[المقدمة]
ما يجب أن يعرفه المسلم عن دينه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]
بهذة السورة الكريمة التي توحي بضرورة وحدة المؤمنين في الخير والتواصي بالحق.
وبهذه السورة الكريمة التي أقام الله بها الحجة على الخلق، كما قال الإمام الشافعي ﵀: (لو لم ينزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم) .
أجل بهذه السورة نقدم هذه التوجيهات الإسلامية راجيا أن ينفع الله بها إنه أكرم مسؤول.
وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه.
عبد الله عبد الغني الخياط
стр. 2
[الحلقة الأولى واقع الحاج ووضعه]
الحلقة الأولى: واقع الحاج ووضعه أيها الحاج الكريم:
يا من تركت الدنيا وراءك، ونبذت فتنتها وأطرحت كل متاع ولذة وضحيت بكل غال في سبيل الله - ضحيت بمالك والمال عزيز على النفوس، ولكنك تبذله طيبة به نفسك في سبيل الله، ومن أجل الحج إلى بيت الله الحرام وإقامة ركن الإسلام، ضحيت براحتك فأنت منذ أن فارقت وطنك بدأت تحس بمتاعب السفر وأخذت في الحل والترحال على متن الطائرة أو الباخرة أو على الرواحل (١) والزوامل (٢) والسفر مهما كان مريحا لا يسلم من عناء ومشقة وضياع فرص الراحة، ولكنك لم تبال بذلك وضحيت براحتك في سبيل الله ومن أجل الحج إلى بيت الله المشرف.
стр. 3
ضحيت بوطنك الغالي، ولفراق الوطن في النفوس وحشة وألم، ولكنك استعذبت فراقه مقدما حب الله على حب الوطن وأداء فريضة الله وحج بيت الله المعظم على أداء واجباتك.
ضحيت بأهلك وولدك، والأهل والولد زينة الحياة ومتعتها، وفضلت المتعة الروحية والاجتماع بإخوانك المسلمين في رحاب بيت الله والاشتراك معهم في ذكر الله وأداء فريضة الله على المتعة والأهل والولد.
فأنت أيها الحاج في هذه الراحلة، وفي زيارتك بيت الله في هجرة إلى بيت الله، وقد تكفل الله لمن يهاجر في سبيله، إما أن يرجعه إلى بلده سالما غانما أو يدخله الجنة إن توفاه الله في حجه.
ومن حق الضيافة والوفادة أن يعطيك الله سؤالك إذا سألته ويستجيب دعاءك إذا دعوته، ويخلف عليك في النفقة، كما جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحجاج والعمار وفد الله، إن سألوه أعطوا، وإن دعوا أجيبوا، وإن أنفقوا أخلف عليهم» .
стр. 4
[الحلقة الثانية فضل مكة والحرم]
الحلقة الثانية: فضل مكة والحرم أيها الحاج إلى بيت الله المشرف:
إنك في جوار بيت الله المعظم، البيت الذي بناه خليل الله إبراهيم ﵇ بأمر من الله تعالى، وأمره الله أن يؤذن للناس بحجه وأن يطهره للطائفين والقائمين والركع السجود.
كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]
وأنت في حرم الله المقدس الآمن، الذي تأمن فيه على نفسك وأهلك ومالك، وتأمن فيه حين تقبل على عبادة ربك لا يصدك صاد ولا يصرفك صارف تأمن فيه أمنا مطلقا، أمنا نفسيا وروحيا لا مثيل له ولا يشبهه أمن
стр. 5
في أي بلد من البلدان. كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وقال أيضا: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]
أيها الحاج الوافد على الله:
أنت في بلد الله مكة، التي سماها الله (أم القرى) كما قال تعالى - مخاطبا رسوله المصطفى محمدا ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]
وأشاد المصطفى ﷺ بها وأوضح فضلها حيث يقول: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» . وفي رواية أخرى: «وما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» .
أيها الحاج الوافد على الله:
إن زيارتك لهذه البقاع المقدسة هي فرصة العمر وإذا ذهبت الفرصة فقد لا تعود.
стр. 6
الصلاة في المسجد الحرام يضاعف أجرها إلى مائة ألف صلاة، وصوم رمضان في البلد الحرام يعدل صيام ألف شهر رمضان فيما سواه.
كما جاء عن عبد الله بن عباس ﵄ مرفوعا: «من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام ما تيسر كتب الله له ألف شهر رمضان فيما سواه» .
والأعمال الصالحة يضاعف أجرها لشرف الزمان والمكان، غير أن الواجب المفروض في أدائها - الذي يترتب عليه القبول ونيل الأجر العظيم والثواب الجزيل -: الإخلاص، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
стр. 7
[الحلقة الثالثة العبادة]
الحلقة الثالثة: العبادة عليك أن تنتهز هذه الفرصة الذهبية التي أتاحها الله لك لحج بيته وزيارة هذه البقاع المقدسة وتحرص كل الحرص على أن لا تضيع منك ساعة لا تشغلها بعبادة ربك وطاعته.
فلقد خلقك الله وأوجدك من العدم ولم تكن شيئا قبل ذلك، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] وأسبغ عليك من نعمه الظاهرة والباطنة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٢] أي سخر السفن لتسير في البحر لمصالحكم وتحمل أرزاقكم وتبلغكم غاياتكم. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [إبراهيم: ٣٣] يسيران بنظام دقيق دائم لا
стр. 8
يختل ولا يختلف. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي سخر لكم الليل راحة لأبدانكم من عناء العمل وسخر لكم النهار لمعاشكم ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أي أعطاكم ما تطلبونه مما فيه مصلحة لكم في أمر معاشكم ومعادكم ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] كل هذه النعم التي أسبغها على العباد، وفي طليعتها إيجاد الإنسان من العدم، كلها لشيء واحد، هو عبادة الله تعالى وحده دون سواه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ - مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ - إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]
الإخلاص في العبادة والعبادة هي شعور بعظمة الخالق جل وعلا، يبعث على الذل وغاية الخضوع له، فإذا وقف العبد أمام ربه في الصلاة فعليه أن ينسى الدنيا ويتذكر بتكبيرة الإحرام (الله أكبر) أن الله أعظم وأجل وأرفع من كل شيء، فلا ينصرف عنه في صلاته بل يخشع ويتذلل أمام ربه، ولا يفكر في شيء إلا أنه أمام من ذل لعظمته كل شيء،
стр. 9
وخضع له كل شيء، وكل شيء في قبضته، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] وذلك هو معنى الإخلاص في الصلاة وخضوع القلب وخشوع الجوارح.
والصلاة فرع من فروع العبادة التي يشترط فيها الإخلاص، وهناك فروع أخرى للعبادة يشترط فيها الإخلاص أيضا منها الدعاء. . لقول رسول الله ﷺ : «الدعاء مخ العبادة» أي خالص العبادة ولبها فيجب أن يتجه المسلم إلى ربه متضرعا في دعائه موقنا بالإجابة، كما جاء في الحديث: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فالإخلاص المطلوب المشروط في الدعاء، أن يدعو العبد ربه وحده، لا يدعو معه غيره، مهما ارتفع مقام ذلك الغير، فالدعاء حق الله، ولا يجوز صرفه لغير الله. . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣]
стр. 10
ومعنى الآية: أن الله يضرب المثل لمن يدعو غيره أن ما يدعونه من دون الله عاجز عن أن يخلق ذبابا وإن سلبه الذباب شيئا لا يستطيع أن يسترده منه فكيف يصح أن يدعى هذا العاجز من دون الله، أو يقصد بأي توع من أنواع العبادة.
والعبادة لا تقتصر على الدعاء فقط، بل الاستعانة - وهي طلب العون - عبادة، فلا يجوز للعبد أن يطلب العون من أحد غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وقد أرشد الله عباده إلى ذلك بقوله في سورة الفاتحة، التي يقرأها العبد في صلاته مرارا بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] أي لا نعبد إلا أنت يا رب ولا نستعين إلا بك وحدك، وذلك هو الإخلاص المطلوب.
وكذلك الاستغاثة عبادة، وهي طلب الغوث وإزالة الشدة، فلا يجوز للمسلم أن يطلب الغوث إذا نزلت به الشدة أو ابتلي بالمصائب إلا من الله.
فإذا ابتلي بالأمراض المستعصية مثلا أو خشي على
стр. 11
نفسه الغرق في البحر أو السقوط من الطائرة فليرفع يديه إلى السماء وليقل: يا رب أغثني، يا رب فرج عني. وعندئذ يستجيب الله دعاءه كما وعد بذلك.
قال تعالى مخبرا عن صفوة الخلق صحابة رسول الله ﷺ حين استغاثوا الله عندما أحدق بهم الخطر في بعض حروبهم مع المشركين: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]
وكذلك ذبح القرابين على اسم الله تعظيما لجلاله وتقربا إليه عبادة، فلا يجوز للمسلم أن يذبح قربانه متقربا به إلى غير الله من الأولياء والصالحين فضلا عن غيرهم، قال تعالى - مخاطبا أكرم رسله سيدنا محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] أي ذبيحتي التي أذبحها ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] وإلى جانب الدعاء والاستعانة والاستغاثة وذبح القربان أنواع أخرى للعبادة، كالتوكل على الله والخوف والخشوع من الله وغير ذلك من ضروب العبادة وألوانها
стр. 12
التي يشترط فيها الإخلاص والتوجه بها إلى الله وحده دون سواه لأنها محض حق الله، والتوجه بها لغير الله شرك مناف للتوحيد.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]
стр. 13
[الحلقة الرابعة أركان الإسلام]
الحلقة الرابعة: أركان الإسلام أيها الحاج المتطلع لمعرفة دينه:
كل بناء لا يرتفع ولا يستقيم إلا إذا اعتمد على أسس ثابتة وأركان راسخة تحفظه من السقوط، والإسلام هو ذلك البناء الشامخ والدين القويم، الذي رضيه الرب ﷻ لعباده، وأكمله لخلقه، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]
فالركن الأول من أركان الإسلام:
شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
وشهادة أن لا إله إلا الله تتطلب:
الإخلاص في توحيد الله ﷻ وذلك بأن يتجه المسلم في العبادات كلها على مختلف ألوانها لله وحده.
وشهادة أن محمدا رسول الله تتطلب:
стр. 14
الإخلاص في الإقرار للرسول محمد ﷺ بالرسالة، وذلك بالاعتقاد الجازم أنه رسول الله إلى الناس كافة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]
ومحبته ﷺ أكثر من محبة الوالد لولده والولد لوالده كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» .
وطاعته ﷺ في كل أمر واجتناب كل ما نهى عنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]
والإيمان بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي ولا رسول بعده، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]
الركن الثاني:
والركن الثاني من أركان الإسلام: إقام الصلاة. ويتطلب الإخلاص في إقام الصلاة أن يؤديها المسلم على
стр. 15
الوجه الأكمل المشروع، وأن يحافظ عليها في الحضر والسفر وفي المرض أيضا، لا يتهاون بها ولا يكسل عن أدائها في أوقاتها ولا يرائي بها ولا يترك الخشوع فيها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] وقال النبي ﷺ : «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف» اهـ. أي: أنه مع أئمة الكفر في نار جهنم، وكفى بذلك وعيدا يحفز إلى إقام الصلاة والعناية بها وعدم التشاغل عنها.
منزلة الصلاة من الدين: منزلة الصلاة من الدين منزلة رفيعة لا تعدلها أية عبادة أخرى، فهي عمود الدين، أي كمثل العمود للخيمة وهل تبقى الخيمة قائمة بدون عمود؟ فكذلك
стр. 16
لا يستقيم الإسلام بدون صلاة، وهي أول فريضة فرضها الله على العباد بعد التوحيد، وأول ما يحاسب عليه العبد من أعماله يوم القيامة الصلاة، كما جاء في الحديث: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت - أي قبلت - صلح سائر عمله وإن فسدت - أي لم تقبل - فسد سائر عمله» . رواه الطبراني.
وهى آخر وصية وصى بها رسول الله ﷺ أمته عند مفارقته الدنيا حيث أخذ يقول وهو في آخر مرحلة الحياة: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» ، أي احرصوا على الصلاة والزموها ولا تفرطوا فيها. وقد بلغ من عناية الإسلام أن أمر بالمحافظة عليها حتى في أحرج المواقف عند اشتداد الخوف حين يكون المسلمون في المعركة أمام العدو. قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ - فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨ - ٢٣٩] أي: في حالة اشتداد الخوف صلوا راجلين أو راكبين، وشدد الله النكير على من يفرط فيها أو يضيعها فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]
стр. 17
أي خسارة.
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] أي لاهون غافلون.
стр. 18
[الحلقة الخامسة ما يشترط للصلاة من طهارة]
الحلقة الخامسة: ما يشترط للصلاة من طهارة أيها الحاج الحريص على صحة صلاته:
لو أن أحدا من الناس دعاه ملك من ملوك الدنيا لمقابلته ماذا يصنع؟ أو ليس من اللائق به أن يظهر أمام الملك في أحسن هيئة ويلبس أحسن لباس؟ فكيف بمن يدعوه ملك الملوك للوقوف بين يديه في كل يوم خمس مرات؟ ولله المثل الأعلى، أو ليس من المتحتم عليه أن يتنظف ويتطهر ويظهر بالمظهر اللائق للوقوف بين يدي ملك الملوك؟ لذلك شرع الإسلام للمسلم قبل أن يدخل في الصلاة ويقف بين يدي ربه شرع له الطهارة، وتشتمل على ما يلي:
أولا: أن يذهب أثر النجاسة إذا ذهب لقضاء حاجته من بول أو غائط بأن يستنجي بالماء أو يستجمر بالحجارة (وكل شيء طاهر منق إلا العظم وروث البهائم
стр. 19
ونحوهما وكذلك كتب العلم وغيرها مما له حرمة) .
ثانيا: إن كان عليه جنابة أي خرج منه المني بشهوة، أو جامع أهله، يجب عليه أن يغتسل ويعمم جميع بدنه بالماء، ويوصل الماء إلى كل جزء من أجزاء بدنه.
ثالثا: إذا لم تكن عليه جنابة بل عليه حدث أصغر، وهو ما يوجب الوضوء مثل خروج الريح أو أي خارج من موضع البول أو الغائط، أو النوم الذي يستغرق فيه النائم ولا يبقى معه إدراك أو وعي أو مس الرجل المرأة أو الفرج.
في كل هذه الأحوال يجب على المرء أن يتطهر، أي يتوضأ أو يغتسل بالماء قبل أن يدخل في الصلاة، فلو صلى بدون غسل وعليه جنابة أو لم يكن متوضئا لم تقبل صلاته، يتوضأ عند وجوب الوضوء ويغتسل عند وجوب الغسل كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقال رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» .
стр. 20
صفة الوضوء: وصفة الوضوء الكامل أن ينوي المتوضئ في قلبه أنه يريد التطهر ورفع الحدث، ثم يقول بسم الله، ويغسل كفيه ثلاثا، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثا بثلاث غرفات، أي يدخل الماء في فمه وأنفه ويخرجه، ثم يغسل وجهه ثلاثا، ويغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا - والمرفقان هما العظمان الناتئان في نهاية الذراع -، ثم يمسح رأسه من مقدمه إلى قفاه بيديه، ثم يعيد يديه إلى المحل الذي بدأ منه، يفعل ذلك بالماء مرة واحدة، ثم يدخل سبابته (الأصبع الثاني في اليد اليمنى جهة الشمال) ، يدخلها في أذنيه يمسح بها باطن الأذنين بالماء ويمسح ظاهرهما بإبهامه (الأصبع الأولى في اليدين اليمنى جهة الشمال واليسرى جهة اليمين) ، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا، وهذا أكمل وضوء فعله رسول الله ﷺ (الكعبان هما العظمان الناتئان في مؤخر الرجل) . قال تعالى في صفة الوضوء وفرضه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]
стр. 21
ولا يقدم غسل عضو متأخر أو يؤخر غسل عضو متقدم، ولا يفصل بين غسل الأعضاء بفاصل كبير بحيث يجف العضو ثم يبدأ في غسل الآخر.
فضل الوضوء: لقد ورد في فضل الوضوء قوله ﷺ : «إذا توضأ العبد فمضمض خرجت الخطايا من فمه فإذا استنشق خرجت الخطايا من أنفه فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظافر يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظافر رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة، أي: زيادة في أجره» . رواه مالك والنسائي وابن ماجه والحاكم.
ما يشترط للمصلي من طهارة البدن والثوب والمكان: كم يجب أن يتطهر المسلم من الحدث عند ما يقصد
стр. 22
الوقوف بين يدي الله للصلاة.
كذلك يجب عليه أن يتطهر من الخبث، وهو النجاسة ويتلخص ذلك فيما يلي:
أولا: تطهير الثوب الذي يريد أن يصلي فيه فلا تصح الصلاة في ثوب نجس ولو كانت النجاسة قليلة، قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]
ثانيا: تطهير المكان من النجاسة، فلا يصح لمن يريد الصلاة والوقوف بين يدي الله أن يكون على بدنه نجاسة فقد جاء في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» .
ثالثا: تطهير المكان الذي يريد أن يصلي فيه المصلي فلا تصح الصلاة في مكان نجس، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: «قام أعرابي فبال في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به، أي يشتموه أو يزجروه، فقال النبي ﷺ : " دعوه وأريقوا على بوله
стр. 23
ذنوبا من الماء» ، أي دلوا كبيرا من ماء، وقد ذهب جمهور العلماء إلى وجوب تطهير البدن والثوب والمكان للصلاة.
стр. 24
[الحلقة السادسة ستر العورة واستقبال القبلة]
الحلقة السادسة: ستر العورة واستقبال القبلة أيها المسلم المقيم على طاعة الله والحاج إلى بيت الله: يقول الله سبحانه في محكم كتابه مخاطبا بني آدم ممن أسلم وجهه لله وقام لطاعة الله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] والمراد بالزينة ما يستر العورة والمراد بالمسجد الصلاة، ومعنى الآية يا بني آدم استروا عوراتكم عند ما تريدون الصلاة والوقوف بين يدي الله.
ويكشف هذا التوجيه القرآني أن ستر العورة في الصلاة شرط لصحتها فمن صلى وبعض عورته مكشوفة لا تصح صلاته، ولكن ما هو حد العورة التي يجب أن يسترها المصلي؟ وهل يستوي في سترها الرجال والنساء أم أن الستر خاص بالنساء دون الرجال؟ .
والجواب: أن الأمر بستر العورة عام للرجال والنساء
стр. 25
دون تفريق، فإن الخطاب في الآية يشمل الجنسين، وأما حد العورة بالنسبة للرجال والنساء فإنه يختلف اختلافا كبيرا، فحد عورة الرجل الذي يجب أن يستره في الصلاة ما بين السرة والركبة بخلاف النساء فإن المرأة كل جسدها عورة يجب أن تستره وخاصة في الصلاة إلا الوجه والكفين، لحديث أم المؤمنين أم سلمة ﵂ «أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟ قال - أي النبي ﷺ : " إذا كان الدرع سابغا يغطي صدور قدميها» ، والدرع هو القميص، والخمار ما تغطي المرأة به رأسها، والإزار ما يستر العورة، وفي الحديث دليل على وجوب ستر المرأة لجميع بدنها في الصلاة.
أما كشف الرجل رأسه في الصلاة فلا يترتب عليه شيء. واستقبال القبلة في الصلاة شرط لصحتها، قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي اتجه في صلاتك جهة مكة ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] فإذا كان المصلي في المسجد الحرام أمام الكعبة
стр. 26
يشترط أن يستقبل الكعبة لا يميل عنها ولا ينحرف، وإذا كان بعيدا عنها بأن كان خارج المسجد أو في بلده فعليه أن يستقبل جهة الكعبة، ولا تصح الصلاة بدون ذلك.
فعلى حجاج بيت الله الحرام، إذا كانوا في المسجد الحرام أن يتحروا استقبال الكعبة في صلاتهم فرضا كانت الصلاة أو نفلا، وكثير من الحجاج لا يهتم بهذا الأمر بل يقوم للصلاة فيتجه يمينا وشمالا عن الكعبة وفي ذلك فساد صلاته وضياع مجهوده الذي بذله في الوضوء والسعي إلى المسجد وانتظار الصلاة.
بقي أن نعرض لشرط من شروط صحة الصلاة قد لا يخفى على أحد إلا إذا كان في الصحراء أو في بلد غير إسلامي: وهو العلم بدخول وقت الصلاة، ففي البلدان الإسلامية يتعرف المسلم إلى أوقات الصلاة بالأذان إذا سمع المؤذن يؤذن لها، وفي الصحراء، وفي المواضع التي ليس فيها مساجد، ولا مآذن يجتهد في التعرف على الوقت حتى يتيقن أو يغلب على ظنه دخول الوقت ثم يصلي.
стр. 27
أوقات الصلوات المكتوبة: وقد عين الرسول ﷺ أوقات الصلوات المكتوبة وحدها بعلامات لا يخطئها المتعرف عليها كما جاء في حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس أي مالت عن وسط السماء وكان ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس - أي من بعد خروج وقت الظهر يدخل وقت العصر ويستمر إلى قبيل المغرب - ووقت صلاة المغرب من بعد غروب الشمس إلى ظهور الحمرة في السماء - وهي الشفق، فإذا غربت الحمرة خرج وقت المغرب - ووقت صلاة العشاء من غروب الشفق الأحمر إلى نصف الليل - اختيارا أو إلى ما قبل الفجر ضرورة ويحرم تأخيرها إلا ما بعد نصف الليل - ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ويستمر إلى قبل طلوع الشمس» والمراد بالفجر النور الذي يظهر معترضا في الأفق فلا تصح الصلاة قبل هذه الأوقات، والأفضل تعجيل الصلوات في أول
стр. 28
الوقت فأول الوقت رضوان الله.
النوم عن الصلاة والنسيان حتى يخرج الوقت: المرء بحكم بشريته معرض للخطأ والنسيان والغفلة، وقد يكون الخطأ غير متعمد وقد ينشأ عن النسيان، وقد تصرف المرء صوارف الحياة ومشاغلها عن القيام بالواجب الديني المفروض عليه كأن ينسى الصلاة أو ينام عنها فلا يستيقظ إلا بعد خروج وقت الصلاة فليس عليه حرج في ذلك، فالإسلام دين السماحة واليسر وإقالة العثرة، وقد رخص لمن نسي الصلاة ونام عنها أن يصليها إذا ذكرها أو حين يستيقظ من نومه، كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» ، رواه البخاري ومسلم، ولحديث أبي قتادة قال: ذكروا أي الصحابة - رضوان الله عليهم - نومهم عن الصلاة فقال: «إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها» ، رواه النسائي والترمذي وصححه.
стр. 29
ويجب أن لا يتخذ المسلم النوم عن الصلاة عادة وخاصة صلاة الفجر وصلاة العشاء اللتين تشهدهما الملائكة، فإن ذلك يدخله في عداد الغافلين أو الساهين الذين ذمهم الله وتوعدهم بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] عدد الصلوات المكتوبة وركعاتها: ليس من شك أن المسلم أول ما يعنى به من دينه صلاته فهي أول ما يسأل عنه من أعماله وأول ما يحاسب عنه، قال الصحابي الجليل أنس بن مالك ﵁: «فرضت الصلاة على النبي ﷺ ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نودي أي في السماء ليلة أسري برسول الله ﷺ وعرج به إلى السماوات العلا: " يا محمد إنه لا يبدل القول لدي وإن لك بهذه الخمس خمسين» ، أي أجر خمسين صلاة لقاء هذه الصلوات الخمس وذلك فضل من الله تفضل به على هذه الأمة المرحومة، أمة محمد ﷺ ، يقبل منها القليل ويعطيها عليه الأجر الكثير.
стр. 30
أما عدد ركعاتها فهي كما يلي:
١ - الصبح ركعتان.
٢ - الظهر أربع ركعات.
٣ - العصر أربع ركعات.
٤ - المغرب ثلاث ركعات.
٥ - العشاء أربع ركعات.
هذه هي الصلوات المكتوبة المفروضة وعدد ركعاتها، أما ما عداها مما اعتاد المسلم أن يصليها عقب هذه الفروض فهي نوافل يؤجر عليها العبد وتجبر ما لعله أن يحدث في الفروض سهوا لا يشعر به المرء أو خللا.
ملحوظة: في الركعة الأولى من صلاة الفجر يوم الجمعة، يسن أن يقرأ الإمام سورة (ألم) السجدة ويسجد عند قراءة آية السجدة وهي: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: ١٥] الآية، ثم ينهض لقراءة بقية السورة، ولا تعتبر هذه السجدة زيادة في عدد الركعات كما يظن
стр. 31
ذلك بعض الناس.
ويقرأ في الركعة الثانية سورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]
стр. 32
[الحلقة السابعة صفة الصلاة بطريقة عملية]
الحلقة السابعة: صفة الصلاة بطريقة عملية أيها المسلم الواعي، أيها الحاج اللبيب:
من براهين الحب للمصطفى ﷺ اتباع سنته والعمل على ما رسمه للمسلمين في أبواب الطاعة والعبادة، وأفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه فرائضه التي فرضها عليه، وفي مقدمتها الصلاة.
ولقد أوضح الرسول ﷺ الطريق السديد في أداء الصلاة وأمر أمته أن يقتدوا به في هذا الأداء فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، وإذا لم يحظ آخر هذه الأمة بشرف رؤية الرسول ﷺ ، فقد نقل الأئمة ﵏ من السلف - رضوان الله عليهم - عن الصحابة صفة صلاته، حتى كأننا نراه فيها فنؤديها كما كان يؤديها ويأمر بأدائها، ونحظى بشرف الاقتداء والاهتداء بهديه ﷺ .
стр. 33
فعن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ دخل المسجد فدخل رجل - وفي رواية: دخل رجل كالبدوي - فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فرد ﵇ وقال: " ارجع فصل فإنك لم تصل " - ثلاثا - أي صنع الرسول ﷺ مع الرجل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل، أي بعد الثالثة: (والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني) ، طلب الرجل من الرسول ﷺ أن يعلمه صفة الصلاة كاملة تامة. فقال الرسول ﷺ : " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء " - أي: إذا أردت الصلاة فتوضأ وضوءا تستوعب فيه غسل جميع أعضاء الوضوء " ثم استقبل القبلة فكبر " - أي كبر تكبيرة الإحرام وهي مفتاح الصلاة - " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» - أي اقرأ بالفاتحة وما تحفظ من القرآن.
كما ورد في حديث آخر موضحا ذلك فقال: «إذا أردت أن تصلي فتوضأ فأحسن وضوءك، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت، ثم اركع حتى تطمئن راكعا - أي انتظر في ركوعك بقدر
стр. 34
ما تسبح تسبيحة واحدة على الأقل أو ثلاثا، - ثم ارفع حتى تعدل قائما -، أي اطمئن في قيامك من الركوع، وانصب ظهرك - ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا - أي اطمئن في سجودك بقدر تسبيحة واحدة على الأقل، أو ثلاثا -، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» أي في كل الركعات والسجدات، سواء كانت الصلاة ثنائية كالصبح أو رباعية كالظهر والعصر، أو ثلاثية كالمغرب، وسواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا يشترط لها الوضوء، واستقبال القبلة. . . إلخ.
ومن أركانها: قراءة الفاتحة، والطمأنينة في الركوع والاعتدال من الركوع والسجود، والرفع من السجود.
ومن لم يكن معه شيء من القرآن أو لا يحسن القراءة فليحمد الله ويكبره ويهلله. لحديث رفاعة بن رافع «أن النبي ﷺ علم رجلا الصلاة فقال: إن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع.» على أن الواجب أن يحفظ المسلم سورة الفاتحة وما تيسر
стр. 35
من سور القرآن الكريم، ليصلي بها وأن يعلمها لأولاده ذكورا وإناثا ليحفظوها من الصغر فإن هذا مطلوب وحق علينا.
وفي حالة السجود يجب أن يمكن المصلي أعضاء السجود في الأرض، لقوله ﷺ : «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين» .
وبعد صلاة ركعتين يجلس المصلي لقراءة التشهد الأول سواء أكانت الصلاة ركعتين أو ثلاث ركعات أو أربع، ثم ينهض للإتيان ببقية الصلاة، ويجلس في الركعة الأخيرة لقراءة التشهد مع الصلاة على النبي ﷺ ، وبذلك تتم صلاته لقوله ﷺ في حديث المسيء صلاته: «فإذا رفعت رأسك من آخر سجدة وقعدت قدر التشهد ثم سلمت فقد تمت صلاتك» .
التشهد: أصح ما ورد في التشهد تشهد ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جلس أحدكم، - أي للتشهد -
стр. 36
فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» .
صفة الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير: روي عن الصحابي الجليل بشير بن سعد قال: «يا رسول الله: أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فسكت، ثم قال: " قولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد» .
وبذلك يختم المصلي صلاته ويدعو بما أحب من الأدعية من خيري الدنيا والآخرة لقوله ﷺ : «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» . والدعاء مستحب سواء كان مأثورا أو غير مأثور شريطة أن لا يكون فيه بدعة أو منكر.
стр. 37
صلاة الجماعة وفضلها: الإسلام دين الجماعة يحث عليها ويعمل على دعمها، والصلاة التي هي عمود الدين ويتحد المسلمون في أقاصي الدنيا لأدائها كل يوم خمس مرات في وقت واحد، وعلى شكل واحد - شرع لها الجماعة لتعطي فكرة للمسلمين في اتحاد الكلمة وليقفوا أبدا صفوفا متراصة، لا تختلف على بعضها فتتوثق روابطهم ويستقيم بنيانهم. وقد شجع الإسلام على صلاة الجماعة وحث عليها ورغب في المحافظة على أدائها بأمرين:
الأمر الأول: مضاعفة أجرها، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا» أي يضاعف الله أجر صلاة الجماعة وتفضل على صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة. والحاذق اللبيب والعاقل الرشيد يسعى للربح في أعماله ولو كان يسيرا، فكيف بهذا الربح العظيم، وتمام الحديث
стр. 38
قوله ﷺ : «وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، ما لم يحدث - أي ما لم ينتقض وضوءه، بناقض من نواقض الوضوء - اللهم صل عليه اللهم ارحمه - أي تدعو له الملائكة بذلك ويا لسعادة من دعت له الملائكة - ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة» أي يكتب له أجر الصلاة طوال المدة التي يلبث في المسجد لانتظار الصلاة.
وإنه لفضل عظيم سابغ للمحافظين على صلاة الجماعة الذين تعلقت قلوبهم بالمساجد، فهم ممن يظلهم الله بظل عرشه، فقد ورد في الحديث: «سبعة يظلهم الله بظله» - أي يتفضل الله عليهم بالاستظلال بظل العرش - وعد منهم الرجل الذي تعلق قلبه بالمساجد، أي لأداء الصلوات فيها مع الجماعة ولذكر الله . فهنيئا له ثم هنيئا له.
стр. 39
الأمر الثاني في الحث على الجماعة: الترهيب والتخويف والوعيد الذي توعد به رسول الله ﷺ المتخلف عن صلاة الجماعة حيث يقول: «والذي نفسي بيده: لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال - وفي رواية: لا يحضرون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم» متفق عليه، ورسول الله ﷺ لا يتوعد إلا على شيء عظيم، وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية وبدو لا تقام فيهم الصلاة - أي جماعة - إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» - أي البعيدة - رواه أبو داود.
وصلاة الجماعة خاصة بالرجال دون النساء، أما النساء فصلاتهن في البيوت أفضل، صونا لهن ولعدم الافتتان بهن لقوله ﷺ لمن رغبت في الصلاة معه في المسجد: «صلاتك في حجرتك خير من صلاتك في
стр. 40
مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة» - أي كلما استترت المرأة بصلاتها كان أفضل.