← Акыда

Акыда · id 30847

أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (272 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

التمهيد: الإيمان بالأسماء والصفات وأثر ذلك في سلوك المسلم إن للإيمان بأسماء الله وصفاته آثارا عظيمة في نفس المسلم وتحقيقه لعبادة ربه. فمن آثارها تلك المعاني التي يجدها العبد في عبوديته القلبية التي تثمر التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه، وحفظ جوارحه، وخطرات قلبه، وضبط هواجسه حتى لا يفكر إلا فيما يرضي الله تعالى، ويحب لله وفي الله، به يسمع، وبه يبصر، ومع ذلك هو واسع الرجاء وحسن الظن بربه. هذه المعاني وغيرها مما يتعلق بالإيمان بمعاني الأسماء والصفات تثمر العبودية الظاهرة والباطنة على تفاوت بين شخص وآخر وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فلاسمه "الغفار" أثره العظيم في محبته وعدم اليأس من رحمته ولاسمه " شديد العقاب " أثره الكبير في خشيته وعدم الجرأة على محارمه. وهكذا لأسمائه الأخرى وصفاته آثارها بحسب دلالاتها المتنوعة في نفس المسلم واستقامته على شرع الله بل وتحقيق محبته في القلوب التي هي أساس سعادة المسلم في الدنيا والآخرة، ومفتاح كل خير وأعظم عون للعبد على عبادته لربه على أكمل الوجوه إذ الأعمال الظاهرة تخف وتثقل على النفس بحسب المحبة القلبية لله تعالى. فإكمال العمل وتحسينه على ما أراد الله منوط بالمحبة القلبية لله. والمحبة منوطة بمعرفة الله بأسمائه وصفاته. ولهذا كان أعظم الناس عبادة لله رسل الله الذين هم أعظم الناس محبة له وأعرفهم به.

стр. 72

[المبحث الأول تعريف توحيد الأسماء والصفات وأدلته] المبحث الأول تعريف توحيد الأسماء والصفات وأدلته أولا: تعريفه: توحيد الأسماء والصفات: هو إثبات ما أثبت الله لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ، ونفي ما نفى الله عن نفسه، ونفاه عنه رسوله ﷺ من الأسماء والصفات والإقرار لله تعالى بمعانيها الصحيحة ودلالاتها واستشعار آثارها ومقتضياتها في الخلق. ثانيًا: المنهج في إثباته: يقوم المنهج الحق في باب الأسماء والصفات على الإيمان الكامل والتصديق الجازم بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. والتحريف: هو التغيير وإمالة الشيء عن وجهه. وهو قسمان: ١ - تحريف لفظي. وذلك بالزيادة في الكلمة أو النقص أو تغيير حركة في الكلمة كتحريف كلمة استوى في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (طه: ٥) إلى استولى. قال صاحب النونية: نون اليهود ولام جهمي هما ... في وحي رب العرش زائدتان ٢ - تحريف معنوي. وذلك بتفسير اللفظ على غير مراد الله ورسوله منه

стр. 73

كمن فسر " اليد " لله تعالى بالقوة أو النعمة. فإن هذا تفسير باطل لا يدل عليه الشرع ولا اللغة. والتعطيل: هو نفي صفات الله تعالى كمن زعم أن الله تعالى لا يتصف بصفة. والفرق بين التحريف والتعطيل هو أن التحريف نفي المعنى الصحيح الذي دلت عليه النصوص واستبداله بمعنى آخر غير صحيح أما التعطيل فهو نفي المعنى الصحيح من غير استبدال له بمعنى آخر. والتكييف: تعيين كيفية الصفة والهيئة التي تكون عليها كفعل بعض المنحرفين في هذا الباب الذين يكيفون صفات الله فيقولون كيفية يده: كذا وكذا، وكيفية استوائه على هيئة كذا وكذا. فإن هذا باطل إذ لا يعلم كيفية صفات الله إلا هو وحده وأما المخلوقون فإنهم يجهلون ذلك ويعجزون عن إدراكه. والتمثيل: هو التشبيه كمن يقول لله سمع كسمعنا ووجه كوجوهنا تعالى الله عن ذلك. وينتظم المنهج الحق في باب الأسماء والصفات في ثلاثة أصول من حققها سلم من الانحراف في هذا الباب. وهي: الأصل الأول: تنزيه الله جل وعلا عن أن يشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين. الأصل الثاني: الإيمان. بما سمى ووصف الله به نفسه وبما سماه ووصفه به

стр. 74

رسوله ﷺ على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته. الأصل الثالث: قطع الطمع عن إدراك حقيقة كيفية صفات الله تعالى لأن إدراك المخلوق لذلك مستحيل. فمن حقق هذه الأصول الثلاثة فقد حقق الإيمان الواجب في باب الأسماء والصفات على ما قرره الأئمة المحققون في هذا الباب. ثالثًا: أدلة هذا المنهج: دلت الأدلة من كتاب الله تعالى على تقرير هذا المنهج. فمن الأدلة على الأصل الأول: وهو تنزيه الرب عن مشابهة المخلوقين، قول الله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (الشورى: ١١) . ومقتضى الآية نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق من كل وجه مع إثبات السمع والبصر لله وفي هذا إشارة إلى أن ما يثبت لله من السمع والبصر ليس كما يثبت للمخلوقين من هاتين الصفتين مع كثرة من يتصف بهما من المخلوقين. وما يقال في السمع والبصر يقال في غيرهما من الصفات. واقرأ قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] أورد ابن كثير في تفسير الآية ما رواه البخاري في التوحيد (١٣ / ٣٧٢) والإمام أحمد في المسند (٦ / ٤٦) عن عائشة ﵂ قالت: " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع فأنزل الله عز وجل

стр. 75

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلى آخر الآية " (١) . ومن الأدلة أيضًا قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] (النحل: ٧٤) . قال الطبري في تفسير الآية: " فلا تمثلوا لله الأمثال ولا تشبهوا له الأشباه فإنه لا مثل له ولا شبه " (٢) . وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] (مريمَ: ٦٥) قال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: " هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا ". ومن الأدلة لهذا الأصل: قول الله ﵎: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] (الإخلاص: ٤) قال الطبري: " ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء ". ومن الأدلة على الأصل الثاني: وهو الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته، قول الله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (البقرة: ٢٥٥) . وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] (الحديد: ٣) . وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ - هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤] (الحشر: ٢٢- ٢٤) .

стр. 76

ومن السنة حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: «اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدَّيْن وأغْنِنا من الفقر» (١) . والنصوص في تقرير هذا الباب كثيرة تجل عن الحصر. وأما الأصل الثالث وهو قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله ﵎ فقد دل عليه قول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (طه: ١١٠) . قال بعض أهل العلم في معنى الآية: " لا إحاطة للعلم البشري برب السماوات والأرض فينفي جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها ". ومن الأدلة لهذا الأصل أيضًا قول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] (الأنعام: ١٠٣) قال بعض العلماء في معرض حديثه عن الآية: " وهذا يدل على كمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك وهو الإحاطة بالشيء قدر زائد على الرؤية فالرب يرى في الآخرة ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط بعلمه ". وينبغي

стр. 77

للعاقل أن يعلم أن للعقل حدا يصل إليه ولا يتعداه كما أن للسمع والبصر حدا ينتهيان إليه، فمن تكلف ما لا يمكن أن يدرك بالعقل كالتفكر في كيفية صفات الله، فهو كالذي يتكلف أن يبصر ما وراء الجدار أو يسمع الأصوات في الأماكن البعيدة جدا عنه.

стр. 78

[المبحث الثاني أمثلة تطبيقية لإثبات الأسماء والصفات] المبحث الثاني أمثلة تطبيقية لإثبات الأسماء والصفات في ضوء الكتاب والسنة دل الكتاب والسنة على إثبات الأسماء والصفات للرب في مواطن كثيرة من أوجه متعددة وفي سياقات متنوعة. والأسماء والصفات الثابتة بالكتاب والسنة كثيرة جدًّا دونت فيها الكتب والمصنفات وعد أهل العلم الكثير منها. ونذكر هنا طائفة منها على سبيل التمثيل لا الحصر. فمن أسماء الله تعالى: الحي والقيوم: وقد دل على هذين الاسمين الكتاب والسنة. فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (البقرة: ٢٥٥) . ومن السنة حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في حلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد وتشهد ودعا فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم. فقال النبي ﷺ : «لقد دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به

стр. 79

أعطى» (١) . الحميد: وقد دل عليه قول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (البقرة: ٢٦٧) . ومن السنة حديث كعب بن عُجْرَة في التشهد أن النبي ﷺ علمهم أن يقولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» . . .) (٢) . الرحمن والرحيم: وقد دل عليهما قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣] (الفاتحة: ٢، ٣) . ومن السنة أمر النبي ﷺ كاتبه يوم الحديبية عند كتابة الصلح بينه وبين المشركين أن يكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) (٣) . الحليم: ودليله من القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] (فاطر: ٤١) . ومن السنة حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم» . .) الحديث (٤) .

стр. 80

ومن صفات الله: القدرة: وهي صفة ذاتية لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة. ومعنى ذاتية: أي ملازمة لذات الله لا تنفك عنه سبحانه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] (البقرة: ٢٠) . ومن السنة حديث عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى النبي ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم فقال له رسول الله ﷺ : «ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا وقل، سبع مرات: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» (١) . الحياة: وهي من صفات الله الذاتية. وهي مشتقة من اسمه الحي وقد تقدم ذكر الأدلة عليها. العلم: صفة ذاتية لله تعالى وثبوتها بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (البقرة: ٢٥٥) . ومن السنة حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كان يعلمهم أن يقولوا في الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك» . . .) (٢) . الإرادة: وهي صفة فعلية ثابتة بالكتاب والسنة. والصفات الفعلية هي المتعلقَة

стр. 81

بمشيئة الله وقدرته إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] (الأنعام: ١٢٥) . ومن السنة حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابًا، أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم» (١) . العلو: وهو صفة ذاتية ثابتة بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] (الأعلى: ١) . وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] (النحل: ٥٠) . ومن السنة حديث أبي هريرة المتقدم في المبحث الأول في الذكر عند النوم وفيه: (. . . «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء» . . .) (٢) . الاستواء: وهو صفة فعلية لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (طه: ٥) . وعن قتادة بن النعمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه» (٣) . ومعنى الاستواء في

стр. 82

لغة العرب: العلو والارتفاع، والاستقرار والصعود واستواء الله تعالى على عرشه استواء يليق بجلاله. الكلام: وهو صفة ذاتية باعتبار النوع وصفة فعلية باعتبار أفراد الكلام فهو سبحانه يتكلم متى شاء وكيف شاء بكلام مسموع، وقد دل على صفة الكلام الأدلة من الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (النساء: ١٦٤) ، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] (الأعراف: ١٤٣) . ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنة. قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده» . . .) الحديث (١) . الوجه: وهو صفة ذاتية خبرية ثابتة لله بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] (البقرة: ٢٧٢) . وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] (الرحمن: ٢٧) ، ومن السنة حديث جابر بن عبد الله قال: (لما نزلت: هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال النبي ﷺ : «أعوذ بوجهك» . فقال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] فقال النبي ﷺ : «أعوذ بوجهك» . قال ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] (الأنعام: ٦٥) . فقال

стр. 83

النبي ﷺ : «هذا أيسر» (١) . اليدان: وهي صفة ذاتية خبرية لله وثبوتها بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] (المائدة: ٦٤) . وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] (ص: ٧٥) . ومن السنة حديث أبي موسى الأشعري الذي رواه مسلم عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (٢) . العينان: وهي صفة ذاتية خبرية ثابتة لله بالكتاب والسنة. فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] (طه: ٣٩) . وقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] (هود: ٣٧) . ومن السنة حديث عبد الله بن عمر ﵄ في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله لا يَخْفى عليكم إن اللهّ ليس بأعور وأشار بيده إلى عينيه، وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأنّ عينه عنبة طافية» (٣) . القدم: وهي صفة ذاتية ثابتة للرب بالأحاديث الصحيحة. ومن ذلك

стр. 84

حديث أبي هريرة في تحاجج الجنة والنار وفيه: (. . . «فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله، تقول قط قط قط فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض» . . .) (١) . وفي بعض الروايات في الصحيحين «فيضع قدمه عليها» . . .) (٢) . وأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة كثيرة لا تحصى وإنما هذه أمثلة ويجب على المسلم إثباتها لله ﵎ على ما يليق بجلاله وكماله، كما أثبتها الله لنفسه في كتابه، وهو أعلم بنفسه من خلقه، وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته وهو أعلم الخلق بربه وأكملهم نصحًا وأفصحهم وأبلغهم بيانًا وأتقاهم وأخشاهم له، وليحذر من تعطيل الله من صفاته أو تشبيهها بصفات المخلوقين لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (الشورى: ١١) .

стр. 85

[المبحث الثالث قواعد في باب الأسماء والصفات] [القاعدة الأولى القول في الصفات كالقول في الذات] المبحث الثالث قواعد في باب الأسماء والصفات القاعدة الأولى: القول في الصفات كالقول في الذات وبيانها: أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته، ولا أفعاله. فإذا كان لله ذات حقيقية لا تماثل الذوات بلا خلاف فكذلك الصفات الثابتة له في الكتاب والسنة، هي صفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات فالقول في الذات والصفات من باب واحد. وهذه قاعدة عظيمة يناقش بها من ينكر الصفات مع إثباته الذات فإن إثبات الذات للرب محل إجماع الأمة. فإذا قال قائل: لا أثبت الصفات لأن في إثباتها تشبيهًا لله بخلقه. يقال له: أنت تثبت لله ذاتًا حقيقية وتثبت للمخلوقين ذواتًا أفليس هذا تشبيهًا على قولك!! فإن قال: إنما أثبت ذاتًا لله لا تشبه الذوات ولا يسعه غير هذا. قيل له يلزمك هذا في باب الصفات فإن كانت الذات لا تشبه الذوات وهو حق فكذلك صفات الذات الإلهية لا تشبه الصفات. فإن قال: كيف أثبت صفة لا أعلم كيفيتها. قلنا: له كما تثبت ذاتًا لا تعلم كيفيتها. [القاعدة الثانية القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر] القاعدة الثانية: القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر وشرحها: أن القول في بعض صفات الله من حيث الإثبات والنفي

стр. 86

كالقول في البعض الآخر وهذه القاعدة يخاطب بها من يثبت بعض الصفات وينكر البعض الآخر. فإذا كان الرجل يثبت بعض الصفات كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها ويجعل ذلك كله حقيقة ثم ينازع في صفة المحبة والرضا والغضب وغيرها، ويجعل ذلك مجازًا فيقال له: لا فرق بين ما أثبته وبين ما نفيته فالقول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن كنت تثبت له حياة وعلمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا لا تشبه ما يثبت للمخلوقين الذين يتصفون بهذه الصفات فكذلك يلزمك أن تثبت له محبة ورضًا وغضبًا كما أخبر هو عن نفسه من غير مشابهة للمخلوقين وإلا وقعت في التناقض. [القاعدة الثالثة الأسماء والصفات توقيفية] القاعدة الثالثة: الأسماء والصفات توقيفية أسماء الله وصفاته توقيفية لا مجال للعقل فيها وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة فلا يزاد فيها ولا ينقص لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات فوجب الوقوف على النص. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (الإسراء: ٣٦) . وقد كان أئمة الإسلام على هذا المنهج. قال الإمام أحمد ﵀: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث) . وقرر بعض أهل العلم أن العلم بالشيء حتى يُمكن وصفه له ثلاثة طرق: إما رؤيتَه، أو رؤية مثيله، أو وصفه ممن يعرفه. وعِلْمُنَا بِرَبِّنا وأسمائه وصفاته محصور في الطريق الثالث وهو وصفه ممن يعرفه وليس أحد أعلم بالله من الله ثم رسله

стр. 87

الذين أوحى إليهم وعلمهم فوجب لزوم طريق الوحي في أسماء الله وصفاته إذ لم نر ربنا في الدنيا فنصفه وليس له مثيل من خلقه فيوصف بوصفه، تعالى ربنا وتقدس. [القاعدة الرابعة أسماء الله كلها حسنى] القاعدة الرابعة: أسماء الله كلها حسنى أسماء الله كلها حسنى أي بالغة في الحسن غايته. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] (الأعراف: ١٨٠) وذلك لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول وهو الله ولأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالا ولا تقديرًا. مثال ذلك: (الحي) اسم من أسماء الله تعالى متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال. الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها. ومثال آخر: (العليم) اسم من أسماء الله تعالى متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان. قال تعالى ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] (طه: ٥٢) العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا سواء ما يتعلق بأفعاله أو أفعال خلقه. كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] (غافر: ١٩) . والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراد، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى آخر كمال فوق كمال. مثال ذلك: (العزيز الحكيم) فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو العزة في

стр. 88

العزيز والحكم والحكمة في الحكيم. والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن العزة لله تعالى مقرونة بالحكمة فعزته لا تقتضي ظلمًا وجورًا كما يكون من بعض أعزاء المخلوقين فإن بعضهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور، وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل. هذا والله أعلم. وفي ختام هذا الباب نشير إلى جملة من الفوائد والثمرات التي يجنيها المسلم بتحقيقه لهذا الأصل العظيم وهو الإيمان بالله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فمن ذلك: ١ - أن العبد ينال بذلك سعادة الدنيا والآخرة، بل إن السعادة في الدارين متوقف الحصول عليها على الإيمان بالله، فحظ العبد منها بحسب حظه من إيمانه بربه وأسمائه وصفاته وألوهيته. ٢ - أن إيمان العبد بربه وأسمائه وصفاته هو أعظم أسباب خوفه سبحانه وخشيته وتحقيق طاعته، فكلما كان العبد بربه أعرف كان إليه أقرب، ومنه أخشى، ولعبادته أطلب، وعن معصته ومخالفته أبعد. ٣ - أن العبد ينال بذلك طمأنينة قلبه، وراحة نفسه، وأنس خاطره، والأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة. والله تعالى يقول ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] (الرعد: ٢٨) . ٤ - أنَّ نيل ثواب الآخرة متوقف على الإيمان بالله وصحته، فبتحقيقه وتحقيق لوازمه ينال العبد ثواب الآخرة فيدخل جنة عرضها السماء والأرض فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وينجو من النار وعذابها الشديد، وأعظم من ذلك كله أن يفوز برضى الرب سبحانه فلا يسخط عليه أبدًا، ويتلذذ يوم القيامة بالنظر إلى

стр. 89

وجهه الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. ٥ - أن الإيمان بالله هو الذي يصحح الأعمال ويجعلها مقبولة، فبفقده لا تقبل بل ترد على صاحبها وإن كثرت وتنوعت، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] (المائدة: ٥) . وقال تعالى ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] (الإسراء: ١٩) . ٦ - أن الإيمان الصحيح بالله يحمل صاحبه على التزام الحق واتباعه علمًا وعملًا، ويكسب العبد الاستعداد التام لتلقي المواعظ النافعة والعبر المؤثرة، ويوجب سلامة الفطرة، وحسن القصد، والمبادرة إلى الخيرات، ومجانبة المحرمات والمنكرات، ولزوم الأخلاق الحميدة، والخصال الكريمة، والآداب النافعة. ٧ - أنَّ الإيمان بالله ملجأ المؤمنين في كل ما يلم لهم من شرور وحزن وأمن وخوف وطاعة ومعصية وغير ذلك من الأمور التي لا بد لكل أحد منها، فعند المحاب والسرور يلجؤون إلى الإيمان بالله فيحمدون الله ويثنون عليه ويستعملون نعمته فيما يحب، وعند المكاره والأحزان يلجؤون إلى الإيمان بالله فيتسلون بإيمانهم وما يترتب عليه من الأجر والثواب، وعند المخاوف والأحزان يلجؤون إلى الإيمان بالله فتطمئن قلوبهم ويزداد إيمانهم وتعظم ثقتهم بربهم، وعند الطاعات والتوفيق للأعمال الصالحات يلجؤون إلى الإيمان بالله فيعترفون بنعمته عليهم، ويحرصون على تكميلها، ويسألونه الثبات عليها والتوفيق لقبولها، وعند الوقوع في شيء من المعاصي يلجؤون إلى الإيمان بالله فيبادرون إلى التوبة منها والتخلص من شرورها وأوضارها، فالمؤمنون في جميع تقلباتهم وتصرفاتهم ملجؤهم إلى الإيمان بالله وحده.

стр. 90

٨ - أن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته توجب محبة الله في القلوب إذ أن أسماء الله وصفاته كاملة من كل وجه والنفوس قد جبلت على حب الكمال والفضل فإذا تحققت محبة الله في القلوب انقادت الجوارح بالأعمال وتحققت الحكمة التي خلق العبد من أجلها وهي عبادة الله. ٩ - أن العلم بالأسماء والصفات يورث قوة اليقين بانفراد الله تعالى بتصريف شؤون الخلق وانفراده بذلك لا شريك له وهذا مما يحقق صدق التوكل على الله في جلب المصالح الدينية والدنيوية وفي ذلك فلاح العبد ونجاحه فمن توكل على الله فهو حسبه. ١٠ - إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقا له تعالى أو أمرا، وهي إما علم بما كونه، وإما علم بما شرعه، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه. فمن أحصى أسماء الله كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم.

стр. 91

[الباب الثاني بقية أركان الإيمان] [الفصل الأول الإيمان بالملائكة] [المبحث الأول تعريف الملائكة وأصل خلقتهم وصفاتهم وبعض خصائصهم] الباب الثاني: بقية أركان الإيمان وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: الإيمان بالملائكة ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف الملائكة وأصل خلقتهم وصفاتهم وبعض خصائصهم. المبحث الثاني: منزلة الإيمان بهم وكيفيته وأدلة ذلك. المبحث الثالث: وظائفهم.

стр. 92

المبحث الأول تعريف الملائكة وأصل خلقتهم، وصفاتهم، وخصائصهم تعريفهم: الملائكة: جمع مَلَك. أخذ من (الأَلُوكِ) وهي: الرسالة. وهم: خلق من مخلوقات الله، لهم أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل والتمثل والتصور بالصور الكريمة، ولهم قوى عظيمة، وقدرة كبيرة على التنقل، وهم خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الله، قد اختارهم الله واصطفاهم لعبادته والقيام بأمره، فلا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. أصل خلقهم: والمادة التي خلق الله منها الملائكة هي " النور ". فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور. وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (١) . والمارج هو: اللهب المختلط بسواد النار. صفاتهم: قد تضمن الكتاب والسنة الكثير من النصوص المبينة صفات الملائكة وحقائقها فمن ذلك:

стр. 93

أنهم موصوفون بالقوة والشدة. كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦] (التحريم: ٦) . وقال تعالى في وصف جبريل ﵇ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] (النجم: ٥) . وقال في وصفه أيضا ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] (التكوير: ٢٠) . وهم موصوفون بعظم الأجسام والخلق. ففي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ وقد سألت النبي ﷺ عن معنى قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] (التكوير: ٢٣) فقال: «إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض» (١) . وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته، وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم» (٢) قال الحافظ ابن كثير: إسناده جيد. وروى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام» (٣) قال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح.

стр. 94

ومن صفاتهم أنهم يتفاوتون في الخلق والمقدار فهم ليسوا على درجة واحدة، فمنهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له ستمائة جناح. قال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] (فاطر: ١) . ومن صفاتهم الحسن والجمال فهم على درجة عالية من ذلك. قال تعالى في حق جبريل ﵇ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى - ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: ٥ - ٦] (النجم: ٥، ٦) قال ابن عباس ﵄ (ذو مرة: ذو منظر حسن) وقال قتادة: (ذو خلق طويل حسن) . وقال تعالى مخبرا عن النسوة عند رؤيتهن ليوسف ﵇: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] (يوسف: ٣١) وإنما قلن ذلك لما هو مقرر عند الناس من وصف الملائكة بالجمال الباهر. ومن صفاتهم التي وصفهم الله بها أنهم كرام أبرار. قال تعالى ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ - كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥ - ١٦] (عبس: ١٥، ١٦) . وقال ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ - كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١] (الانفطار: ١٠، ١١) . ومن صفاتهم الحياء لقول النبي ﷺ في حق عثمان ﵁: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» (١) . ومن صفاتهم أيضا العلم. قال تعالى في خطابه للملائكة

стр. 95

﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] (البقرة: ٣٠) فأثبت الله للملائكة علمًا وأثبت لنفسه علمًا لا يعلمونه. وقال تعالى في حق جبريل ﵇ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] (النجم: ٥) قال الطبري: (علم محمدًا ﷺ هذا القرآن جبريل ﵇ أ. هـ، وهذا متضمن وصف جبريل بالعلم والتعليم. إلى غير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة من صفاتهم العظيمة وأخلاقهم الكريمة الدالة على علو شأنهم وسمو منازلهم ﵈. خصائصهم: للملائكة ﵈ خصائص وصفات قد اختصهم الله تعالى بها، وامتازوا بها عن الجن والإنس وسائر المخلوقات. فمنها: أن مساكنهم في السماء وإنما يهبطون إلى الأرض تنفيذًا لأمر الله في الخلق وما أسند إليهم من تصريف شؤونهم. قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢] (النحل: ٢) وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥] (الزمر: ٧٥) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (١) . والنصوص في هذا كثيرة جدًّا يصعب حصرها هنا.

стр. 96

ومن خصائصهم أنهم لا يوصفون بالأنوثة، قال تعالى منكرا على الكفار ذلك: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] (الزخرف: ١٩) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢٧] (النجم: ٢٧) . ومن خصائصهم أنهم لا يعصون الله في شيء، ولا تصدر منهم الذنوب، بل طبعهم الله على طاعته، والقيام بأمره: كما قال تعالى في وصفهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (التحريم: ٦) . وقال أيضا ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] (الأنبياء: ٢٧) . ومن خصائصهم أيضا أنهم لا يفترون عن العبادة ولا يسأمون. قال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ - يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] (الأنبياء: ١٩، ٢٠) . وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] (فصلت: ٣٨) . فهذه بعض خصائص الملائكة التي اختصهم الله بها دون الثقلين من الإنس والجن. وبالجملة فالملائكة جنس آخر، يتميزون في أصل خلقتهم وتكوينهم عن الإنس والجن. كما أن لكل من الإنس والجن خصائصهما التي يتميز بها أحد الجنسين عن الآخر والله أعلم.

стр. 97

[المبحث الثاني منزلة الإيمان بالملائكة وكيفيته وأدلة ذلك] المبحث الثاني منزلة الإيمان بالملائكة وكيفيته وأدلة ذلك منزلة الإيمان بهم: الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان في الدين الإسلامي، لا يتحقق الإيمان إلا به. وقد نص الله على ذلك في كتابه. وأخبر عنه النبي ﷺ في سنته. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (البقرة: ٢٨٥) فأخبر أن الإيمان بالملائكة مع بقية أركان الإيمان مما أنزله على رسوله وأوجبه عليه وعلى أمته وأنهم امتثلوا ذلك. وقال تعالى في آية أخرى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] (البقرة: ١٧٧) . فجعل الإيمان بهذه الخصال دليل البرِّ- والبرُّ اسم جامع للخير- وذلك أن هذه الأشياء المذكورة هي أصول الأعمال الصالحة، وأركان الإيمان التي تتفرع منها سائر شعبه. كما أخبر الله في مقابل هذا أن من كفر بهذه الأركان فقد كفر بالله: فقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] (النساء: ١٣٦) فأطلق الكفر على من أنكر هذه الأركان،

стр. 98

ووصفه بالبعد في الضلال. فدل ذلك أن الإيمان بالملائكة ركن عظيم من أركان الإيمان وأن تركه مخرج من الملة. وقد دلت السنة كذلك على هذا. وهو ما جاء موضحًا في حديث جبريل المشهور الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربَّتها. وأن ترى الْحُفاة العُراة، العَالة، رِعاءَ الشاء، يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق فلبثت مليًّا ثم قال لي: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلتَ: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم» (١) . فهذا حديث عظيم اشتمل على أصول الدين ومراتبه كلها وهو منهج

стр. 99

فريد في تعليم هذا الدين جاء على طريقة الحوار بين الرسول الملكي، أفضل الملائكة وهو جبريل ﵇ وبين الرسول الإنسي أفضل البشر، وهو محمد ﷺ ، فينبغي للمسلمين أن يعنوا بهذا الحديث العظيم وأن يستمدوا منهجهم في التعلم والتعليم منه كما كان على ذلك السلف رضوان الله عليهم. وقد تضمن الحديث ذكر الملائكة وأن الإيمان بهم ركن من أركان الإيمان وهو المقصود هنا. . والله أعلم. كيفية الإيمان بالملائكة: الإيمان بالملائكة يتضمن عدة أمور لا بد للعبد من تحقيقها حتى يتحقق له الإيمان بالملائكة وهي: ١ - الإقرار بوجودهم والتصديق بهم كما دلت على ذلك النصوص المتقدمة من أن الإيمان بهم ركن من أركان الإيمان فلا يتحقق الإيمان إلا بذلك. ٢ - الإيمان بأنهم خلق كثير جدًّا لا يعلم عددهم إلا الله تعالى كما دلت على ذلك النصوص. قال تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] (المدثر: ٣١) . أي لا يعلم جنود ربك وهم الملائكة إلا هو وذلك لكثرتهم. قال بذلك بعض السلف. وجاء في حديث الإسراء الطويل الذي أخرجه الشيخان من حديث مالك بن صعصعة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (. . . «ثم رفع لي البيت المعمور، فقلت: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور. يدخله كل يوم سبعون ألف

стр. 100

ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم» (١) . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (٢) . فدل الحديثان على كثرة الملائكة، فإذا كان البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه وإنما يأتي غيرهم، وجهنم يأتي بها يوم القيامة هذا العدد من الملائكة، فكيف بغيرهم من الملائكة الموكلين بأعمال أخرى ممن لا يعلم عددهم إلا خالقهم ﵎. ٣ - الإقرار لهم بمقاماتهم العظيمة عند ربهم وكرمهم عليه وشرفهم عنده كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] (الأنبياء: ٢٦، ٢٧) . وقال جل وعلا ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ - كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥ - ١٦] (عبس: ١٥، ١٦) . فوصفهم بأنهم مكرمون منه سبحانه. وقال تعالى في حقهم ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] (فصلت: ٣٨) فوصفهم بأنهم عنده وهذا تشريف لهم، مع مقام التعبد له بلا سآمة. كما أنه تعالى أقسم بهم في غير موطن من كتابه وهذا لشرفهم عنده. فقال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا - فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا - فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ١ - ٣] (الصافات: ١-٣) . وقال : ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا - فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٤ - ٥] (المرسلات: ٤، ٥) . وشواهد صور إكرام الملائكة وتنوع أساليبها وتعدد سياقاتها من كتاب الله كثيرة لا تخفى على متدبر مما يحتم تقرير هذا في الشرع والله أعلم.

стр. 101

٤ - اعتقاد تفاضلهم وعدم تساويهم في الفضل والمنزلة عند الله على ما دلت على ذلك النصوص: قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] (الحج: ٧٥) . وقال : ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] (النساء: ١٧٢) فأخبر أن منهم مصطفين بالرسالة ومقربين، فدل على فضلهم على غيرهم. وأفضل الملائكة: المقربون مع حملة العرش. وأفضل المقربين الملائكة الثلاثة الوارد ذكرهم في دعاء النبي ﷺ الذي كان يفتتح به صلاة الليل فيقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة» . .) (١) . وأفضل الثلاثة جبريل ﵇ وهو الموكل بالوحي، فشرفه بشرف وظيفته. وقد ذكره الله في كتابه بما لم يذكر غيره من الملائكة، وسماه بأشَرف الأسماء، ووصفه بأحسن الصفات. فمن أسمائه الروح: قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] (الشعراء: ١٩٣) . وقال : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] (القدر: ٤) . وقد ورد هذا الاسم مضافًا إلى الله تعالى إضافة تشريف. قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (مريم: ١٧) . وورد مضافًا إلى القدس، قال تعالى ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] (النحل: ١٠٢) والقدس هو الله على الصحيح من أقوال المفسرين. ومما جاء في وصفه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] (التكوير: ١٩- ٢١) . وقال تعالى ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥]

стр. 102

﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: ٦] (النجم: ٥، ٦) فوصفه الله تعالى بأنه رسول وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه، وأنه مطاع في السماوات، وأنه أمين على الوحي وأنه ذو مرة (أي مظهر حسن) . ٥ - موالاتهم والحذر من عداوتهم لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (التوبة: ٧١) فدخل الملائكة في هذه الآية لأنهم مؤمنون قائمون بطاعة ربهم كما أخبر الله عنهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (التحريم: ٦) . وأخبر جل وعلا عن موالاة الملائكة لرسوله وللمؤمنين فقال: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] (التحريمَ: ٤) وقال : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣] (الأحزاب: ٤٣) . وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠] (فصلتَ: ٣٠) . فوجبت موالاة الملائكة على المؤمنين لموالاتهم لهم ونصرهم وتأييدهم واستغفارهم لهم. وقد حذر الله تعالى من عداوة الملائكة فقال: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] (البقرة: ٩٨) . فأخبر أن عداوة الملائكة موجبة لعداوة الله وسخطه، وذلك لأنهم إنما يصدرون عن أمره وحكمه، فمن عاداهم فقد عادى ربه. ٦ - الاعتقاد بأن الملائكة خلق من خلق الله لا شأن لهم في الخلق والتدبير وتصريف الأمور، بل هم جند من جنود الله يعملون بأمر الله، والله تعالى هو الذي بيده الأمر كله لا شريك له في ذلك. كما أنه لا يجوز صرف شيء من أنواع العبادة لهم، بل يجب إخلاص العبادة لخالقهم وخالق الخلق أجمعين، الذي لا شريك له في ربوبيته وألوهيته ولا مثيل له في أسمائه

стр. 103

وصفاته. وقد بين الله تعالى ذلك فقال عز من قائل: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] (آل عمران: ٨٠) . وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ - وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩] (الأنبياء: ٢٦-٢٩) . فأخبر سبحانه أنه لم يأمر بعبادتهم وكيف يأمر بعبادتهم وهي كفر بالله العظيم ثم أبطل تعالى دعوى من زعم أن الملائكة بنات الله ونزه نفسه عن ذلك، وبين أنهم عباد مكرمون بكرامته لهم عاملون بأمره مشفقون من خشيته وأنهم لا يملكون الشفاعة لأحد إلا من ﵁ من أهل التوحيد. ثم ختم السياق ببيان جزاء من ادعى الألوهية منهم وأن جزاءه جهنم، فظهر من ذلك أهم عباد مربوبون لا حول لهم ولا قوة إلا بربهم وخالقهم. ٧ - الإيمان المفصل بمن جاء التصريح بذكرهم من الملائكة على وجه الخصوص في الكتاب والسنة: كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ومالك، وهاروت وماروت، ورضوان، ومنكر ونكير، وغيرهم ممن جاءت النصوص بتسميتهم. وكذلك من جاءت النصوص بالإخبار عنه بالوصف: كرقيب وعتيد، أو بذكر وظيفته: كملك الموت وملك الجبال، أو من جاءت النصوص بذكر وظائفهم في الجملة: كحملة العرش، والكرام الكاتبين والموكلين بحفظ الخلق، والموكلين بحفظ الأجنة والأرحام، وطواف البيت المعمور، والملائكة السياحين، إلى آخر من أخبر الله ورسوله ﷺ عنهم.

стр. 104

فيجب الإيمان بذلك إيمانا مفصلا على نحو ما جاء في النصوص من أسمائهم وصفاتهم، ووظائفهم، وأخبارهم، والتصديق بكل ذلك مما سيأتي بيانه في المبحث القادم إن شاء الله تعالى. فهذه جملة ما يجب اعتقاده في حق الملائكة الكرام مما دلت عليه النصوص الشرعية والله تعالى أعلم.

стр. 105

[المبحث الثالث وظائف الملائكة] المبحث الثالث: وظائف الملائكة الملائكة جند من جنود الله تعالى، أسند الله إليهم كثيرًا من الأعمال الجليلة، والوظائف الكبيرة، وأعطاهم القدرة على تأديتها على أكمل وجه. وهم بحسب ما هيأهم الله تعالى له ووكلهم به على أقسام: فمنهم الموكل بالوحي من الله تعالى إلى رسله عليهم الصلاة والسلام وهو جبريل ﵇، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] (الشعراء: ١٩٣- ١٩٥) وقد تقدم أنه أفضل الملائكة وأكرمهم على الله، وقد وصفه الله بالقوة والأمانة على تأدية مهمته. ولم يره النبي ﷺ في صورته التي خُلق عليها إلا مرتين، وبقية الأوقات يأتيه في صورة رجل. رآه مرة بالأفق من ناحية المشرق وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] (التكوير: ٢٣) . ورآه مرة ثانية ليلة الإسراء في السماء وهذا ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] (النجم: ١٣- ١٥) . وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن تفسير الآيتين المتقدمتين فقال: «إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين. رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عِظَمُ خَلْقِه ما

стр. 106

بين السماء إلى الأرض» (١) . ومنهم الموكل بالقطر والنبات وهو ميكائيل ﵇ وقد ورد ذكره في القرآن. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] (البقرةَ: ٩٨) وهو ذو مكانه عالية، ومنزلة رفيعة عند ربه، ولذا خصه الله هنا بالذكر مع جبريل، وعطفهما على الملائكة، مع أنهما من جنسهم لشرفهما، من قبيل عطف الخاص على العام. وكذا ورد ذكره في السنة على ما تقدم في دعاء النبي ﷺ في صلاة الليل أنه يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل» . .) (٢) . ولذا قال العلماء إن هؤلاء الثلاثة المذكورين هم أفضل الملائكة. ومنهم الموكل بالصُّور وهو إسرافيل ﵇ وهو ثالث الملائكة المفضلين المتقدم ذكرهم. وهو أحد حملة العرش. والصور: قرن عظيم ينفخ فيه. روى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصور؟ فقال: قرن ينفخ فيه» (٣) ورواه أيضا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (٤) . وأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينظر متى يؤمر، قال المسلمون: يا رسول الله فما نقول؟ قال:

стр. 107

قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» (١) قال الترمذي حديث حسن. وصححه غيره من أهل العلم. وينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] (النمل: ٨٧) . وهذه هي نفخة الفزع وقد دل على النفختين الأخريين قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] (الزمر: ٦٨) . ومنهم الموكل بقبض الأرواح وهو ملك الموت قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] (السجدة: ١١) . ولملك الموت أعوان من الملائكة، يأتون العبد بحسب عمله، وإن كان محسنًا ففي أحسن هيئة، وإن كان مسيئًا ففي أشنع هيئة. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] (الأنعام: ٦١) . ومنهم الموكل بالجبال وهو ملك الجبال، وقد ورد ذكره في حديث خروج النبي ﷺ إلى أهل الطائف في بداية البعثة ودعوته إياهم وعدم استجابتهم له وفيه يقول النبي ﷺ : «فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك

стр. 108

الجبال. فسلم عليّ ثم قال: يا محمد. فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبي ﷺ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (١) . والأخشبان: هما جبلا مكةَ: أبو قبيس والذي يقابله. ومنهم الملك الموكل بالرحم على ما دل عليه حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله وكَّل ملكًا يقول: يا ربِّ! نطفة. يا ربِّ! علقة. يا ربِّ مضغة. فإذا أراد أن يقضي خلقه، قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه» (٢) . ومنهم حملة العرش قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] (غافر: ٧) . وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] (الحاقة: ١٧) . قال بعض العلماء: الذين حول العرش هم الملائكة (الكروبيون) وهم مع حملة العرش أشرف الملائكة (٣) . ومنهم خزنة الجنة. قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] (الزمر: ٧٣) . وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] (الرعد: ٢٣) .

стр. 109

ومنهم خزنة النار عياذا بالله منها وهم الزبانية ورؤساؤهم تسعة عشر. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] (غافر: ٤٩) . وقال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ - سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨] (العلق: ١٧، ١٨) . وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ - وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣٠ - ٣١] (المدثر: ٣٠، ٣١) . وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] (الزخرف: ٧٧) . وقد جاء في السنة ذكر مالك وأنه خازن النار ورؤية النبي ﷺ له، ففي صحيح البخاري من حديث سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «رأيت الليلة رجلين أتياني فقالا: الذي يوقد النار مالك خازن النار، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل» (١) . ومنهم زوار البيت المعمور: يدخل في كل يوم منهم البيت المعمور سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه على ما ثبت من حديث مالك بن صعصعة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (. . . «ثم رفع لي البيت المعمور، فقلت: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور. يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم» (٢) . ومنهم ملائكة سياحون يتبعون مجالس الذكر فقد روىَ الشيخان من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى

стр. 110

حاجتكم قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا» . . .) (١) قال العلماء: وهؤلاء الملائكة زائدون عن الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق. وقد ثبت أيضًا أنهم يبلغون النبي ﷺ من أمته السلام لما روى أحمد والنسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ : «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» (٢) . ومنهم الكرام الكاتبون وعملهم كتابة أعمال الخلق وإحصاؤها عليهم. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ - كِرَامًا كَاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢] (الانفطار: ١٠- ١٢) وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ - مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] (ق: ١٧، ١٨) قال مجاهد في تفسير الآية: ملك عن يمينه وآخر عن يساره فأما الذي عن يمينه فيكتب الخير، وأما الذي عن شماله فيكتب الشر. ومنهم الموكلون بفتنة القبر وسؤال العباد في قبورهم وهما مُنْكَر ونَكِير. وقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة. أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان، فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة فيراهما جميعًا» (٣) .
следующие страницы →