والعاشرة: نُقرُّ بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب، فقال القلم: ماذا أكتب يا ربِّ؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إِلى يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ - وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢ - ٥٣]
والحادية عشرة: نُقرّ بأن عذاب القبر كائنٌ لا محالة، وسُؤالَ مُنكر ونكير حَقٌ، لورود الأحاديث.
والجَنَّة والنارَ حَقٌ، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
وقراءةَ الكتب حق، لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]
والثانية عشرة: نُقرُّ بأن الله تعالى يُحيي هذه النفوسَ بعدَ الموت، ويَبعثهم في يوم كان مقدارُه خمسين ألف سنة، للجزاء والثواب وأداء الحقوق، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]
ولقاء الله تعالى لأهلِ الحقِّ حقُّ بلا كَيْفية (١) ولا تشبيه
стр. 37
ولا وَجْه (١) .
وشفاعة نبينا محمد ﷺ لكل من هو من أهل الجنة، وإِن كان صاحب الكبيرة.
وعائشة ﵂ بعد خديجة الكبرى أفضل نساء العالمين، وأم المؤمنين، ومطهرة من الزنى بريئة عما قال الروافض، فمن شهد عليها بالزنى فهو ولد الزنى.
وأهل الجنة في الجنة خالدون، وأهل النار في النار خالدون، لقوله تعالى في حق المؤمنين:. . ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢] وفي حق الكفار:. . ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] والله تعالى أعلم.
стр. 38
[مقتطفات مما نقل عن الإمام مالك]
الإمام مالك: (١) .
قال الإمام مالك - رحمه الله تعالى -: الإِيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض.
وسئل عن الإيمان فقال: قول وعمل. قيل: أيزيد وينقص؟ قال: قد ذكر الله سبحانه في غير آيٍ من القرآن أن الإيمان يزيد، فقيل: أَينقص؟ قال: دع الكلام في نقصانه وكُفّ عنه، فقيل: فبعضه أفضل من بعض؟ قال: نعم (٢) .
وكان يقول: القرآن كلام الله، وكلام الله من الله، وليس من الله شيء مخلوق، ومن قال: القرآن مخلوق، فهو كافر، والذي يقف، أشد منه، يُسْتَتاب وإِلا ضُربت عنقه (٣) .
وسأله أبو السَّمح قال: أيُرى الله يوم القيامة؟ فقال: نعم، يقول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقال لقومٍ آخرين:
стр. 39
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] (١) .
وسأله الوليد بن مسلم عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقال: أَمِرّوها كما جاءت بلا كيف (٢) .
وقال له رجل مرةً: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء منه معلوم، والكيفُ منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإِيمان به واجب، وإِني لأظنك ضالًا، أخرجوه عني (٣) .
وكان يقول: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء (٤) .
وسُئِل الإِمام مالك: مَنْ أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أبو بكر، فقيل: ثم مَنْ؟ قال: عمر، قيل: ثم مَنْ؟ قال: عثمان، قيل: ثمَّ؟ فقال: هاهنا وقف الناس، رسول الله ﷺ أمَّرَ أبا بكر على الصلاة، واختار أبو بكر
стр. 40
عُمرَ، وجَعلها عمرُ إِلى ستةٍ فاختاروا، فوقف الناس هاهنا (١) .
وكان يقول: إِن أهل السنة، الذين ليس لهم لقب يعرفون به؛ لا جَهْمي ولا قَدَري ولا رافضيّ.
وليس لمن سبَّ أصحاب رسول الله ﷺ في الفيء حقٌّ، قد قسم الله الفيءَ على ثلاثة أصناف، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وإِنما الفَيْء لهؤلاء الثلاثة الأصناف (٢) .
وقال: أهل الأهواء بئس القوم، لا يُسَلَّم عليهم واعتزالهم أحب إِلي (٣) .
وكان ﵀ كثيرًا ما يتمثل بقول الشاعر:
وخَيُر أمورِ الدِّينِ ما كَانَ سُنَّةً ... وشرُّ الأُمور المُحدَثَاتُ البَدائعُ (٤) .
стр. 41
[مقتطفات مما نقل عن الإمام الشافعي]
الإمام الشافعي: (١) .
قال الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: " الإِيمان قول وعمل، ويزيد وينقص.
وسأله رجل: أي الأعمال عند الله أفضل؟ فقال ما لا يقبل عملًا إِلا به. قال: وما ذاك؟ قال: الإِيمان بالله الذي لا إِله إِلا هو، أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظًا، قال الرجل: ألا تخبرني عن الإِيمان؛ قول وعمل أو قول بلا عمل؟
فقال: الإيمان عمل لله، والقول بعض ذلك العمل.
وإن الإيمان حالات ودرجات وطبقات، فمنها التام المنتهي تمامُه، والناقص البَيِّن نقصانُه، والراجح الزائد رجحانُه.
فقال الرجل: وإِن الإِيمان ليتمّ وينقص ويزيد؟
قال الشافعي: نعم.
قال: وما الدليل على ذلك؟
قال: إِن الله جلَّ ذكره فرض الإِيمان على جوارح بني
стр. 42
آدم فقسمه فيها، وفرقه عليها، فليصر من جوارحه جارحة إِلا وقد وُكلت من الإِيمان بغير ما وكلت به أختها بفرضٍ من الله تعالى.
فمن لقي الله حافظًا لصلواته حافظًا لجوارحه، مؤديًا بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليها، لقي الله مستكملَ الإِيمان من أهل الجنة.
ومن كان لشيءٍ منها تاركًا متعمدًا، مما أمر الله به لقي الله ناقص الإِيمان.
قال الرجل: قد عرفت نقصانه وإِتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟
فقال الشافعي: قال الله جلَّ ذكره: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]
ولو كان هذا الإِيمان كله واحدًا لا نقصان فيه ولا زيادة، لم يكن لأحدٍ فيه فضل، واستوى الناس وبطل التفضيل.
ولكن بتمام الإِيمان دخل المؤمنون الجنة.
وبالزيادة في الإِيمان تفاضَل المؤمنون بالدرجات عند
стр. 43
الله في الجنة.
وبالنقصان من الإِيمان دخل المُفرِّطون النار (١) .
وقال - رحمه الله تعالى - في قوله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]
هذا دليل على أن أولياءَه يرونه يوم القيامة، فلما حجبهم بالسخط، كان هذا دليلًا على أنهم يرونه في الرضا (٢) .
وقال: لله أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيّه ﷺ أُمّته، لا يَسَع أحدًا قامت عليه الحجة رَدّها، لأن القرآن نزل بها، وصَحَّ عن رسول الله ﷺ القول بها، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه؛ فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يُدرَكُ بالعقل، ولا بالروية والفِكر. ولا نُكَفِّر بالجهل بها أحدًا إِلا بعد انتهاء الخبر إِليه بها.
ونُثبتُ هذه الصفات وننفي عنها التَّشبيه كما نَفاه عن
стр. 44
نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١) [الشورى: ١١] .
والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق (٢) ومشيئةُ العباد هي إِلى الله تعالى، ولا يَشاؤون إِلا أنْ يَشاء الله ربُّ العالمين، فإِن الناس لم يخلقوا أعمالهم، وهي خَلقُ مِنْ خَلْقِ الله تعالى، وإِن القدرَ خيرَه وشرّه من الله ، وإِن عذابَ القبر حق، ومُساءَلَةَ أهل القبور حق، والبعثَ حق، والحسابَ حق، والجنة والنار، وغير ذلك مما جاءت به السُّنن فظهر على ألسنة العلماء وأتباعهم من بلاد المسلمين، حق (٣) . وأفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضوان الله عليهم (٤) .
وقد أثنى الله على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحدٍ بعدهم، وهم أدّوا إِلينا سنن رسول الله ﷺ ، وشاهدوه
стр. 45
والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عامًّا وخاصًّا وعزمًا وإِرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علمٍ واجتهاد، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا (١) .
ولا يَلْزَمُ قولٌ بكل حالٍ إِلا بكتاب الله أو سنَّة رسوله ﷺ ، وإِن ما سواهما تَبعٌ لهما، وكلّ مُتكلمٍ على الكتاب والسنة فهو الحد الذي يجب، وكل متكلمٍ على غير أصل كتابٍ ولا سُنة فهو هَذَيان، والله أعلم " (٢) .
стр. 46
[مقتطفات مما نقل عن الإمام أحمد بن حنبل]
الإمام أحمد بن محمد بن حنبل: (١) .
قال الإِمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى: (٢) .
" أصول السُّنَّةِ عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال، والخصومات في الدين.
والسنة عندنا: آثار رسول الله ﷺ .
والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن.
ومن السنة اللازمة التي مَن ترك منها خصلة لم يَقبلها ويؤمن بها، لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإِيمان بها، لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إِنما هو التصديق بها والإيمان بها.
ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله، فقد كُفي ذلك وأحكم له، فعليه الإِيمان به، والتسليم له، مثل
стр. 47
حَديث الصادق المصدوق (١) وما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإِن نَبت عن الأسماع، واستوحش منها المستمع، فإِنما عليه الإِيمان بها، وألا يردَّ منها حَرفًا واحدًا، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات.
وأن لا يخاصم أحدًا ولا يُناظره، ولا يتعلم الجدل، فإِن الكلام في القدر والرؤية والقرآن، وغيرها من السنن، مكروه منهي عنه، ولا يكون صاحبه إِن أصاب بكلامه السنة: من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم، ويؤمن بالآثار.
стр. 48
والقرآن كلام الله، وليسَ بمخلوق، ولا تضعف أن تقول: ليس بمخلوق، فإِن كلام الله منه، وليس منه شيء مخلوق، وإِياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه، فقال: لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق، وإِنما هو كلام الله، وليس بمخلوق.
والإِيمان بالرؤية يوم القيامة، كما روي عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحاح.
والإِيمان بالميزان كما جاء، وتوزن أعمال العباد كما جاء في الأثر.
وأنَّ الله ﵎ يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان.
والإِيمان بالحوض، وأن لرسول الله ﷺ حوضًا يوم القيامة ترد عليه أُمته، عرضه مثل طوله مَسيرة شهر، آنيته كعدد نجوم السماء على ما صحت به الأخبار من غير وجه.
والإِيمان بعذاب القبر، وأن هذه الأمة تُفتن في قبورها وتُسأل عن الإِيمان، والإِسلام، ومن ربه، ومن نبيه؟ ويأتيه منكر ونكير كيف شاء الله ، وكيف أراد.
стр. 49
والإِيمان بشفاعة النبي ﷺ ، وبقوم يخرجون بعدما احترقوا وصاروا فحمًا، فيؤمر بهم إِلى نهر على باب الجنة كما جاء في الأثر، كيف شاء الله، وكما شاء.
والإِيمان أن المسيح الدجال خارج، مكتوب بين عَينيه: كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، والإِيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ابن مريم ينزل فيقتله بباب لُد.
والإِيمان قولٌ وعمل يزيد وينقص، كما جاء في الخبر: «أكمل المؤمنين إِيمانًا أحسنهم خلقًا» (١) .
وخيرُ هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة، كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا في ذلك.
ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب، وطَلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف،
стр. 50
وسعد، كلهم يصلح للخلافة، وكلهم إِمام.
ثم من بعد أصحاب الشورى، أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، على قدر الهجرة والسابقة أولًا فأول.
ثم أفضل الناس بعد هؤلاء، أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بعث فيهم.
كل من صحبه سنة، أو شهرا، أو يوما، أو ساعة، أو رآه ساعةً فهو من أصحابه، له من الصّحْبَةِ على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إِليه.
فأدناهم صحبة هو أفضل من القَرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال.
كان هؤلاء الذين صحبوا النبي ﷺ ورأوه وسمعوا منه.
ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة (١) أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير.
والسمع والطاعة للأئمة.
وأمير المؤمنين، البَر والفاجر، من ولي الخلافة فاجتمع
стр. 51
الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين.
والغزو ماضٍ مع الأمراء إِلى يوم القيامة، البَر والفاجر لا يترك.
وقسمة الفَيء، وإِقامة الحدود إِلى الأئمة ماضٍ ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إِليهم جائزة ونافذة، من دفعها إِليهم أجزأت عنه، برًا كان أو فاجرًا.
وصلاة الجُمعة خلفه وخلف من ولي جائزة تامة، ركعتان من أعادهما فهو مبتدع، تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شيء إِذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا، برهم وفاجرهم، فالسنة أن تصلي معهم ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع، وتدين بأنها تامة ولا يكن في صدرك من ذلك شك.
ومن خرج على إِمام المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة، بأي وجه كان، بالرضى أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ ، فإِن مات الخارج عليه، مات ميتة جاهلية.
стр. 52
ولا يَحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحدٍ من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق.
ولا يشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنةٍ ولا نار، يرجو للصالح ويخاف عليه، ويخاف على المسيء المذنب ويرجو له رحمة الله.
ومن لقي الله بذنب تجب له به النار، تائبًا غير مُصِرٍّ عليه، فإِن الله يتوب عليه، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات.
ومن لقيه وقد أقيم عليه حدّ ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته كما جاء الخبر عن رسول الله ﷺ (١) .
стр. 53
ومن لقيه مُصرًّا غير تائب من الذنوب التي قد استوجبت بها العقوبة، فأمره إِلى الله إِن شاء عذّبه، وإِن شاء غفر له، ومن لقيه كافرًا عذّبه ولم يَغفر له.
والرجم حق على من زنى وقد أُحصن إِذا اعترف، أو قامت عليه بينة. وقد رجم رسول الله ﷺ ، وقد رَجم الأئمة الراشدون.
ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، أو أبغضه لحدثٍ كان منه، أو ذكر مساوئه، كان مبتدعًا حتى يترحم عليهم جميعًا ويكون قلبه لهم سليمًا.
والنفاق هو الكفر، أن يكفر بالله، ويعبد غيره، ويظهر الإِسلام في العلانية، مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ .
وهذه الأحاديث التي جاءت نرويهِا كما جاءت ولا نفسرها.
مثل: «لا تَرجعوا بعدي كفاراَ يَضرب بعضكم رقابَ بعض» (١) .
стр. 54
ومثل: «إِذا التَقى المسلمان بسيفيهما فالقاتِل والمَقتول في النار» (١) .
ومثل: «سباب المسلم فُسوق وقِتاله كفر» (٢) .
ومثل: «أَيما رجل قال لأخيه: يا كافر فقد باءَ بها أحَدهما» (٣) .
ومثل: «. . . كُفْرٌ بالله تَبرؤٌ من نَسَب وإنْ دَقّ» (٤) .
стр. 55
ونحوه من الأحاديث مما قد صح وحُفظ، فإِنا نسلم له، وإِن لم يعلم تفسيرها، ولا يتكلم فيه، ولا يجادل فيه، ولا نُفسر هذه الأحاديث إِلا مثل ما جاءت ولا نردها إلا بأحقّ منها.
والجنة والنار مخلوقان قد خُلِقتا كما جاء عن رسول الله ﷺ ، فمن زعم أنهما لم تخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله ﷺ ، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار.
ومن مات من أهل القبلة موحدًا يُصلَّى عليه، ويستغفر له، ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيرًا كان أو كبيرًا، وأمره إِلى الله " (١) .
стр. 56
[مقتطفات مما نقل عن الإمام البخاري]
الإمام البخاري: (١) .
قال الإِمام البخاري رحمه الله تعالى: (٢) .
" لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر، لقيتهم كَرّات، قرنًا بعد قرن، ثمِ قرنًا بعد قرن، أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ستَ وأربعين سنة، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، والبصرة أربع مرات في سنين ذوي عدد، بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدثي أهل خراسان منهم: المكي بن إِبراهيم، ويَحيى بن يَحيى، وعلي بن الحسن بن شقيق، وقُتيبة بن سعيد، وشهاب بن معمر.
وبالشام: محمد بن يوسف الفريابي، وأبا مُسهر عبد الأعلى بن مسهر، وأبا المغيرة عبد القُدوس بن الحجاج، وأبا اليَمان الحكم بن نافع ومن بعدهم عدة كثيرة.
стр. 57
وبمصر: يحيى بن كثير، وأبا صالح كاتب الليث بن سعد، وسعيد بن أبي مريم، وأصبغ بن الفرج، ونُعيم بن حَماد.
وبمكة: عبد الله بن يزيد المقرئ، والحُميدي، وسليمان بن حرب قاضي مكة، وأحمد بن محمد الأزرقي.
وبالمدينة: إِسماعيل بن أبي أويس، ومطرف بن عبد الله، وعبد الله بن نافع الزبيري، وأحمد بن أبي بكر أبا مصعب الزهري، وإِبراهيم بن حمزة الزبيري، وإِبراهيم بن المنذر الحزامي.
وبالبصرة: أبا عاصم الضحاك بن مَخلد الشيباني، وأبا الوليد هشام بن عبد الملك، والحجاج بن المنهال، وعلي بن عبد الله بن جعفر المديني.
وبالكوفة: أبا نُعيم الفضل بن دُكين، وعبد الله بن موسى، وأحمد بن يونس، وقبيصة بن عقبة، وابن نمير، وعبد الله وعثمان ابني أبي شيبة.
وببغداد: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبا معمر، وأبا خيثمة، وأبا عُبيد القاسم بن سلام.
стр. 58
ومن أهل الجزيرة: عمرو بن خالد الحراني.
وبواسط: عمرو بن عون، وعاصم بن علي عاصم.
وبمرو: صدقة بن الفضل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي.
واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصرا، وألا يطول ذلك.
فما رأيت واحدا من هؤلاء مختلف في هذه الأشياء:
أن الدين قول وعمل، وذلك لقول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤]
قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل: قال ابن عيينة: فبين الله الخلق من الأمر بقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]
стр. 59
وأن الخير والشر بقدر، لقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢] ولقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ولقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]
ولم يكونوا يُكفِّرون أحدًا من أهل القبلة بالذنب، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]
وما رأيتُ فيهم أحدًا يتناول أصحابَ محمد ﷺ ، قالت عائشة: " أمروا أن يستغفروا لهم "، وذلك قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]
وكانوا ينهون عن البدع مما لم يكن عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، لقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ولقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]
ويَحثّون على ما كان عليه النبي ﷺ ، لقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]
стр. 60
وألا نُنازع الأمر أهله، لقول النبي ﷺ : «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلمِ: إِخلاص العمل لله، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم، فإِنَّ دعوتهم تحيط مَن وَرائهم» (١) . ثم أكد في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
وألا يُرى السيف على أمة محمد ﷺ .
وقال الفضيل: " لو كانت لي دعوة مستجابةٌ لم أجعلها إِلا في إِمام، لأنه إِذا صلح الإِمام أمن البلاد والعباد " (٢) .
стр. 61
[مقتطفات مما نقل عن الإمام أبي جعفر الطحاوي]
الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي: (١) .
يقول الإمام أبو جعفر الطحاوي - رحمه الله تعالى - في أول رسالته عن العقيدة المنجية:
" هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يَعقوب بن إِبراهيم البَجلي، وأبي عبد الله مُحمد بن الحسن الشيباني، ﵃ أجمعين. وما يَعتقدون في أصول الدين، وما يَدينون به لرب العالمين.
نقول في توحيد الله مُعتقدين بتوفيق الله: إِن الله تبارك اسمه، وتعالى جدّه، وجلَّ ثناؤه، واحدٌ لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يُعجزه، ولا إِله غيره، قديمٌ بلا ابتداء، دائمٌ بلا انتهاء، لا يَفْنى ولا يَبيد، ولا يكونُ إِلا ما يُريد، لا تَبلغه الأوهام، ولا تُدركه الأفهام، ولا يُشبه الأنام، حَيّ لا يَموت، قيّوم لا ينام. . . ".
стр. 62
وقال:
" وإن القرآن كلام الله، منه بَدأ بلا كيفية، قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلامُ الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوقٍ كَكلامٍ البريَة. فمن سمعه، فزعم أنه كلام البشر، فقد كفر. . . ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أن الله بصفاته ليس كالبشر. . . والرؤية حقّ لأهل الجنة، بغير إِحاطةٍ ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]
وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعَلِمَه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ ، فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك مُتأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإِنه ما سلم في دينه إِلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالِمه. . . " إِلى آخر ما نَصَّتْ عليه الطَحاوية (١) .
стр. 63
[مقتطفات مما نقل عن الإمام أبي زيد القيرواني المالكي]
الإمام ابن أبي زيد القيرواني المالكي: (١) .
قال ابن زَيد القيرواني المالكي - رحمه الله تعالى - تحت باب: " ما تَنطقُ به الألسنةُ، وتعتقِدُهُ الأفئدةُ من واجب أُمورِ الدياناتِ ":
" من ذلك: الإيمان بالقلب، والنطق باللسان:
أنَّ الله إِلهٌ واحدٌ لا إِله غيرهُ، ولا شبيه له، ولا نَظير له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبةَ له، ولا شريك له، ليس لأوَّليَّتِهِ ابتداءٌ، ولا لآخريَّتِهِ انقضاءٌ، لا يبلغُ كنه صفَتِهِ الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يعتبر المفكرون بآياته، ولا يتفكرون في ماهية ذاته:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]
العالم الخبير، المدبر القَدير، السميع البصير، العلي الكبير.
стр. 64
وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه.
خلق الإِنسان ويعلم ما تُوسوسُ به نفسه وهو أقرب إِليه من حبل الوريد:
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]
على العرش استوى، وعلى الملك احتوى (١) .
وله الأسماءُ الحُسنى، والصِّفاتُ العُلا، لم يَزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاتُهُ مَخلوقةً، وأسماؤه مُحدثَةً.
كلَّم موسى بكلامه الذي هو صفةُ ذاتِه، لا خلقٌ من خَلقِه، وتجلّى للجبل فصَار دكًا من جلاله.
وأن القرآن كلام الله، ليس بمخلوقٍ فيَبِيد، ولا صِفَةً مخلوق فَيَنْفَد.
والإِيمانُ بالقدرِ: خيرهِ وشرِّهِ، حُلوِه ومُرّهِ. وكل ذلك قَدَّرهُ الله رَبّنا، ومقاديرُ الأمور بيده، ومصدَرها عن قضائه، عَلِمَ كُلَّ شيءٍ قبل كونِهِ، فَجَرى على قدرِه، لا يكونُ مِن
стр. 65
عباده قولٌ ولا عملٌ إِلاَ وقد قضاهُ وسبق علْمُه به:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]
يضل من يشاء فيخذُلُه بعدلِه، ويهدي من يشاءَ فَيوفِّقه بفضله، فكلٌّ مُيسَّرٌ بتيسيره إِلى ما سَبقَ من عِلمِهِ وقدره من شَقيٍ أو سعيدٍ.
تعالى أن يكون في مُلكه ما لا يريد أو يكون لأحد عنه غِنى، أو يكونَ خالقٌ لشيءٍ إِلاَ هُوَ، ربُّ العبادِ، وربُّ أعمالِهم، والمقدِّر لحركاتهم وآجالهم، الباعث الرّسل إِليهم لإِقامة الحُجَّةِ علَيهم، ثم ختم الرسالةَ والنِّذارةَ والنبوةَ بمحمدٍ نَبِيِّهِ ﷺ فجعلهُ آخرَ المرسلينَ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إِلى الله بإِذنه وسِراجًا مُنيرًا، وأنزل عليه كتابه الحكيم، وشَرَحَ به دينه القويم، وهدى به إِلى الصراط المستقيم.
وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن الله يبعث من يموت، كما بدأهم يعودون.
وأن الله سبُحانَهُ ضاعفَ لعبادهِ المؤمنينَ الحسنات، وصَفَحَ لهم بالتوبة عن كبائر السيئات، وغفر لهم الصغائر
стр. 66
باجتناب الكبائر، وجعل من لم يتب من الكبائر صائرًا إِلى مشيئته:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]
ومن عاقبَهُ الله بنارِهِ، أخرجه منها بإِيمانه، فأدخله به جنته:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]
ويَخْرُجُ منها بشفاعةِ النبي ﷺ ، من شَفَعَ له من أهل الكبائِرِ من أُمته.
وأن الله سبحانه قد خلق الجنة، فأَعدَّها دار خُلُودٍ لأوليائِهِ، وأكرمَهم فيها بالنَّظِر إِلى وجهِهِ الكريم، وهي التي أهبط منها آدم نبيَّهُ وخليفَتَهُ إِلى أرضِهِ، بما سَبق في سابق علمه.
وخلق النار، فأعدها دار خلودٍ لمن كَفَر به وأَلحدَ في آياته وكتبه ورسله، وجعلهم محجوبين عن رؤيته.
وأن الله ﵎ يجيء يوم القيامة والمَلَكُ صفًّا صفًّا، لعرض الأمم وحسَابها وعُقُوبَتها وثَوَابها.
стр. 67
وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد:
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨]
ويؤتون صحائفهم بأعمالهم:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ - فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا - وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٢]
وأن الصراط حقّ يَجوزه العباد بقدر أعمالهم، فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم.
والإِيمان بحوض رسول الله ﷺ ، ترده أمته، لا يظمأ من شرب منه، ويُذاد عنه من بَدَّل وغَيَّر.
وأن الإِيمان قول باللسان، وإِخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقصها، فيكون بها النقص، وبها الزيادة.
ولا يكمل قول الإِيمان إِلا بعمل، ولا قول ولا عمل إِلا بنية، ولا قول وعمل ونية إِلا بموافقة السنّة.
وأنه لا يُكفَّر أحد بذنب من أهل القبْلَة.
стр. 68
وأن الشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون.
وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إِلى يوم يبعثون، وأرواح أهل الشقاوة معذبة إِلى يوم الدين.
وأن المؤمنين يفتنون في قُبورهم ويُسألون:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]
وأن على العباد حَفَظةً يكتبون أعمالهم، ولا يسقط شيء من ذلك من علم ربهم.
وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإِذن ربه.
وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به ثم الذين يلونهم.
وأفضل الصحابة: الخلفاء الراشدون المهديّون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين.
وألا يُذكر أحد من صحابة الرسول ﷺ إِلا بأحسن ذكر، والإِمساك عما شَجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب.
والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم،
стр. 69
واتباع السلف الصالح، واقتفاء آثارهم، والاستغفار لهم.
وترك المراء والجدال في الدين، وترك ما أحدثه المحدثون " (١) .
стр. 70
[مقتطفات مما نقل عن الإمام ابن تيمية]
الإمام ابن تيمية: (١) .
ومن الأئمة الأعلام، الذين وَفقهم الله تعالى لندب أنفسهم للدعوة للتوحيد الخالص، ونصرة العقيدة المنجية، شيخ الإِسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ﵀.
يبتدر ابن تيمية القول ليبين المنهج الحق في الاعتقاد الصحيح، وذلك بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
يقول ﵀: (٢) .
" فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة، وهو:
الإِيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر: خيره وشرّه.
ومن الإِيمان بالله: الإيمان بما وَصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تَحريف ولا
стр. 71
تعطيل، ومن غير تكييف ولا تَمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسَمّى به نفسه بين النفي والإِثبات.
فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإِنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصدِّيقين والشهداء والصالحين.
وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإِخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]
وما وصف به نفسه في أعظم آيةٍ في كتابه، حيث يقول:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]
وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]
وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]
وقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧]
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]
وهذا الباب في كتاب الله تعالى كثير، مَن تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق ".
وبعد الاعتصام بمنهج القرآن الكريم في تبيين الإيمان الحق، يُمَسِّكُ ابن تيمية ﵀ المسلمين منهج السنة الذي يوضح مراد الله تعالى فيما يريده من عباده من إِيمان واعتقاد.
يقول شيخ الإسلام:
" فالسُّنَّة تفسِّر القرآن وتُبيِّنه، وتدُّل عليه، وتُعبر عنه، وما وصف الرسول ﷺ به ربه من الأحاديث
стр. 74
الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإِيمان بها كذلك.
مثل قوله ﷺ : «يَنْزل ربُّنا إِلى السماءِ الدُّنْيا كلَّ ليلة، حين يَبْقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يَدعوني، فأستجيب له؟ مَنُ يسألني، فأعطيه؟ من يَستغفرني، فأغفرَ له؟» (١) .
وقوله ﷺ : «لله أَشدّ فَرحًا بِتوبةِ عبدِه من أَحدِكم براحِلتِه» (٢) .
وقوَله ﷺ : «يَضحَكُ الله إِلى رَجلينِ يَقتل أَحدُهما الآخر، كِلاهما يَدخُلُ الجنَّةَ» (٣) .
стр. 75
وقوله: «ألا تَأْمنوني وأنا أمين مَنْ في السَّماء» (١) .
وقوله ﷺ للجارية: «أينَ الله؟ قالت: في السماء، قال: مَنْ أنا؟ قالت: أنتَ رسول الله، قال: أعتِقها فإِنَّها مؤمِنةٌ» (٢) .
وقوله ﷺ : «ارْبعوا على أنفسكم إِنكم لا تدعونَ أصمَّ ولا غائبًا، إِنَّكم تَدْعُون سَميعًا قَريبًا وهو معكم» (٣) .
وقوله ﷺ : «إِنكم ستَرون ربكم كما تَرون هذا القمر لا تُضامون في رُؤيته، فإِن استَطعْتم أن لا تُغلَبوا على صلاةٍ قبلَ طُلوعِ الشمَسِ، وقبلَ غرُوبِها فافعلوا. .» (٤) .
إِلى أمثال هذه الأحاديث التي يُخبر فيها رسول الله