← Акыда

Акыда · id 30847

أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (272 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قبورهم إلى أرض المحشر وفيهما فضيلة للنبي ﷺ لكونه أول من يبعث. كما دل النظر الصحيح على تقرير البعث وذلك أن البعث هو إعادة للخلق ومعلوم لكل عاقل أن الإعادة للشيء أهون من إنشائه وابتدائه ولهذا قال الله تعالى في كتابه مقررًا للبعث ووقوعه بإبداء خلق الإنسان ونشأته الأولى وبأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى، فقال المعترض على البعث كما حكى الله عنه: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] (يس: ٧٨) ، قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] (يس: ٧٩) ، وقال تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] (الروم: ٢٧) . فهذا دليل شرعي عقلي من كتاب الله للرد على كل معاند مكذب بالبعث، وهو دليل لا يستطيع رده. [المطلب الثالث الحشر] المطلب الثالث: الحشر: دلت النصوص على حشر العباد بعد بعثهم إلى أرض المحشر حفاة عراة غرلا قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] (الكهف: ٤٧) ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] (إبراهيم: ٤٨) . وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلا (١)) قلت: يا رسول الله! النساء والرجال جميعًا، ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال ﷺ : (يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر

стр. 212

بعضهم إلى بعض» (١) . وهذا الحشر عام لجميع الخلائق. وقد دلت النصوص أن هناك حشرا آخر إما في الجنة وإما في النار فيحشر المؤمنون إلى الجنة وفدا والوفد هم القائمون الركبان. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] (مريم: ٨٥) . أخرج الطبري عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] قال: (أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقا ولكنهم يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة) (٢) . وأما الكفار فإنهم يحشرون إلى النار على وجوههم عميا وبكما وصما. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤] (الفرقان: ٣٤) . قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] (الإسراء: ٩٧) . [المطلب الرابع الحوض صفته وأدلته] المطلب الرابع: الحوض، صفته وأدلته: الحوض مورد عظيم أعطاه الله لنبينا محمد ﷺ في المحشر يرده هو وأمته. جاء وصفه في النصوص أنه أشد بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحا من المسك، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر، يمد ماؤه من الجنة، فيه ميزابان

стр. 213

يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من فضة، وآنيته كعدد نجوم السماء. وقد دل على ثبوت الحوض وأنه حق كثير من الأحاديث الصحيحة ذكر بعض المحققين أنها تبلغ حد التواتر ورواها عن النبي ﷺ بضعة وثلاثون صحابيًّا. منها حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء» (١) . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء من يشرب منها فلا يظمأ أبدًا» (٢) . والحوض يكون في أرض المحشر ويمد ماؤه من الكوثر وهو نهر آخر أعطاه الله لنبينا ﷺ في الجنة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] (الكوثر: ١) . وقد اختلف أهل العلم في الميزان والحوض أيهما يكون قبل الآخر فقيل الميزان قبل، وقيل: الحوض. والصحيح أن الحوض قبل. قال القرطبي: والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم. [المطلب الخامس الميزان صفته وأدلته] المطلب الخامس: الميزان صفته وأدلته: مما يجب الإيمان به في أحداث اليوم الآخر: الميزان. وهو ميزان حقيقي له لسان وكفتان، توزن فيه أعمال العباد فيرجح بمثقال ذرة من خير أو شر، وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على ثبوت الميزان.

стр. 214

قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية (الأنبياء: ٤٧) ، وقال : ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ - وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩] (القَارعة: ٦-٩) . وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» (١) . وروى الإمام أحمد والحاكم وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ «أنه تسلق أراكة وكان دقيق الساقين فجعلت الريح تكفؤه (أي تحركه) فضحك القوم فقال رسول الله ﷺ : (مم تضحكون؟) قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه. فقال: (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد) » (٢) صححه الحاكم ووافقه الذهبي. والذي يوزن في الميزان ثلاثة، وقد دلت على ذلك النصوص: ١ - الأعمال، فقد ثبت أنها تجسم وتوزن في الميزان ودل عليه حديث أبي هريرة السابق: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن. . .) الحديث. ٢ - صحف الأعمال، وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تَسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول:

стр. 215

لا يا رب. فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فيقول: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم» (١) . ٣ - العامل نفسه، وقد دل على وزنه قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] (الكهف: ١٠٥) ، وكذلك حديث عبد الله بن مسعود السابق وأن ساقيه في الميزان أثقل من أحد. [المطلب السادس الشفاعة تعريفها وأنواعها وأدلتها] المطلب السادس: الشفاعة، تعريفها وأنواعها وأدلتها: الشفاعة في اللغة: الوسيلة والطلب. وفي العرف: سؤال الخير للغير. والشفاعة عند اللهّ: سؤال الله التجاوز عن الذنوب والآثام للغير. وحقيقتها أن الله تعالى بلطفه وكرمه يأذن يوم القيامة لبعض الصالحين من خلقه من الملائكة والمرسلين والمؤمنين أن يشفعوا عنده في بعض أصحاب الذنوب من أهل التوحيد إظهارًا لكرامة الشافعين عنده ورحمة بالمشفوع فيهم. ولا تصح الشفاعة عند الله تعالى إلا بشرطين: أحدهما: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، وقد دل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (البقَرة: ٢٥٥) . وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] (سبأ: ٢٣) .

стр. 216

الثاني: رضا الله عن المشفوع له أن يشفع فيه، وقد دل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] (الأنبياء: ٢٨) . وقد دلت النصوص أن الله لا يرضى أن يشفع إلا في أهل التوحيد لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» (١) . وقال تعالى في الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] (المدثر: ٤٨) . وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الشفاعة عند الله يوم القيامة. أما الكتاب فقد تقدم ذكر بعضها، وأما من السنة فالأحاديث في إثبات الشفاعة كثيرة منها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (. . «فيقول الله ﵎ شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط» (٢) . والأحاديث في إثبات الشفاعة كثيرة جدًّا وقد صرح الأئمة المحققون بتواترها واشتهارها في كتب الصحاح والمسانيد. ففي الصحيحين: «يُخرج من النار من كان في قلبه حبة من خردل من إيمان» (٣) .

стр. 217

أقسام الشفاعة: والشفاعة تنقسم من حيث القبول والرد إلى قسمين: مردودة وهي ما فقدت أحد شروط الشفاعة السابقة، ومقبولة وهي ما تحققت فيها شروط الشفاعة. وقد ثبت لنبينا محمد ﷺ منها ثمانية أنواع، وهي: ١ - الشفاعة العظمى وهي شفاعته ﷺ في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم وهي المقام المحمود وهذه الشفاعة مما اختص بها نبينا ﷺ على غيره من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين. ٢ - شفاعته ﷺ في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم أن يدخلوا الجنة. ٣ - شفاعته في أقوام استحقوا النار أن لا يدخلوها. ٤ - شفاعته ﷺ رفع درجات أهل الجنة في الجنة. ٥ - شفاعته ﷺ في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب. ٦ - شفاعته ﷺ في تخفيف العذاب عمن كان يستحقه كشفاعته في عمه أبي طالب. ٧ - شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يؤذن لهم بدخول الجنة. ٨ - شفاعته ﷺ في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار أن يخرج منها. وقد دلت النصوص الصحيحة على هذه الأنواع كلها وهي مبسوطة في مواضعها من كتب السنة والاعتقاد. وهذه الأنواع منها ما هو خاص بالنبي ﷺ كالشفاعة العظمى وشفاعته في عمه أبي طالب وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها ومنها ما يشاركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين كالشفاعة في أهل الكبائر وغيرها من الأنواع الأخرى على اختلاف بين أهل العلم في

стр. 218

اختصاصه ببعضها من عدمه، والله تعالى أعلم. [المطلب السابع الصراط صفته وأدلته] المطلب السابع: الصراط، صفته وأدلته: الصراط في اللغة: الطريق الواضح. وفي الشرع: جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون وهو طريق أهل المحشر لدخول الجنة. وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الصراط. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا - ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] (مريم: ٧١، ٧٢) ذهب أكثر المفسرين أن المقصود بورود النار هنا: المرور على الصراط وهو منقول عن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار وغيرهم. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وهو حديث طويل في الرؤية والشفاعة وفيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (. . «ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم قلنا يا رسول الله وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق، وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم يمر آخرهم يسحب سحبا» (١) . وقد جاء وصف الصراط في نصوص كثيرة وملخص ما جاء فيها أنه أدق من الشعر وأحد من السيف دحض مزلة لا تثبت عليه قدم إلا من ثبته الله وأنه ينصب في ظلمة فيعطى الناس أنوارا على قدر إيمانهم ويمرون فوقه على قدر

стр. 219

إيمانهم على ما جاء في الحديث السابق. [المطلب الثامن الجنة والنار صفتهما وكيفية الإيمان بهما وأدلة ذلك] المطلب الثامن: الجنة والنار، صفتهما وكيفية الإيمان بهما وأدلة ذلك: مما يجب اعتقاده والإيمان به الجنة والنار. والجنة هي دار الثواب لمن أطاع الله وموضعها في السماء السابعة عند سدرة المنتهى. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] (النجم: ١٣-١٥) ، والجنة مائة درجة بين كل درجة والأخرى كما بين السماء والأرض كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (١) . وأعلى الجنة الفردوس الأعلى وفوقه العرش ومنه تتفجر أنهار الجنة كما جاء في حديث أبي هريرة السابق عن النبي ﷺ قال: «فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» . وللجنة ثمانية أبواب كما جاء في حديث سهل بن سعد ﵁ في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: «في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون» (٢) وقد أعد الله لأهل الجنة فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأما النار فهي دار العقاب الأبدي للكافرين والمشركين والمنافقين النفاق الاعتقادي، ولمن شاء الله من عصاة الموحدين بقدر ذنوبهم ثم مآلهم إلى

стр. 220

الجنة. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (النساء: ٤٨) وموضعها في الأرض السابعة كذا نقل عن ابن عباس ﵄. وللنار دركات بعضها أسفل من بعض، قال عبد الرحمن بن أسلم: (درجات الجنة تذهب علوا ودرجات النار تذهب سفولا، وأسفل الدركات هي دار المنافقين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] الآية (النساء: ١٤٥) ، وللنار سبعة أبواب، قال تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] (الحجرِ: ٤٤) ، ونار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار جهنم على ما جاء في حديث أبي هريرة الذيَ أخرجه الشيخان عن النبي ﷺ قال: «ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» (١) . والإيمان بالجنة والنار يتحقق بثلاثة أمور: الأول: الاعتقاد الجازم بأنهما حق وأن الجنة دار المتقين والنار دار الكافرين والمنافقين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٦ - ٥٧] (النساء: ٥٦، ٥٧) . الثاني: اعتقاد وجودهما الآن. قال تعالى في الجنة. ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (آل عمران: ١٣٣) ، وقال تعالى في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] (البقرة: ٢٤) ، وجاء في الصحيحين من حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ أنه قال: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» (٢) .

стр. 221

الثالث: اعتقاد دوامهما وبقائهما وأنهما لا تفنيان ولا يفنى من فيهما. قال تعالى في الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٨٩] (النساء: ١٣) ، وقال تعالى عن النار: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] (الجن: ٢٣) . والمقصود من المعصية هنا الكفر، لتأكيد الخلود في النار بالتأبيد، قال القرطبي قوله (أبدا) دليل على أن العصيان هنا هو الشرك (١) . وروى الشيخان من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه» (٢) . ثمرات الإيمان باليوم الآخر: وللإيمان باليوم الآخر ثمرات عظيمة في حياة المؤمن من أهمها: ١ - الحرص على طاعة الله رغبة في ثواب ذلك اليوم والبعد عن معصيته خوفا من عقاب ذلك اليوم. ٢ - تسلية المؤمن عما يفوته من نعيم الدنيا ومتاعها بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها. ٣ - استشعار كمال عدل الله تعالى حيث يجازي كلا بعمله مع رحمته بعباده.

стр. 222

[الفصل الخامس الإيمان بالقضاء والقدر ويشتمل على مبحثين] [المبحث الأول تعريف القضاء والقدر وأدلة ثبوتهما مع بيان الفرق بينهما] الفصل الخامس الإيمان بالقضاء والقدر، ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: تعريف القضاء والقدر، وأدلة ثبوتهما مع بيان الفرق بينهما. المبحث الثاني: مراتب القدر.

стр. 223

المبحث الأول تعريف القضاء والقدر، وأدلة ثبوتهما مع بيان الفرق بينهما تعريف القضاء والقدر: القضاء لغة: الحكم والفصل. وشرعا: هو ما قضى به الله في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير. والقدر: مصدر قدرت الشيء أقدره إذا أحطت بمقداره. والقدر في الشرع: هو ما قدره الله تعالى في الأزل، أن يكون في خلقه بناء على علمه السابق بذلك. الفرق بين القضاء والقدر: ذكر العلماء في التفريق بين القضاء والقدر. أن القدر: هو تقدير لشيء قبل قضائه. والقضاء هو الفراغ من الشيء. ومن الشواهد التي ذكرها أبو حاتم للتفريق بين القضاء والقدر أن القدر منزلة تقدير الخياط للثوب فهو قبل أن يفصله يقدره فيزيد وينقص فإذا فصله فقد قضاه وفرغ منه وفاته التقدير. وعلى هذا يكون القدر سابقا للقضاء. قال ابن الأثير: (فالقضاء

стр. 224

والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه) . والقضاء والقدر إذا اجتمعا في الذكر افترقا في المعنى فأصبح لكل منهما معنى يخصه، وإذا افترقا في الذكر دخل أحدهما في معنى الآخر. ذكر ذلك بعض أهل العلم. الأدلة على إثبات القدر: الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على إثباته وتقريره. فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (القمر: ٤٩) ، وقوله تعالى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] (الأحزاب: ٣٨) ، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] (الفرقان: ٢) . وأما السنة فقد دلت كذلك على إثبات القدر في أحاديث كثيرة منها حديث جبريل وسؤاله للنبي ﷺ عن أركان الإيمان فذكر منها: «الإيمان بالقدر خيره وشره» وقدم تقدم الحديث بنصه في مبحث الملائكة. وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وقال: وكان عرشه على الماء» (١) . والإيمان بالقدر محل إجماع الأمة من الصحابة ومن بعدهم. أخرج مسلم في صحيحه عن طاوس أنه قال: (أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ

стр. 225

يقولون كل شيء بقدر) . قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز» (١) والكيس: ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور. قال الإمام النووي: (تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله .

стр. 226

[المبحث الثاني مراتب القدر] المبحث الثاني: مراتب القدر للقدر أربع مراتب دلت عليها النصوص وقررها أهل العلم. وهي: المرتبة الأولى: علم الله بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات وإحاطته بذلك علمًا فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] (الطلاق: ١٢) . وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: «سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» (١) . المرتبة الثانية: كتابة الله تعالى لكل شيء مما هو كائن إلى قيام الساعة. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] (الحج: ٧٠) . وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] (يس: ١٢) . ومن السنة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم في كتابة الله مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. المرتبة الثالثة: المشيئة فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] (يس: ٨٢) . وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] (التكوير: ٢٩) . وأخرج

стр. 227

الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت! اللهم ارحمني إن شئت! ليعزم في الدعاء فإن الله صانع ما شاء لا مكره له» (١) . المرتبة الرابعة: خلق الله تعالى للأشياء وإيجادها وقدرته الكاملة على ذلك فهو سبحانه خالق لكل عامل وعمله وكل متحرك وحركته وكل ساكن وسكونه. قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] (الزمر: ٦٢) . وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] (الصافات: ٩٦) . وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ :. «كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض» (٢) . فيجب الإيمان بهذه المراتب الأربع لتحقيق الإيمان بالقدر ومن أنكر شيئًا منها لم يحقق الإيمان بالقدر. والله تعالى أعلم. ثمرات الإيمان بالقدر: لتحقيق الإيمان بالقدر أثره البالغ وثمراته النافعة في حياة المؤمن فمن ذلك: ١ - الاعتماد على الله تعالى عند فعل الأسباب لأنه مقدر الأسباب والمسببات. ٢ - راحة النفس وطمأنينة القلب إذا أدرك العبد أن كل شيء بقضاء الله وقدره.

стр. 228

٣ - طرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد لأن حصول ذلك نعمة من الله بما قدره من أسباب ذلك الخير والنجاح فيشكر الله ويدع الإعجاب. ٤ - طرد القلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكروه لأن ذلك بقضاء الله وقدره فيصبر على ذلك ويحتسب.

стр. 229

[الباب الثالث مسائل متفرقة في العقيدة] [الفصل الأول الإسلام والإيمان والإحسان] [المبحث الأول الإسلام] الباب الثالث: مسائل متفرقة في العقيدة ويتضمن خمسة فصول: الفصل الأول: الإسلام والإيمان والإحسان. الفصل الثاني: الولاء والبراء، معناه وضوابطه. الفصل الثالث: حقوق الصحابة وما يجب نحوهم. الفصل الرابع: الواجب نحو أئمة المسلمين وعامتهم ولزوم جماعتهم. الفصل الخامس: وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة والنهي عن التفرق.

стр. 230

الفصل الأول: الإسلام والإيمان والإحسان المبحث الأول: الإسلام. المبحث الثاني: الإيمان. المبحث الثالث: الإحسان. المبحث الرابع: العلاقة بين الإسلام، والإيمان والإحسان.

стр. 231

المبحث الأول: الإسلام تعريف الإسلام: الإسلام لغة: الانقياد والاستسلام والخضوع. وشرعا: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك ومعاداة أهله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣) . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (آل عمران: ٨٥) . أركان الإسلام: أركان الإسلام خمسة بينها رسول الله ﷺ كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله» (١) . ويدل على هذا حديث جبريل المتقدم وفيه أنه قال: «يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت» . . . إلخ) (٢) .

стр. 232

معنى الشهادتين: *معنى شهادة أن لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله. *ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر به واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.

стр. 233

[المبحث الثاني الإيمان وأركانه] وبيان حكم مرتكب الكبيرة تعريفه: الإيمان لغة: التصديق والإقرار. وشرعًا: اعتقاد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح. أركانه وأدلته: أركان الإيمان ستة يدل عليها قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] (البقرة: ١٧٧) . ومن السنة ما جاء في حديث جبريل عندما سأل النبي ﷺ وقال: «أخبرني عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت» . . . إلخ) (١) . زيادة الإيمان ونقصانه: دل الكتاب والسنة على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فالدليل من الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] (محمد: ١٧) . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] (الأنفال: ٢) .

стр. 234

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] (الفتح: ٤) . ومن السنة قوله ﷺ : «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (١) . وكذلك قوله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» (٢) . حكم مرتكب الكبيرة: كبائر الذنوب نوعان: مكفّر وغير مكفر. فأما المكفر فهو الشرك بالله لأنه أعظم ذنبا عُصي به الله والنفاق الاعتقادي وسب الله ورسوله ونحو ذلك. والنوع الثاني كبائر غير مكفّرة ولا يخرج مرتكبها من الملة إلا إذا استحلها. وهي سائر الذنوب التي دون الكفر كالربا والقتل والزنا ونحو ذلك. وقد دل الكتاب والسنة على أن مرتكب الكبيرة غير المكفّرة مؤمن ناقص الإيمان، ويسمى فاسقًا وعاصيًا. وحكمه في الآخرة أنه تحت المشيئة فإن شاء الله غفر له برحمته وإن شاء عذبه بعدله وهو مع هذا لا يخلد في النار إذا عُذب بل مآله إلى الجنة بما معه من التوحيد والإيمان. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] (النساء: ١١٦) .

стр. 235

وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير» (١) . وهذا الذي دلت عليه النصوص هنا هو الذي عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم على الخير والهدى في حكم مرتكب الكبيرة وهو المنهج الوسط بين الغلو في هذا الباب وهو مذهب الخوارج قديمًا وحديثًا الذين يكفرون مرتكب الكبيرة ويخرجونه من الملة ويستبيحون دمه ويعتقدون أنه يوم القيامة خالد مخلد في النار، وبين أهل التقصير الذين يرون أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان ولا يفرقون بين مرتكب الكبيرة وبين المؤمن الكامل الذي أدى الطاعات وتجنب المحرمات كما هو مذهب غلاة المرجئة. الأدلة على أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر: دل القرآن والسنة على أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر. فمن القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] (الحجرات: ٩، ١٠) . ووجه الدلالة من الآيتين هو أن الله أثبت الإيمان لمرتكبي معصية الاقتتال من المؤمنين والباغي من

стр. 236

بعض الطوائف على بعض وهي من الكبائر وجعلهم إخوة وأمر تعالى المؤمنين بالإصلاح بين إخوتهم في الإيمان. ومن السنة ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة، يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبّة من خردل من إيمان فأخرجوه» . .) (١) . ووجه الدلالة من الحديث هو عدم تخليد مرتكبي الكبائر في النار حيث يخرج منها من كان في قلبه أدنى شيء من الإيمان كما يدل الحديث على تفاوت أهل الإيمان على حسب أعمالهم وأنه يزيد وينقص بحسب ما يترك المؤمن من واجبات أو يرتكب من محظورات.

стр. 237

[المبحث الثالث الإحسان] المبحث الثالث: الإحسان تعريفه: الإحسان معناه مراقبة الله تعالى في السر والعلن مراقبة من يحبه ويخشاه ويرجو ثوابه ويخاف عقابه بالمحافظة على الفرائض والنوافل واجتناب المحرمات والمكروهات. والمحسنون هم السابقون بالخيرات المتنافسون في فضائل الأعمال. أدلته: من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] (النحل: ١٢٨) . ومن السنة ما جاء في حديث جبريل ﵇ أنه سأل النبي ﷺ فقال: أخبرني عن الإحسان. فقال ﷺ : «أن تعبد الله كأنك تراه فإن تكن تراه فإنه يراك» (١) .

стр. 238

[المبحث الرابع العلاقة بين الإسلام والإيمان والإحسان] المبحث الرابع العلاقة بين الإسلام والإيمان والإحسان جاء ذكر الإسلام والإيمان والإحسان في حديث جبريل ومجيئه إلى النبي ﷺ وسؤاله عن هذه الأمور الثلاثة فأجاب عن الإسلام بامتثال الأعمال الظاهرة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وعن الإيمان بالأمور الباطنة الغيبية، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وعن الإحسان بمراقبة الله في السر والعلانية، فقَال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك. فإذا ذكرت هذه الأمور الثلاثة مجتمعة كان لكل واحد منها معنى خاص، فيقصد بالإسلام الأعمال الظاهرة ويقصد بالإيمان الأمور الغيبية. ويقصد بالإحسان أعلى درجات الدين وإذا انفرد الإسلام دخل فيه الإيمان وإذا انفرد الإيمان دخل فيه الإسلام وإذا انفرد الإحسان دخل فيه الإسلام والإيمان.

стр. 239

[الفصل الثاني الولاء والبراء معناه وضوابطه] الفصل الثاني الولاء والبراء: معناه وضوابطه التعريف: الولاء: مصدر ولي بمعنى قرب منه، والمراد به هنا القرب من المسلمين بمودتهم وإعانتهم ومناصرتهم على أعدائهم والسكنى معهم. والبراء: مصدر برى، بمعنى قطع. ومنه برى القلم بمعنى قطعه. والمراد هنا قطع الصلة مع الكفار فلا يحبهم ولا يناصرهم ولا يقيم في ديارهم إلا لضرورة. الولاء والبراء من حقوق التوحيد: يجب على المسلم أن يوالي في الله وأن يعادي في الله وأن يحب في الله، وأن يبغض في الله، فيحب المسلمين ويناصرهم ويعادي الكافرين ويبغضهم ويتبرأ منهم. قال تعالى في وجوب موالاة المؤمنين: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦] (المائدة: ٥٥، ٥٦) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] (المائدة: ٥١) . وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] (المجادلة: ٢٢) . ويتضح من هذه الآيات الكريمة وجوب موالاة المؤمنين وما ينتج عن ذلك من الخير ووجوب معاداة الكفار والتحذير من موالاتهم وما تؤدي إليه موالاتهم من شر.

стр. 240

مكانة الولاء والبراء في الدين: إن للولاء والبراء في الإسلام مكانة عظيمة، فهو أوثق عرى الإيمان. ومعناه توثيق عرى المحبة والألفة بين المسلمين ومفاصلة أعداء الإسلام. فقد روى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله» (١) . الفرق بين المداهنة والمداراة وأثرهما على الولاء والبراء: المداهنة: هي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومصانعة الكفار والعصاة من أجل الدنيا والتنازل عما يجب على المسلم من الغيرة على الدين. ومثاله الاستئناس بأهل المعاصي والكفار ومعاشرتهم وهم على معاصيهم أو كفرهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة عليه. قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ - تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠] (المائدة: ٧٨ - ٨٠) . المداراة: هي درء المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له. كالرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تأليفه. وفي الحديث عن عائشة ﵂، «أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: (بئس أخو العشيرة. وبئس ابن العشيرة) ، فلما جلس تطلق النبي

стр. 241

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة ﵂: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه. فقال ﷺ : (يا عائشة متى عهدتني فحاشًا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره) » (١) . فالنبي ﷺ دارى هذا الرجل لما دخل عليه مع ما فيه من الشر لأجل المصلحة الدينية، فدل على أن المداراة لا تتنافى مع الموالاة إذا كان فيها مصلحة راجحة من كف الشر والتأليف أو تقليل الشر وتخفيفه، وهذا من مناهج الدعوة إلى الله تعالى. ومن ذلك مداراة النبي ﷺ للمنافقين في المدينة خشية شرهم وتأليفًا لهم ولغيرهم. وهذا بخلاف المداهنة فإنها لا تجوز إذ حقيقتها مصانعة أهل الشر لغير مصلحة دينية وإنما من أجل الدنيا. نماذج من الولاء والبراء: قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] (الممتحنة: ٤) . وقال تعالى في موالاة الأنصار لإخوانهم المهاجرين: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] (الحشر: ٩) .

стр. 242

حكم موالاة العصاة والمبتدعين: إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر. فقد يجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته ويتصدق عليه. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة. هل يدخل في الموالاة معاملة الكفار في الأمور الدنيوية: دلت النصوص الصحيحة على جواز التعامل مع الكفار في المعاملات الدنيوية كمسائل البيع والشراء والإيجار والاستئجار والاستعانة بهم عند الحاجة والضرورة على أن يكون ذلك في نطاق ضيق وأن لا يضر بالإسلام والمسلمين. «فقد استأجر النبي ﷺ عبد الله بن أرَيْقط هاديًا خِرِّيتًا» (١) . والخريت هو الخبير بمعرفة الطريق. ورهن النبي ﷺ درعه عند يهودي في صاع من شعير وأجر علي ﵁ نفسه ليهودية يمتح لها الماء من البئر فمتح لها ست عشرة دلوًا كل دلو بتمرة. وقد استعان النبي ﷺ باليهود الذين كانوا في المدينة في قتال المشركين. واستعان بخُزاعة ضد كفار قريش. وهذا كله لا يؤثر على الولاء والبراء في الله على أن يلتزم الكفار الذين يقيمون بين المسلمين بالآداب العامة وأن لا يدعوا إلى دينهم.

стр. 243

[الفصل الثالث حقوق الصحابة وما يجب نحوهم] [المبحث الأول من هم الصحابة ووجوب محبتهم وموالاتهم] الفصل الثالث حقوق الصحابة وما يجب نحوهم المبحث الأول: من هم الصحابة ووجوب محبتهم وموالاتهم. المبحث الثاني: وجوب اعتقاد فضلهم وعدالتهم والكف عما شجر بينهم في ضوء الأدلة الشرعية. المبحث الثالث: أهل بيت النبي ﷺ وحقوقهم وبيان أن زوجاته من أهل بيته. المبحث الرابع: الخلفاء الراشدون، فضلهم وما يجب نحوهم وترتيبهم. المبحث الخامس: العشرة المبشرون بالجنة.

стр. 244

المبحث الأول من هم الصحابة ووجوب محبتهم وموالاتهم تعريف الصحابي: الصحابي هو من لقي النبي ﷺ مسلمًا ومات على ذلك. وجوب محبتهم وموالاتهم: الصحابة هم خير القرون، وصفوة هذه الأمة وأفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، ويجب علينا أن نتولاهم ونحبهم ونترضى عنهم وننزلهم منازلهم، فإن محبتهم واجبة على كل مسلم، وحبهم دين وإيمان وقربى إلى الرحمن، وبغضهم كفر وطغيان. فهم حملة هذا الدين، فالطعن فيهم طعن في الدين كله لأنه وصلنا عن طريقهم بعد أن تلقوه غضًّا طريًّا عن رسول الله ﷺ مشافهة ونقلوه لنا بكل أمانة وإخلاص ونشروا الدين في كافة ربوع الأرض في أقل من ربع قرن وفتح الله على أيديهم بلاد الدنيا فدخل الناس في دين الله أفواجًا. وقد دل الكتاب والسنة على وجوب موالاة الصحابة ومحبتهم وأنها دليل صدق إيمان الرجل. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (التوبة: ٧١) . وإذا كان أصحاب النبي ﷺ مقطوعًا

стр. 245

بإيمانهم بل هم أفضل المؤمنين لتزكية الله ورسوله لهم فإن موالاتهم ومحبتهم دليل إيمان من قامت به هذه الصفة. ومن السنة حديث أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار» (١) . والنصوص في هذا كثيرة جدًّا لا يسع المقام ذكرها على أنه يحسن التنبيه هنا على ما يترتب على موالاة الصحابة رضوان الله عليهم من الآثار الطيبة في الدنيا والآخرة مما يشحذ الهمم على تحقيق موالاتهم. فمن آثار موالاتهم الطيبة في الدنيا الفلاح والغلبة والنصر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] (المائدة: ٥٦) . قال ابن كثير: (كل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة ومنصور في الدنيا والآخرة) . ومن ثمار محبتهم في الآخرة ما يُرجى لمُحبّهم من الحشر معهم لقول النبي ﷺ كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم، فقال رسول الله ﷺ : (المرء مع من أحب) » (٢) . ولذا كان أصحاب رسول الله ﷺ يتقربون إلى الله بمحبة أبي بكر وعمر ويعدون ذلك من أفضل أعمالهم وأرجاها عند الله. روى الإمام البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ «أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الساعة فقال: متى الساعة؟ فقال النبي ﷺ : (وماذا أعددت لها) . قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، فقَال النبي ﷺ : (أنت مع من أحببت) ، فقال أنس: فما

стр. 246

فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ أنت مع من أحببت. قال أنس: (فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم» (١) .

стр. 247

[المبحث الثاني وجوب اعتقاد فضل الصحابة والكف عما شجر بينهم] المبحث الثاني وجوب اعتقاد فضلهم وعدالتهم والكف عما شجر بينهم في ضوء الأدلة الشرعية فضلهم: لقد أثنى الله تعالى على الصحابة ورضي عنهم ووعدهم الحسنى. كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] (التوبة: ١٠٠) . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] (الفتح: ١٨) . وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ - وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠] (الحشر: ٨- ١٠) . فقد دلت الآيات الكريمة على فضل الصحابة والثناء عليهم من المهاجرين والأنصار وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكل من حصل على شرف الصحبة. ووصف الذين جاؤوا من بعدهم بأنهم يستغفرون لمن سبقهم من الصحابة ويدعون الله تعالى ألا يجعل في قلوبهم غلًّا للذين آمنوا. كما تضمنت الآيات وغيرها مما لا يمكن حصره من الترضي عنهم

стр. 248

وبشارتهم بالجنة وحصولهم على الفوز العظيم ومدحهم وذكر بعض صفاتهم من الحب والإيثار والكرم والجود وحب إخوانهم المسلمين ونصرهم لدين الله ونحو ذلك من الأوصاف العظيمة والذكر الجميل ما هم أهل له. وقد أثنى عليهم رسول الله ﷺ بأحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة» (١) . وقد جاءت أحاديث بعضها عامة في فضل جميع الصحابة وبعضها في فضل أهل بدر، وبعضها في أفراد بخصوصهم. فالواجب على المسلمين تطبيق هذه النصوص وتولي الصحابة جميعًا، ومحبتهم والترضي عنهم، وذكرهم بكل جميل، والاقتداء بهم والسير على منهجهم. وجوب الكف عما شجر بين الصحابة وحكم سبهم: عرفنا أن أصحاب رسول الله ﷺ هم الصفوة المختارة من هذه الأمة بعد نبينا ﷺ ، فهم السابقون إلى الإسلام وهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده وأبلوا بلاءً حسنًا في الذود عن حياض الإسلام حتى مكن الله لهذا الدين في الأرض على أيديهم. فمن تنقصهم أو سبهم أو نال من أحد منهم فهو من شر الخليقة؛ لأن عمله هذا اعتداء على الدين كله. ومن كفرهم أو اعتقد ردتهم فهو أولى بالكفر والردة وإنه مهما عمل أحدٌ بعدهم من عمل فإنه لن يبلغ شيئًا من فضلهم. فقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما

стр. 249

أدرك مُد أحدهم ولا نصيفه» (١) . فقد دل الحديث على تحريم سب أصحاب رسول الله ﷺ والتأكيد على أنه لن يبلغ أحد مبلغهم مهما قدم من عمل. فالواجب على المسلمين اعتقاد عدالتهم والترضي عنهم والكف عما شجر بينهم وعدم الخوض فيما جرى بينهم من خلاف وترك سرائرهم إلى الله تعالى. قال عمر بن عبد العزيز ﵀: (أولئك قوم طهر الله أيدينا من دمائهم، فلنطهر ألسنتنا من أعراضهم) . وخلاصة القول أن أهل السنة يوالون الصحابة كلهم وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب. فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد.

стр. 250

[المبحث الثالث أهل بيت النبي ﷺ ] المبحث الثالث أهل بيت النبي ﷺ التعريف بأهل البيت: أهل البيت هم آل النبي ﷺ الذين حرّمت عليهم الصدقة. وهم: آل علي بن أبي طالب، وآل جعفر، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب وأزواج النبي ﷺ . أدلة فضل أهل البيت: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] (الأحزاب: ٣٣) . وقال ﷺ : «أذكّركم الله في أهل بيتي» (١) . دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت: قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا - وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا - وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٤] (الأحزاب: ٣٢-٣٤) . قال الإمام ابن كثير ﵀: (ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]
следующие страницы →