تعطيل، ومن غير تكييف ولا تَمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسَمّى به نفسه بين النفي والإِثبات.
فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإِنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصدِّيقين والشهداء والصالحين.
وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإِخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]
وما وصف به نفسه في أعظم آيةٍ في كتابه، حيث يقول:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]
وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]
وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]
وقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧]
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]
وهذا الباب في كتاب الله تعالى كثير، مَن تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق ".
وبعد الاعتصام بمنهج القرآن الكريم في تبيين الإيمان الحق، يُمَسِّكُ ابن تيمية ﵀ المسلمين منهج السنة الذي يوضح مراد الله تعالى فيما يريده من عباده من إِيمان واعتقاد.
يقول شيخ الإسلام:
" فالسُّنَّة تفسِّر القرآن وتُبيِّنه، وتدُّل عليه، وتُعبر عنه، وما وصف الرسول ﷺ به ربه من الأحاديث
стр. 74
الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإِيمان بها كذلك.
مثل قوله ﷺ : «يَنْزل ربُّنا إِلى السماءِ الدُّنْيا كلَّ ليلة، حين يَبْقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يَدعوني، فأستجيب له؟ مَنُ يسألني، فأعطيه؟ من يَستغفرني، فأغفرَ له؟» (١) .
وقوله ﷺ : «لله أَشدّ فَرحًا بِتوبةِ عبدِه من أَحدِكم براحِلتِه» (٢) .
وقوَله ﷺ : «يَضحَكُ الله إِلى رَجلينِ يَقتل أَحدُهما الآخر، كِلاهما يَدخُلُ الجنَّةَ» (٣) .
стр. 75
وقوله: «ألا تَأْمنوني وأنا أمين مَنْ في السَّماء» (١) .
وقوله ﷺ للجارية: «أينَ الله؟ قالت: في السماء، قال: مَنْ أنا؟ قالت: أنتَ رسول الله، قال: أعتِقها فإِنَّها مؤمِنةٌ» (٢) .
وقوله ﷺ : «ارْبعوا على أنفسكم إِنكم لا تدعونَ أصمَّ ولا غائبًا، إِنَّكم تَدْعُون سَميعًا قَريبًا وهو معكم» (٣) .
وقوله ﷺ : «إِنكم ستَرون ربكم كما تَرون هذا القمر لا تُضامون في رُؤيته، فإِن استَطعْتم أن لا تُغلَبوا على صلاةٍ قبلَ طُلوعِ الشمَسِ، وقبلَ غرُوبِها فافعلوا. .» (٤) .
إِلى أمثال هذه الأحاديث التي يُخبر فيها رسول الله
стр. 76
صلى الله عليه وسلم عن رَبه بما يخبر به " (١) .
وفي هدي هذا المنهج العلمي اليقيني، ترسخ أصول العقيدة وتأتلف شعبها، ويتكامل ضياؤها.
يَقول شيخ الإِسلام ﵀:
" ومن الإِيمان بالله وملائكته وكتبه، الإِيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإِليه يعود، وأن الله تعالى تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ، هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إِطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة عنه، بل إِذا قرأه الناس أو كتبوه بذلك في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقةً، فإِن الكلام إنما يضاف حقيقة إِلى من قاله مبتدئًا، لا إِلى من قاله مُبلِّغًا مؤدِّيًا.
وهو كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف " (٢) .
وبعد أن تحدث عن الإِيمان بأن المؤمنين يرون ربهم عيانًا بأبصارهم يوم القيامة، وعن الإِيمان بفتنة القبر،
стр. 77
وعذابه، ونعيمه، وعن الإِيمان بالميزان، والحساب، والحوض المورود، والصراط المنصوب، والشفاعة، والجنة، والنار، وبالقدر خيره وشرّه، وباللوح المحفوظ، وبأن الله خلق أفعال العباد.
بعد أن تحدث عن الإِيمان بذلك كله قال:
" ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإِيمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإِيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ومع ذلك لا يكفِّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإِيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال في آية القصاص:
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]
وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]
ولا يسلبون الفاسق المِلِّي اسم الإِيمان بالكلية، ولا يخلدونه
стр. 78
في النار كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإِيمان في مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]
ويقولون: هو مؤمن ناقص الإِيمان، أو مؤمن بإِيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم.
ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]
ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإِجماع من فضائلهم ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل الفتح، وهو صلح الحديبية، وقاتل، على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: «اعملوا ما شئتم فَقد غفرتُ لكم» .
وبأنه لا يدخل النار أحدٌ بايعَ تحت الشجرة، كما
стр. 79
أخبر به النبي ﷺ ، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة كالعشرة، وكثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وعن غيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر، ثم عمر، ويُثلِّثون بعثمان، ويربِّعون بعلي ﵃ كما دلت عليه الآثار.
وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله.
ويُحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ ، حيث قال يوم غدير خُم: «أذَكِّركم الله في أهل بَيتي، أذكركم الله في أهل بَيتي» (١) .
стр. 80
ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصًا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة العالية.
والصدّيقة بنت الصديق ﵄، التي قال فيها النبي ﷺ :
«فَضل عائشة على النساء كفضل الثريدِ على سائر العام» (١) .
ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم.
ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
ويمسكون عما شجر بين الصحابة.
ومن نَظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنَّ الله به عليهم من الفَضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء،
стр. 81
لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى.
ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يُجري الله على أيديهم من خوارق العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إِلى يوم القيامة.
ثم من طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال:
«عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخُلفاء الراشدين المَهدييِّن من بَعدي، تَمسَّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإِيَّاكم ومُحدثات الأمور، فإِن كل مُحدَثةٍ بِدعةٌ، وكلّ بِدعةٍ ضلالة» (١) .
стр. 82
ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخَير الهدي هدي محمد ﷺ ويُؤثِرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس. ويقدمون هَدْي محمد ﷺ على هدي كل أحد وبهذا سموا أهل الكتاب والسنة.
وسُمُّوا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدّها الفرقة، وإِن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين.
والإِجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين.
وهم يَزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين، والإجماع الذي ينضبط، هو: ما كان عليه السلف الصالح، إِذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشرت الأمة " (١) .
[أثر المنهج في استقامة الاعتقاد وتوسطه]
أثر المنهج في استقامة الاعتقاد وتوسطه: لصحة المنهج أثرها في استقامة الاعتقاد وتوسطه، فما من امرئ، أو ما من جماعة التزمت المنهج القويم في
стр. 83
التلقي والفهم، إِلا استقام اعتقادها واعتدل بتوفيق الله.
ولقد وضّح ابن تيمية ﵀ أثر المنهج الحق - في الاعتقاد - وجلاه بقوله:
" هم الوسط - أي الفرقة الناجية - في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم:
فهم وسط في باب (صفات الله) بين أهل التعطيل الجَهمية، وأهل التمثيل المُشبِّهة.
وهم وسط في باب (أفعال الله تعالى) بين القَدَرية والجَبْرية.
وفي باب (وعيد الله) بين المرجِئة والوَعيديّة من القدريّة وغيرهم.
وفي باب (أسماء الإِيمان والدين) بين الحَرورية والمعتزلة، وبين المُرجئة والجَهمية.
وفي (أصحاب رسول الله ﷺ بين الرَّوافض والخوارج " (١) .
стр. 84
[النتائج العملية للمنهج الصحيح]
النتائج العملية للمنهج الصحيح: وللمنهج الصحيح نتائج عملية صالحة تهدي واقع الأمة العملي بحقائق الدين، وتمكن لعزائم الإِيمان وأخلاقه في حياة المسلمين.
ولقد برزت هذه النتائج العملية في وصف ابن تيمية ﵀ للحياة العملية لأهل السنة والجماعة. حيث قال:
" ثم هم من هذه الأصول، يأمرون بالمعروف ويَنهَون عن المُنكر على ما توجبه الشريعة، ويَرون إِقامة الحَج، الجهاد، والجُمع والأعياد مع الأمراء، أبرارًا كانوا أو فجارًا، وتحافظون على الجماعات.
ويدينون بالنصيحة للأمة، يعتقدون معنى قوله ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشُدُّ بعضُه بعضا» (١) وشَبك بين أصابعه ﷺ .
وقوله ﷺ : «مَثَلُ المؤمنينَ في تَوادِّهم وتَراحُمهم وتَعاطفِهم كمَثلِ الجَسد إِذا اشْتَكى مِنْه عُضو تَداعَى له سائِر الجسد بالسَّهر والحُمَّى» (٢) .
стр. 85
ويأمرون بالصبر عند الابتلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمُرِّ القضاء.
ويدعون إِلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : «أكملُ المؤمنين إيمانَاَ أحسنهم خُلقَا» (١) .
ويندبون إِلى أُن تصل مَنْ قَطعَك، وتُعطي من حَرمك، وتَعفو عمَّن ظَلمك.
ويأمرون ببرِّ الوالدين، وصِلَةِ الأرحام، وحُسنِ الجوار، والإِحسان إِلى اليتامى، والمساكين وابن السبيل.
ويَنهون عن الفَخْر والخُيَلاء والبغي والاستطالة على الخَلق بحقِّ أو بغَير حقٍّ.
ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سَفسافها.
وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا أو غيره، فإِنما هم
стр. 86
متبعون للكتاب والسنة " (١) .
[الجهاد الصادق في سبيل العقيدة]
الجهاد الصادق في سبيل العقيدة: يعتبر الإِمام ابن تيمية من مُجددي الدين والإِيمان في نفوس الناس، وحياة الأمة.
ولقد اقترن هذا التجديد، بجهادٍ طويلٍ صبور صادق، لقي ابن تيمية ﵀ في أثنائه ما لقي من صنوف الأذى والضرّ، بيد أنه ثبت، وتحمل، ومضى يدعو إلى ما يعرفه من حق ويقين.
يقول ﵀ في وصف ما حصل بينه وبين خصومه، وهو مثال واحد من مواقفه رحمة الله عليه:
" فلما كان المجلس الثاني يوم الجمعة في اثنى عشر رجب وقد أحضروا أكثر شيوخهم ممن لم يكن حاضرا في ذلك المجلس، وأحضروا معهم زيادة " صفي الدين الهندي " وقالوا: هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلام، وبحثوا فيما بينهم، واتفقوا وتواطؤا، وحضروا بقوة واستعداد
стр. 87
ما كانوا عليه، لأن المجلس الأول أتاهم بَغتة وإِن كان أيضًا بغتة للمخاطب الذي هو المسؤول والمجيب والمناظر. فلما اجتمعنا، وقد أحضرتُ ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة الذي طلبوا تأخيره إِلى اليوم.
حمدت الله بخُطبة الحاجة، خطبة ابن مسعود ﵁، ثم قلت:
إِن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونَهانا عن الفرقة والاختلاف، وقال لنا في القرآن: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقال: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]
وربّنا واحد، وكتابنا واحد، وأصول الدين لا تَحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يُوجب الجماعة بين المسلمين، وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجَمَاعةُ فالحمد لله، وإِلا فمن خالفني بعد ذلك كشفت له الأسرار، وهَتكت الأستار، بَيَّنْتُ المذاهب الفاسِدة، التي أفسدت الملَل
стр. 88
والدول، وأنا أذهب إِلى سُلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس، فإِن للسلم كلامًا، وللحرب كلامًا " (١) .
وقال:
" ومعلوم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من كانوا، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] فمن كان مؤمنًا فهو الأعلى كائنًا من كان، ومن حادَّ الله ورسوله فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] (٢) " [المجادلة: ٢٠] .
إِلى أن قال:
" فلما ذهبوا بي إِلى الحبس حكم بما حكم به، وأثبت ما أثبت، وأمر في الكتاب السلطاني بما أمر به، فهل يقول أحد من اليهود، أو النصارى - دع المسلمين -: إن هذا حبس بالشرع، فضلًا عن أن يقال: شرع محمد بن عبد الله، وهذا مما يَعلم الصبيان الصغار بالاضطرار من دين الإِسلام أنه مخالف لشرع محمد بن عبد الله " (٣) .
стр. 89
إِلى أن قال:
" وأخذ يقول لي: هذه المحاضر، ووجدوا بخطك، فقلت: أنت كنت حاضرًا ذلك اليوم، هل أراني أحد ذلك اليوم خَطًا، أو محضرًا؟ أو قيل لي: شَهد عليك بكذا، أو سُمع لي كلام؟ بل حين شرعت أحمد الله، وأثني عليه لقول النبي ﷺ : «كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أَجذم» (١) مَنعوني من حمد الله وقالوا: لا تَحمد الله، بل أجب " (٢) .
" فقلت لابن مَخلوف: ألكَ أُجيب، أو لهذا المدعي؟ - وكان كلّ منهما قد ذكر كلامًا أكثره كذب - فقال: أجب المدعي، فقلت فأنتَ وحدك تحكم أو أنت وهؤلاء القضاة؟ فقال: بل أنا وحدي، فقلت: فأنت خَصمي فكيف يَصح حُكمك علي؟ فلم تطلب منيِ الاستفسار عن وجه المخاصمة! فإِن هذا كان خصماَ من وجوه متعددة معروفة عند جميع المسلمين.
стр. 90
ثم قلت: أما ما كان بخطي فأنا مُقيم عليه. وأما المحاضر فالشهود فيها فيهم من الأمور القادحةِ في شهادتهم وجوه متعددة تمنع قبول شهادتهم بإِجماع المسلمين، والذي شهدوا به، فقد علم المسلمون، خاصتهم وعامتهم بالشام وغيره ضد ما شَهدوا به " (١) .
" فإنِّي أنا من أي شيء أخاف؟ إِن قُتِلت كنت من أفضل الشهداء، وكان ذلك سعادة في حقي، يترضى بها علي إِلى يوم القيامة، ويلعن الساعي في ذلك إِلى يوم القيامة، فإِن جميع أمة محمد يعلمون أني أُقتل على الحق الذي بَعث الله به رسوله، وإِن حُبست فوالله إن حبسي لمن أعظم نعم الله عليّ، وليس لي ما أخاف الناس عليه لا مدرسة، ولا إِقطاع، ولا مال، ولا رئاسة، ولا شيء من الأشياء " (٢) .
" ولكن هذه القصة ضررها يعود عليكم، فإِن الذين سعوا فيها من الشام، أنا أعلم أن قصدهم فيها كيدكم، وفساد ملتكم، ودولتكم، وقد ذهب بعضهم إِلى بلاد التتر،
стр. 91
وبعضه مُقيم هناك، فهم الذين قصدوا فساد دينكم ودنياكم، وجعلوني إِمامًا بالتستر، لعلمهم بأني أُواليكمُ وأنصح لكم، وأريد لكم خير الدنيا والآخرة، والقضية لها أسرار كلما جاءت تنكشف، وإِلا فأنا لم يكن بيني وبين أحد بمصر عداوة، ولا بغضًا، وما زلت محبًا لهم، مواليا لهم: أمرائهم، ومشايخهم، وقضاتهم " (١) .
داعية وَحدة على أصل العقيدة: ما صدق أحد في الدعوة إِلى التوحيد الخالص، والعقيدة المنجية إلا صدق في الدعوة إلى وحدة الجماعة المسلمة.
وهذا من المسائل العظيمة التي يجب أن يتحراها العلماء والدعاة في كل عصر، وكل مكان، مسألة: أن الوحدة والائتلاف قرينَتا التوحيد الحق، وأن الفرقة والاختلاف قرينتا الزيغ، والهوى، والبدعة.
وكان ابن تيمية داعية إِلى التوحيد الخالص، والعقيدة العاصمة من الضلال، وكان - في الوقت نفسه - داعية إلى
стр. 92
ائتلاف المسلمين واتحادهم، وجمع كلمتهم على الأصول الجامعة.
ومما قاله ﵀ وعمل به في هذا المجال:
" والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة، وأنا كنت من أعظم الناس تأليفا لقلوب المسلمين، وطلبا لاتفاق كلمتهم اتباعا لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة، وبينت لهم أن الأشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد ﵀ ونحوه، المنتصرين لطريقه، كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه " (١) .
" ولما أظهرت كلام الأشعري - ورآه الحنبلية - قالوا: هذا خير من كلام الشيخ الموفق (٢) وفرح المسلمون باتفاق الكلمة، وأظهرت ما ذكره ابن عساكر (٣) في مناقبه: أنه لم
стр. 93
تزل الحنابلة والأشاعرة متفقين إِلى زمن القشيري (١) فإنه لما جرت تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة، ومعلوم أن في جميع الطوائف من هو زائغ ومستقيم.
مع أني في عمري، إِلى ساعتي هذه لم أدع أحدًا قط في أصول الدين إِلى مذهب حنبلي وغير حَنبلي، ولا انتصرتُ لذلك، ولا أذكره في كلامي، ولا أذكر إِلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وقد قلت لهم غير مرة: أنا أمهل من يخالفني ثلاث سنين، إِن جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلاثة يخالف ما قلته فأنا أقر بذلك، وأما ما أذكره فأذكره عن أئمة القرون الثلاثة بألفاظهم، وبألفاظ من نقل إِجماعهم من عامة الطوائف " (٢) .
стр. 94
[الأثر المبارك لجهاد ابن تيمية]
الأثر المبارك لجهاد ابن تيمية: بارك الله في جهاد ابن تيمية، فجعل له أثرًا صالحًا باقيًا ماثَلاَ في " مدرسة علمية وفكرية متكاملة " لها منهجها، وأسلوبها، وطابعها.
فمن هذا الأثر: تلاميذه، وفي مقدمتهم: شيخ الإِسلام ابن قيِّم الجوزية.
قال الحافظ ابن حَجر العسقلاني:
" فالواجب على من تلبس بالعلم وكان له عقل: أن يتأمل كلام الرجل من تصانيفه المشهورة، أو من ألسنةِ من يوثق به من أهل النقل، ولو لم يكن للشيخ تقي الدين إلا تلميذه الشيخ شمس الدين ابن قيّم الجوزية -صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف - لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته " (١) .
وقال شيخ الإِسلام التفهني الحنفي:
" والإِنسان إِذا لم يخالط ولم يعاشر، يستدل على
стр. 95
أحواله، وأوصافه بآثاره، ولو لم يكن من آثاره - أي ابن تيمية - إلا ما اتصف به تلميذه ابن قَيِّم الجوزية من العلم، لكفى ذلك دليلًا على ما قلناه " (١) .
ومن هذا الأثر، كتبه الكثيرة العدد، النفيسة القيمة، الواسعة الانتشار.
ومن هذا الأثر، ثناء المؤمنين عليه في كل زمان ومكان.
стр. 96
[من أعظم الآثار وأظهرها]
[دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب]
من أعظم الآثار وأظهرها دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب بين عصر ابن تيمية، وعصر ابن عبد الوهاب -رحمهما الله تعالى - أربعة قرون تقريبًا، ولم تخل هذه القرون الأربعة من داعية للحق، قائم بعقيدة أهل السنة والجماعة، بيد أنه لم ينهض أحد بمنهج ابن تيمية، كما نهض به - بقوة ووضوح - شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ خصوصًا في الناحية العملية.
فقد كانت كتب ابن تيمية وسيرته الجهادية منهجًا متكاملًا بين يدي الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي عزم - بحول الله وقوته - على تجديد شُعب الإِيمان في منطلق الرسالة، وكنف الحرمين الشريفين.
[اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب]
اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ظهر الإِمام محمد بن عبد الوهاب في عصر، يوصف بأنه: " عصر الجهالة والخرافة " في كثير من بلاد العالم الإسلامي، فهو عصر وهت فيه صلة المسلمين بأصولهم
стр. 97
العلمية والاعتقادية، وكان من آثار ذلك:
جهالة فاشية، سببها، قلة العلم، وتلوثه بالمعكرات.
وانحرافًا في العقيدة، سببه، سيطرة الخرافة والوهم، وانتشار البدع.
واضطراٍبًا في الأعمال، سببه، فقدان المنهج العلمي.
وتأجُّجا في الخلافات، سببه، ضعف الإِيمان، ووهن عُرى الأخوة، وتدني الوعي بمصالح الأمة.
وإِعجابًا بالأجنبي، سببه، التزاور عن الأصالة، وعدم الثقة بالنفسِ.
وتعرُّضاَ لمطامع خارجية، سببه، كل ما تقدم.
ولقد أيقن شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بألا مخرج لهذه الأمة من هذه الظلمة المطبقة إِلا بنور الكتاب والسنة.
وأيقن أن القاعدة الأولى في الإِصلاح، هي إِصلاح العقيدة وتجديد شعب الإِيمان.
وصدع شيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بما أيقن به، وبدأ بما هو مفتاح الإِصلاح وعمدته وهاديه وحاديه، بدأ بالعقيدة.
стр. 98
وللشيخ أسلوبه المتميز في الاختصار المفيد، والتلخيص السديد.
قال ﵀:
" أُشْهِدُ الله ومن حضرني من الملائكة، وأُشهِدُكُم: أني أعتقد ما اعتَقَدَته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، من الإِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإِيمان بالقدر خيره وشره.
ومن الإِيمان بالله، الإِيمان بما وصف به نفسه في كتابه، على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله ليسَ كمثله شيءٌ وهو السميع البصير. فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أُحرِّف الكلم عن مواضعه، ولا أُلحد في أسمائه وآياته، ولا أُكَيِّف ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خَلْقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا، وأحسن حديثًا، فنَزَّه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]
стр. 99
وأعتقد أن القرآن كلام الله، مُنزل غير مخلوق، منه بدأ وإِليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، نبينا محمد ﷺ .
وأومن بأن الله فعّال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإِرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيءٌ في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إِلا عن تدبيره، ولا مَحيد لاتحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خطَّ له في اللوح المسطور.
وأعتقد الإِيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونَعيمه، وبإِعادة الأرواحِ إِلى الأجساد، فيقوم اَلناس لرب العالمين حفاةً عَراةً غُرلاَ، تَدنو منهم الشمس، وتنُصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد:
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]
وتنشر الدواوين، فآخِذٌ كِتابه بيمينه، وآخِذٌ كتابه بشماله.
стр. 100
وأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعَرصَة القيامة، ماؤه أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء مَنْ شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
وأومن بأن الصراط منصوب على شَفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم.
وأومن بشفاعة النبي ﷺ ، وأنه أول شافع، وأول مُشفَّع، ولا يُنكر شفاعة النبي ﷺ إِلا أهل البدع والضلال. لكنها لا تكون إِلا من بعد الإذن والرضى، كما قال تعالى:
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]
وهو لا يرضى إِلا التوحيد، ولا يأذن إِلا لأهله.
وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب، كما قال تعالى:
﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]
وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان.
وأن المؤمنين يَرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما
стр. 101
يرون القمر ليلة البدر لا يُضامون في رؤيته.
وأومن بأن نبينا محمدًا ﷺ خاتَم النبيين والمرسلين، لا يصح إِيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته. وأن أفضل أمته، أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃.
وأتولَّى أصحاب رسول الله ﷺ ، وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]
وأترضَّى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، وأُقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إِلا أنهم لا يَستحقون من حق الله تعالى شيئًا، ولا يُطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله.
стр. 102
ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء.
ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام.
وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة.
والجهاد ماض منذ بعث الله محمد ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأئمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.
وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله.
ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعتهم، وحرم الخروج عليهم.
وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة.
стр. 103
وأعتقد أن الإِيمان قولٌ باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شُعبة، أعلاها: شهادة لا إِله إِلا الله، وأدناها إِماطة الأذى عن الطريق.
وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
فهذه عقيدة وجيزة حرَّرتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي والله على ما نقول وكيل " (١) .
وما برح الشيخ يدعو إِلى هذه العقيدة الصافية المنيرة، ويصدع بالتوحيد ضدّ الشرك، وبالعلم ضد الخُرافة.
وما برح يستعمل في دعوته وسائل الاتصال الشخصي، والكتاب العام، والرسالة العامة والخاصة، والرحلة، والدرس.
وما برح خصومه يَضيقَون به ذرعًا، ويُضيقون عليه المقام والطريق حتى أذن الله بالنصر والتمكين.
стр. 104
[أهمية الدولة في التمكين للدعوة]
[نماذج لهذا النصر والتمكين]
أهمية الدولة في التمكين للدعوة تهيأ للداعي إِلى الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ سبب لم يتهيأ لدعاة وأئمة كثيرين قبله وبعده، وهذا من فضل الله عليه، وعلى الناس في هذه الجزيرة، وفي العالم الإِسلامي كله، تهيَّأ له سبب الدولة أو السلطة، وبهذا السبب، الذي سبَّبه الله تعالى، قويت دعوة الشيخ، وتمكنت وانتصرت.
استقبله أمير الدِّرعية، الإِمام محمد بن سعود ﵀، خير استقبال، وعضد دعوته بالسلطان، وتعاون الرجلان على إعزاز التوحيد، وإحياء مقتضياته. وإزالة ما يخالفه.
وأخذ الإِمام محمد بن سعود يُكاتب أمراء نَجد وزُعماءها، ويطلب إِليهم أن يتقبلوا دعوةَ الشيخ المجاهد، وأن ينصروها في ربوعهم وبين قبائلهم.
وتحت راية دعوة التوحيد، نَشط الإِمام محمد بن سعود وبنوه في نجد كلها، حتى استّقر الأمر للدعوة فيها، وفي الأحساء.
стр. 105
فلما وَلي الأمر الإِمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، نَهَجَ نَهْجَ والده في نصر دعوة التوحيد والتمكين لها.
ومن نماذج هذا النصر والتمكين: ١ - توجيه رسائل مشتركة للدعوة، باسم رجل الدولة، ورجل الدعوة، إِلى من يتحرى رشدًا:
" الحمد لله الذي نزَّل الحق في الكتاب، وجعله تذكرة لأولي الألباب، ووفق مَنْ مَنَّ عليه من عباده للصواب، لعنوان الجواب، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّه ورسوله وخيرته من خلقه محمد، وعلى آله وشيعته وجميع الأصحاب، ما طلع نجم وغاب، وانهلَّ وابل من سحاب.
من عبد العزيز بن محمد بن سعود، ومحمد بن عبد الوهاب:
إِلى الأخ في الله أحمد بن محمد العدبلي البكلي سلمه الله من جميع الآفات، واستعمله بالباقيات الصالحات، وحفظه من جميع البليات، وضاعف له الحسنات، ومحا عنه السيئات.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد:
وافانا كتابكم، وسُرّ الخاطر بما ذكرتم فيه من سؤالكم،
стр. 106
وما بلغنا على البعد من أخباركم، وسؤالكم عما نحن عليه، وما دعونا الناس إليه. فأردنا أن نكشف عنكم الشبهة بالتفصيل، ونوضح لكم القول الراجح بالدليل، ونسأل الله أن يسلك بنا وبكم أحسن منهج وسبيل.
أما ما نحن عليه من الدين، فعلى دين الإِسلام الذي قال الله فيه:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]
وأما ما دعونا الناس إِليه، فندعوهم إِلى التوحيد الذي قال الله فيه خطابًا لنبيه ﷺ :
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]
وأما ما نَهينا الناس عنه، فنهيناهم عن الشرك الذي قال الله فيه:
﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]
стр. 107
إِلى أن قالا:
" وحَقيقة اعتقادنا، أنها تصديق بالقلب، وإِقرار باللسان، وعمل بالجوارح، وإِلا فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار مع أنهم يقولون: لا إِله إِلا الله، بل ويُقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويصومون ويَحجّون.
وأما ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد، فنحنُ مقلّدون للكتاب والسنّة، وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومُحمد بن إِدريس، وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى.
وأما ما سألتم عنه من حقيقة الإِيمان، فهو التصديق، وأنه يزيد بالأعمال الصالحة، وينقص بضدّها، قال تعالى:
﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]
وما جئنا بشيء يُخالف النقل ولا ينكره العقل، ولكنهم يقولون ما لا يفعلون، ونحن نقول ونفعل:
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]
نقاتل عُبّاد الأوثان، كما قاتلهم ﷺ ، ونقاتلهم على ترك الصلاة وعلى منع الزكاة، كما قاتل مانعها صدّيق هذه
стр. 108
الأمة، أبو بكر الصديق ﵁، ولكن ما هو إِلا كما قال وَرقَة بن نوفل: ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إِلا عودي وأوذي وأُخرج.
وما قَلَّ وكفى خير مما كثر وألهى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " (١) .
٢ - توجيه رسائل الدعوة التي كان يرسلها الإِمام عبد العزيز بن محمد بن سعود - بوصفه إِمامًا لدولة تقوم على الدعوة - إِلى الناس كافة. . مثل:
من عبد العزيز بن سعود إلى من يَراه من أهل بلدان العجم والروم، أما بعد:
فإِنا نحمد إِليكم الله الذي لا إِله إِلا هو وهو للحمد أهل، ونسأله أن يصلي ويُسلّم على حبيبه من خلقه، وخليله من عبيده، وخيرته من بَرِيَّته، محمد عليه من الله أفضل الصلاة، وأزكى التحيات، وعلى إِخوانه من المرسلين، وعلى آله وأصحابه صلاة وسلامًا دائمين إِلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
стр. 109
ثم نخبركم: أن " محمدًا خَلفًا النواب " قدم علينا مع الحاج، وأقام عندنا مدة طويلة، وأشرف على ما نحن عليه من الدين، وما ندعو إِليه الناس، وما نقاتلهم عليه، وما نأمرهم به، وما ننهاهم عنه. وحقائق ما عندنا يخبركم به أخونا محمد من الرأس.
ونحن نذكر لكم ذلك على سبيل الإِجمال:
أما الذي نحن عليه، وهو الذي ندعو إِليه من خالَفنا، أنَّا نعتقد أن العبادة حق لله على عبيده، وليس لأحدٍ من عبيده في ذلك شيء لا مَلك مقرب، ولا نبي مرسل، فلا يجوز لأحد أن يدعو غير الله لجلب نفع أو دفع ضُر، وإن كان نبيًا أو رسولًا أو ملكًا، أو وليًا، وذلك أن الله ﵎ يقول في كتابه العزيز:
﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١ - ٢٢] إلى آخر ما قال " (١) .
٣ - ما قاله الإِمام محمد بن عبد الوهاب في رسالته
стр. 110
للشيخ فاضل آل مزيد، حيث قال:
" إِن هذا الأمر الذي أنكروا عليَّ وأبغضوني وعادوني من أجله، إِذا سألوا عنه كل عالم في الشام واليمن أو غيرهما يقول: هذا هو الحق، وهو دين الله ورسوله، ولكن ما أقدر أظهره في مكاني، لأجل أن الدولة ما يرضون، وابن عبد الوهاب أظهره لأن الحاكم في بلده ما أنكره. بل لما عرف الحق اتبعه، هذا كلام العلماء وأظنه وصلك كلامهم " (١) .
وحينما دخل الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، مكة المكرمة بيَّن للعلماء أنَّ الهدف الأول الذي يسعى إِليه، هو إِخلاص التوحيد لله، وإفراده سبحانه وحده دون من سواه بأنواع العبادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله تعالى -:
" الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين.