فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» .
صفة الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير: روي عن الصحابي الجليل بشير بن سعد قال: «يا رسول الله: أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فسكت، ثم قال: " قولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد» .
وبذلك يختم المصلي صلاته ويدعو بما أحب من الأدعية من خيري الدنيا والآخرة لقوله ﷺ : «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» . والدعاء مستحب سواء كان مأثورا أو غير مأثور شريطة أن لا يكون فيه بدعة أو منكر.
стр. 37
صلاة الجماعة وفضلها: الإسلام دين الجماعة يحث عليها ويعمل على دعمها، والصلاة التي هي عمود الدين ويتحد المسلمون في أقاصي الدنيا لأدائها كل يوم خمس مرات في وقت واحد، وعلى شكل واحد - شرع لها الجماعة لتعطي فكرة للمسلمين في اتحاد الكلمة وليقفوا أبدا صفوفا متراصة، لا تختلف على بعضها فتتوثق روابطهم ويستقيم بنيانهم. وقد شجع الإسلام على صلاة الجماعة وحث عليها ورغب في المحافظة على أدائها بأمرين:
الأمر الأول: مضاعفة أجرها، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا» أي يضاعف الله أجر صلاة الجماعة وتفضل على صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة. والحاذق اللبيب والعاقل الرشيد يسعى للربح في أعماله ولو كان يسيرا، فكيف بهذا الربح العظيم، وتمام الحديث
стр. 38
قوله ﷺ : «وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، ما لم يحدث - أي ما لم ينتقض وضوءه، بناقض من نواقض الوضوء - اللهم صل عليه اللهم ارحمه - أي تدعو له الملائكة بذلك ويا لسعادة من دعت له الملائكة - ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة» أي يكتب له أجر الصلاة طوال المدة التي يلبث في المسجد لانتظار الصلاة.
وإنه لفضل عظيم سابغ للمحافظين على صلاة الجماعة الذين تعلقت قلوبهم بالمساجد، فهم ممن يظلهم الله بظل عرشه، فقد ورد في الحديث: «سبعة يظلهم الله بظله» - أي يتفضل الله عليهم بالاستظلال بظل العرش - وعد منهم الرجل الذي تعلق قلبه بالمساجد، أي لأداء الصلوات فيها مع الجماعة ولذكر الله . فهنيئا له ثم هنيئا له.
стр. 39
الأمر الثاني في الحث على الجماعة: الترهيب والتخويف والوعيد الذي توعد به رسول الله ﷺ المتخلف عن صلاة الجماعة حيث يقول: «والذي نفسي بيده: لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال - وفي رواية: لا يحضرون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم» متفق عليه، ورسول الله ﷺ لا يتوعد إلا على شيء عظيم، وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية وبدو لا تقام فيهم الصلاة - أي جماعة - إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» - أي البعيدة - رواه أبو داود.
وصلاة الجماعة خاصة بالرجال دون النساء، أما النساء فصلاتهن في البيوت أفضل، صونا لهن ولعدم الافتتان بهن لقوله ﷺ لمن رغبت في الصلاة معه في المسجد: «صلاتك في حجرتك خير من صلاتك في
стр. 40
مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة» - أي كلما استترت المرأة بصلاتها كان أفضل.
стр. 41
[الحلقة الثامنة يوم الجمعة وفضله]
الحلقة الثامنة: يوم الجمعة وفضله أيها المسلم الاجتماعي، أيها الحال في منازل الرضوان إن دين الإسلام دين اجتماعي، يعنى بأمر الجماعة، ويهيئ الفرص للمسلمين لاجتماعات تتكرر بتكرر اليوم والأسبوع والعام.
أما الاجتماع اليومي ففي المساجد لصلاة الجماعة وتفقد شؤون الأسر الإسلامية في الأحياء المتجاورة.
وأما الاجتماع الأسبوعي أو عيد الأسبوع فهو اجتماع يوم الجمعة، بشكل أوسع في الجوامع الكبيرة التي تضم أكبر عدد من مساجد الأحياء.
ويجتمع فيها القاصي بالداني ممن تباعدت أحياؤهم وتناءت مساكنهم يجتمعون في المساجد لسماع التوجيه الإسلامي الذي يشجع صالحهم للمضي في خط سيره
стр. 42
الراشد، ويصلح فاسدهم ويأخذ بيده لانتشاله من وهدة الرذيلة ويهديه إلى التي هي أقوم.
ويوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع كما جاء في الحديث عن المصطفى ﷺ أنه قال: «سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا آتاه إياه، ما لم يسأل حراما» - أي أن الله يستجيب للعبد في هذه الساعة كل ما يدعو به شريطة أن لا يدعو الله بشيء محرم يأثم به، مثل أن يسأل الله أن يمكنه من عمل المعاصي، وقيل: إن هذه الساعة التي يستجيب الله فيها الدعاء هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقيل غير ذلك.
والحكمة في إخفائها ليعنى المسلمون بكل أوقاتها، بحيث لا يضيعون فرصة في يوم الجمعة عن الاشتغال بالعبادة والدعاء والصلاة على النبي ﷺ ففي الصلاة على النبي ﷺ في هذا اليوم مزية خاصة، لقوله ﷺ : «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة» . وهو ﷺ سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، فللصلاة
стр. 43
عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره، ويستحب لمن تجب عليه الجمعة أي من كان حرا بالغا مقيما أن يتنظف ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويبكر إليها ويقترب من الإمام ليستمع للوعظ ويتذكر.
روى الصحابي الجليل سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن - أي يزيل شعث الرأس ويتجمل - أو يمس من طيب بيته، ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له - أي من الوقت الذي يصل فيه المسجد حتى يصعد الإمام إلى الخطبة - ثم ينصت للإمام إذا تكلم - أي إذا وعظ وذكر في خطبته - إلا غفر له من الجمعة إلى الجمعة الأخرى» . رواه الإمام أحمد والبخاري.
الوعيد في ترك الجمعة: وحيث قد جعل الإسلام ليوم الجمعة هذا الفضل العظيم، وخص صلاة الجمعة بمزيد من التذكير والتوجيه والحث على المسارعة إليها كما قال تعالى:
стр. 44
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] كان للمحروم من هذا الفضل العظيم، المعرض عن أداء فريضة الجمعة وعيد صارخ يقض مضجعه وينذره بسوء المصير، روي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر ﵄ أنهما سمعا النبي ﷺ يقول على أعواد منبره - أي في الخطبة -: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات - أي عن تركهم لصلاة الجمعات - أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» . رواه مسلم وغيره.
النهي عن الكلام والإمام يخطب وتخطي الرقاب: ولما كانت حصيلة المسلم من حضور الجمعة والتبكير إليها والقرب من الإمام هو سماع الخطبة والانتفاع بها، حظر الإسلام كل ما يشغل المسلم عنها ووجهه إلى الاستماع والإنصات حتى ولو كان بعيدا عن الإمام لئلا يشوش على غيره. روي عن أبي عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من تكلم يوم الجمعة والإمام
стр. 45
يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا، والذي يقول لصاحبه أنت - أي والإمام يخطب - لا جمعة له» أي لا جمعة كاملة له.
وصح عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر، فرجل حضرها يلغوا فهو حظه منها، - أي نصيبه من الجمعة اللغو دون الأجر - ورجل يدعو - أي يدعو الله ساعة الخطبة - إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تلها وزيادة ثلاثة أيام - أي تكفر ذنوب عشرة أيام - وذلك أن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] » .
رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد.
بم تدرك الجمعة وكم عدد ركعاتها: قد تصرف المسلم عن التبكير إلى الجمعة صوارف الحياة أو يكون له عذر قاهر للتأخر فلا يدرك الإمام إلا وهو راكع أو ساجد أو في التشهد. فماذا يصنع هل
стр. 46
يتم صلاته جمعة أم ظهرا؟ .
والجواب: أن أكثر أهل العلم يرى أن من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فهو مدرك الجمعة، فعليه أن يضيف إلى الركعة التي أدركها مع الإمام ركعة أخرى فتتم له جمعة؛ لأن الجمعة ركعتان وتدرك الركعة بالركوع لا بعده، فإن أدرك المأموم إمامه بعد الرفع من الركوع في الركعة الثانية كأن أدركه في السجود أو التشهد مثلا فقد فاتته الجمعة. وعليه أن يتم صلاته ظهرا إذا كان نوى الظهر وقد دخل وقتها وذلك قول أكثر العلماء.
نقل عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (من أدرك من الجمعة ركعة واحدة فليضف إليها أخرى، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا) . رواه الطبراني بسند حسن.
وقال عبد الله بن عمر ﵄: (إذا أدركت من الجمعة ركعة فأضف إليها أخرى، وإن أدركتهم جلوسا فصل أربعا) رواه البيهقي.
стр. 47
ويرى الإمام أبو حنيفة ﵀ وصاحبه أبو يوسف أن من أدرك التشهد مع الإمام فقد أدرك الجمعة، فيصلي ركعتين بعد سلام الإمام، وقد تمت جمعته.
الصلاة في زحام الناس: من المعلوم بداهة أن كل صاحب عقل سليم بعد أن يطرق سمعه أفضلية صلاة الجمعة والجماعة وما وعد الله عليها من الأجر العظيم، يحرص الحرص كله على حضور الجماعة، وخاصة في المسجد الحرام الذي تضاعف فيه أجر الصلاة إلى مائة ألف صلاة، فيحدث من ذلك تزاحم الناس حتى لا يجد المصلي موضعا لسجوده فماذا يصنع؟
لقد أغنى المسلمين إجابة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال وهو يخطب: (إن رسول الله ﷺ بنى هذا المسجد، - يعني مسجد المدينة -، ونحن معه، المهاجرون والأنصار، فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل منكم على ظهر أخيه) . ورأى قوما يصلون في الطريق فقال: (صلوا في المسجد) .
стр. 48
متابعة الإمام ومسابقته: يقول رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به - أي ليكون قدوة يقتدي به المصلون - فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا» ، الحديث رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى مزيد من الإيضاح حيث يقول رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد» . وفي ذلك إشعار بضرورة أن تكون انتقالات المأموم في الصلاة بعد إمامه لا قبله ولا معه.
أما مسابقة الإمام بمعنى التكبير قبله، والركوع والسجود قبله، فهي محرمة بدليل الوعيد الوارد في ذلك، حيث يقول رسول الله ﷺ : «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يحول صورته صورة حمار؟» .
стр. 49
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالقعود، ولا بالانصراف» أي بالتسليم. رواه مسلم.
стр. 50
[الحلقة التاسعة صلاة النوافل]
الحلقة التاسعة: صلاة النوافل أيها المسلم القانت لله، أيها الحاج الدائب على عبادة الله، كم قد أتاح لك الإسلام من فرص تزدلف فيها إلى ربك، وكم قد أعانك على نفسك بأعمال البر والخير يشرعها لك لتنال عليها أجر القانتين وثواب البررة الصالحين، تعمل العمل القليل فيعطيك الله عليه الأجر الكثير، ولم يقف الإسلام في فرض الفرائض بل أردفها بنوافل العبادة؛ لتجبر نقص الفرائض ولتلتئم بها الفتوق في الواجبات، وإلى جانب كل فريضة نوافل مشروعة يقوم بها العبد ابتغاء رضوان الله، وطلبا للأجر من الله.
فالصلوات المكتوبة مثلا، شرع إلى جانب كل صلاة نوافل، حدد الشرع عدد ركعاتها، وحث عليها ورغب فيها لدرجة أنها إذا فاتت المسلم شرع له قضاءها، وهي
стр. 51
ما سميت بالسنن الراتبة.
صح عن أم حبيبة زوج النبي أن النبي ﷺ قال: «من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة» ، أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر وهما آكد السنن بدليل أن رسول الله ﷺ أمر بقضائها، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من لم يصل ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما» . رواه البيهقي.
وعن عائشة ﵂ قالت: «لم يكن رسول ﷺ على شيء من النوافل أشد معاهدة - أي مواظبة - من الركعتين قبل الصبح» . رواه البخاري ومسلم.
أما نافلة الجمعة فقد صح عنه ﷺ أنه قال: «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا» . رواه مسلم.
وصح أنه ﷺ صلى بعد الجمعة ركعتين في بيته، وللجمع بين الحديثين قال العلماء: إن صلى في المسجد
стр. 52
صلى أربعا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين.
وهناك نوافل غير مؤكدة كصلاة ركعتين أو أربع كعات قبل العصر، لورود أحاديث بها، وصلاة ركعتين قبل المغرب لقوله ﷺ : «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب " ثم قال في الثالثة: " لمن شاء» كراهية أن يتخذها الناس سنة، وكصلاة ركعتين قبل العشاء لقوله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة» - أي نافلة - في كل النوافل أجر مضمون إن شاء الله والأجر على قدر المشقة.
وأفضل صلاة النافلة ما كان في البيت لما روي عنه ﷺ : «صلاة الرجل في بيته تطوعا نور، فمن شاء نور بيته» .
وقال أيضا: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا» - أي كالقبور لا يصلى فيها.
صلاة الوتر: من النوافل التي حث عليها رسول الله ﷺ (الوتر) فقد صح عن الإمام علي ﵁ أنه قال: (إن
стр. 53
الوتر ليس بحتم - أي ليس بلازم - ولكن رسول الله ﷺ أوتر ثم قال: «يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر» .
ووقت الوتر بعد صلاة العشاء، ويمتد إلى الفجر، لما روي من حديث أبي بصرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله زادكم صلاة، - وهي الوتر - فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر» .
ويستحب تعجيل صلاة الوتر أول الليل لمن خشي أن يغلبه النوم ويستغرق فيه، ولا يستيقظ آخر الليل، وعلى العكس من وثق من نفسه القيام آخر الليل فيستحب له تأخيره، لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ظن منكم أنه يستيقظ آخره فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل محضورة - أي تحضرها الملائكة - وهي أفضل» - رواه مسلم والترمذي.
عدد ركعات الوتر وصفته: روي عن النبي ﷺ «الوتر بثلاث عشرة ركعة وإحدى عشرة ركعة، وتسع، وسبع، وخمس، وثلاث،
стр. 54
وواحدة. وأقله ثلاث ركعات بسلامين» ويجوز أداء الوتر ركعتين، ركعتين، يسلم المصلي على رأس كل ركعتين ثم يصلي ركعة. ويتشهد ويسلم، ويجوز غير ذلك مما صح به النقل عن النبي ﷺ . ولا يجوز التعصب لأداء الوتر على طريقة معينة والتزامها دون غيرها من الطرق الواردة تعصبا لمذهب من المذاهب، فكل المذاهب ملتمسة السداد والصواب من هدي الرسول ﷺ ، وسنته هي المورد العذب، فما صح منها يجب أن يؤخذ به دون تردد أو تعصب، والاختلاف في الدين رأس الخطايا.
وقد ذم الله عليه بعض الأمم السابقة تحذيرا من صنيعهم فقال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية: ١٧]
دعاء القنوت وموضعه: روى الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم من حديث الحسن بن علي ﵄ قال: «علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: " اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت،
стр. 55
وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت وصلى الله على النبي محمد» .
ويجوز أن يدعو المصلي في القنوت بما شاء.
أما موضع القنوت فقد نقل أهل العلم جواز القنوت قبل الركوع وبعد الرفع من الركوع. سئل بعض السلف عن ذلك فقال: نفعل قبل وبعد. أي نقنت قبل الركوع وبعده.
صلاة التراويح: من السنن المشروعة في رمضان صلاة التراويح يقوم المسلمون بأدائها جماعة في المساجد والدور أو منفردين، يحيون بها جزءا من أول الليل من بعد صلاة العشاء، ويستمر وقتها إلى آخر الليل لأنها في الواقع من قيام الليل، وقيام الليل لا يقتصر على جزء معين منه.
أما عدد ركعاتها فصح عن أم المؤمنين عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ (ما كان يزيد في رمضان ولا في
стр. 56
غيره على إحدى عشرة ركعة) » .
ونقل أن الناس كانوا يصلون على عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وعثمان وعلي ﵃ عشرين ركعة.
صلاة المريض: دين الإسلام هو دين السماحة واليسر كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة» .
ومن يسر الإسلام وسماحته ورفعه الحرج عن الأمة أن رخص للمريض في الصلاة كيف ما تيسر له، وعلى قدر استطاعته، فله أن يصلي قاعدا إذا عجز عن القيام، وله أن يصلي على جنبه يومئ بالركوع والسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
روي عن الصحابي الجليل عمران بن حصين ﵁ قال: «كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» . وفي رواية للنسائي: «فإن لم
стр. 57
تستطيع فمستلقيا - قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] » . وإذا جاز هذا في الفرض فجوازه في النفل مطرد.
وفي حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ : «فإن لم تستطع فعلى جنب» وفي رواية النسائي: «فإن لم يستطع صلى قاعدا فإن لم يستطع أن يسجد أومأ برأسه، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيا رجلاه مما يلي القبلة» رواه الدارقطني.
صلاة العيدين وصفتهما: سبق أن عرضنا في إحدى الحلقات لعناية الإسلام بأمر الجماعة ودعمها، وتهيئة الفرص للمسلمين لاجتماعات يومية وأسبوعية، لإشاعة التضامن وبذل التعاون، وأخذ فكرة بالوقوف أمام الله صفا واحدا لوحدة الصف واجتماع الكلمة وإلى جانب الاجتماعات اليومية والأسبوعية اجتماع سنوي هيأه الإسلام لمحتضنيه لإظهار الفرحة والبهجة، وشكر النعمة على التوفيق للطاعة والتمكين من العبادة - أحدهما عقب الفراغ من
стр. 58
صيام شهر رمضان المبارك، وهو اجتماع عيد الفطر، وفي الصحراء يخرج إليه المسلمون رجالا ونساء، شيوخا وأطفالا، حتى الحيض شرع أن يحضرن هذا الاجتماع كما جاء في حديث أم عطية قالت: «أمرنا أن نخرج العواتق (١) والحيض إلى المصلى يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى» . رواه البخاري ومسلم. قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
والاجتماع الثاني: اجتماع عيد الأضحى بالطريقة نفسها التي يتم بها الاجتماع لعيد الفطر إلا أن الحاج قد يشتغل عنه بأعمال النسك.
وقت صلاة العيد: وقت صلاة العيد من حين ترتفع الشمس قيد رمح أي بقدر ستة أذرع.
صفتها وعدد ركعاتها: وصلاة العيد ركعتان كصلاة الجمعة إلا أنه يسن فيها
стр. 59
أن يكبر المصلي قبل قراءة الفاتحة في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية بعد القيام من السجود خمس تكبيرات، يرفع يديه مع كل تكبيرة، وليس لصلاة العيدين سنة لا قبلها ولا بعدها لحديث أبي داود قال: قال النبي ﷺ : «ليس لصلاة العيدين سنة لا قبلها ولا بعدها» . ولما روى البخاري عن ابن عباس ﵄: «خرج رسول الله ﷺ يوم فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها ومعه بلال» .
وسن أن يخطب الإمام للعيد خطبتين كالجمعة، إلا بعد الصلاة لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم يعظهم ويوصيهم ويأمرهم» ، الحديث.
صلاة الجنازة: لقد عني الإسلام بكرامة المسلم حيا وميتا - قال تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]
стр. 60
ولقد كان من تكريم المسلم ميتا أن شرع للمسلمين غسله وتكفينه وحمله والصلاة عليه ثم دفنه، وبالدفن تنتهي الصلة بينه وبين عالم الأحياء ويقدم على ما قدم من عمل، يقدم على رب كريم يعفو عن السيئة ويتجاوز عن الذنب العظيم.
أما صفة صلاة الجنازة أو الصلاة على الميت فهي أن يقف المصلون صفوفا ثلاثة على الأفضل يتقدمهم الإمام، فيكبرون على الميت أربع تكبيرات يقرءون بعد التكبيرة الأولى الفاتحة، ويقرءون بعد التكبيرة الثانية الصلاة على النبي ﷺ التي تقرأ في التشهد الأخير، ويقرءون بعد التكبيرة الثالثة الدعاء للميت ومنه (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فاحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما، اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء
стр. 61
والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار) . ثم يكبرون التكبيرة الرابعة ويسلمون.
والصلاة على الميت شفاعة من الأحياء في الميت، جاء في الحديث «أن الميت إذا صلى عليه أربعون من المسلمين شفعهم الله فيه» .
وإذا كان الميت صغيرا قال المصلي في دعائه بعد قوله: (ومن توفيته منا فتوفه عليهما، اللهم اجعله ذخرا لوالديه، وفرطا وأجرا، وشفيعا مجابا، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم) ثم يسلم المصلي عن يمينه تسليمة واحدة.
стр. 62
[الحلقة العاشرة الركن الثالث من أركان الإسلام إيتاء الزكاة]
الحلقة العاشرة
الركن الثالث من أركان الإسلام (إيتاء الزكاة) أيها المسلم الحريص على إقامة دينه، أيها الحاج المتتبع لأركان الإسلام: إن ثالث أركان الإسلام التي لا يقوم الإسلام إلا باستكمالها (فريضة الزكاة) وهي فريضة اجتماعية تعبدية تشعر بسمو أهداف الإسلام، من عطف ورحمة وحدب وتعاون إنها حق المال، تنميه وتباركه وترتفع بأهله من رذيلتي الشح والأثرة.
يقول الله تعالى مخاطبا أشرف خلقه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وقد قرن الله سبحانه الزكاة بالصلاة في آيات كثيرة من القرآن مما يشعر بمكانتها في الإسلام. من ذلك قوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] وقال تعالى في وصف عباده المؤمنين:
стр. 63
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تقترن فيها الزكاة بالصلاة لعظم شأنها والتنويه بأهميتها.
أما من أحجم عن إخراج الزكاة بعد أن وجبت عليه فقد توعده الله بسوء المصير، وبالاصطلاء بالنار، نار الآخرة، وهي تزيد عن نار الدنيا حرارة ومرارة بمراحل كثيرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]
وعندما توفي الرسول ﷺ ولحق بالرفيق الأعلى منع بعض قبائل العرب زكاة أموالهم، فقاتلهم الخليفة الراشد أبو بكر الصديق ﵁ وقال: (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه) .
стр. 64
وقال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فالزكاة حق المال) .
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دهاءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» .
وتجب الزكاة على المسلم الحر الذي يملك نصابا من أي نوع من أنواع المال يشترط فيها:
أولا: إن كان المال من الذهب أو الفضة أو عروض التجارة أن تبلغ قيمته نصابا وإن لم يكن المال ذهبا أو فضة أو عروض تجارة بل كان للقوت أو القنية فلا زكاة فيه.
ثانيا: أن يحول على النصاب منذ ملكه حول، أي يمضي عليه عام وهو في يد المالك وتحت تصرفه. وهذا الشرط لا يشترط في الحبوب والثمار لأن زكاتها يوم الحصاد كما قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ومن مات
стр. 65
وعليه زكاة لم يخرجها تخرج من ماله. وعلى المسلم أن يبادر بإخراج الزكاة ويحرم عليه تأخيرها إلا إذا لم يتمكن من أدائها لقوله ﷺ : «ذكرت وأنا في الصلاة تبرا - أي ذهبا - عندنا فكرهت أن يمسي أو يبيت عندنا فأمرت بقسمته» .
الأصناف التي يجب فيها الزكاة: أولا: الذهب والفضة: وفيهما ربع العشر إذا بلغ الذهب عشرين مثقالا، وإذا بلغت الفضة مائتي درهم - أي يخرج المزكي (٢. ٥ %) اثنين ونصف في كل مائة بما في ذلك الأوراق المالية وسندات الديون لأنها وثائق بديون مضمونة فيجب فيها الزكاة إذا قبضها.
ثانيا: عروض التجارة: تقوم السلع فإذا بلغت قيمتها نصابا من الذهب أو الفضة يخرج منها الزكاة.
ثالثا: زكاة الحبوب والثمار: لا زكاة فيها حتى تبلغ خمسة أوسق - والوسق ستون صاعا، والصاع قدح وثلث تقريبا.
المقدار الواجب إخراجه في زكاة الحبوب والثمار: يختلف المقدار الذي يجب إخراجه باختلاف السقي.
стр. 66
فإن سقي الزرع بدون استعمال آلات، أي بالمطر والعيون والسيل يخرج منه العشر، وإن سقي تارة بالالآت والكلفة وأخرى بالمطر والعيون يخرج منه ثلاثة أرباع العشر (١) .
ولا تجب الزكاة في الحبوب والثمار إلا إذا اشتد الحب وبدأ صلاح الثمر، ويخرج نصف العشر فيما سقي بالآلات والكلفة.
رابعا: زكاة السائمة من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم (ومعنى السائمة هي التي ترعى العشب أكثر الحول) أما الأنعام المعلوفة فلا زكاة فيها.
أوائل الأنصبة في زكاة السائمة من بهيمة الأنعام: أ - أول نصاب للإبل خمس - فلا زكاة فيها قبل ذلك وتخرج عنها شاة.
стр. 67
ب - أول نصاب البقر ثلاثون - فلا زكاة فيما دون ذلك وفي الثلاثين تبيع أو تبيعة عمرها سنة.
جـ أول نصاب الغنم ويشمل الضأن والمعز - أربعون وفيها شاة. ويؤخذ الجذع من الضأن وهو ما بلغ عمره ستة أشهر، والثني من المعز وهو ما بلغ عمره سنة.
ما لا يجوز أخذه في الزكاة: لا يؤخذ في الزكاة خيار المال ولا الحيوان المعيب عيبا ينقص من قيمته، ولا المهازيل ولكن يؤخذ من أوسط المال. ولا زكاة في الخيل والبغال والحمير إلا إذا أعدت للتجارة.
أهل الزكاة: أهل الزكاة الذين لا يجوز صرفها إلى غيرهم نظمهم القرآن في آية واحدة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهذه الأصناف المنصوص عليها في كتاب الله تعالى تعطى من الزكاة لسد حاجتهم أو لضرورات تبيح لهم
стр. 68
أن يعانوا من الزكاة بقسط.
ولا يجوز أن تصرف للآباء والأجداد ولا للأبناء وأبناء الأبناء ولا يجوز أن تدفع للزوجة لأن نفقتها واجبة على الزوج.
وإذا كان للمسلمين إمام يدين بدين الإسلام يجوز دفع الزكاة إليه وتبرأ ذمة رب المال بذلك.
ولا يجوز للمسلم أن يشتري زكاته حتى لا يرجع فيما تركه لله، وإذا كان للزوجة مال تجب فيه الزكاة فلها أن تعطي لزوجها المستحق من زكاتها، وكذلك الأقارب المحتاجون يعطون من الزكاة - ففي ذلك بر وصلة شرعها الإسلام لقوله ﷺ «الصدقة على المسكين صدقة - أي فيها أجر - وعلى القرابة اثنتان - صلة وصدقة» ، رواه أحمد والنسائي والترمذي.
ونص العلماء ﵏ على جواز نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر إذا استغنى عن الزكاة أهل بلد المزكي ولم يوجد منهم من يستحق الزكاة. أما إذا لم يستغن قوم المزكي عن الزكاة فلا يجوز نقل الزكاة من بلد إلى
стр. 69
بلد؛ لأن الغرض من الزكاة إغناء الفقراء من كل بلد بما يخرج من زكاة أغنياء بلدهم كما جاء في حديث معاذ ﵁: «فإن الله اقترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» .
زكاة الفطر: من أنواع الزكاة، زكاة الفطر. وهي طهرة للصائم وجبر لصيامه مما لعله أن يكون قد وقع فيه من اللغو، ولتكون خير عون للفقراء يوم العيد لقوله ﷺ : «أغنوهم بها عن السؤال هذا اليوم» .
ودين الإسلام دين التعاطف والتراحم ويوم العيد هو يوم فرحة وسرور؛ لذا حرص الإسلام أن يمسح البؤس عن الفقراء في يوم فرحة المسلمين ليكون السرور عاما شاملا.
وزكاة الفطر فريضة على المسلم إذا بقي عنده من القوت ما يزيد عن كفايته وكفاية عياله يوم العيد وليلته، فيخرج مما زاد عن قوته وقوت عياله صاعا من الأصناف الآتية: البر، الشعير، التمر، الزبيب، الأقط - وهو اللبن
стр. 70
المتجمد - فإذا عدم هذه الأصناف أخرج زكاة الفطرة من سائر قوت أهل بلده، كالأرز والذرة وغير ذلك. يخرج القدر المنصوص عليه عن نفسه وعمن تلزمه نفقته وتجب على الكبير والصغير والذكر والأنثى والحر والعبد.
روي عن أي سعيد الخدري ﵁ قال: « (كنا إذا كان معنا رسول الله ﷺ نخرج زكاة الفطر عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، وأفضل وقت لإخراجها يوم العيد قبل الصلاة) » .
وتجب زكاة الفطر بعد غروب الشمس آخر يوم من رمضان، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين.
стр. 71
[الحلقة الحادية عشرة الركن الرابع من أركان الإسلام صوم رمضان]
الحلقة الحادية عشرة
الركن الرابع من أركان الإسلام (صوم رمضان) أيها المسلم الصلب في دينه، أيها الحاج المتمسك بشرائع الإسلام: من محاسن دين الإسلام وفضائله أنه جمع للمسلم بين الروحانيات والماديات ليجمع له بين سعادة الدنيا والدين. فالأخذ بالماديات وحدها يطغي ويلهي عن الآخرة، ويبعد عن منازل الصالحين. والأخذ بالروحانيات وحدها يفقد المسلم قدرته على العمل لعمارة الكون الذي أراد الله عمارته، وتصرف جهوده كلها إلى العمل للآخرة دون أن يكون له نصيب في عمارة الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] وقال تعالى حكاية عن المؤمنين من صالحي العباد: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]
والصوم تدريب على الروحانيات وكبح لجماح
стр. 72
النفس عن الملذات والشهوات المباحة مدة من الزمن يأخذ المسلم فيها دروسا عملية لمعاجة الروحانيات والأخذ في مضمارها لكيلا تطغى المادة على نفسه وليخلص من صومه وقد بلغ مستوى أرفع في تعشق المثل العليا والسير على مناهج الصالحين والأخذ في دوربها.
والصوم بطبيعته يحد من طغيان المادة ويعطي للبدن فرصة للتخلص من أوضارها ويرتفع بنفسية الصائم وروحه لكي تصبح أشبه بملاك من حيث الطهر والعفاف والتصون عن الإسفاف.
وصوم رمضان تجربة عملية للأخذ في مدارج التكمل الذاتي والروحي شهرا كاملا من مجموعة شهور العام الاثنى عشر شهرا.
وخص شهر رمضان بالصيام لأنه كما قال رسول الله ﷺ : «سيد الشهور» ، ولما اقترن به من مزايا أفضلها نزول القرآن كتاب هداية وإرشاد وهو دستور عالمي صالح لكل زمان ومكان. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]
стр. 73
ولقد كان رسول الله ﷺ يبشر به أصحابه ويقول: «قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم» . وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . رواه أحمد وأصحاب السنن.
وجاء في الترهيب عن الفطر في رمضان استهتارا ولغير عذر، في حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أسس الإسلام من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة وصوم رمضان» .
وجاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أفطر يوما من رمضان في غير رخصة رخصها الله لم يقض عنه صيام الدهر كله وإن
стр. 74
صامه» . رواه أبو داود وغيره. ذلك لأن رمضان ليس له مثيل في فضله وشرفه ومزاياه.
فصل الصيام: ورد في فضل الصيام أحاديث كثيرة نذكر منها ما يأتي:
أولا: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فانه لي، وأنا أجزي به، والصيام جنة - بضم الجيم، أي وقاية من المعاصي - فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث - أي لا يفحش في القول - ولا يصخب - أي لا يرفع صوته حتى بالكلام المباح أدبا مع الصيام - ولا يجهل - أي لا يتجنى على أحد بسباب أو قتال -، فإن شاتمه أحد، أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك - والخلوف تغير رائحة الفم بسبب الصوم - للصائم فرحتان يفرح بهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» . أي بالجزاء العظيم الكريم على الصيام، رواه
стр. 75
أحمد والنسائي ومسلم.
ثانيا: حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم فشفعني فيه فيشفعان» . رواه أحمد.
ثالثا: حديث أبي أمامة قال: «أتيت رسول الله ﷺ فقلت: مرني بعمل يدخلني الجنة. قال: " عليك بالصوم، فإنه لا عدل له ". ثم أتيته ثانية فقال: " عليك بالصوم لا مثل له» .
رابعا: حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: «إن للجنة بابا يقال له الريان. يقول يوم القيامة أين الصائمون فإذا دخل آخرهم أغلق ذلك الباب» . رواه البخاري ومسلم.
ثبوت هلال رمضان: ويثبت هلال رمضان برؤية شخص واحد عدل، فإن لم تكن رؤية فبإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، لقوله