذب متصلة بالبدن فيكون النعيم والعذاب عليهما جميعا كما أنه قد تنعم الروح أو تعذب أحيانا منفصلة عن البدن، فيكون النعيم أو العذاب للروح منفردا عن البدن. وقد دلت على هذا النصوص وعليه اتفق أهل السنة والجماعة، خلافا لمن زعم أن عذاب القبر ونعيمه يكون للروح فقط على كل حال ولا يتعلق بالبدن. فمن الأدلة على ذلك حديث أنس بن مالك الذي أخرجه البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل (لمحمد ﷺ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا. وأما المنافق والكافر فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» (١) . وفي حديث البراء بن عازب الطويل الذي أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم مرفوعا للنبي ﷺ قال بعد أن ذكر خروج الروح وصعود روح المؤمن إلى السماء: «فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان

стр. 205

فيجلسانه فيقولان له من ربك» (١) الحديث، وقد صحح هذا الحديث الحاكم وغيره. فدل الحديثان على وقوع النعيم أو العذاب في القبر على الروح والجسد جميعا ففي قول النبي ﷺ : «إن العبد إذا وضع في القبر» دلالة ظاهرة على هذا إذ لفظ (العبد) مسمى للروح والجسد جميعا، وكذلك تصريحه بإعادة الروح إلى الجسد عند السؤال كما في حديث البراء بن عازب هذا مع ما جاء في الحديثين من الألفاظ التي هي من صفات الجسد كقوله: «يسمع قرع نعالهم» (فيقعدانه) ، «ويضرب بمطارق من حديد» «فيصيح صيحة» ، فإن هذا كله يفيد أن ما يحصل في القبر من النعيم أو العذاب متعلق بالروح والجسد جميعهما. هذا مع أنه قد جاء في بعض النصوص ما يفيد أن النعيم أو العذاب قد يقع على الروح منفردة في بعض الأحوال على ما جاء في حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لما أصيب إخوانكم يعني يوم أحد - جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش» (٢) . فتلخص من هذا أن النعيم والعذاب يقع على الروح والجسد جميعا في القبر وقد تنفرد الروح بهذا أحيانا. قال بعض الأئمة المحققين في السنة في تقرير هذه المسألة: (والعذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن

стр. 206

والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعتين كما يكون للروح منفردة عن البدن) . [المطلب الثالث الإيمان بالملكين منكر ونكير] المطلب الثالث: الإيمان بالملكين منكر ونكير: تقدم في مبحث الملائكة ذكر منكر ونكير وأنهما الملكان الموكلان بسؤال الميت في قبره في معرض الحديث عن وظائف الملائكة. والقصد هنا تقرير الإيمان بهما إيمانا مفصلا وما يحصل منهما من فتنة المقبورين إذ تقرير هذا هنا فرع عن الإيمان بنعيم القبر وعذابه في الجملة. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على وصف هذين الملكين وسؤالهما أهل القبور بعد الدفن كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قبر الميت أو قال أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل، فيقول: ما كان يقول هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ذرعا في سبعين. . وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري: فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (١) . وقد دل على سؤال الملكين أيضا حديث أنس المتقدم في المطلب السابق.

стр. 207

فيجب الإيمان بما دلت عليه الأحاديث من اسم الملكين ووصفهما وسؤالهما المقبورين وكيفية ذلك وما يجيب به المؤمن وما يجيب به المنافق وما يعقب ذلك من النعيم أو العذاب على التفصيل الذي جاءت به الأحاديث. وقد اختلف العلماء هل السؤال في القبر خاص بهذه الأمة كما ذهب لذلك البعض أم أنه عام في كل الأمم كما هو قول فريق آخر من أهل العلم، والذي يظهر من النصوص عدم اختصاص هذه الأمة به بل هو عام في كل الأمم وعلى هذا أكثر المحققين من أهل العلم والله تعالى أعلم.

стр. 208

[المبحث الثالث الإيمان بالبعث] [المطلب الأول معنى البعث وحقيقته] المبحث الثالث: الإيمان بالبعث الإيمان بالبعث من أعظم أصول الإيمان في هذا الدين وهو مشتمل على جوانب متعددة مما دلت عليه النصوص في هذا الباب، وسيكون بحثه هنا من خلال عدة مطالب تجلي حقيقته وتبرز أهمية الإيمان به وما يجب على المؤمن أن يؤمن به من أحواله وأحداثه: المطلب الأول: معنى البعث وحقيقته: البعث في كلام العرب يأتي على وجهين: أحدهما: الإرسال، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى﴾ [الأعراف: ١٠٣] (الأعراف: ١٠٣) ، أي: أرسلنا. والثاني: الإثارة والتحريك، تقول بعثت البعير فانبعث أي أثرته فثار، ومنه بعث الموتى وذلك بإحيائهم وإخراجهم من قبورهم. قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] الآية (البقرة: ٥٦) ، أي: أحييناكم. والبعث في الشرع: هو إحياء الله للموتى وإخراجهم من قبورهم. وحقيقة البعث: أن الله تعالى يجمع أجساد المقبورين التي تحللت ويعيدها بقدرته كما كانت ثم يعيد الأرواح إليها ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] (يس: ٧٨، ٧٩) .

стр. 209

وعن حذيفة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن رجلًا حضره الموت لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا ثم أوروا نارًا حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها فذروني في اليم في يوم حار أو راح فجمعه الله فقال: لم فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له» (١) . فدلت الآية والأحاديث على أن الله تعالى يعيد الأجساد نفسها ويجمع رفاتها المتحلل حتى تعود كما كانت فيعيد إليها أرواحها فسبحان من لا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير. وقد جاء في السنة بيان كيفية البعث وأن الله ينزل إلى الأرض ماءً فينبت به أهل القبور كما ينبت العشب وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة الذي أخرجه الشيخان «أن رسول الله ﷺ قال: (ما بين النفختين أربعون) قال: أربعون يومًا. قال: أبَيْت، قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: (ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة» (٢) . فقد دل هذا الحديث على كيفية البعث وأن أهل القبور يبقون في قبورهم أربعين بين النفختين وهما نفخة الإماتة ونفخة البعث ولم يجزم الراوي بتحديد الأربعين ما هي وهل المراد أربعون يومًا أو شهرًا أو سنة على أنه جاء في بعض الروايات أنها أربعون سنة. ثم إذا أراد الله بعث الخلائق أنزل مطرًا من السماء. جاء في

стр. 210

بعض الروايات أنه مثل مني الرجال فينبت أهل القبور من ذلك الماء كما ينبت العشب بعد أن فتت أجسادهم إلا عجب الذنب وهذا بخلاف الأنبياء فإن أجسادهم لا تبلى كما تقدم تقريره فتبين بهذا حقيقة البعث ووقته وكيفيته والله أعلم. [المطلب الثاني أدلة البعث من الكتاب والسنة والنظر] المطلب الثاني: أدلة البعث من الكتاب والسنة والنظر: دَلّ الكتابُ والسنة على بعث الله تعالى للأموات وجاء تقريره في مواطن كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] (البقرة: ٥٦) ، وقوله : ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] (لقمان: ٢٨) ، وقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] (التغابن: ٧) . ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تفضلوا بين أنبياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله قال: ثم ينفخ فيه مرة أخرى فأكون أول من بعث أو في أول من بعث فإذا موسى آخذ بالعرش» . .) (١) . وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الصحيحين: «فأكون أول من تنشق عنه الأرض» (٢) . فدل الحديثان على بعث الله تعالى للأموات يوم القيامة من

стр. 211

قبورهم إلى أرض المحشر وفيهما فضيلة للنبي ﷺ لكونه أول من يبعث. كما دل النظر الصحيح على تقرير البعث وذلك أن البعث هو إعادة للخلق ومعلوم لكل عاقل أن الإعادة للشيء أهون من إنشائه وابتدائه ولهذا قال الله تعالى في كتابه مقررًا للبعث ووقوعه بإبداء خلق الإنسان ونشأته الأولى وبأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى، فقال المعترض على البعث كما حكى الله عنه: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] (يس: ٧٨) ، قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] (يس: ٧٩) ، وقال تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] (الروم: ٢٧) . فهذا دليل شرعي عقلي من كتاب الله للرد على كل معاند مكذب بالبعث، وهو دليل لا يستطيع رده. [المطلب الثالث الحشر] المطلب الثالث: الحشر: دلت النصوص على حشر العباد بعد بعثهم إلى أرض المحشر حفاة عراة غرلا قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] (الكهف: ٤٧) ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] (إبراهيم: ٤٨) . وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلا (١)) قلت: يا رسول الله! النساء والرجال جميعًا، ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال ﷺ : (يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر

стр. 212

بعضهم إلى بعض» (١) . وهذا الحشر عام لجميع الخلائق. وقد دلت النصوص أن هناك حشرا آخر إما في الجنة وإما في النار فيحشر المؤمنون إلى الجنة وفدا والوفد هم القائمون الركبان. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] (مريم: ٨٥) . أخرج الطبري عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] قال: (أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقا ولكنهم يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة) (٢) . وأما الكفار فإنهم يحشرون إلى النار على وجوههم عميا وبكما وصما. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤] (الفرقان: ٣٤) . قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] (الإسراء: ٩٧) . [المطلب الرابع الحوض صفته وأدلته] المطلب الرابع: الحوض، صفته وأدلته: الحوض مورد عظيم أعطاه الله لنبينا محمد ﷺ في المحشر يرده هو وأمته. جاء وصفه في النصوص أنه أشد بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحا من المسك، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر، يمد ماؤه من الجنة، فيه ميزابان

стр. 213

يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من فضة، وآنيته كعدد نجوم السماء. وقد دل على ثبوت الحوض وأنه حق كثير من الأحاديث الصحيحة ذكر بعض المحققين أنها تبلغ حد التواتر ورواها عن النبي ﷺ بضعة وثلاثون صحابيًّا. منها حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء» (١) . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء من يشرب منها فلا يظمأ أبدًا» (٢) . والحوض يكون في أرض المحشر ويمد ماؤه من الكوثر وهو نهر آخر أعطاه الله لنبينا ﷺ في الجنة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] (الكوثر: ١) . وقد اختلف أهل العلم في الميزان والحوض أيهما يكون قبل الآخر فقيل الميزان قبل، وقيل: الحوض. والصحيح أن الحوض قبل. قال القرطبي: والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم. [المطلب الخامس الميزان صفته وأدلته] المطلب الخامس: الميزان صفته وأدلته: مما يجب الإيمان به في أحداث اليوم الآخر: الميزان. وهو ميزان حقيقي له لسان وكفتان، توزن فيه أعمال العباد فيرجح بمثقال ذرة من خير أو شر، وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على ثبوت الميزان.

стр. 214

قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية (الأنبياء: ٤٧) ، وقال : ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ - وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩] (القَارعة: ٦-٩) . وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» (١) . وروى الإمام أحمد والحاكم وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ «أنه تسلق أراكة وكان دقيق الساقين فجعلت الريح تكفؤه (أي تحركه) فضحك القوم فقال رسول الله ﷺ : (مم تضحكون؟) قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه. فقال: (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد) » (٢) صححه الحاكم ووافقه الذهبي. والذي يوزن في الميزان ثلاثة، وقد دلت على ذلك النصوص: ١ - الأعمال، فقد ثبت أنها تجسم وتوزن في الميزان ودل عليه حديث أبي هريرة السابق: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن. . .) الحديث. ٢ - صحف الأعمال، وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تَسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول:

стр. 215

لا يا رب. فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فيقول: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم» (١) . ٣ - العامل نفسه، وقد دل على وزنه قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] (الكهف: ١٠٥) ، وكذلك حديث عبد الله بن مسعود السابق وأن ساقيه في الميزان أثقل من أحد. [المطلب السادس الشفاعة تعريفها وأنواعها وأدلتها] المطلب السادس: الشفاعة، تعريفها وأنواعها وأدلتها: الشفاعة في اللغة: الوسيلة والطلب. وفي العرف: سؤال الخير للغير. والشفاعة عند اللهّ: سؤال الله التجاوز عن الذنوب والآثام للغير. وحقيقتها أن الله تعالى بلطفه وكرمه يأذن يوم القيامة لبعض الصالحين من خلقه من الملائكة والمرسلين والمؤمنين أن يشفعوا عنده في بعض أصحاب الذنوب من أهل التوحيد إظهارًا لكرامة الشافعين عنده ورحمة بالمشفوع فيهم. ولا تصح الشفاعة عند الله تعالى إلا بشرطين: أحدهما: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، وقد دل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (البقَرة: ٢٥٥) . وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] (سبأ: ٢٣) .
следующие страницы →