فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ أنت مع من أحببت. قال أنس: (فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم» (١) .
стр. 247
[المبحث الثاني وجوب اعتقاد فضل الصحابة والكف عما شجر بينهم]
المبحث الثاني
وجوب اعتقاد فضلهم وعدالتهم
والكف عما شجر بينهم في ضوء الأدلة الشرعية فضلهم: لقد أثنى الله تعالى على الصحابة ورضي عنهم ووعدهم الحسنى. كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] (التوبة: ١٠٠) . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] (الفتح: ١٨) . وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ - وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠] (الحشر: ٨- ١٠) .
فقد دلت الآيات الكريمة على فضل الصحابة والثناء عليهم من المهاجرين والأنصار وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكل من حصل على شرف الصحبة. ووصف الذين جاؤوا من بعدهم بأنهم يستغفرون لمن سبقهم من الصحابة ويدعون الله تعالى ألا يجعل في قلوبهم غلًّا للذين آمنوا.
كما تضمنت الآيات وغيرها مما لا يمكن حصره من الترضي عنهم
стр. 248
وبشارتهم بالجنة وحصولهم على الفوز العظيم ومدحهم وذكر بعض صفاتهم من الحب والإيثار والكرم والجود وحب إخوانهم المسلمين ونصرهم لدين الله ونحو ذلك من الأوصاف العظيمة والذكر الجميل ما هم أهل له.
وقد أثنى عليهم رسول الله ﷺ بأحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة» (١) . وقد جاءت أحاديث بعضها عامة في فضل جميع الصحابة وبعضها في فضل أهل بدر، وبعضها في أفراد بخصوصهم.
فالواجب على المسلمين تطبيق هذه النصوص وتولي الصحابة جميعًا، ومحبتهم والترضي عنهم، وذكرهم بكل جميل، والاقتداء بهم والسير على منهجهم.
وجوب الكف عما شجر بين الصحابة وحكم سبهم: عرفنا أن أصحاب رسول الله ﷺ هم الصفوة المختارة من هذه الأمة بعد نبينا ﷺ ، فهم السابقون إلى الإسلام وهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده وأبلوا بلاءً حسنًا في الذود عن حياض الإسلام حتى مكن الله لهذا الدين في الأرض على أيديهم. فمن تنقصهم أو سبهم أو نال من أحد منهم فهو من شر الخليقة؛ لأن عمله هذا اعتداء على الدين كله. ومن كفرهم أو اعتقد ردتهم فهو أولى بالكفر والردة وإنه مهما عمل أحدٌ بعدهم من عمل فإنه لن يبلغ شيئًا من فضلهم. فقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما
стр. 249
أدرك مُد أحدهم ولا نصيفه» (١) . فقد دل الحديث على تحريم سب أصحاب رسول الله ﷺ والتأكيد على أنه لن يبلغ أحد مبلغهم مهما قدم من عمل.
فالواجب على المسلمين اعتقاد عدالتهم والترضي عنهم والكف عما شجر بينهم وعدم الخوض فيما جرى بينهم من خلاف وترك سرائرهم إلى الله تعالى. قال عمر بن عبد العزيز ﵀: (أولئك قوم طهر الله أيدينا من دمائهم، فلنطهر ألسنتنا من أعراضهم) .
وخلاصة القول أن أهل السنة يوالون الصحابة كلهم وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب. فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد.
стр. 250
[المبحث الثالث أهل بيت النبي ﷺ ]
المبحث الثالث
أهل بيت النبي ﷺ التعريف بأهل البيت: أهل البيت هم آل النبي ﷺ الذين حرّمت عليهم الصدقة. وهم: آل علي بن أبي طالب، وآل جعفر، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب وأزواج النبي ﷺ .
أدلة فضل أهل البيت: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] (الأحزاب: ٣٣) .
وقال ﷺ : «أذكّركم الله في أهل بيتي» (١) .
دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت: قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا - وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا - وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٤] (الأحزاب: ٣٢-٣٤) . قال الإمام ابن كثير ﵀: (ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]
стр. 251
فإن سياق الكلام معهن ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] أي واعملن بما ينزل الله ﵎ على رسوله ﷺ في بيوتكن من الكتاب والسنة. قال قتادة وغير واحد: (واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين النساء) (١) .
الوصية بأهل البيت: تقدم حديث «أذكركم الله في أهل بيتي» . فأهل السنة يحبونهم ويكرمونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ لأن ذلك من محبة النبي وإكرامه وذلك بشرط أن يكونوا متبعين للسنة مستقيمين على الملة كما كان سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وبنيه. أما من خالف السنة ولم يستقم على الدين فإنه لا يجوز موالاته، ولو كان من أهل البيت.
فموقف أهل السنة والجماعة من أهل البيت موقف الاعتدال والإنصاف، يتولون أهل الدين والاستقامة منهم ويتبرؤون ممن خالف السنة وانحرف عن الدين، ولو كان من أهل البيت، فإنّ كونه من أهل البيت ومن قرابة الرسول لا ينفعه شيئًا حتى يستقيم على دين الله. فقد روى أبو هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] (الشعراء: ٢١٤) . فقال: «يا معشر قريش أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا» (٢) . ولحديث: (من بطأ
стр. 252
به عمله لم يسرع به نسبه) (١) . معنى من بطأ: أي من تأخر.
ويتبرأ أهل السنة والجماعة من الذين يغلون في بعض أهل البيت ويدعون لهم العصمة. ومن الذين ينصبون العداوة لأهل البيت المستقيمين، ويطعنون فيهم، ومن طريقة المبتدعين والخرافيين الذين يتوسلون بأهل البيت ويتخذونهم أربابًا من دون الله.
فأهل السنة في هذا الباب وغيره على المنهج المعتدل والصراط المستقيم الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.
стр. 253
[المبحث الرابع الخلفاء الراشدون التعريف بالخلفاء الراشدين]
المبحث الرابع: الخلفاء الراشدون التعريف بالخلفاء الراشدين: الخلفاء الراشدون هم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب (الفاروق) ، وذو النورين عثمان بن عفان، وأبو السبطين علي بن أبي طالب ﵃ وأرضاهم.
مكانتهم ووجوب اتباعهم: الخلفاء الراشدون هم أفضل الصحابة، وهم الخلفاء الراشدون المهديون الذين أمر الرسول ﷺ باتباعهم، والتمسك بهديهم. كما ثبت ذلك من حديث العرباض بن سارية ﵁ الذي جاء فيه أن النبي ﷺ قال: «أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (١) .
فضلهم: أجمع أهل السنة والجماعة على أن التفضيل بين الخلفاء بحسب ترتيبهم في الخلافة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. وقد ورد في فضل كل
стр. 254
واحد منهم أحاديث كثيرة نورد حديثًا واحدًا منها لكل واحد منهم:
فمما جاء في فضل أبي بكر ﵁ ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال على منبره: «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر» (١) .
ومما جاء في فضل عمر ﵁ ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يقول: «قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فإن عمر بن الخطاب منهم» (٢) . ومعنى محدّثون: مُلْهَمُون.
ومما جاء في فضل عثمان ﵁، حديث عائشة الطويل الذي قالت فيه: «دخل أبو بكر ثم عمر ثم عثمان وعندما رآه الرسول جلس وسوى ثيابه فسألته عائشة فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» (٣) .
ومما جاء في فضل علي ﵁ ما رواه الشيخان عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال عشية خيبر: «لأعطين الراية غدًا رجلا يحب الله ورسولَه، ويحبه الله ورسولُه يفتَح الله على يديه. . . فقال: ادعوا لي عليًّا. . . فدفع الراية إليه ففتح الله عليه» (٤) .
стр. 255
[المبحث الخامس العشرة المبشرون بالجنة]
المبحث الخامس: العشرة المبشرون بالجنة عرفنا فيما سبق فضل الصحابة وأنهم جميعًا عدول، وأنهم يتفاضلون في الصحبة. وأفضل الصحابة السابقون الأولون في الإسلام من المهاجرين ثم الأنصار، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل غزوة الأحزاب ثم أهل بيعة الرضوان، ثم من هاجر من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى.
وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذو النورين، وأبو السبطين علي بن أبي طالب، ثم عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام حواريّ رسول الله ﷺ ، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد بن نفيل ﵃ أجمعين.
وقد جاءت في فضلهم أحاديث عامة ومنهم من جاء فيه حديث بخصوصه. ومن الأحاديث العامة في فضلهم ما رواه أحمد وأصحاب السنن عن عبد الرحمن بن الأخنس ﵁ عن سعيد بن زيد قال: أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته وهو يقول: «عشرة في الجنة، النبي ﷺ في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة) ، ولو شئت لسميت العاشر. قال: فقالوا: من هو؟ فسكت قال: فقالوا: من هو؟ فقال: (هو سعيد بن زيد ﵁ » (١) .
وقد بشر النبي ﷺ آخرين غير هؤلاء العشرة بالجنة، مثل عبد الله بن
стр. 256
مسعود، وبلال بن رباح، وعكاشة بن محصن، وجعفر بن أبي طالب، وغيرهم كثير. وأهل السنة والجماعة ينصون على من ورد النص من المعصوم فيه باسمه فيشهدون له بالجنة لشهادة رسول الله ﷺ له، ومن عداهم يرجون لهم الخير لوعد الله لهم جميعًا بالجنة كما قال تعالى بعد ذكر الصحابة وبيان فضل بعضهم على بعض ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] (النساء: ٩٥) . والحسنى هي الجنة. كما أن مذهب أهل السنة في عموم المسلمين عدم القطع لأحد منهم بجنة أو نار، وإنما يرجون للمحسنين الثواب ويخافون على المسيئين العقاب مع القطع لمن مات على التوحيد بعدم تخليده في النار لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] (النساء: ١١٦) .
стр. 257
[الفصل الرابع الواجب نحو أئمة المسلمين وعامتهم ولزوم جماعتهم]
الفصل الرابع
الواجب نحو أئمة المسلمين وعامتهم ولزوم جماعتهم روى مسلم عن أبي رقية تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١) .
فالنصيحة لله: إفراده تعالى بالعبادة وتعظيمه وخوفه ورجاؤه ومحبته وفعل أوامره واجتناب نواهيه.
والنصيحة لرسوله ﷺ ، تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر به، واتباع سنته، والاهتداء بهديه ومحبته، وألا نعبد الله إلا وفق ما جاء به ﷺ .
وأما النصيحة لأئمة المسلمين فهي الدعاء لهم ومحبتهم وطاعتهم في حدود طاعة الله تعالى.
وأما النصيحة لعامة المسلمين فهو أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحبُ الخير لهم كما نحب لأنفسنا وبذل الخير لهم ومساعدتهم بقدر ما نستطيع.
стр. 258
الواجب نحو ولاة الأمور: لقد دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على وجوب طاعة الإمام وإن جار في حدود طاعة الله تعالى، ما لم يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. كما تجب الصلاة خلفه، والحج والجهاد معه، ويطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف وتجنب مفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المصالح الخاصة. كما تجب النصيحة له بالطرق المشروعة وترك منازعته وعدم الخروج عليه.
قال الإمام الطحاوي ﵀: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة) .
والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (النساء: ٥٩) .
ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» (١) . وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن
стр. 259
يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (١) .
والسنة أن تُبذل النصيحة للإمام سرًّا بعيدًا عن الإثارة والتهويل يدل لذلك ما رواه ابن أبي عاصم وغيره، عن عياض بن غنم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، وليأخذ بيده فإن سمع منه فذاك، وإلا أدى الذي عليه» (٢) .
هذه النصوص من القرآن والسنة كلها تأمر بطاعة الأئمة وولاة الأمور في غير معصية الله تعالى. ويمكن أن نستخلص منها ما يأتي:
١ - أن السمع والطاعة واجبة في كل الأحوال في غير معصية.
٢ - عدم الخروج على ولاة الأمر إذا لم يقبلوا النصيحة.
٣ - أن من نصح لولاة الأمر وأنكر عليهم بالطريقة المشروعة فقد برئ من الذنب.
٤ - النهي عن إثارة الفتن وأسباب إثارتها.
٥ - عدم الخروج على الولاة ما لم يظهر منهم الكفر البواح أي الظاهر الذي لا يحتمل التأويل.
٦ - وجوب لزوم جماعة المسلمين الذين يسيرون على هدى الكتاب والسنة قولا وعملا واعتقادًا وموالاتهم واتباع سبيلهم والحرص على جمع كلمتهم على الحق وعدم مفارقتهم أو الانشقاق عليهم. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (النساء: ١١٥) .
стр. 260
وقال رسول الله ﷺ : «عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار» (١) . وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات فميتته جاهلية» (٢) .
فدلت هذه النصوص على وجوب لزوم الجماعة وعدم منازعة الأمر أهله، والوعيد الشديد لمن يخالف ذلك. إذ أن الجماعة رحمة والفرقة عذاب.
стр. 261
[الفصل الخامس وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة وأدلة وجوبه وفيه مباحث]
[المبحث الأول معنى الاعتصام بالكتاب والسنة وأدلة وجوبه]
الفصل الخامس
وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة
وأدلة وجوبه وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: معنى الاعتصام بالكتاب والسنة وأدلة وجوبه.
المبحث الثاني: التحذير من البدع.
المبحث الثالث: ذم التفرق والاختلاف.
стр. 262
المبحث الأول
معنى الاعتصام بالكتاب والسنة وأدلة وجوبه لقد أمر الله الأمة بالاجتماع واتحاد الكلمة وجمع الصف على أن يكون أساس هذا الاجتماع الاعتصام بالكتاب والسنة، ونهى عن التفرق وبين خطورته على الأمة في الدارين. ولتحقيق ذلك أمرنا بالتحاكم إلى كتاب الله تعالى في الأصول والفروع ونهينا عن كل سبب يؤدي إلى التفرق.
فالطريق الصحيح إلى النجاة هو التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فإنهما حصن حصين وحرز متين لمن وفقه الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] (آل عمران: ١٠٣) . فقد أمر الله تعالى بالاعتصام بحبل الله، وحبل الله هو عهد الله أو هو القرآن كما قال المفسرون، إذ العهد الذي أخذه الله على المسلمين هو الاعتصام بالقرآن والسنة. فقد أمر الله تعالى بالجماعة ونهى عن التفرق والاختلاف. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (الحشر: ٧) . وهذا شامل لأصول الدين وفروعه الظاهرة والباطنة.
وأن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه ولا تحل مخالفته، وأن نص الرسول على حكم الشيء كنص الله تعالى لا رخصة لأحد ولا
стр. 263
عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] (الأنفال: ٢٠) . فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، وزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له. ولهذا قال: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] أي تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (النساء: ٥٩) .
قال الحافظ ابن كثير: (أطيعوا الله، أي اتبعوا كتابه، وأطيعوا الرسول أي خذوا سنته، وأولي الأمر منكم أي فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله) . وقوله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قال مجاهد: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله.
وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] (الشورى: ١٠) . فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] أي ردوا الفصل في الخصومات والجهالات إلى الكتاب والسنة ومن لا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا اليوم الآخر. وقوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [النساء: ٥٩] أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] أي وأحسن عاقبة ومآلا كما قال السدي وقال مجاهد: (وأحسن
стр. 264
جزاء وهو قريب) (١) . وفي كتاب الله آيات كثيرة وردت في وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة والرجوع إليهما في كل الأمور.
وأما الأدلة من السنة على وجوب التمسك بالكتاب والسنة فمنها ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويسخط لكم ثلاثًا، قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال» (٢) . وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي» (٣) . وقال ﷺ : «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعد إلا هالك» (٤) . وجاء في حديث العرباض بن سارية قوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» (٥) .
وقد بشر النبي ﷺ المتمسكين بسنته من أمته بأعظم بشارة وأشرف مقصد يطلبه كل مؤمن ويسعى إلى تحقيقه من كان في قلبه أدنى مسكة من إيمان ألا وهو الفوز بدخول الجنة. جاءت هذه البشرى في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد
стр. 265
أبى» (١) . وأي إباء ورفض للسنة أعظم من مخالفة أمره ﷺ ؟ وذلك بالإحداث والابتداع في الدين.
ومعلوم أن الفرقة الناجية هي التي كانت على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهي الجماعة. قال أبي بن كعب ﵁: «عليكم بالسبيل والسنة فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار أبدًا وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة» .
стр. 266
[المبحث الثاني التحذير من البدع]
المبحث الثاني: التحذير من البدع تعريف البدعة: البدعة لغة: هي الاختراع على غير مثال سابق ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي مخترعهما.
وشرعًا: ما خالف الكتاب والسنة، أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات المحدثة في الدين.
خطر البدع: إن البدع والمحدثات في الدين لها خطورة عظيمة، وآثار سيئة على الفرد والمجتمع بل وعلى الدين كله أصوله وفروعه. فالبدع: إحداث في الدين، وقول على الله بغير علم وشرع في الدين بما لم يأذن به الله، والبدعة سبب في عدم قبول العمل وتفريق الأمة، والمبتدع يحمل وزره ووزر من تبعه في بدعته، كما أن البدعة سبب في الحرمان من الشرب من حوض النبي ﷺ فعن سهل بن سعد الأنصاري، وأبي سعيد الخدري ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أنا فَرَطُكم على الحوض من مرّ علي شرب، ومن شرب لا يظمأ أبدًا. ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم فأقوِل إنهم من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاَ لمن غيّر بعدي» (١) . والفرط: الذي يسبق إلى الماء.
وسحقًا: أي بعدًا.
والبدعة تشويه للدين، وتغيير لمعالمه. والخلاصة أن البدعة خطر عظيم على المسلمين في أمر دينهم ودنياهم.
стр. 267
أسباب البدعة: للبدع أسباب كثيرة أعظمها البعد عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ومنهج السلف الصالح، الأمر الذي يؤدي إلى الجهل بمصادر التشريع.
ومن أسباب انتشار البدع، التعلق بالشبهات والاعتماد على العقل المجرد وجلساء السوء، والاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي يستدل بها المبتدعة على بدعهم، والتشبه بالكفار، وتقليد أهل الضلال ونحو ذلك من الأسباب الخطيرة.
خطر البدع: من تأمل الكتاب والسنة وجد أن البدع في الدين محرمة ومردودة على أصحابها من غير فرق بين بدعة وأخرى، وإن كانت تتفاوت درجات التحريم بحسب نوعية البدعة.
ومن المعلوم أن النهي عن البدع قد ورد على وجه واحد في قول النبي ﷺ «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (١) . وقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢) . فدل الحديثان على أن كل محدث في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة، ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوع البدعة فمنها ما هو كفر صراح كالطواف بالقبور تقربا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها والاستغاثة بهم، ومنها ما هو من وسائل الشرك كالبناء على القبور، والصلاة والدعاء عندها، ومنها ما هو فسق ومعصية كإقامة الأعياد التي لم ترد في الشرع، والأذكار المبتدعة والتبتل والصيام قائما في الشمس.
стр. 268
[المبحث الثالث ذم التفرق والاختلاف]
المبحث الثالث: ذم التفرق والاختلاف الأدلة على ذم التفرق: لقد ذم الله التفرق ونهى عن الطرق والأسباب المؤدية إليه. وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة التي تحذر من التفرق والاختلاف وتبين سوء عاقبته وأنه من أعظم أسباب الخذلان في الدنيا، والعذاب والخزي وسواد الوجوه في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ - وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٧] (آل عمران: ١٠٥-١٠٧) . قال ابن عباس: (تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] (الأنعام: ١٥٩) .
فقد دلت الآيات على ذم التفرق وخطورته على الأمة في الدنيا والآخرة، وأنه سبب هلاك أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، وسبب كل انحراف وقع في الناس.
وأما السنة فقد جاءت فيها أحاديث كثيرة في ذم التفرق والاختلاف والحث على الجماعة والائتلاف فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن معاوية ﵁ أنه قام فقال: ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة. وإن هذه الأمة ستتفرق على ثلاث وسبعين ملة اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة
стр. 269
وهي الجماعة» (١) . فقد أخبر النبي ﷺ بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار، لا ريب أنهم الذين خاضوا كخوض الذين من قبلهم ثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي ﷺ ، إما في الدين فقط وإما في الدين والدنيا ثم يؤول إلى الدين. وقد يكون الاختلاف في الدنيا فقط. وعلى كل حال فإن الفرقة والاختلاف لا بد من وقوعهما في الأمة والرسول ﷺ يحذر أمته منه لينجو من الوقوع فيه من شاء الله له السلامة.
الاختلاف والتفرق سبب هلاك الأمم السابقة: إذا تأملنا القرآن والسنة وجدنا أن سبب هلاك الأمم السابقة هو التفرق وكثرة الاختلاف لاسيما الاختلاف في الكتاب المنزل عليهم.
قال حذيفة ﵁ لعثمان ﵁: (أدرك هذه الأمة، لا تختلف في الكتاب كما اختلفت فيه الأمم قبلهم) ، لما رأى أهل الشام وأهل العراق يختلفون في حروف القرآن الاختلاف الذي نهى عنه رسول الله ﷺ . فأفاد ذلك شيئين:
أحدهما: تحريم الاختلاف في مثل هذا.
والثاني: الاعتبار بمن كان قبلنا، والحذر من مشابهتهم. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] (البقرة: ١٧٦) . وقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩] (آل عمران: ١٩) .
ومن السنة ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم
стр. 270
فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١) . فقد أمرهم الرسول ﷺ في هذا الحديث بالإمساك عما لم يؤمروا به، معللا بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال، ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية أي بمخالفتهم لما أمرتهم به أنبياؤهم.
هل الاختلاف رحمة: يدعي بعض الناس أن الاختلاف رحمة اعتمادًا على حديث موضوع: (اختلاف أمتي رحمة) . وهذا القول مردود بالكتاب والسنة والعقل. وقد ذكرنا بعض الآيات والأحاديث الواردة في ذم الاختلاف والتفرق. وفي ذلك كفاية لمن تدبر وتأمل.
بل قد دل القرآن على أن الاختلاف لا يتفق مع الرحمة بل هو ضدها. قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] (هود: ١١٨، ١١٩) .
والحديث الذي استدل به أصحاب هذه الدعوى باطل ولا يصح بحال، ولا يوجد في شيء من كتب السنة. وهذا كافِ في بطلان هذه الدعوى، يضاف إلى ذلك مخالفته للمعقول، فإنه لا يتصورَ عاقل أن الاختلاف رحمة، بعدما عرفنا المفاسد الخطيرة الناتجة عنه من التشاحن والتباغض والتهاجر بل وربما القتال والحروب التي كثيرًا ما ثارت بين الناس بسبب الاختلاف، حتى في بعض مسائل الفروع.
طريق الخلاص من الفرقة والاختلاف: ومن المعلوم أن الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هي الجماعة. والجماعة
стр. 271
هم الذين يسيرون وفق منهج النبي ﷺ وأصحابه لا يعدلون عن ذلك ولا يحيدون عنه يمينًا أو شمالًا.
قال الشاطبي ﵀ في الاعتصام: (إن الجماعة ما كان عليه النبي وأصحابه والتابعون لهم بإحسان) . فطريق الخلاص هو اتباع منهج أهل السنة والجماعة قولًا وعملًا واعتقادًا، وعدم مخالفتهم أو الشذوذ عنهم.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (النساء: ١١٥) .
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (الأنعام: ١٥٣) .
وفي السنة ما رواه الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة- أو قال: أمة محمد على ضلالة- ويد الله على الجماعة» (١) .
وبهذا نختم القول بأن طريق الخلاص وعنوان السعادة التمسك بكتاب الله تعالى، ذلك الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وكذلك التمسك بالسنة المطهرة الثابتة عن رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فإنهما أي الكتاب والسنة هما المصدران الوحيدان لعقيدة الإسلام وشريعته. فأي منهج جانب هذا الطريق فإنه منهج خاسر، فالتمسك بالسنة هو سبيل المؤمنين، وطريق الوصول إلى مرضاة رب العالمين، والحصن الحصين، وهذا هو المنهج الذي يحفظ الله به الأمة من بدع المبتدعين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين وتحريف الغالين. وهو الطريق الذيَ صلحت به أحوال
стр. 272
الأمة في صدر الإسلام، ولا فلاح لنا ولا نجاح إلا بالرجوع إليه. يقول إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس ﵀: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) ، وما صلح به أولها هو العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومما ينبغي على المسلم في هذا الجانب أن يكون العمل بالكتاب والسنة مقيدًا بفهم السلف الصالح ومنهجهم لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (النساء ١١٥) .
فاتباع سبيل المؤمنين وهم الصحابة وأتباعهم من الأئمة المهديين بإحسان هو سبيل النجاة نسأله تعالى أن يوفق الأمة الإسلامية للتمسك بكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ واتباع سبيل المؤمنين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.