← Акыда

Акыда · id 30858

مجمل اعتقاد أئمة السلف

عبد الله بن عبد المحسن التركي

Полный текст (160 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة] مجمل اعتقاد أئمة السلف مقدمة الحمد لله، رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إِلى يوم الدين. أما بعد: فإِن المُتَتبع لما أُثِر عن سلفنا الصالح في أصول الدين، يجد اتفاقًا في جُلِّ مسائِله، ويجد اعتناءً خاصا بقضايا العقيدة، واهتمامًا بها في التعليم والتوجيه والدعوة. على خلاف ما نراه اليوم في كثير من بلاد العالم الإِسلامي، مما أحدث شيئًا من الاختلاف والتَّخبّطِ لدى بعض الجماعات والطوائف الإِسلامية. وقد كنت أثرت ذلك الفرق بين منهج السلف وما عليه كثير من المدارس العلمية والتوجُّهات الفكرية في غالب أوطان المسلمين، أثرتُه في مناسبات عدة، ولقاءات وندوات، وكان البعض يستغرب حديثي عن منهج السلف في الاعتقاد واتفاقهم في غالب مسائله، ويود لو جمعت بعض النصوص في ذلك، وبخاصة عن الأئمة الأربعة: أبي حنيفة

стр. 2

النعمان، ومالك بن أنس، ومحمد بن إِدريس الشافعي، وأحمد بن محمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى، مما جعلني أجمع في هذه الرسالة بعضًا من هذه النصوص، مضيفًا إِليها نصوصا أخرى لأئمةٍ آخرين معتبرين، كالإِمام البخاري، والطحاوي، وابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، وغيرهم، ﵏ جميعًا، مقدمًا لهذه النصوص بمقدمةٍ عن أهمية توحيد الله في رُبوبيَّتِه، وألوهيَّته، وأسمائه، وصفاته، وكيف بَيَّن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ذلك أتمَّ بيانٍ وأكمله، وكيف خدم علماءُ المسلمين جيلًا بعد جيلٍ العقيدةَ الإِسلامية، وأثر ذلك في مجتمعاتهم إِلى وقتنا الحاضر، حيث قامت الدولة السعودية الأولى على يد مؤسسها الإِمام المجاهد محمد بن سعود، رحمه الله تعالى، على أساس من دعوة الإصلاح؛ التي دعا إليها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، واستمرت هذه الدولة في أحقابها التالية على ذات المنهج، والذي تجلى في أوضح صورة فيما قام به الإِمام عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، ﵀، حيث وحَّد المملكة

стр. 3

العربية السعودية، ونهض بها على أساس من عقيدة التوحيد وشريعة الإِسلام. ورأيتُ من المناسب ختم هذه الرسالة بذكر قواعد عامة مستقاة من منهج أئمة سلف هذه الأمة في دراستهم لمسائل العقائد والتوحيد، واعتمادهم في ذلك على كتاب الله تعالى وسنة رسول ﷺ أولًا وقبل كل شيء، وهذه القواعد منقولة من مقدمة " شرح العقيدة الطحاوية " لابن أبي العز، في طبعته المحققة الصادرة في عام (١٤٠٨ هـ) . سائلا الله ﵎ أن ينفع بهذه النقول كل من اطلع عليها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. عبد الله بن عبد المحسن التركي

стр. 4

[لا إله إلا الله أساس الوجود] لا إله إلا الله أساس الوجود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإِن: " لا إِله إِلا الله " هي أساس الوجود: فما خَلَق الله الجنَّ والإِنس إِلا لتوحيده وعبادته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وما أرسلَ الله الرسل إِلا لتوحيده وعبادته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وما خلق الله في هذا الكون من شيء إلا لتوحيده وتسبيحه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ومن لُباب التوحيد: أن يُحمَد الإِلهُ العليّ العظيم الجليل الرحيم على ذلك. فَنحمدُ الله الذي جعل توحيده أولَ أمرٍ، وأعظم مسألة، وأبقى حقيقة:

стр. 5

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ - اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ - هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ - وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١ - ٣] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا - قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا - مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا - وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا - مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ١ - ٥] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ - يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ١ - ٢]

стр. 6

﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧] ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: * شهادة الموقن بوحدانية الله في ربوبيته: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ - فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ - وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ - وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ - لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٩٥ - ١٠٣]

стр. 7

* وشهادة الموقنِ بوحدانيةِ الله في ألوهيته: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ - إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١ - ٢] ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥ - ٦٦] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠]

стр. 8

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥] * وشهادة الموقن بوحدانية الله في أسمائه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤] * وشهادةَ الموقن بوحدانيةِ الله في صفاته وأفعاله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]

стр. 9

﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى - لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٥ - ٦] ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ - لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ - يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ١ - ٦] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ - إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ - وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ - ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ - فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٦] ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ - وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ - وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ - وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ - وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ - إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ - فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٥]

стр. 10

﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ - وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ - ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ - فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢] ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ - وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ - وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٤٩] ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١] ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]

стр. 11

﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ونشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله ومُصطفاه ومُجتباه: * شهادةَ المؤمن بأن محمدًا رسول الله ﷺ أعظم مَنْ استقر في قلبه توحيدك يا ربنا. * وشهادةَ المؤمن بأن محمدًا رسول الله ﷺ أعظم من دعا إِلى توحيدك يا إِلهنا. * وشهادة المؤمن بأن محمدًا رسول الله ﷺ أعظم من نطق لسانه بتوحيدك فقال ﷺ : «الحمدُ لله الذي وسِعَ سمْعُهُ الأصواتَ» (١) . «اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَخيركَ بعِلمِكَ، وأَستقْدِرُكَ بقُدْرَتِكَ» (٢) .

стр. 12

«ارْبَعوا على أَنفسكم، إِنكم لا تَدْعون أَصمَّ ولا غائبًا، إِنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم» (١) . «اللهمَّ لك الحمدُ، أنتَ ربُّ السماواتِ والأرضِ، لك الحمدُ أنت قيمُ السماوات والأرض ومن فيهنّ، لك الحمدُ، أنت نورُ السماواتِ والأرض، قولك الحقُّ ووعدُك الحقُّ، ولقاؤكَ حقّ، والجنة حقٌ، والنارُ حق، والساعة حقٌ، اللهمًّ لك أسلمتُ، وبكَ آمنتُ، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفرْ لي ما قَدّمتُ وما أخَّرت وأسررْت وأعلنت، أنتَ إِلهي لا إِله لي غيرك» (٢) . «أَصبَحْنَا على فِطرةِ الإِسلامِ، وعلى كلمة الإِخلاص، وعلى دِين نبيِّنَا محمد ﷺ ، وعلى ملَّةِ أَبِيَنَا إِبراهيمَ

стр. 13

حَنيفًا مُسلمًا، وما كَانَ مِنَ المُشرِكينَ» (١) . «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِله إِلا الله، وأَن محمدًا رَسولُ الله. . .» (٢) . «لا إِله إِلا الله وحدَه، لا شريكَ لهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو على كلِّ شيءٍ قَدير. . .» (٣) . «اللهُمَّ ربَّ السَّماوات وربِّ الأرضِ ربَّ العرش العظيم، ربَنَّا وربَّ كلِّ شيء فالِقَ الحبِّ والنَّوى، ومُنزِلَ التَّوراةِ والإِنجيل والفرقان أَعوذ بك من شرِّ كلِّ شيءٍ

стр. 14

أنتَ آخذٌ بناصيَته، اللهمّ أنتَ الأول فليسَ قبلكَ شيءٌ، وأنت الآخِرُ فَليَسً بعدك شيءٌ، وأنتَ الظاهرُ فليسَ فوقكَ شيءٌ، وأنت الباطنُ فليسَ دونكَ شيءٌ، اقض عنَّا الدَّيْنَ وأغْننا مِنَ الفَقْر» (١) . «إِنكم سَتَرَونَ رَبَّكم كما تَرَوْنَ هذا القمر، لا تُضامون في رُؤيته، فإِن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا. . .» (٢) . «احْفَظ الله يَحْفَظْكَ، احفَظ الله تجدْهُ تُجاهَكَ، إِذا سأَلْتَ فَاسألِ الله، وإذا استَعَنْتَ فاستَعِنْ بالله، واعلمْ أَنَّ الأمَّةَ لو اجتمَعَتْ على أَنْ يَنْفَعوكَ بشيءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إِلاَّ

стр. 15

بشيء قَدْ كَتَبَه الله لَكَ، ولو اجتَمعُوا على أَنْ يَضرُّوكَ بشيء، لم يَضُرُّوكَ إِلاَّ بشيءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَليكَ، رُفِعَت الأَقلامُ، وجَفّتِ الصحُف» (١) . «إِنَّ الله تعالى يَبْسُط يدَه بالليل ليَتوبَ مُسِيءُ النهار، ويَبسُط يده بالنهار ليتوبَ مُسيءُ الليل حتى تَطلعَ الشمسُ من مَغرِبها» (٢) . «سُبْحانَ الله عَدَدَ خَلْقِه، سُبْحان الله رِضاءَ نَفْسهِ، سُبحانَ الله زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبحاَنَ الله مِدَادَ كَلِماتِهِ. . .» (٣) . «. . اللهم بِاسمِكَ أَموتُ وأحيا. (٤) » .

стр. 16

«لا إِله إِلا الله العَظيمُ الحليمُ، لا إِله إِلا الله ربّ العرش العظيمُ، لا إِله إِلا الله ربُّ السمواتِ، وربُّ الأرضِ، وربُّ العرش الكريم» (١) . ونشهد أنّ حياة الرسول ﷺ كانت كلها توحيدًا خالصًا لله تعالى. كان إِيمانُه توحيدًا، وكانت نيتُه توحيدًا، وكانت عبادتُه توحيدًا، وكان عملُه توحيدًا، وكان خُلُفه توحيدًا. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ - قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٤]

стр. 17

ونشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ خير من جاهد في سبيل كلمة التوحيد حتى أتاه اليقين. ونشهد أن كل توحيدٍ تحقق - بعد مبعثه - كان هو ﷺ سببه بتوفيق المُسبِّبِ ونَصرِه سبحانه. فصلِّ اللهم على نبيك ورسولك محمد ما عَمرَ قلبٌ بتوحيدك، وما استضاءَ مُجتمع بنور الإِيمان بك. وارْضَ اللهم عن صحابة رسول الله ﷺ الذين ما دار الفَلَك على شاهِدين بالوحدانية لك خير منهم بعد الأنبياء والمرسلين. أما بعد: فهذا مفتحٌ توحيديّ ذو دلالة مقصودة. ووجه الدلالة فيه: * أن العقيدة هي جِماع الأمر ومِلاكه، فليس يسبق العقيدة شيء في منهج الدين، وليس يقوم مقام التوحيد شيء في سلوك التديّن، وصلاح القلب والعمل. وما من نبي ولا رسول إِلا كانت العقيدة عمادَ دعوته، وأول أمره، وباكورة منهجه:

стр. 18

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وما من داعيةٍ ناجحِ إِلا بدأ بما بدأ بهِ الرُّسل، وكان التوحيد قِوام علمه ودعوته. يعزز هذه الحقيقة - حقيقة أن العقيدة هي جِماع الأمر ومِلاكه - عبرة التاريخ، واستقراء الواقع. فكل بناء لا تكون العقيدة أسّه، إِنما هو بناء بلا أساس، وبلا قرار وإِنْ بَدا للناس أنه قد استطالَ.

стр. 19

لقد فسر الناس انهيار الحضارات، وبوار الأمم، واضطراب المجتمعات وضنكها بأسباب بلغت المئين عدًّا، لكن هؤلاء المفسرين غفلوا عن السبب الأسّ وهو: انحراف العقيدة وفسادها بالكفر والشرك والزيغ والضلال والإِعراض. وهو السبب الذي جَلاّه الله في كتابه الكريم، ودعا إِلى الاعتبار بنتائجه: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا - إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٧ - ١٦٩] ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ - أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ٨ - ١٠]

стр. 20

﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ - وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣ - ١٤] ووجه الدلالة في ذلك المَفْتح: * أننا - نحن المسلمين - لا نعبد مجهولًا، بل نعبد إِلهًا نعرفه بأسمائه وصفاته.

стр. 21

* ووجه الدلالة فيه - كذلك - أن للعلم بالله تعالى - وهو أعظم العلوم وأشرفها وأنفعها - منهجًا توقيفيًا. وطريق العلم بهذا المنهج التوقيفي هو: الوحي، وهو كلام الله الذي أوحاه إِلى رسوله ﷺ ، وهو سنّة الرسول في التعريف بالله . إِن الله تعالى أخبر - في كتابه الكريم - بدلائل ربوبيته، وخصائص ألوهيته، وأخبر بأسمائه وصفاته. وآمن الرسول ﷺ بما أخبر به الله على مراد الله. وبيَّن ﷺ ما أراده الله من توحيد وإِخلاص. وعلَّم أصحابه هذا الإِيمان: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] لبث الرسول ﷺ من لْدُنْ مبعثِه إِلى أن انتقل إِلى الرفيق الأعلى، يُعلِّم أصحابه التوحيد الخالص، ويزكيهم به. فما انقطع خبر السماء، وما اختار رسول الله ما عند الله إِلا بعد أن انتصر التوحيد، واستقر الإِيمان الخالص، ورسخت دعائمه، وعلت راياته البهية.

стр. 22

لقد كان صَحابة رسول الله ﷺ هم جُند التوحيد بعد الرسول ﷺ ، وهم دعاته وحرّاسه، فقد لزموا منهج نبيهم الكريم الذي رباهم على توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وهم الموصوفون - ابتداءً - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦٠] وفي قوله جلَّ شأنُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ - رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ - رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٧ - ٩] وفي قوله سبحانه:

стр. 23

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ - رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ - فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٥] وهم المقصودون بالأولية في خير القرون في حديث: «خَيرُ الناس قَرْني، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يَلونهم. . .» (١) .

стр. 24

فمقياس الأولية في هذه الخيرية العظيمة هو: التوحيد العظيم المكين الخالص. فما يُخَيَّرُ قوم على قوم إِلا بصدق التوحيد، والعمل بمقتضاه. يقول الحافظ أبو القاسم اللالكائي: " فإِنّ أوجب ما على المرء، معرفة اعتقاد الدين، وما كلّف الله به عباده من فَهم توحيده وصفاته، وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إِلى طرقها، والاستدلال عليها بالحجج والبراهين، وكان من أعظم مقول، وأوضح حجةِ ومعقول: كتاب الله الحق المبين، ثم قول رسول الله ﷺ وَصحابته الأخيار المتقين، ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون، ثم التمسك بمجموعها والمقام عليها إِلى يوم الدين، ثم الاجتناب عن البدع والاستماع إِليها مما أحدثها المضلون. فهذه الوصايا الموروثة المتبوعة، والآثار المحفوظة

стр. 25

المنقولة، وطرائق الحق المسلوكة، والدلائل اللائحة المشهورة، والحجج الناهرة المنصورة، التي عمل عليها الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من خاصة الناس وعامتهم من المسلمين، واعتقدوها حجة فيما بينهم وبين الله رب العالمين " (١) . ثم يقول: " فلم تزل الكلمة مجتمعة (٢) والجماعة متوافرة على عهد الصحابة الأول ومن بعدهم من السلف الصالحين، حتى نبغت نابغة بصوت غير معروف، وكلام غير مألوف في أول إِمارة المروانية تُنازع في القدر وتتكلم فيه " (٣) . ولقد تأذن الله تعالى أن يَختار من أوليائه وخاصته من يكر على أصوات الباطل بحقائق التوحيد فيدفعها، ويعيد التوحيد نقيًا قويًا. وقد قال الصادق المصدوق ﷺ : «لا تزالُ طائفة من أُمتي ظاهِرينَ على الحقَّ لا يَضُرُّهمْ

стр. 26

مَنْ خَذَلهم حتى يأتيَ أمر الله وهُمْ كذلك» (١) . إِنَّ دلالة هذا الحديث تحققت في كل عصر ولله الفَضْلُ والمَنُّ. وتأتلق هذه الدلالة أشد ما تأتلق في مقام عقيدة التوحيد، وخلوص الإِيمان، فقد برز في كل قرن من القرون رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، قاموا بالذبِّ عن العقيدة الصحيحة السليمة خير قيام، وجاهدوا في سبيل تثبيت أُسسها وترسيخ قواعدها خير جهاد، وكان نَهجهم الدعوة والعلم والعمل، فكان خير نهج، فأعطى خير ثمار. ففي أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني برز من هؤلاء الرجال - على سبيل المثال لا الحصر -: القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسليمان بن يسار. وفي القرن الثاني ظهر: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، ووكيع بن الجراح.

стр. 27

وفي القرن الثاني وأوائل القرن الثالث برز: أبو عبد الله محمد بن إِدريس الشافعي، والفَضْل بن دُكين. وفي القرن الثالث برز: أحمد بن حنبل، ومحمد بن إِسماعيل البخاري، وأبو داود سليمان بن الأشعث. وفي أواخر القرن الثالث ظهر: محمد بن جرير الطبري. وفي القرن الرابع ظهر: عبد الرحمن بن أبي حاتم، وعلي بن عمر الدارقطني. وفي القرن الخامس برز: هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي. وفي القرن السادس ظهر: الحسين بن مسعود البغوي، وعبد الغني بن عبد الواحد بن سرور الحنبلي. وفي أواخر القرن السابع، وأوائل القرن الثامن، ظهر الإِمام الجليل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وكان لظهوره ما بعده. فقد جمع ابن تيمية منهج أهل السنة والجماعة؛ في العلم، والاعتقاد، والفهم، والعمل، والسلوك، وأحياه، وحرّره تحريرًا بديعا، اتسم بسعة العلم، وقوة الأمانة، وحسن العرض، ودقة الضبط.

стр. 28

ولكن الإِمام ابن تيمية ﵀ سُبِقَ ولُحقَ - في هذا الميدان - بجهاد علمي، صادق ومتصل من الكَثير من رجالات أهل السنة والجماعة، كما ذكرنا. " وخليق بنا أن نذكرها هنا حقيقتين مهمتين (١) . الأولى: أن أهل السنة والجماعة، وهم يبينون العقيدة المنجية في توحيد الله تعالى، وما يلحق بها من شُعب الإيمان الأخرى، يُجلون في الوقت نفسه، ووفق المنهج المعتمد، وفي ذات السياق، الاعتقاد العاصم في مسائل: عدالة الصحابة، وتَفضيل الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وخَيرية القرون الأولى، والإِمامة، وعدم مُنازعة الأمر أهله، ومُضي الجهاد، والكف عن تكفير المسلم بالمعاصي والذنوب، إِذا لم يستَحلها، إِلا بدليل يدل على كفر مرتكبها؛ كترك الصلاة متعمدًا، فقد دل الدليل على كفر من فَعله، ووحدة الجماعة، والتزام المنهج الصحيح في فهم الدين.

стр. 29

إِن هذا الترابط الموضوعي والمنهجي بين التوحيد، وبين هذه المسائل يدل على: ا - أن التوحيد هو المنهج الحاكم الذي يجب أن تُفهم كل مسألة في هُداه. ب - أن الانحراف في هذه المسائل، ذريعة إِلى جرح التوحيد وإِمراضه. مثال ذلك: عَدالة الصحابة، فإِن القَدح في هذه العدالة، ذريعة إِلى رد آياتٍ قرآنية، أَخبرت بفضل الصحابة وعدالتهم، ورد القرآن إِلحاد من الإِلحاد. ج - أن الذين جادلوا بالباطل، في القديم والحديث، في هذه المسائل لم يُعرفوا بصحة العقيدة. الثانية: أن جمهور علماء أهل السنة والجماعة، وأئمتهم من المذاهب الأربعة وغيرها، على عقيدة واحدة، وإِن اختلفوا في الفروع الاجتهادية. وقد كتب في ذلك علماء مشهورون من مختلف المذاهب، كالإِمام أبي حنيفة في رسالته (الفقه الأكبر) ، والإِمام الطحاوي الحنفي في عقيدته، وشرحها لابن أبي العز،

стр. 30

والإِمام أحمد بن حنبل فيما نُقل عنه من رسائل وإِجابات في العقائد، والإِمام البخاري، وابن أبي زيد القيرواني المالكي في رسالته المشهورة وغيرهم ". ولتَسْتَبينَ هذه الحقائق وتتضح، سنورد نماذج مما نُقل عن بَعض أئمة أهل السنة والجماعة في مجال العقيدة.

стр. 31

[مقتطفات مما نقل عن الإمام أبي حنيفة] الإمام أبو حنيفة: (١) . قال الإِمام أبو حنيفة (٢) - رحمه الله تعالى -: اعلموا يا أصحابي وإِخواني، أنَّ مذهب أهلِ السنة والجماعة على اثنتي عشرة خصلة: الأولى: الإِيمان، وهو إِقرارٌ باللسان وتصديقٌ بالجَنان (٣) . والإِقرار وحده لا يكون إِيمانًا، لأنه لو كان إِيمانًا لكان المنافقون كلهم مؤمنون. وكذلك المعرفة وحدها لا تكون إِيمانًا، لأنها لو كانت إِيمانًا لكان أهل الكتاب مؤمنين. والمؤمن مؤمن حقًا، والكافر كافر حقًا، وليس في الإِيمان شك، كما أنه ليس في الكفر شَك، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] وقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]

стр. 32

والعاصون من أمة محمد ﷺ كلهم مؤمنون حقًا (١) وليسوا بكافرين. وتقدير الخير والشر من الله تعالى، لأنه لو زعم أحد أن قدير الخير والشر من غيره، لصار كافرًا بالله تعالى، وبطل توحيده. والثانية: نُقر بأن الأعمال ثلاثة؛ فريضة، وفضيلة، ومعصية: فالفريضة بأمر الله ومَشيئتِه ورضائِه وقدره وتَخليقه وكتابته في اللوح المحفوظ. والفضيلة ليست بأمر الله، ولكن بمشيئتِه ومحبته ورضائه وقدره وتخليقه وكتابته في اللوح المحفوظ. والمعصية ليست بأمر الله، لكن بمشيئته لا بمحبته، وبقضائه لا برضائه، وبتقديره لا بتوفيقه، وبخذلانه وعلمه وكتابته في اللوح المحفوظ (٢) .

стр. 33

والثالثة: نُقرّ بأن الله على العرش استوى، وهو حافظ للعرش، وغير العرش، من غير احتياج، فلو كان محتاجًا لما قدر على إِيجاد العالم وتدبيره. والرابعة: نُقِرّ بأن القرآن كلامُ الله تعالى، غير مخلوق، ووحيه وتنزيله، لا هو ولا غيره، بل هو صفته على التحقيق، مكتوب في المصاحف، مقروءٌ بالألسنة، محفوظ في الصدور، غير حالٍّ فيها. والحِبر والكاغَدُ والكتابة مخلوق،

стр. 34

لأنها أفعال العباد؛ لأن الكتابة والحروف والكلمات والآيات آلة (١) القرآن، لحاجة العباد إِليها. الخامسة: نُقرّ بأن أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد ﵊؛ أبو بكر الصدِّيق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين، لقول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢] وكل من كان أسبق إِلى الخير فهو أفضل عند الله تعالى، ويحبهم كل مؤمن تقي، ويبغضهم كل منافق شقيّ. والسادسة: نُقر بأن العبدَ معِ أعماله وإِقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان الفاعل مخلوقاَ، فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة. والسابعة: نُقرّ بأن الله خلق الخلق ولم يكن لهم طاقة، لأنهم ضُعفاء عاجزون، فالله تعالى خالقهم

стр. 35

ورازقهم، لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] والكسب بالعلم والمال من الحلال حلال، ومن الحرام حَرام. والثامنة: نُقر بأن الاستطاعة مع الفعل، لا قبل الفعل، ولا بعد الفعل، لأنه لو كان قبل الفعل لكان العبد مستغنيًا عن الله تعالى وقت الحاجة، فهذا خلاف حكم النص، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨] ولو كان بعد الفعل لكان من المحال، لأنه حصول بغير استطاعة ولا طاقة. والتاسعة: نُقرّ بأن المسحَ على الخُفين واجب للمقيم يومًا وليلة (١) وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها، لأن الحديث ورد هكذا. فمن أنكر فإِنه يُخشى عليه الكفر، لأنه قريب من الخبر المتواتر. والقصر والإِفطار في السفر رخصةٌ بنص الكتاب.

стр. 36

والعاشرة: نُقرُّ بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب، فقال القلم: ماذا أكتب يا ربِّ؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إِلى يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ - وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢ - ٥٣] والحادية عشرة: نُقرّ بأن عذاب القبر كائنٌ لا محالة، وسُؤالَ مُنكر ونكير حَقٌ، لورود الأحاديث. والجَنَّة والنارَ حَقٌ، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقراءةَ الكتب حق، لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] والثانية عشرة: نُقرُّ بأن الله تعالى يُحيي هذه النفوسَ بعدَ الموت، ويَبعثهم في يوم كان مقدارُه خمسين ألف سنة، للجزاء والثواب وأداء الحقوق، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧] ولقاء الله تعالى لأهلِ الحقِّ حقُّ بلا كَيْفية (١) ولا تشبيه

стр. 37

ولا وَجْه (١) . وشفاعة نبينا محمد ﷺ لكل من هو من أهل الجنة، وإِن كان صاحب الكبيرة. وعائشة ﵂ بعد خديجة الكبرى أفضل نساء العالمين، وأم المؤمنين، ومطهرة من الزنى بريئة عما قال الروافض، فمن شهد عليها بالزنى فهو ولد الزنى. وأهل الجنة في الجنة خالدون، وأهل النار في النار خالدون، لقوله تعالى في حق المؤمنين:. . ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢] وفي حق الكفار:. . ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] والله تعالى أعلم.

стр. 38

[مقتطفات مما نقل عن الإمام مالك] الإمام مالك: (١) . قال الإمام مالك - رحمه الله تعالى -: الإِيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض. وسئل عن الإيمان فقال: قول وعمل. قيل: أيزيد وينقص؟ قال: قد ذكر الله سبحانه في غير آيٍ من القرآن أن الإيمان يزيد، فقيل: أَينقص؟ قال: دع الكلام في نقصانه وكُفّ عنه، فقيل: فبعضه أفضل من بعض؟ قال: نعم (٢) . وكان يقول: القرآن كلام الله، وكلام الله من الله، وليس من الله شيء مخلوق، ومن قال: القرآن مخلوق، فهو كافر، والذي يقف، أشد منه، يُسْتَتاب وإِلا ضُربت عنقه (٣) . وسأله أبو السَّمح قال: أيُرى الله يوم القيامة؟ فقال: نعم، يقول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقال لقومٍ آخرين:

стр. 39

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] (١) . وسأله الوليد بن مسلم عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقال: أَمِرّوها كما جاءت بلا كيف (٢) . وقال له رجل مرةً: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء منه معلوم، والكيفُ منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإِيمان به واجب، وإِني لأظنك ضالًا، أخرجوه عني (٣) . وكان يقول: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء (٤) . وسُئِل الإِمام مالك: مَنْ أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أبو بكر، فقيل: ثم مَنْ؟ قال: عمر، قيل: ثم مَنْ؟ قال: عثمان، قيل: ثمَّ؟ فقال: هاهنا وقف الناس، رسول الله ﷺ أمَّرَ أبا بكر على الصلاة، واختار أبو بكر

стр. 40

عُمرَ، وجَعلها عمرُ إِلى ستةٍ فاختاروا، فوقف الناس هاهنا (١) . وكان يقول: إِن أهل السنة، الذين ليس لهم لقب يعرفون به؛ لا جَهْمي ولا قَدَري ولا رافضيّ. وليس لمن سبَّ أصحاب رسول الله ﷺ في الفيء حقٌّ، قد قسم الله الفيءَ على ثلاثة أصناف، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وإِنما الفَيْء لهؤلاء الثلاثة الأصناف (٢) . وقال: أهل الأهواء بئس القوم، لا يُسَلَّم عليهم واعتزالهم أحب إِلي (٣) . وكان ﵀ كثيرًا ما يتمثل بقول الشاعر: وخَيُر أمورِ الدِّينِ ما كَانَ سُنَّةً ... وشرُّ الأُمور المُحدَثَاتُ البَدائعُ (٤) .
следующие страницы →