← Акыда

Акыда · id 30858

مجمل اعتقاد أئمة السلف

عبد الله بن عبد المحسن التركي

Полный текст (160 стр.). Показаны 141–160 · переход к 146.

стр. 141

على كلِّ مؤمن أن يقِرَّ بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله ﷺ ، ومن تمام العلم أن يَبْحَثَ عن مرادِ رسوله بها، ليُثبتَ ما أَثْبَتَه، وينفي ما نفاه من المعاني. وأما الألفاظُ التي ليست في الكتاب والسنة، ولا اتفق السلف على إِثباتها ونفيها، فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإِن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول، أقر به، وإِن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول، أنكره. يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (١) ﵀: " وإِذا كان المتكلم في مقام الإِجابة لمن عارضه بالعقل، وادعى أن العقل يعارض النصوص، فإِنه قد يحتاج إِلى حل شبهته، وبيان بطلانها، فإِذا أخذ النافي يذكر ألفاظا مجملة، مثل أن يقول: لو كان استوى على العرش لكان جسمًا أو مركَّبًا، وهو منزَّهٌ عن ذلك، ولو خَلَقَ واستوى، وأتى لفصل القضاء، لكانت تحُلُّة الحوادثُ وهو منزَّهٌ عن ذلك، ولو قامت به الصفات لحلَّته الأعراض وهو منزَّهٌ عن

стр. 142

ذلك. فهنا يستفصلُ السائل ويقول له: ماذا تريد بهذه الألفاظ المُجملة؟ فإِن أراد بها حقًا وباطلًا، قُبِلَ الحقُّ، ورُدَّ الباطل، مثل أن يقول: أنا أريد بنفي الجسم نفيَ قيامه بنفسه، وقيام الصفات به، ونفي كونِه مركبًا، فنقول: هو قائم بنفسه، وله صفات قائمة به، وأنتَ إِذا سَمَّيتَ هذا تجسيمًا، لم يَجُز أن أدَعَ الحق الذي دل عليه صحيح المنقول، وصريح المعقول، لأجل تسميتك أنت له بهذا. وأما قولك: " ليس مركَّبًا "، فإن أردتَ به أنه سبحانه رَكَّبَهُ مركِّب، أو كان متفرِّقًا، فَتَركَّب، وأنه يمكنُ تفرُّقُه وانفصالُه، فالله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، وإِن أردت أنه موصوفٌ بالصفات مباينٌ للمخلوقات، فهذا المعنى حقٌ، ولا يجوز رده لأجل تسميتك له مركَّبًا، فهذا ونحوه مما يجاب به ". ويقول أيضًا: " فليس لأحدٍ أن يقول: إِن الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعان، ثم يريد أن يفسر مراد الله بتلك

стр. 143

المعاني، هذا من فعل المفترين، فإِن هؤلاء عمدوا إِلى المعاني، وظنوها ثابتة، فجعلوها هي معنى الواحد، والوجوب، والغنى، والقدم، ونفي المثل. ثم عمدوا إِلى ما جاء في القرآن من تسمية الله تعالى بأنه أحدٌ وواحدٌ، ونحو ذلك من نفي المثل والكُفْءِ، فقالوا: هذا يَدُلّ على المعاني التي سميناها بهذه الأسماء، وهذا من أعظم الافتراءِ على الله " (١) . [تحديد معنى المتشابه وبيان أن القرآن كله واضح يمكن تفسيره] ١١ - تحديد معنى المتشابه وبيان أن القرآن كله واضح يمكن تفسيره: المُحْكَمُ أقسامٌ ثلاثة، ويقابل كلَّ واحد منها نوعٌ من المتشابه: فالإِحكام تارة يكون في التنزيل، ويقابله ما يلقيه الشيطان مما نسخَهُ الله وأزالَهُ. وتارةً يكون في إِبقاء التنزيل، ويقابلُهُ المنسوخُ الذي هو رَفع ما شُرعَ. وتارةً يكونُ في التأويل، ومعناه تمييز الحقيقةِ المقصودة

стр. 144

حتى لا تَشتَبهَ بغيرها، ويُقابلُها الآياتُ المتشابهات، أي: التي تشبه هذا، وتشبه ذاك، فتكون محتملة للمعنيين. قال الإِمام أحمد (١) . " المحكَمُ: الذي ليس فيه اختلافٌ، والمتشابه: الذي يكون في موضعِ كذا، وفي موضعِ كذا ". والتشابه أمرٌ نسبي إِضافي، فقد يَشْتَبِهُ على إِنسان، ما لا يَشتبِهُ على غيره، وقد يكون في القرآن آياتٌ كثيرة لا يَعْلَمُ معناها كثيرٌ من العلماء، فضلًا عن غيرهم، وليس ذلك في آية معينة، بل قد يُشكِلُ على هذا ما يَعْرِفُه ذلك، وذلك تارة قد يكون لغرابة في اللفظ، وتارة لاشتباه المعنى بغيره، وتارة لشبهَةٍ في نفس الإِنسان تَمنَعُه من معرفة الحق، وتارة لعدم التدبّر التام، وتارة لغير ذلك من الأسباب، ولكن ذلك لا يعني أن معرفة المعنى المقصود من هذه الآيات مستحيلٌ لا يمكن دركُهُ كما يدَّعي ذلك من يدَّعيه مِن المتكلمين. ولفظُ التأويل في عُرْف السَّلَف له معنيان: أحدهما: تفسير الكلاَم وبيانُ معناه، سواءٌ أوافقَ ظاهره

стр. 145

أو خالَفه، فيكون التأويل والتفسير بهذا المعنى متقاربين أو مترادفين، وهذا هو الذي عَنَاه مجاهد حينما قال: إِنَّ العلماء يعلمون تأويله. ومحمد بن جرير الطبري يقول في " تفسيره ": القولُ في تأويل قوله كذا وكذا، واختلف أهلُ التأويل في هذه الآية ونحو ذلك، ومرادُه التفسير، والقرآن كله بهذا المعنى، محكمه ومتشابهه يمكن تأويله، ليس فيه شيء لا يفقه معناه، ورسول الله لم يمُتْ حتى كان صحابتُه على علم تام بجميع معاني الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية. قال مجاهد: عَرَضْتُ المصحف على ابن عباس من فاتحته إِلى خاتمته أقِفُ عند كُلِّ آية أَسأَلهُ عنها. وقال ابنُ مسعود: ما في كتاب الله آيةٌ إِلاَ وأنا أعلم فيم أنِزلَتْ. وقال الحسن: ما أَنزَلَ الله آيةً إِلا وهو يُحِبُّ أن يُعْلَمَ ما أراد بها. ولهذا كانوا يجعلون القرآن محيطًا بكل ما يُطلب من علم الدين، كما قال مسروق، ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمُهُ في القرآن، ولكن عِلْمُنا قَصَرَعنه.

стр. 146

ويعارضون من يقول: إِن التشابه يكون في معنى اللفظ بحيث لا يَعْلَمُ المراد به إِلا الله تعالى، ويَرَوْنَ أن لازم هذا القول أن الله أنزل على نبيِّه كلامًا لم يكن يَفهم معناه لا هو ولا جبريل ولا غيرهما، وهذا قدحٌ في النبي ﷺ ، وفي القرآن، إِذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله بيانًا وهدى ونورًا وشفاءً، وأمرنا أن نتدبره ونعقله كله، لم يستثن منه شيئًا لا يُتدبر ولا يُعقل، وأمر الرسول أن يبين للناس ما نُزِّلَ إِليهم، وأن يبلِّغَهم البلاغَ المبين. فلو كان في القرآن شيءٌ لا يُفُقَه معناه، لم يكن هناك معنى للأمر بتدبّره وعقله، ولم يكن الرسول حينئذٍ بَيَّنَ للناس ما نُزِّلَ إِليهم، ولا بَلَّغَ البلاغ المبين. وأما المعنى الثاني للتأويل، فهو نفس المراد بالكلام، فإِن كان الكلامُ أمرًا أو نهيًا، فتأويلُه نفسُ فعل المأمور به، وترك المحظور، كما قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعِه وسجوده: " سبحانَكَ اللهمّ ربَّنا وبِحَمْدِكَ، اللهمّ اغْفِرْ لي " يتأوًّلُ القرآن» (١) . تعني أن هذا هو تأويلُ قوله تعالى:

стр. 147

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] وإِن كان الكلام خبرًا، فتأويله نفسُ الشيء المُخبرِ عنه، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، هو نفس الحقيقة التي يُخبر عنها، وذاك في حق الله هو كُنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، وتلك هي المتشابه الذي لا يَعْلَمُ تأويله إِلا الله، فإِنَّ أحدًا لا يعرفُ كيفيةَ ما أخبر الله به عن نفسه، ولا يقف على كنه ذاته وصفاته غيره، وهذا هو الذي يجبُ تفويضُ العلم فيه إِلى الله (١) . [تأثير الأسباب الطبيعيّة في مسبباتها بإذن الله] ١٢ - تأثير الأسباب الطبيعيّة في مسبباتها بإذن الله: إِن الله يخلق السحاب بالرياح، وينزل الماء بالسحاب، ويُنْبِتُ النباتَ بالماء، ونحو ذلك.

стр. 148

والقولُ بأن الله يَفْعَلُ عند الأسباب لا بِها يُفضي إلى إِبطال حِكمةِ الله في خلقه، وأنه لم يجعل في العين قوةَ تمتاز بها عن الخدِّ تُبصِرُ بها، ولا في النار قوةً تمتازُ بها عن التراب تَحْرِقُ بها، فضلًا عمَّا في هذا القول من مخالفةٍ للكتاب والسنة، فإِن الله تعالى يقول: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] ويقول: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤] ويقول: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] ويقول: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢] ويقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]

стр. 149

ويقول: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] ومثل هذا في القرآن كثير، وكذلك في الحديث عن النبي ﷺ كقوله: «لا يموتن أحدٌ منكم إِلا آذَنْتُمونيِ حتى أُصلِّي عليه، فإِنَّ الله جاعلٌ بصلاتي عليه بركةً ورحمةَ» (١) . وقال ﷺ : «إِن هذه القبور مملوءةٌ على أهلها ظُلْمَةً، وإِنَّ الله جاعلٌ بصلاتي عليهم نورًا» (٢) . فالله سبحانه خلق الأسباب والمسببات وجعل هذا سببًا لهذا، فإِذا قال القائل: إِن كان مقدورًا، حصل بدون السبب، وإِلا لم يحصل. جوابه أنه مقدورٌ بالسبب، وليس مقدورًا بدون السبب. وقولهم: إِن الله تعالى أجرى العادة بهذه الأسباب، وأنه

стр. 150

ليس لها تأثير في المسببات بإِذنه، قولٌ بعيدٌ جدًا عن مُقْتَضى الحكمة، بل هو مُبطلٌ لها، لأنَّ المسببات إِنْ كان يمكن أن تُوجَدَ من غير هذه الأسباب، فأي حكمةٍ في وجودها عن هذه الأسباب. [الحسنُ والقبْحُ في الأفعال عقْليّان وشرعيان] ١٣ - الحسنُ والقبْحُ في الأفعال عقْليّان وشرعيان: وقد ذهبوا في هذه المسألة مذهبًا وسطًا، وهو أن الأفعال في نفسها حسنةٌ وقبيحةٌ، كما أنها نافعةٌ وضارةٌ، وأنَّ العقلَ يُدركُ الحسْنَ والقُبْحَ في الأشياء، والله قد فطر عباده على استحسان الصدق، والعدل، والعفة، والإِحسان، ومقابلة المنعم بالشكر، وفطرهم على استقباح أضدادها، لكنَّ الثواب والعقاب شرعيّان يتوقفان على أمر الشارع ونهيه، ولا يَجِبانِ عن طريق العقل. [إثبات العقيدة بخبر الواحد المتلقى بالقبول عملًا وتصديقًا] ١٤ - إثبات العقيدة بخبر الواحد المتلقى بالقبول عملًا وتصديقًا: فقد احتجُّوا بخبر الواحد المتلقى بالقبول في مسائل الصفات والقدر، وعذاب القبر ونعيمِه، وسؤال الملكين، وأشراط الساعة، والشفاعة لأهل الكبائر، والميزان، والصراط، والحوض، وكثير من المُعجزات، وما جاء في صفة القيامة والحشر والنشر، والجزم بعدم خلود أهل الكبائر في النار.

стр. 151

[موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول] ١٥ - موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول: فكُلّ ما ثبت من مسائل العقيدة في الكتاب، والسنة، يصدقها العقل الكامل الصحيح الذي يُستخدم بدقةِ وإِمعانٍ، لأن العقل الصريح في دلالته على المراد، لا يمكن أن يخالف المنقول الصحيح الثابت، لأن العقل والنقل وسيلتان لغايةٍ واحدةٍ، هي الوصولُ إِلى الله، والوسائل التي تؤدِّي إِلى غايةٍ واحدةٍ لا يمكن لها أن تتعارض. يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: " المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ما تنازع فيه الناس، فوجدت ما خالف النصوص الصريحة شبهات فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع، وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر، والنبوات، والمعاد، وغير ذلك. ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه السمع، الذي يقال إِنه يخالفه: إِما حديثٌ موضوعٌ، أو دلالةٌ ضعيفةٌ، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إِذا خالفه صريح المعقول!

стр. 152

ونحن نعلم أن الرسل لا يُخبِرون بمحالات العقول، بل بمحارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته. ١٦ - عدم جواز تكفير المسلم بذنب فعله إذا كان دون الشرك الأكبر، وكان هذا الذنب مما اختلف فيه، ولا بخطأ أخطأ فيه: يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (١) ﵀ وهو بصدد الحديث عن قاعدة أهل السنة والجماعة في أهل الأهواء والبدع: " ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقد ثبث في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء، وغفر للمؤمنين خطأهم (٢)

стр. 153

والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمةُ الدين من الصحابة والتابعين من بعدهم، ولم يُكَفِّرهم عليُّ بن أبي طالب، وسعدُ بن أبي وقاص، وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم عليّ حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفارٌ، ولهذا لم يسبِ حريمهم، ولم يَغْنَمْ أموالهم. وإِذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإِجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله ﷺ بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلِط فيها من هو أعلم منهم!

стр. 154

فلا يحلُّ لإِحدى هذه الطوائف أن تُكفِّرَ الأخرى ولا تستحل دمها ومالها، وإِن كانت فيها بدعة محققة، فيكف إِذا كانت المكفرة لها مبتدعةً أيضًا! وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ. والغالب أنهم جميعًا جُهالٌ بحقائق ما يختلفون فيه. والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمةٌ من بعضهم على بعض، لا تَحِلّ إِلا بإِذن الله ورسوله. قال النبي ﷺ لمَّا خطبهم في حجة الوداع: «إِن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» (١) . وقال ﷺ : «كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمُهُ، وماله، وعِرضُه» (٢) .

стр. 155

وقال ﷺ : «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله، وذمة رسوله فلا تُخفروا الله في ذمته» (١) . وقال: «إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بالُ المقتول؟ قال: " إِنه أراد قتل صاحبه» (٢) . وقال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣) . وقال: «أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما» (٤) .

стр. 156

هذه الأحاديث كلها في الصحاح. إِذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك، كما قال عمر بن الخطاب في حاطب بن أبي بلتعة: «يا رسول الله، دعني أضرب عُنُقَ هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : " إِنه قد شهد بدرا، وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وهذا في " الصحيحين " (١) . وفيهما أيضًا من حديث الإِفك: «أن أُسيدَ بن الحُضير قال لسعد بن عبادة: إِنك منافقٌ تُجادلُ عن المنافقين، واختصم الفريقان، فأصلح النبي ﷺ بينهم» (٢) فهؤلاء البدريون فيهم مَنْ قال لآخر منهم: إنك منافق، ولم يكفِّر النبي ﷺ

стр. 157

لا هذا، ولا هذا، بل شَهِدَ للجميع بالجنة. وكذلك ثَبَتَ في " الصحيحين " (١) عن أسامة بن زيد «أنه قتل رجلًا بعدما قال: لا إِله إِلاَ الله، وعظَم النبي ﷺ ذلك لما أخبره، وقال: " يا أسامة، أَقَتَلْتَهُ بعدما قال: لا إِلى إِلا الله! " وكرر ذلك عليه حتى قال أسامةُ: تمنَّيتُ أني لم أكن أسلمتُ إِلا يومئذ» . ومع ذلك لم يوجب عًليه قَوَدًا ولا ديةً ولا كفّارة، لأنه كان متأولًا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوّذًا. وهكذا السلفُ قاتل بعضُهم بعضًا من أهل الجمل وصفِّين ونحوهم، وكلّهم مسلمون مؤمنون، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]

стр. 158

فقد بيَّن الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض إِخوة مؤمنون، وأمَرَ بالإِصلاح بينهم بالعدل، ولهذا كان السلفُ مع الاقتتال يوالي بعضُهم بعضًا موالاةَ الدِّين، لا يُعادُون كمعاداة الكفَّار، فيقبلُ بعضُهم شهادة بعضٍ، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض، ويتوارثون، ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.

стр. 159

[خاتمة] خاتمة وهكذا أيّها المسلم مررنا - بإِيجاز - على مجمل اعتقاد سلفنا الصالح وأئمتنا المعتبرين، ورأينا كيف أنهم - في الجملة - متفقون، وأنهم ينزعون من منزعٍ واحد، كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ ، لم يكن بينهم اختلاف في المنهج. وإِذ كُنَّا نقلنا عن كل منهم مجمل اعتقاده في أصول الدين، تحت عنوان مجمل عقيدة ذلك الإِمام، فليس المقصود أن له عقيدة تخالف معتقد الآخرين، ولكن المقصود ذكر ما أُثر عنه بلفظه في هذه المسائل. والمقصود - أيضًا - أن نتأَسَّى - وخاصة العلماء والدعاة منا - بهؤلاء الأئمة، وأن لا نختلف حيث لم يختلفوا، وأن لا نُقدم على أمر العقيدة أي شيء، وأن يكون في منهج كل داعية، وكل جماعة تدعو إِلى الإِسلام الاهتمام بالعقيدة الإِسلامية، تأصيلًا وتحقيقًا، وفق ما نزل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما سار عليه أئمة السلف.

стр. 160

فإِذا كان ذلك، فإِن النتائج ستكون مباركةً في صلاح الأمة الإِسلامية واستقامتها على المنهج الحق. وإن لم يكن ذلك - كما هو المُشاهد في كثير من الدعوات والجماعات في الوقت الحاضر - فإِن الشتات والفرقة وغلبة الهوى، هي التي ستسود الناس، وبالتالي لن تكون نهضة إِسلامية، وستَتَعثر الصحوة الإِسلامية التي تُعلق الآمال عليها، بفضل الله وتوفيقه في عودة المسلمين إِلى كتاب ربهم، وسنة نَبيهم ﷺ ، واعتصامهم بحبل الله، والتزامهم حكمه، وتطبيقهم شرعه. نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يوفقنا لصالح العمل، ويهدينا للتي هي أقوم، وأن يُجنبنا كل زَلَل في ديننا ودنيانا، فهو القادر على ذلك، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إِلى يوم الدين.