[الحلقة الحادية عشرة الركن الرابع من أركان الإسلام صوم رمضان]
الحلقة الحادية عشرة
الركن الرابع من أركان الإسلام (صوم رمضان) أيها المسلم الصلب في دينه، أيها الحاج المتمسك بشرائع الإسلام: من محاسن دين الإسلام وفضائله أنه جمع للمسلم بين الروحانيات والماديات ليجمع له بين سعادة الدنيا والدين. فالأخذ بالماديات وحدها يطغي ويلهي عن الآخرة، ويبعد عن منازل الصالحين. والأخذ بالروحانيات وحدها يفقد المسلم قدرته على العمل لعمارة الكون الذي أراد الله عمارته، وتصرف جهوده كلها إلى العمل للآخرة دون أن يكون له نصيب في عمارة الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] وقال تعالى حكاية عن المؤمنين من صالحي العباد: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]
والصوم تدريب على الروحانيات وكبح لجماح
стр. 72
النفس عن الملذات والشهوات المباحة مدة من الزمن يأخذ المسلم فيها دروسا عملية لمعاجة الروحانيات والأخذ في مضمارها لكيلا تطغى المادة على نفسه وليخلص من صومه وقد بلغ مستوى أرفع في تعشق المثل العليا والسير على مناهج الصالحين والأخذ في دوربها.
والصوم بطبيعته يحد من طغيان المادة ويعطي للبدن فرصة للتخلص من أوضارها ويرتفع بنفسية الصائم وروحه لكي تصبح أشبه بملاك من حيث الطهر والعفاف والتصون عن الإسفاف.
وصوم رمضان تجربة عملية للأخذ في مدارج التكمل الذاتي والروحي شهرا كاملا من مجموعة شهور العام الاثنى عشر شهرا.
وخص شهر رمضان بالصيام لأنه كما قال رسول الله ﷺ : «سيد الشهور» ، ولما اقترن به من مزايا أفضلها نزول القرآن كتاب هداية وإرشاد وهو دستور عالمي صالح لكل زمان ومكان. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]
стр. 73
ولقد كان رسول الله ﷺ يبشر به أصحابه ويقول: «قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم» . وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . رواه أحمد وأصحاب السنن.
وجاء في الترهيب عن الفطر في رمضان استهتارا ولغير عذر، في حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أسس الإسلام من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة وصوم رمضان» .
وجاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أفطر يوما من رمضان في غير رخصة رخصها الله لم يقض عنه صيام الدهر كله وإن
стр. 74
صامه» . رواه أبو داود وغيره. ذلك لأن رمضان ليس له مثيل في فضله وشرفه ومزاياه.
فصل الصيام: ورد في فضل الصيام أحاديث كثيرة نذكر منها ما يأتي:
أولا: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فانه لي، وأنا أجزي به، والصيام جنة - بضم الجيم، أي وقاية من المعاصي - فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث - أي لا يفحش في القول - ولا يصخب - أي لا يرفع صوته حتى بالكلام المباح أدبا مع الصيام - ولا يجهل - أي لا يتجنى على أحد بسباب أو قتال -، فإن شاتمه أحد، أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك - والخلوف تغير رائحة الفم بسبب الصوم - للصائم فرحتان يفرح بهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» . أي بالجزاء العظيم الكريم على الصيام، رواه
стр. 75
أحمد والنسائي ومسلم.
ثانيا: حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم فشفعني فيه فيشفعان» . رواه أحمد.
ثالثا: حديث أبي أمامة قال: «أتيت رسول الله ﷺ فقلت: مرني بعمل يدخلني الجنة. قال: " عليك بالصوم، فإنه لا عدل له ". ثم أتيته ثانية فقال: " عليك بالصوم لا مثل له» .
رابعا: حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: «إن للجنة بابا يقال له الريان. يقول يوم القيامة أين الصائمون فإذا دخل آخرهم أغلق ذلك الباب» . رواه البخاري ومسلم.
ثبوت هلال رمضان: ويثبت هلال رمضان برؤية شخص واحد عدل، فإن لم تكن رؤية فبإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، لقوله
стр. 76
- ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما» رواه البخاري ومسلم.
على من يجب الصوم: يجب الصوم على المسلم العاقل البالغ الصحيح المقيم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي فرض عليكم الصيام ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤] فالمريض والمسافر بنص هذه الآية رخص الله لهما في الفطر لعذر السفر والمرض مع قضاء الصوم من سائر أيام العام، على أن لا يؤخر القضاء حتى يأتي رمضان آخر لغير عذر.
ويجب الفطر حتما والقضاء من أيام أخر على الحائض والنفساء، فالصوم منهما لا يصح، لحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» .
стр. 77
صوم الحبلى والمرضع: أما صوم الحبلى والمرضع فصحيح، إلا أن الشرع رخص لهما في الفطر مع القضاء والفدية إن خافتا على ولديهما. وقيل عليهما القضاء ولا فدية سواء خافتا على ولديهما أو على نفسيهما.
من يسقط عنه الصوم وتجب عليه الكفارة: يسقط الصوم وتجب الكفارة على الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لعجزهما عنه، وفي حكمهما المريض الذي لا يرجى برؤه. ويجب على هؤلاء الكفارة وهي إطعام مسكين عن كل يوم طعاما يشبعه، وكان أنس بن مالك ﵁ عندما كبر وعجز عن الصوم يصنع ذلك. قال ابن عباس ﵄: «رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوما مسكينا ولا قضاء عليه» .
الأيام التي يحرم صيامها: الأيام التي يحرم صيامها هي يوما العيدين، عيد الفطر وعيد الأضحى لقول عمر ﵁ «إن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين. أما يوم الفطر
стр. 78
ففطركم من صومكم، وأما يوم الأضحى فكلوا من نسككم» . رواه الإمام أحمد.
الأيام المنهي عن صيامها: نهى الشارع عن صيام أيام عينها، وأوضح السبب والحكمة في النهي عن صيامها وهي:
١ - أيام التشريق، وهي الأيام الثلاثة التي تلي يوم عيد النحر لما روى أبو هريرة «أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى: ألا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله» .
٢ - إفراد يوم الجمعة بالصوم لأنه عيد الأسبوع، والنهي عن صيامه للكراهة لا للتحريم. ففي الصحيحين من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم» .
٣ - النهي عن صوم يوم السبت لأن اليهود يعظمونه.
٤ - النهي عن صوم يوم الشك لقول عمار بن ياسر ﵁: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » -) . ويوم الشك هو اليوم الذي
стр. 79
لا يعلم أهو من رمضان أم من شعبان.
وقت الصيام: يبدأ وقت الصيام من طلوع الفجر الثاني وينتهي بغروب الشمس قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي حتى يبدو نور النهار في ظلمة الليل ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي أكملوا صوم النهار إلى أن يبدو ظلام الليل بغروب الشمس.
الصوم في البلاد التي يطول فيها النهار ويقصر فيها الليل: الصوم في البلاد التي يطول فيها النهار عن الأيام المعتادة ويقصر فيها الليل كبلاد القطبين، أو العكس التي يقصر فيها النهار ويطول فيها الليل، تقدر ساعات الصوم على أقرب بلاد إليهم، فإذا كان نهار الصوم فيها مثلا سبع ساعات أو أكثر يصوم أهل القطبين هذه الساعات ثم يفطرون ويحسبون ليوم آخر.
стр. 80
تبييت نية الصوم: يشترط للصيام تبييت النية من الليل، أي قبل أن يطلع فجر يوم الصيام كل ليلة من رمضان، لحديث صفية قالت: قال رسول الله ﷺ : «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له» . ومعنى يجمع الصيام أي يحكم العزم عليه. وتصح النية في أي جزء من أجزاء الليل. والنية عقد القلب لا دخل للسان فيها. وحقيقتها قصد الفعل فمن تسحر بالليل قاصدا الصيام تقربا إلى الله وقياما بفريضة الله فقد نوى وصح صيامه.
السحور: يستحب للصيام السحور، وهي الأكلة التي يتناولها من يعتزم الصيام وقت السحر لقوله ﷺ : «عليكم بالسحور فإنه الغذاء المبارك» . وأثره تقوية الصائم وتهوين الصيام عليه. ويكفي في السحور ولو جرعة ماء لقوله ﷺ : «السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» .
стр. 81
ويسن تأخير السحور وتعجيل الفطور لقوله ﷺ : «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور» .
ولو شك من يريد الصيام في طلوع الفجر فله أن يأكل أو يشرب حتى يستيقن طلوع الفجر. قال رجل لابن عباس ﵄، تسحرت فإذا شككت أمسكت؟ فقال ابن عباس: (كل ما شككت حتى لا تشك) ، أي حتى يستقر في نفسك أنك متيقن لا شاكا في طلوع الفجر.
ما يبطل الصيام: يبطل الصيام ما يأتي:
١ - الأكل والشرب عمدا.
٢ - القيء عمدا لقوله ﷺ : «من ذرعه القيء - أي غلبه - فليس عليه قضاء. ومن استقاء - أي تعمد القيء واستخرجه عمدا - فليقض» .
٣ - الحيض والنفساء.
٤ - الاستمناء بأي وسيلة من الوسائل يبطل الصوم ويوجب القضاء.
стр. 82
٥ - والأكل والشرب والجماع مع الظن في غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر مفسد للصوم وموجب للكفارة والكفارة على الترتيب، إما عتق رقبة فإن عجز فصيام شهرين متتابعين فإن عجز فإطعام ستين مسكينا. فعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله، قال: " وما أهلكك؟ " قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: " هل تجد ما تعتق رقبة؟ " قال لا. قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال: " فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ " قال: لا» . الحديث.
الواجب والمستحب للصائم: يجب على الصائم صيانة صيامه باجتناب الغيبة والنميمة والكذب، والشتم، وقول الزور، وشهادة الزور لقوله ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. فإن شاتمه أحد أو خاصمه فليقل إني صائم» .
ويسن له كثرة قراءة القرآن وذكر الله والصدقة
стр. 83
والاجتهاد في العبادة وخاصة في العشر الأواخر من رمضان لقول أم المؤمنين عائشة ﵂: «كان يجتهد - وتعني رسول الله ﷺ في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره» . وروى البخاري ومسلم عنها ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر» أي تفرغ للعبادة؛ لأن في ليالي العشر الأخيرة وأوتارها تطلب ليلة القدر التي تفضل العبادة فيها عبادة ألف شهر كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ - لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ - تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ - سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥]
وقال ﷺ : «من قام ليلة القدر - أي أحياها في العبادة - غفر له ما تقدم من ذنبه» .
الاعتكاف: الاعتكاف مسنون كل وقت بنية غير أنه في العشر الأواخر من رمضان آكد وهو لزوم المسجد لطاعة الله
стр. 84
وذكر الله والاشتغال بالقرب وقطع الصلة بالناس، ويبدأ زمن الاعتكاف في أولى ليالي العشر وينتهي بانتهاء آخر يوم من رمضان ليلة العيد.
стр. 85
[الحلقة الثانية عشرة الركن الخامس من أركان الإسلام الحج]
الحلقة الثانية عشرة
الركن الخامس من أركان الإسلام (حج بيت الله الحرام) أيها المسلم المعتز بدينه، أيها الحاج بين جموع الوافدين:
إنها لنعمة عظيمة أن من الله عليك بتلبية دعوة أبيك إبراهيم الخليل - عليه وعلى نبينا المصطفى أفضل الصلاة والتسليم - لحج بيت الله المقدس. فكم من مؤمل ذلك حال دون أمله قصر الأجل، وكم من مستشرف لمشاهدة هذه الرحاب المقدسة والوقوف على مشاعر الحج المعظمة لم يظفر ببغيته ولم يصل إلى غايته. فهنيئا لك هذا القرب والوصال، وهنيئا لك بالسعادة وبلوغ الآمال.
والحج أيها المسلم فريضة تأتلف فيها مصالح المسلمين، وتجتمع منافعهم وتجدد الروابط بينهم،
стр. 86
وتصدق العزائم عند اللقاء الكريم لقاء الأخ بأخيه في رحاب البلد الأمين، وذلك ما تشير إليه الآية الكريمة التي يخاطب الله بها خليله إمام الحنفاء حين بنى البيت المعظم قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ - لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨]
وفرض الحج على المسلم في العمر مرة رحمة به ودفعا للحرج عنه. ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا ". فقال رجل أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، أي ردد الرجل السؤال على الرسول ثلاث مرات. ثم قال ﷺ : " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم» . الحديث.
ومنه أنه في العمر مرة لا يجب إلا على البالغ العاقل الحر المستطيع، والاستطاعة تتحقق بما يأتي:
١ - صحة البدن والقدرة على الركوب. فإن كان من يعتزم الحج مريضا أو شيخا كبيرا لا يستطيع الركوب
стр. 87
ومشقات السفر، أو مريضا مرضا لا يرجى برؤه أقام من يحج عنه.
٢ - أمن الطريق بحيث يسير فيه الحاج آمنا على نفسه وماله.
٣ - الحصول على الزاد والراحلة الصالحة لمثله، وأن يكفي أهله ومن يعولهم مؤونة النفقة حتى يعود من أداء الحج.
فإذا تيسر كل ذلك فعليه أن يبادر بالحج خشية أن يعتريه ما يشغله من مرض وحاجة. كما جاء في حديث ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة» .
ويشترط لحج المرأة أن يصحبها محرمها وهو زوجها، أو من تحرم عليه أبدا كالأب والابن والأخ وغيرهم من محارمها؛ لقوله ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم. ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» .
стр. 88
ويشترط لمن يحج عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه حجة الإسلام لحديث ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة. فقال: " أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: " فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» .
فضل الحج والعمرة: روي في فضل الحج والعمرة أحاديث عن خير الورى ﷺ نجتزئ منها بذكر اليسير ليكون حافزا للقيام بهما والمتابعة بينهما كسبا لأجرهما فمن ذلك:
أولا: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الذهب والفضة. وليس للحجة المبرورة جزاء إلا الجنة» . رواه النسائي والترمذي.
ثانيا: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» . رواه البخاري ومسلم.
стр. 89
ثالثا: حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «هذا البيت، أي بيت الله، دعامة الإسلام. فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر كان مضمونا على الله إن قبضه أن يدخله الجنة، وإن رده بأجر وغنيمة» .
رابعا: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» رواه البخاري ومسلم.
ما يجب للنفقة في الحج: ويجب أن تكون نفقة الحج من مال حلال؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. وأن يقصد الحاج بحجه لا الرياء والسمعة فإنهما يتنافيان مع الإخلاص في العبادة.
المواقيت للحج مواقيت زمانية، وهي مواعيد يفد الحاج فيها على الله ولبلد الله للحج، فلا يصح الحج في غيرها - أوضحها الله سبحانه بقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]
стр. 90
أي وقت أعمال الحج أشهر معلومات وهي شهر شوال وشهر ذي القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة. أو شهر ذي الحجة بتمامها على قول لبعض الأئمة ﵏.
أما المواقيت المكانية فهي المواضع التي يمر عليها الحاج ويحرم منها للحج أو العمرة ومن كان بعيدا عنها أو طريقه لا يأتي عليها أحرم إذا حاذاها، وقد أوضحها ابن عباس فيما يرويه عن رسول الله ﷺ إذ يقول: «وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة (ذا الحليفة) ولأهل الشام (الجحفة) ، ولأهل نجد (قرن المنازل) ، ولأهل اليمن (يلملم) » .
وقال رسول الله ﷺ : «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون منها» أي من كان بمكة وأراد الحج فميقاته من منزله. وإن أراد العمرة فميقاته أن يخرج إلى الحل وأدنى الحل التنعيم.
وقت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لأهل العراق (ذات عرق) وفي رواية عن أم المؤمنين
стр. 91
عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق (ذات عرق) » . رواه أبو داود والنسائي.
حج الصغير: تقدم في شروط وجوب الحج البلوغ - أي بلوغ الحلم وهو سن التكليف - ومن كان دون ذلك فليس عليه حج، وإن حج صح منه، إلا أنه لا يجزئ عن حجة الإسلام؛ لقول ابن عباس ﵄: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى) وبلوغ الحنث أن يصبح مكلفا يكتب عليه ما أثم فيه.
الإحرام: الإحرام هو أن ينوي من يريد الحج الدخول في نسك الحج والعمرة ولا يصح الحج أو العمرة إلا بهذه النية، والنية محلها القلب.
ويتجرد من يريد الحج أو العمرة إذا وصل إلى الميقات من ثيابه ويتنظف ويتطيب ويغتسل ويلبس رداء - وهو ما يلف به النصف الأعلى من البدن دون الرأس - وإزارا، وهو ما يلف به النصف الأسفل منه. فإذا لم يجد إزارا
стр. 92
فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين، بذلك خطب النبي ﷺ بعرفة كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ في البخاري ومسلم.
ويسن أن يكون لباس الإحرام عقب صلاة، ولو صلى من يريد الإحرام ركعتين بهذه النية كان أفضل، لقول ابن عمر ﵄: «كان النبي ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين» ، وذو الحليفة هو المكان الذي أحرم منه النبي ﷺ .
وإحرام المرأة كالرجل، إلا أنه يباح لها لبس المخيط، وعدم التجرد وتجتنب تغطية وجهها لقول بعض السلف، إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها، فتضع الثوب فوق رأسها وتسدله على وجهها، لمرور الرجال قريبا منها، وتجتنب الطيب والنقاب والقفازين لنهي النبي ﷺ النساء في إحرامهن من القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب. ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب والحرير والحلي والسراويل والأقمصة والخفاف.
стр. 93
أنواع الإحرام: الإحرام - أي الدخول في النسك ثلاثة أنواع:
أولا: الإفراد.
ثانيا: التمتع.
ثالثا: القران.
وكلها جائزة مشروعة لقول أم المؤمنين عائشة ﵂: «خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا ومن أهل بالحج» . الحديث.
القران: القران فهو أن يحرم من يريد الحج من الميقات بالحج والعمرة معا - ويقول عند التلبية: لبيك بحج وعمرة. ويقتضي ذلك أن يبقى القارن بإحرامه إلى أن يفرغ من العمرة والحج، وهذا إذا ساق الهدي لقوله ﷺ : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» .
أما إذا لم يسق الهدي فله أن يتحلل من إحرامه
стр. 94
أسوة بأصحاب رسول الله ﷺ الذين قدموا معه في حجة الوداع قارنين ولم يسوقوا هديا.
وإذا أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف فهو قارن أيضا.
الإفراد: أما الإفراد فهو أن يحرم من يريد الحج من الميقات بالحج، ويقول تلبيته: لبيك بحج. ويبقى محرما إلى ما بعد الحج، ثم يحرم بالعمرة بعده إن شاء، إن لم يكن قد أدى عمرة الإسلام وإن كان سبق له أداؤها فهو مخير إن شاء أتى بعمرة نافلة وإن شاء انصرف إلى أهله.
التمتع: أما التمتع فهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يحج في ذلك العام وعليه دم للتمتع - ذبيحة يذبحها يوم العيد بمنى أيام التشريق.
وأهل المسجد الحرام، أي سكانه ومن كانوا في حدود الحرم، إذا خرجوا من مكة ثم دخلوها معتمرين في أشهر الحج فليس عليهم دم متعة، لقوله تعالى:
стр. 95
﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
والقارن كالمتمتع في وجوب الدم، فإن لم يجداه أو صاما ثلاثة أيام في العشر الأول من ذي الحجة وسبعة إذا رجعا إلى بلدهما، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي الهدي أو ثمنه - ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]
طواف القارن والمفرد: نقل الإجماع عن جمهور العلماء أنه يكفي القارن طواف واحد وسعي واحد للحج والعمرة، ومثله المفرد لقول جابر ﵁: «قرن رسول الله ﷺ الحج والعمرة وطاف لهما طوافا واحدا» . رواه الترمذي.
أما المتمتع فعليه أن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، خروجا عن الخلاف، يطوف ويسعى للعمرة أولا ثم يطوف طواف الإفاضة بعد الحج ويسعى سعي الحج.
التلبية: وشعار الحج التلبية فقد جاء في الحديث: «أفضل الحج العج والثلج» أما العج فهو رفع الصوت بالتلبية،
стр. 96
وأما الثج فإراقة دماء الهدي، ولفظها: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك.
روي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من محرم يضحي يومه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمه» . ويستحب رفع الصوت بها إلا للنساء فتلبي المرأة بقدر ما تسمع جارتها.
ويبدأ المحرم بالتلبية من حين يدخل في الإحرام إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر، «فإن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي في حجه حتى بلغ جمرة العقبة» .
محظورات الإحرام: المحظور هو الممنوع فعله في الإحرام، ويكاد ينحصر في تسعة أشياء: حلق الشعر من الرأس أو من جميع البدن لغير عذر، وتقليم الأظافر، وتغطية رأس الرجل بملاصق، ولبس المخيط، والطيب في البدن، وقتل صيد البر أو اصطياده، وعقد النكاح ولا يصح لما روى مسلم عن
стр. 97
عثمان ﵁ مرفوعا: «لا ينكح المحرم ولا ينكح» ، والجماع والمباشرة دون الفرج.
فيخير مرتكب المحظور في الإحرام في حلق الشعر وتقليم الأظافر والتطيب وتغطية الرأس ولبس المخيط بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة «لقوله ﷺ لكعب بن عجرة: " لعلك آذاك هوام رأسك؟ " فقال: نعم يا رسول الله. فقال: " أحلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك شاة» .
وفي قتل الصيد - يخير بين ذبح مثله إن كان له مثل من النعم أو يقوم المثل بدراهم يشتري بها طعاما فيطعم به المساكين، أو يصوم عن كل مد من البر يوما لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية، وكذلك الذي لا مثيل له يقوم بدراهم ويشتري بها طعاما يتصدق به على فقراء الحرم.
أما التطيب فإن تطيب عامدا ذاكرا لحجه فعليه الفدية، أما إذا كان ناسيا أو جاهلا بحرمته على المحرم
стр. 98
فلا تلزمه الفدية.
ومثل التطيب في الحكم تغطية الرأس ولبس المخيط دون حلق وتقليم ففيهما الفدية مطلقا سواء عامدا أو ناسيا أو جاهلا، والصحيح أنها تسقط الفدية في الجهل والنسيان كفدية الطيب وتغطية الرأس، قاله بعض محققي العلماء لحديث «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» واختاره ابن تيمية.
ويفسد الحج بالجماع إن وقع ولو بعد الوقوف وقبل جمرة العقبة والحلق أو التقصير ويمضيان فيه، أي الرجل والمرأة في الحج الفاسد وعليهما ذبح بدنة لكل منهما إلا أن المرأة المكرهة ليس عليها فدية، والبدنة بعير أو بقرة ويقضيان الحج الفاسد من عام قابل.
أما لو وقع الجماع بعد رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، فلا يفسد الحج. ولكن على كل من الرجل والمرأة فدية وهي ذبح شاة.
أما المباشرة دون الفرج فلا يفسد بها الحج وهي محرمة كسائر المحرمات، إلا أن على المباشر بدنة إن وقع
стр. 99
منه إنزال وإن لم يقع فعليه ذبح شاة.
وفي حكم المباشرة التقبيل واللمس وتكرار النظر بشهوة والاستمناء.
أيها المسلم المستشعر في قرارة نفسه عظمة الله:
أيها الحاج الوافد إلى حرم الله: الرحاب الطاهرة، والبلد المقدس، والبيت العتيق، ومشاعر الحج المعظمة كل أولئك مما يفرض على المسلم إذ يفد إليها أن يعد العدة ليوم لقائها ويأخذ الأهبة لشرف القدوم عليها والحظوة برؤيتها. إن يوم اللقاء يوم هناء وانشراح للصدر وتفتح للنفس وبهجة للقلب، وأن من إعداد العدة ليوم اللقاء وأخذ الأهبة لشرف القدوم إلى الرحاب الطاهرة البلد المقدس ومشاهدة البيت العتيق والكعبة المشرفة التي جعلها الله قياما لأمر الدين ورمزا لعبادة الله رب العالمين أن يغتسل القادم من بئر طوى (١) المعروفة بهذا الاسم حتى الآن - وهي بئر بطرف المحلة المسماة
стр. 100
(جرول) ثم يدخل المسجد الحرام من جهة المعلاة لو تيسر لك ذلك، وإلا فلا حرج عليه أن يدخل من أي ناحية تيسر له الدخول منها. ويدخل من باب السلام وباب بني شيبة في خشوع وخضوع، ودعاء وتضرع، فإذا وقع نظره على البيت، بيت الله رفع يديه إلى السماء قائلا: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا، اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام.
[الحلقة الثالثة عشرة الطواف]
نقطة البدء في الطواف: ثم يقصد الحجر الأسود فيقبله إن تيسر، وإلا استلمه بيده، فإن عجز عن ذلك أيضا أشار إليه بيده.
والحجر الأسود نقطة البدء في الطواف، ثم يستقبله ويجعل البيت عن يساره. فإذا أخذ في الطواف استحب له أن يرمل في الثلاثة الأشواط الأول، أي يسرع في المشي ويقارب بين خطاه - ويمشى مشيا كالمعتاد في بقية الأشواط الأربعة.
стр. 101
فإذا لم يتمكن من الرمل لكثرة الزحام فليطف كيفما تيسر ولو بعيدا عن البيت، ويستحب له أن يستلم الركن اليماني بيده، ويقبل الحجر الأسود أو يشير إليه في كل شوط، ويكثر من الدعاء والتضرع إلى الله وسؤاله من خيري الدنيا والآخرة، إذ ليس للطواف دعاء مخصوص يلزم الطائف أن يدعو به ونقل من الدعاء المأثور بين الركنين: الركن اليماني والحجر الأسود ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]
فإذا فرغ من الأشواط السبعة - يبدأ كل شوط من الحجر الأسود وينتهي إليه - أتى المقام مقام إبراهيم وصلى خلفه ركعتين (١) لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وهذا الطواف يسمى طواف القدوم للمفرد والقارن وطواف العمرة للمتمتع، ويشترط للطواف الطهارة من
стр. 102
الحدث الأصغر.
الاضطباع والرمل في الطواف: والاضطباع هو جعل وسط الرداء تحت الإبط الأيمن، وطرفيه على الكتف الأيسر. وهو سنة في طواف العمرة، وفي كل طواف يعقبه سعي في الحج. والاضطباع والرمل خاص بالرجال دون النساء.
الشرب من ماء زمزم: فإذا فرغ الحاج من طوافه استحب له أن يشرب من ماء زمزم ويتضلع منه، لما ثبت في الصحيحين «أن رسول الله ﷺ شرب من ماء زمزم وقال: " خير الطعم وشفاء السقم» . رواه الطبراني.
السعي بين الصفا والمروة: فإذا فرغ الحاج أو المعتمر من طوافه خرج إلى الصفا لأداء السعي، ولا يشترط الصعود على جبل الصفا بل يجب أن يتأكد الساعي أنه في طرف الجبل بصعود بعض أجزاء من المدرج الموضوع عليه. فإذا خرج من باب الصفا ودنا من المشعر قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]
стр. 103
أبدأ بما بدأ الله به، فإن تيسر له صعود المدرج حتى يرى البيت ويتجه إليه فهو أفضل، ثم يوحد الله ويكبر ويهلل ويدعو، ويفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يهبط إلى الوادي ويمشي فيه داعيا الله تعالى. وقد نقل عن النبي ﷺ قوله في السعي: «رب اغفر وارحم واهدني السبيل الأقوم» . فإذا حاذى الميلين المنصوبين بعد أن تنصب قدماه في الوادي قليلا هرول. أي أسرع في مشيه قليلا؛ لأن النبي ﷺ رمل حتى أن مئزره ليدور من شدة السعي. والرمل خاص بالرجال دون النساء. ويحتسب الذهاب من الصفا إلى المروة بشوط واحد ومن المروة إلى الصفا كذلك، فإذا تم السعي على هذا المنوال سبعة أشواط فقد فرغ الحاج والمعتمر من أعمال النسك، ويتحلل من إحرامه بالحلق أو التقصير إن كان متمتعا ويبقى على إحرامه إن كان قارنا أو مفردا. ولا يحل إلا يوم النحر. ويكفيه هذا السعي عن السعي بعد طواف الإفاضة بعد الحج إن كان قارنا أو مفردا، ويسعى مرة أخرى للحج إن كان متمتعا ثم يبقى بمكة
стр. 104
إلى يوم التروية مشتغلا بالعبادة، والطواف وعمل القرب إلى الله، ويحرص على الصلاة جماعة في المسجد الحرام لمضاعفة الأجر ولانتهاز الفرصة التي قد لا تتاح له مرة أخرى.
الخروج إلى منى يوم التروية: يوم التروية هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، يسن للوافدين من حجاج بيت الله أن يقصدوا منى في ضحوة اليوم الثامن، القارن والمفرد يتوجه بإحرامه. والمتمتع يحرم بالحج من الموضع الذي هو نازل فيه، ويستحب الإكثار من الدعاء والتلبية عند التوجه إلى منى، بل في كل أوقات الحج، وعند أداء المناسك يستحب الذكر والتضرع إلى الله لقبول الحج وجعله مبرورا. فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
والحج المبرور هو الحج البعيد عن المآخذ والمحظورات، والبعيد عن الرياء والسمعة، الذي أخلص فيه الحاج لله طلبا للجزاء الكريم الذي وعد به الرب ﷻ المخلصين في عبادتهم الذين قصدوا وجهه بأعمالهم، ويصلي الحاج بمنى الصلاة الرباعية قصرا، الظهر والعصر
стр. 105
والمغرب والعشاء يوم التروية ويصلي أيضا بها الفجر يوم عرفة، ولا يخرج من منى إلا بعد طلوع الشمس في اليوم التاسع، ولو خرج الحاج من مكة قبل أو بعد يوم التروية إلى منى أو قصد عرفة دون أن يلبث بمنى فلا حرج عليه في ذلك. فإن أم المؤمنين عائشة ﵂ لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل الليل ومضى ثلثه.
التوجه إلى عرفات: ويقصد الحاج صباح اليوم التاسع عرفة، يقطع الطريق في التلبية والتهليل والتكبير. «سئل أنس بن مالك ﵁ وهو مع رفاقه في الحج، كيف كنتم تصنعون مع النبي ﷺ أي في ارتحالكم من منى إلى عرفات؟ قال: كان يلبي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه، ويهلل المهلل فلا ينكر عليه» . رواه البخاري وغيره. ويستحب النزول (بنمرة) والاغتسال عندها للوقوف بعرفة ودخول الحاج عرفة بعد الزوال وبعد صلاة الظهر والعصر قصرا وجمعا مع الإمام.
стр. 106
[الحلقة الرابعة عشرة يوم عرفة وفضله]
الحلقة الرابعة عشرة: يوم عرفة وفضله أيها المسلم المشفق من الذنوب والآثام.
أيها الحاج الراجي للمغفرة والرحمة والرضوان.
إنك اليوم في ساحة الغفران وفي ضيافة ملك الملوك، وحسبك به من رب كريم يعطي الجزيل ويتجاوز عن الذنب العظيم. لبيك يا ربنا لبيك. إن يوم عرفة يوم الغفران، يوم التجليات والنفحات والرضوان، يوم ينزل الرحمن فيه إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الموقف ملائكته ويشهدهم سبحانه بالمغفرة والرحمة لعباده، وتلك هي أعظم ضيافة للحجيج وأعظم جائزة من الرب العظيم قديم الإحسان.
في هذه الساحة الكبرى، ساحة عرفات، تسكب العبرات، وتقال العثرات، ويجبر الكسر، وتمحى
стр. 107
السيئات، فيا لعظيم من أخلص التوبة وأقبل على الله في هذا اليوم ضاجا من الحوبة مستغفرا نادما على التفريط ويا لعظيم من حظي بهذا الموقف فحظي بالغفران والرضوان، إنها سعادة الأبد ليس بعدها شقاوة إلا لمن عاود العصيان، واغتر بحلم الملك الديان.
روى الصحابي الجليل جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة، وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ويقول - أي لملائكته - انظروا إلى عبادي جاءوني شعثا غبرا ضاحين، جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة» .
وفي رواية لأم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عددا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة» .
стр. 108
بدء وقت الوقوف بعرفة: يبدأ وقت الوقوف من الزوال في اليوم التاسع يوم عرفة إلى طلوع فجر اليوم العاشر يوم العيد؛ لأنه ﷺ أمر مناديا ينادي: الحج عرفة من جاء ليلة جمع - أي ليلة المزدلفة - إلى عرفات قبل طلوع الفجر فقد أدرك، أي أدرك الحج. وهو، أي الوقوف بعرفة أعظم أركان الحج.
ويجزئ الوقوف في أي جزء من حيث يبتدئ الزوال إلى طلوع فجر يوم العيد، غير أنه لو وقف الحاج بالنهار وجب عليه أن يستمر في وقوفه إلى ما بعد المغرب، اقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، وخروجا من الخلاف، فإن بعض الأئمة ﵏ يبطل حج من نفر من عرفة نهارا ولم يعد للوقوف جزءا من الليل.
والمقصود بالوقوف الحضور. فلو حضر الحاج إلى عرفة وقت الوقوف ولو نائما أو مريضا أو كان قاعدا أو مضجعا أو ماشيا صح حجه حتى الحائض والنفساء والجنب.
стр. 109
استحباب الوقوف عند الصخرات: صح «أن النبي ﷺ وقف عند الصخرات أسفل جبل الرحمة وقال: وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف» أي لا يشترط الوقوف عند الصخرات. ففي أي جزء من عرفة وقف الحاج أجزأه، ومن ثم تبدو سماحة الدين وواقعيته ويسره ورفعه الحرج عن هذه الأمة المرحومة، إذ لو كان الوقوف عند الصخرات من شروط الحج لما وسع هذا الحيز عموم الحجيج ولأضحى على الأمة من الحرج والعنت والمشقة ما يعجزهم ويكرثهم. وحتى صعود جبل الرحمة ليس بسنة ولا يترتب عليه فضل أو مزيد من الأجر، ولو تيسر للحاج الاغتسال قبل الوقوف كان أفضل فهو سنة.
ويقف الحاج في عشية عرفة، تلك العشية المباركة متضرعا خاشعا ملبيا مستغفرا داعيا لنفسه ولمن يحب بخيري الدنيا والآخرة.
وليس لعرفة دعاء مخصوص، بل يدعو الحاج بكل ما جال في نفسه ودار في خلده مما يشعر بحاجته إليه
стр. 110
وفيه صلاح حاله ومآله.
ولقد كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» . وصح عنه ﷺ أنه قال: «خير ما قلت أنا والنبيون قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» . ووردت أدعية مأثورة لو دعا بها الحاج لكان فيها خير وبركة بالإضافة إلى التلبية والتهليل والاستغفار.
الإفاضة من عرفة: إذا غربت الشمس يوم عرفة أفاض الحجيج إلى مزدلفة في سكينة ووقار لقوله ﷺ عندما لحظ سرعة الناس في المسير: «أيها الناس عليكم السكينة فإن البر ليس بالإيضاع» أي بالإسراع.
وتستحب التلبية والتكبير والتهليل وذكر الله تعالى لأن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. فإذا وصل الحاج إلى المزدلفة صلى بها المغرب والعشاء ركعتين بأذان واحد وإقامتين، لا يفصل بينهما بنافلة،