" واعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلقة في صاحبهم. حملهم على وضعها عداوة خصومهم (١) .
ويهمنا في هذا النص اعتراف أحد كتابهم بذلك، وكما قيل: الاعتراف سيد الأدلة. كما قام بعض ضلال الفرق بوضع الحديث تأييدا لمذهبه وردا على خصومه. وقد كان للزنادقة خاصة في العصر العباسي الأول دور في وضع الحديث في كافة جوانب الدين وأهمها الاعتقاد.
وكان قصدهم من وراء ذلك تشويه الإسلام، وتنفير الناس منه فكانت هذه الأحاديث رصيدا لمن أتى بعدهم من الغلاة يعتمد عليها ويستدل بها. وقل أن يوجد فكر منحرف أو عقيدة غالية إلا ووراءها أحاديث موضوعة وواهية.
رابعا- رواسب الديانات القديمة: مع اتساع موجة المد الإسلامي بكثرة فتوح البلدان، دخل في الإسلام أجناس شتى طائعين ومكرهين. ولم يكن انتشار الإسلام بهذه السرعة يوافق رضا كثير من أعدائه بل كان شجى في حلوقهم وغيظا في قلوبهم وقذى في أعينهم لما رأوا أن الدولة للإسلام، وأن مقاومته وحربه بالسيف غير ممكنة ولا مجدية، دخلوا في الإسلام متظاهرين ليكيدوا له من الداخل، فراحوا يشوهون صورته ويمزقون وحدته، وراموا أحياء وثنياتهم من خلاله، وإفساد صفاء العقيدة الإسلامية.
وساعدهم على ذلك الفتن التي حدثت بعد مقتل عثمان ﵁ والتي كانت سببا في تفرق الأمة إلى شيع وأحزاب. ثم أعقب ذلك ظهور الفرق الكلامية بآرائها ومعتقداتها. والمتأمل في تاريخ الفرق الكلامية وآرائها المخالفة
стр. 142
لمعتقد أهل السنة والجماعة يرى تأثر الأفكار الدخيلة، من يهودية ونصرانية ومجوسية وفلسفات وثنية، يونانية وهندية ومصرية.
وقد حاول أعداء الإسلام جهدهم والتوفيق بين هذه الأفكار وبين الإسلام وإلباسها ثوب الإسلام، فظهر ما يسمى بالفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، والتصوف الإسلامي، والفرق الإسلامية، على اختلاف آرائها ومقالاتها والتي بدا تأثير هذه الأفكار واضحا عليها. كما كان وراء نشأة كل فرقة أناس أسلموا ظاهرا مع كفرهم باطنا، كان هؤلاء رواد هذه الفرق ومؤسسيها. فمنهم عبد الله بن سبأ رأس الشيعة ومؤسسها والذي وضع لهم أساس العقائد الباطلة الموروثة إلى يومنا هذا، وذلك كالرجعة أي رجعة علي ﵁ بعد موته إلى الدنيا قبل يوم القيامة وأنه سينزل إلى الأرض فيملؤها عدلا كما ملئت جورا.
وكان يقول: " العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] (١) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى فوضع لهم أساس رجعة الأئمة بذلك وهو الذي وضع لهم أساس الوصية. وأن عليا خاتم الأوصياء كما أن محمدا خاتم الأنبياء وكان يقول: " أنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي. وكان علي وصي محمد ﷺ فمحمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء ".
ثم قال بعد ذلك: " ومن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصي رسول الله ﷺ " وكان يقول وهو في يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى، مثلما قال في علي بعد رسول الله ﷺ . كما أنه أول من أظهر الطعن في الصحابة والتبرؤ منهم إلى غير ذلك من السموم التي نفثها في الشيعة فاتخذوها عقائد يعتقدونها، ودينا يتعبدون به (٢) وقد كانت الشيعة مرتعا خصبا لتقبل
стр. 143
هذه الأفكار وغيرها وذلك لقلة عقولهم وضعف تمييزهم.
وهكذا كان وراء كل فرقة عناصر أجنبية أتت بأفكارها وعقائدها المأخوذة من الديانات القديمة.
فقد كان وراء بدعة القدر رجل يقال له (سوسن) كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد بدعته في القدر (١) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أصل بدعة جهم بن صفوان في التعطل ونفي الصفات مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلا (٢) وإذا كان هذا التأثير قد تم بواسطة أشخاص امتلأت قلوبهم حقدا على الإسلام فلا ينبغي أن نغفل الدور المنظم الذي قام به اليهود والنصارى والمجوس ومن مالأهم من الزنادقة الذي سعوا بكل جهدهم في محاولة تشويه الإسلام بإدخال العقائد الباطلة والأفكار الهدامة إلى ساحة الإسلام.
стр. 144
[المبحث الثاني الغلو في الرسل عند اليهود والنصارى]
المبحث الثاني
الغلو في الرسل عند اليهود والنصارى ينطلق الغلو في الأنبياء من رفعهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها ويحدث هذا الغلو حينما يوصف بعض الأنبياء بصفات الألوهية أو يوصف النبي بأنه ابن الله. ولقد حدث في تاريخ بني إسرائيل أن ادعى اليهود أن عزيرا ابن الله كما ادعت النصارى أن المسيح ابن الله.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (١) أما اليهود فقد كان سبب غلوهم في عزير هو ما وقع على يديه من معجزات مثل كتابة التوراة من حفظه بعد أن نسخها الله من صدور اليهود وما وقع له من إحيائه بعد موته مائة عام. فلما ضاقت عقولهم عن التمييز بين فعل الله وقدرته وبين قدرة البشر المحدودة نسبوا ذلك إلى عزير وقالوا عنه إنه ابن الله.
قال ابن عباس ﵁ معللا قول اليهود أن عزيرا ابن الله: " إنما قالوا ذلك لأنهم لما عملوا بغير الحق أنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فدعا عزير الله تعالى، فعاد إليه الذي نسخ من صدورهم ونزل نور من السماء فدخل جوفه، فأذن في قومه فقال: قد آتاني الله التوراة، فقالوا: ما أوتيها إلا لأنه ابن الله ".
стр. 145
وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵁ قال: " إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل، وهدم بيت المقدس وقتل من قرأ التوراة كان عزير غلاما فتركه. فلما توفي عزير ببابل، ومكث مائة عام، ثم بعثه الله تعالى إلى بني إسرائيل، وقال أنا عزير فكذبوه وقالوا: قد حدثنا آباؤنا أن عزيرا مات ببابل، فإن كنت عزيرا فاملل علينا التوراة، فكتبها لهم، فقالوا هذا ابن الله " (١) .
فهذه الرواية الثانية بينت أن عزيرا كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل وأنه مات ثم بعثه الله بعد مائة عام. كما ذكر الله ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] (٢) فلما بعثه الله إلى بني إسرائيل كتب لهم التوراة من حفظه بعد أن مات الحفاظ في غزو بختنصر لبيت المقدس. فلما ضاقت عقول اليهود عن استيعاب هذه المعجزة والإيمان بالله الذي أجراها على يد عبده ونبيه عزير قالوا إنه ابن الله.
وأما النصارى فقالوا عن المسيح عيسى ابن مريم أنه ابن الله إما لأنه ولد من غير أب أو لأنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله فلأجل هذا ادعوا أنه ابن الله. والقائل لهذا ليس هم أصحاب عيسى وإنما قال ذلك بولس ومن أغواهم من النصارى بعد موت عيسى بوقت طويل ولبس عليهم بهذه الشبه فآل أمر النصارى إلى أن أصبحوا مشركين بسبب قولهم إن عيسى هو الله أو ابن الله وقد رد الله عليهم في القرآن في أكثر من موضع وبين أن دعواهم مجرد
стр. 146
قول عار عن الدليل والبرهان، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٧] (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٢] (٣) وعلى هذا فمبدأ الانحراف والغلو يكون في عدم التمييز بين قدرة الله العظيمة وقدرة العبد ولو كان نبيا، وبين المعجزة التي هي بقدرة الله وبين فعل النبي ثم يتطور الانحراف حتى يظن أن هذه الأفعال صادرة من النبي بقدرته إما لأنه إله أو لأنه ابن الله.
стр. 147
وقد كان النصارى أكثر غلوا من اليهود، ذلك أن الذين قالوا أن عزيرا ابن الله هم قلة من اليهود على خلاف بين المفسرين في ذلك (١) .
بينما كان غالبية النصارى يعتقدون أن المسيح ابن الله أو أنه الله على اختلاف مذاهبهم في هذا الاعتقاد وقد رد القرآن عليهم وفند شبههم ثم نهاهم عن الغلو في عيسى ﵇.
وفي نهي الله في القرآن لأهل الكتاب عن الغلو تحذير لنا نحن المسلمين عن أن نسلك مسالكهم في الغلو في الأنبياء والصالحين فيصيبنا ما أصابهم وقد نبه الرسول ﷺ حين نهى أمته عن إطرائه والمبالغة في مدحه بأن هذا شبيه لفعل النصارى في غلوهم في عيسى ﵇.
فقال ﷺ فيما أخرجه البخاري بسنده عن عمر ﵁ قال: «لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» (٢) ومع وضوح هذا التحذير إلا أن طوائف من هذه الأمة وقعت في الإطراء والغلو الذي نهى الرسول ﷺ عنه فصاروا بذلك مشابهين للنصارى ومتبعين سننهم.
وهذا ما سيتضح لنا في المباحث القادمة. إن شاء الله.
стр. 148
[المبحث الثالث الغلو في ذات الرسول ﷺ عند الشيعة]
المبحث الثالث
الغلو في ذات الرسول ﷺ عند الشيعة إن من العقائد الثابتة التي أكدتها نصوص الشرع وأجمعت عليها الأمة أن رسل الله أجمعين بشر من جنس المرسل إليهم. كما جرت بذلك سنة الله في المرسلين. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٢] (١) وإن الرسول ﷺ لم يكن بدعا من الرسل بل كان بشرا مثلهم يوحى إليه.
وبشرية الرسول ﷺ أمر واضح لكل من قرأ القرآن أو تصفح السنة أو قلب نظره في سيرته وأحواله.
ومع وضوح هذا الأمر لعامة المسلمين وخاصتهم إلا أننا نرى بعض الطوائف المنتسبة إلى الإسلام غلت في الرسول ﷺ بما يخرجه عن حد البشرية، ولقد كان الشيعة أول من فتح باب الغلو في الأشخاص وذلك بغلوهم في علي ﵁ وذريته حتى ذهبوا في ذلك مذاهب شتى فمنهم من ادعى أن عليا وذريته معصومون ومنهم من ادعى أن عليا كان نبيا، ومنهم من غلا فيه حتى ادعى أنه إله وأن روح الإله حلت فيه وفي الأئمة من ذريته (٢) ولما كان علي ﵁ ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته، ووصيه وخليفته من بعده- على مذهبهم- كان طبعيا أن يبتدأ غلوهم من رسول الله ﷺ ويأخذ دور التسلسل إلى علي ﵁ والأئمة من ذريته، لذلك نجد لدى غلاة الشيعة عقائد باطلة تدور حول أزلية وجود الرسول ﷺ وأسبقيته على الكون وأنه ليس كسائر البشر، بل هو مخلوق من نور.
стр. 149
وقد روى الكليني (١) نصا منسوبا زورا وبهتانا إلى جعفر الصادق يدور حول أزلية وجود النبي ﷺ أو ما يطلق عليه الصوفية الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي.
يقول النص على لسان جعفر الصادق:
(كنا عند الله وليس عنده أحد سوانا لا ملك ولا غيره ثم بدا له فخلق السماوات والأرض فخلق ونحن معه.
. . . . ونصب الخلق في صورة كالهباء قبل دخول الأرض ورفع السماء، وهو في انفراد ملكوته، وتوحيد جبروته، وأتاح نورا من نوره فلمع، ونزع قبسا من قبسه فسطع، ثم اجتمع النور في وسط تلك الصورة الخفية فوافق ذلك صورة نبينا محمد ﷺ فقال الله عز من قائل أنت المختار والمنتخب وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطح البطحاء، وأموج الماء، وأرفع السماء، وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل به عليهم دقيق، ولا يغيب عنهم به خفي، وأجعلهم حجتي على بريتي والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي.
. . . . ولم يزل الله تعالى يخبئ النور تحت الزمان إلى أن وصل محمدا في ظاهر الفترات، فدعا الناس ظاهرا وباطنا. . . ثم انتقل النور إلى غرائزنا، ولمع في أئمتنا فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فبنا النجاة، ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور وبمهدينا تنقطع الحجج، خاتم الأئمة، منقذ الأمة، وغاية النور ومصدر الأمور) (٢) .
стр. 150
وقد ذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين أن الصنف الخامس عشر من أصناف غلاة الشيعة، يزعمون أن الله وكل الأمور وفوضها إلى محمد ﷺ وأنه أقدره على خلق الدنيا فخلقها ودبرها وأن الله سبحانه لم يخلق من ذلك شيئا ويقول ذلك كثير منهم في علي (١) وجاء في المسائل المجموعة من الحقائق العالية والدقائق من كتب الإسماعيلية ما نصه: (ليس بين المبدع الأول ومبدعه تعالى شيء من نور ولا غيره، والذي سمعت من ذلك هو أن السابق لما سبق أبناء جنسه إلى توحيد مبدعه. طرقه من مبدعه مادة إلهية اطلع بها على علم ما كان وما يكون وأن تلك المادة شائعة في ذات المبدع الحاملة لها فلا فرق بينه وبينها بل هو هي وهي هو.
كما أن العلم المتصل بكل متعلم إذا وصل النفس الحاملة له لم يبق فرق بين العلم والنفس الحاملة له وصارت تلك المادة إلهية سارية من المبدع الأول إلى من دونه من عقول عالم الإبداع وعقول عالم الطبيعة فهي عمود النور الساري فيما بين العقول وبين المبدع الأول) (٢) .
ونجد في هذا النص تشابها بين المبدع الأول الذي فاضت عليه مادة إلهية فصار ممدا لغيره بذلك الفيض الإلهي، وبين الحقيقة المحمدية أو الروح المحمدي الذي أمد جميع الأنبياء والأولياء بالوحي والعلم الباطني كما ذهب إلى ذلك ابن عربي ومن تابعه على ما سيأتي بيانه.
стр. 151
[المبحث الرابع الغلو في الرسول ﷺ عند الصوفية]
المبحث الرابع
الغلو في الرسول ﷺ عند الصوفية إذا كان الشيعة أول من فتح باب الغلو في هذه الأمة بغلوهم في علي ﵁ والأئمة من ذريته حسب زعمهم فإن الصوفية قد انتقلت إليها عدوى الغلو من الشيعة في المقام الأول. وهناك تشابه كبير في كثير من الجوانب بينهما. فإذا كان المذهب الشيعي قد دار فيه الغلو حول علي ﵁ والأئمة من ذريته فإن الغلو عند الصوفية قد دار حول الرسول ﷺ والأولياء من بعده أو بالأصح حول الحقيقة المحمدية- حسب تعبيرهم والأولياء من بعد.
وإذا وجد في غلاة الشيعة من قال إن روح الإله قد حلت في النبي ﷺ ثم في علي ﵁ وأولاده من بعده، فقد وجد في الصوفية من يقول بالحلول كالحلاج مثلا. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
فكانت الشيعة المتأثرة بالتراث المجوسي اليهودي لدى السبئية وفرق الغلاة ثم التراث الفلسفي اليوناني والمصري لدى الإسماعيلية القرامطة أصحاب رسائل إخوان الصفاء كان هؤلاء هم المعبر الرئيسي لانتقال العقائد الباطلة إلى الصوفية (١) .
وقد أكد ابن خلدون هذه الصلة بين التصوف والتشيع في حديثه عن مذهب وحدة الوجود وتوابعه فقال: (وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين
стр. 152
مذهب الآخر فاختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم، وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان. وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فصول التصوف منها فقال: جل جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد.
وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به.
ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال (١) بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء (٢) .
حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتخليهم رفعوه إلى علي ﵁ وهو من هذا المعنى أيضا وإلا فعلي ﵁، لم يختص من بين الصحابة بتخلية، ولا طريقة في لباس ولا حال، بل كان أبو بكر وعمر ﵄ أزهد الناس بعد رسول الله ﷺ وأكثرهم عبادة ولم يختص أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه في الخصوص بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة) (٣) .
стр. 153
ويؤكد المعاصرون من الشيعة والصوفية على حد سواء هذه الصلة بينهما.
يقول سيد حسين نصر:
". . . . فقد كانت هناك بعض الصلات بين التصوف والتشيع - وعلى الأخص بطابعه الإسماعيلي - كما يبدو مما ذكره إخوان الصفا عن التصوف في سائلهم وهم إن لم يكونوا حتما من أصل إسماعيلي، فهم بلا ريب قد نشئوا في وسط شيعي، واقترن ذكرهم فيما بعد بالحركة الإسماعيلية (١) ولم تكن هذه الصلة بين التصوف والتشيع صلة عفوية من قبيل التأثير والتأثر المجرد بل كانت تيارا منظما هدفه تقويض دعائم الإسلام، تأثرا بالغوصية الفارسية، وتحويل الدين إلى خليط عجيب من الفلسفة والوثنية والدين وذلك تحقيقا لآمال الفرس وغيرهم من أصحاب المبادئ الشعوبية الناقمين من انتشار الإسلام ولعل في توافق الشيعة والصوفية في أكثر البلاد وإفساح كل واحدة المجال لصاحبتها قديما وحديثا ما يؤكد ذلك الهدف المشبوه. على أن التشيع لم يكن هو الرافد الوحيد الذي أمد الصوفية بهذه العقائد والأفكار فقد كانت هناك روافد أخرى متمثلة في التراث الهندي الذي اقتبس منه الصوفية كثيرا من نظرياتهم في المجاهدة والسلوك والزهد. كما أخذوا من النصارى الرهبنة والخلوات والخوانق التي تشبه الأديرة كما أخذوا عنهم مذهب الغنوصية (٢) .
وعن الفلسفة اليونانية والأفلاطونية الحديثة أخذوا فكرة العقول العشرة ووحدة الوجود (٣) وقد استمد الصوفية عقائدهم وأفكارهم من كل مصدر وسعهم أن يستمدوا
стр. 154
منه وحاولوا أن يصوغوها في قالب إسلامي حتى يقبلها العامة.
لكن الذي يهمنا في هذا المجال هو غلو الصوفية في الرسول ﷺ وسآخذ مثالين من الصوفية:
أولهما: الحلاج باعتباره أول صوفي ادعى الألوهية بحلول الله فيه كما أنه أول من غلا في الرسول ﷺ بادعائه أن الله حل فيه وقوله بقدم النور المحمدي.
ثانيهما: ابن عربي باعتباره صاحب مذهب وحدة الوجود في المحيط الصوفي ولأنه أشهر من قال بالحقيقة المحمدية التي هي أعظم مظهر تجلى فيه الحق بزعمه.
كما كان لآراء ومعتقدات ابن عربي أكبر الأثر في انحراف أكثر الصوفية إلى مذهب وحدة الوجود.
وسأتحدث في المطلبين القادمين عن الحلاج، ثم عن ابن عربي.
стр. 155
[المطلب الأول الغلو في الرسول ﷺ لدى الحلاج]
المطلب الأول
الغلو في الرسول ﷺ لدى الحلاج يعتبر الحلاج (١) أول صوفي جاهر بعقيدة الحلول في أوساط الصوفية إذ كان يرى أن من هذب نفسه بالطاعة، وصبر على اللذات والشهوات ارتقى إلى
стр. 156
مقام المقربين، ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافاة حتى يصفو عن البشرية، فإذا لم يبق فيه حظ من البشرية حل فيه الإله الذي حل في عيسى ابن مريم، ولم يرد حينئذ شيئا إلا كانا كما أراد، وكان جميع فعله فعل الله (١) وقد ادعى الحلاج أن روح الله حلت فيه كما حلت في الأنبياء من قبل- حسب زعمه - وكلامه في ذلك واضح في أشعاره، وكتبه التي خلفها.
وفي ذلك يقول:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته ... وإذا أبصرته أبصرتنا
ويقول:
مزجت روحك في روحي كما ... تمزج الخمرة في الماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني ... فإذا أنت أنا في كل حال
стр. 157
وهو القائل:
سبحان من أظهر ناسوته ... سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرا ... في صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقه ... كلمحة الحاجب بالحاجب
ويقول:
أنا أنت بلا شك ... فسبحانك سبحاني
فتوحيدك توحيدي ... وعصيانك عصياني
ويتمادى الحلاج في كفره حين يقول:
كفرت بدين الله والكفر واجب ... لدي وعند المسلمين قبيح
ويقول:
إذا بلغ الصب الكمال من الهوى ... وغاب عن المذكور في سطوة الذكر
فيشهد صدقا حيث أشهده الهوى ... بأن صلاة العاشقين من الكفر
ويقول:
ألا أبلغ أحبائي بأني ... ركبت البحر وانكسر السفينة
على دين الصليب يكون موتي ... فلا البطحا أريد ولا المدينة
هذه نبذ من شعره توضح اعتقاده بالحلول وتصرح بكفره الذي أقر به على نفسه، بل اعتقد أن الكفر بدين الإسلام واجب عليه. فلا عجب بعد ذلك إذا ادعى الألوهية قائلا:
أنا الحق والحق للحق ... لابس ذاته فما ثم فرق (١)
وكان يكتب إلى أتباعه واصفا نفسه بالألوهية، ويستتر بين العامة بالتصوف. ومع ادعائه للألوهية كان يتكلم على طريقة فلاسفة الصوفية عن بدء العالم وكيف خلقه الله فيقول:
стр. 158
(تجلى الحق لنفسه في الأزل قبل أن يخلق الخلق، وقبل أن يعلم الخلق وجرى له في حضرة أحديته مع نفسه حديث لا كلام فيه ولا حروف، وشاهد سبحات ذاته في ذاته، في الأزل حيث كان الحق ولا شيء معه، نظر إلى ذاته فأحبها، وأثنى على نفسه فكان هذا تجليا لذاته في ذاته في صورة المحبة المنزهة عن كل وصف وكل حد، وكانت هذه المحبة علة الوجود والسبب في الكثرة الوجودية ثم شاء الحق سبحانه أن يرى ذلك الحب الذاتي ماثلا في صورة خارجية يشاهدها ويخاطبها فنظر في الأزل، وأخرج من العدم صورة من نفسه لها كل صفاته وأسمائه وهي آدم الذي جعله الله صورته أبد الدهر، ولما خلق آدم على هذا النحو عظمه ومجده فاختاره لنفسه، وكان من حيث ظهور الحق بصورته فيه وبه، هو هو) (١) فالحلاج في هذا النص يؤكد على مذهبه في الحلول، وأن الإله قد حل في آدم، فصار بذلك الإنسان الإلهي، أي الذي حلت روح الإله فيه. والمقصود بآدم عند الحلاج ومن- سلك مسلكه من فلاسفة الصوفية- هو النوع الإنساني ابتداء بآدم واستمرارا في الأنبياء حتى محمد ﷺ والأولياء من بعده. وكلام الحلاج في هذا النص كله من قبيل التصوف الفلسفي الوثني عن بداية الخلق متأثرا في ذلك بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة وقد كذبهم الله تعالى بقوله ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] (٢) لكن يهمنا في هذا المجال موقف الحلاج من الرسول ﷺ الذي يدور حول النور المحمدي! . إذ يرى الحلاج أن للنبي ﷺ صورتين مختلفتين:
(أ) صورته نورا أزليا قديما كان قبل أن يوجد العالم ومنه استمد كل علم وعرفان حيث أمد الأنبياء السابقين عليه والأولياء اللاحقين به.
стр. 159
(ب) ثم صورته نبيا مرسلا وكائنا محدثا تعين وجوده في مكان وزمان محدودين والنبي المرسل ﷺ إنما صدر في رسالته عن ذاك النور الأزلي القديم (١) يقول الحلاج:
(" طس " سراج من نور الغيب بدأ وعاد، وجاوز السراج وساد. قمر تجلى بين الأقمار. برجه في فلك الأسرار. . . ما أخبر إلا عن بصيرته، ولا أمر بسنته إلا عن حق سيرته، حضر فأحضر، وأبصر فخبر. . . أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور وأظهر وأقدم سوى نور صاحب الكرم. . . همته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم، واسمه سبق القلم لأنه كان قبل الأمم، ما كان في الآفاق وراء الآفاق ودون الآفاق. أظرف وأشرف وأعرف وأنصف وأرأف وأخوف وأعطف من صاحب هذه القضية وهو سيد البرية، الذي اسمه أحمد، ونعته أوحد، وأمره أوكد، وذاته أوجد، وصفته أمجد، وهمته أفرد، يا عجبا ما أظهره وأنظره وأكبره وأشهره وأقدره وأبصره، لم يزل، كان مشهورا قبل الحوادث والكوائن والأكوان، ولم يزل، كان مذكورا قبل القبل وبعد البعد. . هو الدليل وهو المدلول. . . بالحق موصول غير مفصول، ولا خارج عن المعقول. . . العلوم كلها قطرة من بحره. . . والأزمان كلها ساعة من دهره، الحق وبه الحقيقة، هو الأول في الوصلة، وهو الآخر في النبوة، والباطن بالحقيقة، والظاهر بالمعرفة. . . الحق ما أسلمه إلى خلقه، لأنه هو وإني هو، وهو هو) (٢) فهذا النص يدور حول النور المحمدي وأنه هو المصدر الذي استمد منه الأنبياء والرسل قبله، والأولياء من بعده هذا النور. ويؤكد الحلاج في هذا النص على قدم وجود النبي ﷺ وأسبقيته على وجود الكون. فيقول: " همته سبقت
стр. 160
الهمم ووجوده سبق العدم واسمه سبق القلم لأنه كان قبل الأمم ".
وبناء على ذلك نراه ينكر الوحي ويزعم أن الرسول جاء بالرسالة من ذاته وأخبر بها عن بصيرته. ويتمشى هذا منطقيا مع قوله بقدم النور المحمدي وأنه هو مصدر الوحي والإله أم لجميع الأنبياء والأولياء، ثم مع مذهبه في الحلول الذي يرى بأن الإله حل في آدم ثم الأنبياء من بعده. فلا حاجة مع ذلك إلى الوحي. وبذلك يكون الحلاج بمذهبه هذا قد حاول أن يصل بشخصية الرسول ﷺ عن طريق الغلو إلى ما وصلت إليه النصرانية بالغلو في عيسى إذ جعلوه الكلمة الإلهية الأزلية الحالة في الناسوت فقالوا عنه إنه ابن الله.
أما الحلاج ومن تابعه من الحلوليين فيرون أن محمدا ﷺ هو المظهر الذي حل فيه الإله أو الناسوت الذي حل فيه اللاهوت. ولم يكن هذا الحلول خاصا بالرسول بل تعدى إلى الأولياء من بعده، وهذا كفر أشنع من كفر النصارى لأن النصارى خصوا الحلول بعيسى، أما الحلاج فقد عممه في الأنبياء والأولياء على السواء.
على أنه ينبغي أن نلاحظ أن غلو الحلاج في الرسول ﷺ لم يكن نابعا من حبه له. وإنما كان هدفه من وراء ذلك الغلو هو ادعاؤه للألوهية وتصريحه بحلول الله فيه، ودعوة أتباعه إلى عبادته، طالما أن حلول الإله مستمر في الأولياء بعد الأنبياء بزعمه.
ولذلك حكم عليه فقهاء عصره بردته وإهدار دمه وقتله جزاء وفاقا لكفره وزندقته.
وقد كان مقتل الحلاج بسيف الشرع سببا مهما في استتار ملاحدة الصوفية بدعوتهم الباطنية الرامية إلى إخراج المسلمين من دينهم إلى الزندقة والكفر حتى لا يحصل لهم ما حصل للحلاج. فكانوا على حذر تام من الوقوع تحت سيف الشرع، فإذا وجدوا فرصة ضعف في المسلمين جاهروا بآرائهم، كما كان مقتل الحلاج سببا لإظهار عداوة ملاحدة الصوفية للفقهاء وتنفير أتباعهم منهم.
стр. 161
ولم تمت أفكار الحلاج بموته، بل امتد أثرها فيمن أتى بعده من الصوفية ويدل على ذلك ثناؤهم عليه وتصويبهم لمسلكه، وتأويلهم لعباراته وكفرياته وأنه مات شهيدا إلى غير ذلك من وجوه الدفاع الصادرة إما عن جاهل بحقيقة مذهب الحلاج، أو معتقد لمذهبه مدافع عنه.
قال الذهبي في معرض ترجمته للحلاج:
(فتدبر- يا عبد الله- نحلة الحلاج، الذي هو من رؤوس القرامطة، ودعاة الزندقة، وأنصف وتورع واتق الله في ذلك، وحاسب نفسك فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام، محب للرئاسة، حريص على الظهور بباطل وبحق، فتبرأ من نحلته، وأن تبرهن لك والعياذ بالله، أنه كان- والحالة هذه- محقا هاديا مهديا، فجدد إسلامك واستغث بربك أن يوفقك للحق وأن يثبت قلبك على دينه، فإنما الهدى نور يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله، وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به، أرحت نفسك، ولم يسألك الله عنه أصلا) (١)
стр. 162
[المطلب الثاني الغلو في الرسول ﷺ عند ابن عربي]
المطلب الثاني
الغلو في الرسول ﷺ عند ابن عربي انتهينا فيما سبق إلى أن الحلاج كان أول صوفي غلا في الرسول ﷺ بما يخرجه عن حد البشرية منطلقا من مذهبه في الحلول.
وجاء ابن عربي (١) .
الذي بدأ من حيث انتهى الحلاج ليقيم مذهبا فلسفيا صوفيا مبنيا على وحدة الوجود، وتفرع عن مذهبه في الوجود مذهبه في الحقيقة
стр. 163
المحمدية التي دان بها أكثر الصوفية وآمنوا بها إيمانا عميقا.
ويتمثل غلو ابن عربي في الرسول ﷺ في قوله بالحقيقة المحمدية، ولكي نفهم مقصوده بالحقيقة المحمدية لا بد أن نعرف بإيجاز مذهبه في وحدة الوجود.
مذهب ابن عربي في وحدة الوجود: إن القول بوحدة الوجود كمذهب فلسفي يحاول تفسير الوجود ومدى
стр. 164
علاقته بخالقه قول قديم جدا عرفه الفكر الفلسفي الوثني، وعن طريقه انتقل إلى أهل الأديان من يهود ونصارى، ثم انتقل إلى المتصوفة عن طريق ابن عربي الذي حاول جهده أن يصبغه بصبغة إسلامية (١) . ولم يكن هذا المذهب قد أخذ صورته الكاملة في المحيط الصوفي قبل ابن عربي الذي قرر مذهب وحدة الوجود في صورته النهائية ووضع له مصطلحا صوفيا كاملا استمده من كل مصدر وسعه أن يستمد منه، كعلم الكلام والفلسفة اليونانية والأفلاطونية الحديثة والغنوصية المسيحية وغيرها من الفلسفات، كما أنه استفاد من تراث متصوفة الإسلام المتقدمين عليه سواء منهم من كان في الأندلس أو في المشرق، كما اعتمد على الأحاديث الموضوعة وتأويلات الشيعة الباطنية للشريعة ونصوصها. ولكنه صبغ هذه المصطلحات والفلسفات بصبغته الخاصة وأعطى لكل منها معنى جديدا يتفق مع روح مذهبه العام في وحدة الوجود (٢) .
ويقوم مذهب ابن عربي في وحدة الوجود على أساس أن الوجود كله- بما فيه ومن فيه- واحد هو الله، وأن ما يوجد في الكون من مخلوقات فوجودها خيال أو وهم أو ظل بالنسبة لوجود الله (٣) . فالوجود عند ابن عربي كله واحد هو الله، والكثرة التي تشهدها الحواس إنما هي مجرد صور ومظاهر ومجال تتجلى فيها الصفات الإلهية. وليس هناك فرق حقيقي بين الوحدة والكثرة، أو بين الحق والخلق إلا من حيث الاعتبار والجهة أو النسب والإضافات أو الأسماء والصفات. فالحقيقة الوجودية واحدة في ذاتها متكثرة بصفاتها وأسمائها، فالله حق في ذاته، خلق من حيث صفاته، وصفاته عين ذات، فالخلق عين الحق، والحق هو الخلق (٤) . فالله- تعالى وتقدس- عند
стр. 165
ابن عربي هو الواحد والكثرة، وهو القديم والحديث: وهو الباطن والظاهر، وهو العبد وهو الرب.
يقول ابن عربي عن آله وحدة الوجود:
(فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن) (١) . فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من يبطن عنه، فهر ظاهر لنفسه، باطن عنه، وهو المسمى أبا سعيد الخراز، وغير ذلك من أسماء المحدثات. فيقول الباطن: لا إذا قال الظاهر أنا، ويقول الظاهر: لا إذا قال الباطن أنا، وهذا في كل ضد، والمتكلم واحد وهو عين السامع) (٢) . ويقول:
يا خالق الأشياء في نفسه ... أنت لما تخلقه جامع
تخلق ما لا ينتهي كونه في ... ك فأنت الضيق الواسع (٣)
ويقول:
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا ... وليس خلقا بذاك الوجه فادكروا
من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته ... وليس يدريه إلا من له بصر
جمع وفرق فإن العين واحدة ... وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر (٤) .
وحتى لا يظن ظان أن ابن عربي يفرق بين ذات الله وبين الخلق يقول: (. . . . وبالإخبار الصحيح أنه عين الأشياء، والأشياء محدودة، وإن اختلفت حدودها، فهو محدود بحد كل محدود فما يحد شيء إلا وهو حد الحق،
стр. 166
فهو الساري في مسمى المخلوقات والمبدعات، ولو لم يكن الأمر كذلك ما صح الوجود، فهو عين الوجود، (فهو على كل شيء حفيظ " بذاته " ولا يؤوده " حفظ شيء فحفظه تعالى للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشيء غير صورته. ولا يصح إلا هذا فهو الشاهد من الشاهد، والمشهود من المشهود، فالعالم صورته وهو روح العالم المدبر له فهو الإنسان الكبير.
فهو الكون كله ... وهو الواحد الذي
قام كوني بكونه ... ولذا قلت يغتذي
فوجودي غذؤه ... وبه نحن نحتذي
فبه منه أن نظرت ... بوجه تعوذي (١) .
وعلى ذلك فلا فرق بين الله والعالم عند ابن عربي، فالعالم بما فيه من مخلوقات هو الله، وليس ثم شيء آخر وراء هذا العالم عنده. وبهذا يكون ابن عربي بمذهبه في وحدة الوجود قد وصل إلى نهاية الكفر التي ليس وراءها شيء. وبناء على ذلك فهذا المذهب لا يؤمن بالخلق والإيجاد من العدم، وإنما الخلق عند ابن عربي هو عبارة عن التجلي الإلهي الدائم الذي لم يزل ولا يزال بظهور الحق في كل آن فيما لا يحصى عدده من صور الموجودات. فأصل كل وجود وسبب كل موجود عنده هو الفيض الإلهي المتصل الدائم (٢) . يقول ابن عربي:
(لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها، وإن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصر الأمر كله، لكونه متصفا بالوجود، ويجهر به سره إليه، فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته بنفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه
стр. 167
له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه فكان كمرآة غير مجلوة. ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ويقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول فيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال وما بقي إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس. فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] (١) كما ابتدأ منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم ((بالإنسان الكبير)) (٢) . هذا هو مذهب ابن عربي في وحدة الوجود ولسنا بصدد مناقشته وبيان مخالفته للإسلام (٣) .
لكن يهمنا هنا موقفه من الحقيقة المحمدية، وما هي علاقتها بمذهبه في وحدة الوجود؟
الحقيقة المحمدية عند ابن عربي: لما كان الله تنزه وتقدس- عند ابن عربي - يتجلى في صور المخلوقات باعتباره روح هذا العالم وكان الإنسان أعظم هذه المخلوقات، كان تجلي الحق فيه أعظم وأكمل. فالإنسان - في نظر ابن عربي - أكمل مجالي الحق باعتباره أرقى الموجودات. حيث جمع الصفات الحقيقة والخلقية، فصار صورة للعالم الأكبر، ولذلك يسميه ابن عربي بالمختصر الشريف، والكون الجامع لجميع حقائق الوجود
стр. 168
ومراتبه، فهو العالم الأصغر الذي انعكست في مرآة وجوده كل كمالات العالم الأكبر (الله) . أو كمالات الحضرة الإلهية الأسمائية والصفاتية. فأكمل الموجودات على الإطلاق هو الحق، وأكمل مظهر للحق هو الإنسان الكامل (١) . والإنسان الكامل عند ابن عربي هو الإنسان الذي تجلى فيه الحق، أكمل تجل وأعظمه، ولا يصدق هذا إلا على الأنبياء والأولياء. وأكمل هؤلاء جميعا هو محمد ﷺ . ولا يقصد ابن عربي بذلك شخص الرسول ﷺ بل يقصد به الحقيقة المحمدية الأزلية القديمة التي تعتبر. الروح التي ظهرت في الأنبياء والأولياء، أو التي كان الأنبياء والأولياء صورا لها ولذلك يسميها بالروح المحمدي أو روح الخاتم (خاتم الرسل) (٢) . فالحقيقة المحمدية- في نظر ابن عربي - هي أكمل مجلى خلقي ظهر فيه الحق، بل يعتبرها الإنسان الكامل والخليفة الكامل بأخص معانيه. وكمال الشيء عنده متوقف على عدد الأسماء والصفات الإلهية المتجلية فيه، فإذا كان كل واحد من الموجودات يعتبر مجلى خاصا لبعض الأسماء الإلهية التي هي أرباب له، فإن محمدا ﷺ عند ابن عربي - قد انفرد بأنه مجلى للاسم الأعظم الجامع لجميع تلك الأسماء، وهو الله. ولهذا كانت له مرتبة الجمعية المطلقة (جمع كمالات الأسماء والصفات) ومرتبة التعين (التجلي) الأول الذي تعينت به الذات الأحدية. ومعنى ذلك أن الحقيقة المحمدية هي أول شيء تجلى فيه الحق وظهر، وإن شئت قلت إنها هي الحق ذاته ظاهرا لنفسه في أول تعين من تعيناته في صورة العقل الحاوي لكل شيء، المتجلي في كل كائن عاقل (٣) . ولذلك يعرف غلاة الصوفية الحقيقة المحمدية بأنها (هي الذات مع التعين الأول، وهو الاسم الأعظم) (٤) .
стр. 169
هذا هو مقصود ابن عربي ومن أتى بعده بالحقيقة المحمدية أو الروح المحمدي وهي شيء مختلف عندهم تماما عن شخصية النبي ﷺ بل ليس بينهما من الصلة على كما بين الحقيقة المحمدية وأي نبي من الأنبياء أو رسول من الرسل أو ولي من الأولياء (١) . يقول ابن عربي في إحدى صلواته:
(اللهم أفض صلة صلواتك وسلامة تسليماتك على أول التعينات المفاضة من العماء الرباني وآخر التنزلات المضافة إلى النوع الإنساني، المهاجر من مكة " كان الله ولم يكن مع شيء ثان " إلى مدينة " وهو الآن على ما عليه كان " محصي عوالم الحضرات الإلهية الخمس في وجوده، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] (٢) نقطة البسملة الجامعة لما يكون ولما كان، ونقطة الأمر الجوالة بدوائر الأكوان، سر الهوية التي في كل شيء سارية، وعن كل شيء مجردة وعارية. . كلمة الاسم الأعظم، وفاتحة الكنز المطلسم، المظهر الاسم الجامع بين العبودية والربوبية. . . والنفس الرحماني الساري بمواد الكلمات التامات، الفيض الأقدس الذاتي الذي تعينت به الأعيان واستعداداتها، والفيض المقدس الصفاتي الذي تكونت به الأكوان واستمداداتها، مطلع شمس الذات في سماء الأسماء والصفات ومنبع الإفاضات في رياض النسب والإضافات، خط الوحدة بين قوسي الأحدية والواحدية. . . ومركز إحاطة الباطن والظاهر. . . . اللهم يا رب يا من ليس حجابه إلا النور، ولا خفاؤه إلا شدة الظهور، أسألك بك. . . أن تصلي على سيدنا. محمد صلاة تكحل بها بصيرتي بالنور المرشوش في الأزل لأشهد فناء ما لم يكن وبقاء ما لم يزل، وأرى الأشياء كما هي في أصلها معدومة مفقودة، وكونها لم تشم رائحة الوجود فضلا عن كونها موجودة) (٣) .
ويتضح من هذا النص كفر
стр. 170
ابن عربي وغلوه في الحقيقة المحمدية حتى جعلها مساوية للحقيقة الإلهية. ويبدو هذا واضحا في عباراته السابقة التي منها:
- المهاجر من مكة كان الله ولم يكن معه شيء ثان. أي أن المهاجر من مكة وهو الرسول ﷺ ، كان الله.
- كلمة الاسم الأعظم (الله.) .
- الفيض الأقدس الذاتي الذي تعينت به الأعيان واستعداداتها ومعنى ذلك أن الموجودات تعينت وتحددت بفيضه عليها.
- ثم يتجلى لنا مدى خبثه في لي النصوص وتأويلها لخدمة مذهبه الزائغ. ويقول ابن عربي في رسالة شجرة الكون:
" لما قبض الله آدم من قبضة تراب (كن) مس على- ظهره حتى يميز الخبيث من الطيب فاستخرج من ظهره من كان من أصحاب اليمين ومن كان من أصحاب الشمال. ثم اعتصر من شجرة (كن) صفوة عنصرها، ومخضها حتى بدت زبدتها، ثم صفاها وألقى عليها من نور هدايته، حتى ظهر جوهرها ثم غمسها في بحر الرحمة، ثم خلق منها نور نبينا محمد ﷺ ، ثم زينه بنور الملأ الأعلى حتى أضاء وعلا، ثم جعل ذلك النور أصلا لكل نور، فهو أولهم في السطور وآخرهم في الظهور " (١) .
وواضح أن ابن عربي هنا قد صاغ هذه الفكرة بأسلوب صوفي بعيد عن التركيب الفلسفي الذي نراه في كتبه وبالأخص فصوص الحكم والفتوحات المكية، وهو في هذا متأثر بسلفه الحلاج حيث قال: " أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار
стр. 171
نور أنور وأظهر وأقدم من القدم سوى نور صاحب الكرم، همته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم واسمه سبق القلم لأنه كان قبل الأمم " (١) . هذا هو مفهوم الحقيقة المحمدية عند ابن عربي فما هي خصائصها وما علاقتها بالعالم المادي والروحي كما للحقيقة المحمدية- عند ابن عربي - عدة وظائف في العالم المادي والروحي فمن ناحية صلتها بالعالم المادي تعتبر مبدأ خلق العالم إذ هي النور الذي خلقه الله قبل كل شيء وخلق منه كل شيء، كما يقول ابن عربي (بدء الخلق الهباء وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية) (٢) .
، ويقول (أنه سبحانه تجلى بنوره إلى " ذلك الهباء. . . فقبل منه تعالى كل شيء في ذلك الهباء وعلى حسب قوته واستعداده كما تقبل زوايا البيت نور السراج، وعلى قدر قربه من ذلك النور يشتد ضوؤه وقبوله. قال تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] (٣) فشبه نوره بالمصباح فلم يكن أقرب إليه قبولا في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد ﷺ المسماة بالعقل فكان سيد العالم بأسره، وأول ظاهر في الوجود، فكان وجوده من ذلك النور الأزلي ومن الهباء ومن الحقيقة الكلية وفي الهباء وجد عينه، وعين العالم من تجليه وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب (٤) . وأسرار الأنبياء أجمعين (٥) ومن ناحية صلتها بالإنسان يعتبرها ابن عربي صورة كاملة للإنسان الكامل الذي يجمع في نفسه جميع حقائق الوجود ولذلك يسميها آدم الحقيقي والحقيقة الإنسانية (٦) . أما من ناحية صلتها بالعالم الروحي فيعتبرها مصدر كل وحي وإلهام وكشف للأنبياء والأولياء على السواء فهي منبع الوحي والعلم الباطني، والأصل الذي يأخذ عنه الأنبياء والأولياء.
стр. 172
يقول ابن عربي:
" فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم من أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود، وهو قوله ﷺ : " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين! (١) . وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث " (٢) . وبذلك تكون الحقيقة المحمدية مشابهة للقطب أو الإمام المعصوم لدى الشيعة الإسماعيلية الذي يتجلى في كل زمان في صورة قطب ذلك الزمان (٣) . هذا هو مقصود ابن عربي ومن أتى بعده بالحقيقة المحمدية.
وقد تأثر ابن عربي بمن سبقه من المتصوفة لاسيما الحلاج في قوله بقدم النور المحمدي، كما أنه استفاد من كل ما سبقه من فلسفات يونانية وهندية، ومصرية وعقائد يهودية ونصرانية. كما كان لعقائد الشيعة والباطنية وتأويلاتهم لنصوص الشرع، وآرائهم الهدامة نصيب كبير في فكر ابن عربي. كما سبق أن بينا ذلك ولكن ابن عربي حاول أن يصبغ مذهبه في الحقيقة المحمدية بصبغة إسلامية باحثا له عن أسس يعتمد عليها. من تأويل لآيات القرآن ونصوص الحديث، ومن أكثر ما يستدل به الأحاديث الواردة في قدم ذات النبي ﷺ مثل حديث: مثل حديث: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " ويروى: " كنت نبيا ولا آدم ولا ماء ولا طين " (٤) ومنها حديث كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث فبدأ بي قبلهم " (٥) . ومنها حديث النور المنسوب إلى مصنف عبد الرزاق عن جابر بن
стр. 173
عبد الله ﵁ قال: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء؟ كما قال النبي ﷺ : " إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور في القدر حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك، ولا سماء، ولا أرض، ولا شمس، ولا قمر، ولا جني، ولا إنسي، فلما أراد أن يخلق الخلق، قسم ذلك النور أربعة أجزاء:
١ - فخلق من الجزء الأول: القلم.
٢ - ومن الثاني: اللوح.
٣ - ومن الثالث: الجنة والنار.
٤ - ثم قسم الرابع أربعة أجزاء:
(أ) فخلق من الأول: نور أبصار المؤمنين.
(ب) ومن الثاني: نور قلوبهم - وهو المعرفة بالله.
(ب) ومن الثالث: نور أنسهم - وهو التوحيد - لا إله إلا الله، محمد رسول الله. . . الحديث " (١) . .
ومما يسوقه الصوفية في هذا الباب ويعدونه حديثا قولهم: " إن الله ﵎ خلق نور محمد ﷺ قبل خلق آدم بألفي عام وجعله في عمود أمام عرشه يسبح الله ويقدسه ثم خلق آدم ﵊ من نور محمد ﷺ وخلق نور النبيين - عليهم الصلاة والسلام - من نور آدم ﵊ " (٢) . .
وما ذكروه ليس حديثا إنما هو مجرد قول توارثوه وليس هناك ما يدل على ثبوته فلا أصل له.
стр. 174
مناقشة ابن عربي في الحقيقة المحمدية: يريد ابن عربي من وراء استدلاله بالأحاديث السابقة أن يقرر أن النبي ﷺ كان موجودا بحقيقته قبل الخلق وأن نوره هو مبدأ الخلق ومادته ليقوى بذلك نظريته في الحقيقة المحمدية.
يقول ابن عربي:
" فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود وهو قوله ﷺ : " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بعث " (١) . .
وهذا كلام باطل فإن الأنبياء لا يأخذ أحد منهم عن آخر إلا من كان مأمورا باتباع شريعته كأنبياء بني إسرائيل الذين أمروا باتباع التوراة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤] ) (٢) . الآية.
وأما إبراهيم وموسى وعيسى فلم يأخذ أحدهم عن الآخر كما لم يأخذوا عن محمد، ﷺ ، وإن بشروا به وآمنوا به.
كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] ) (٣) . الآية.
قال على بن أبي طالب وابن عباس ﵄:
(ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه) (٤) . .
стр. 175
واعتقاد ابن عربي أن النبي ﷺ كان بحقيقته موجودا استنادا إلى حديث " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " اعتقاد باطل لبطلان هذا الحديث وعدم صحته وثبوته وعلى فرض صحته فإنه لا يؤدى إلى نفس المعنى لأن الأشياء لا تكون موجودة بحقائقها إلا حين توجد، ولا فرق في ذلك بين الأنبياء وغيرهم ولم تكن حقيقته ﷺ موجودة قبل أن يخلق إلا ما كانت حقيقة غيره بمعنى أن الله علمها وقدرها.
لكن كان ظهور خبره واسمه مشهورا أعظم من غيره، فإنه كان مكتوبا في التوراة والإنجيل وقبل ذلك (١) كما روى الإمام أحمد في مسنده عن العرباض ابن سارية، عن النبي ﷺ قال: «إني عبد الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات النبيين صلوات الله عليهم» (٢) . .
وحديث ميسرة الفجر: «قلت يا رسول الله، متى كنت نبيا؟ وفي لفظ متى كتبت نبيا؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد» (٣) . .
قال ابن تيمية:
(ولهذا يغلط كثير من الناس في قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه ميسرة قال: «قلت يا رسول الله متى كنت نبيا؟ وفي رواية - متى كتبت نبيا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد» . فيظنون أن ذاته ونبوته وجدت حينئذ، وهذا جهل فإن الله إنما نبأه على رأس أربعين من عمره وقد قال له: (. . ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] (٤) .
стр. 176
. . ومن قال أن النبي ﷺ كان نبيا قبل أن يوحى إليه فهو كافر باتفاق المسلمين، وإنما المعنى أن الله كتب نبوته فأظهرها وأعلنها بعد خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه، كما أخبر أنه يكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقاوته وسعادته بعد خلق جسده، وقبل نفخ الروح فيه. . . . وكثير من الجهال المصنفين وغيرهم يرويه " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " " وآدم لا ماء ولا طين " ويجعلون ذلك وجوده بعينه وآدم لم يكن بين الماء والطين بل الماء بعض الطين لا مقابله " (١) . .
وإذا ثبت بطلان كون الرسول ﷺ موجودا بحقيقته قبل خلق السماوات والأرض فقد انهدم أكبر أساس بنى عليه ابن عربي نظريته في الحقيقة المحمدية.
ثم إن قوله إن الحقيقة المحمدية هي أكبر مظهر تجلى فيه الإله أو أنها هي الله متعينا في أول تعيناته قول لا دليل عليه - فوق أنه كفر - بل الدليل قائم على بطلانه عقلا وشرعا لأن الخالق غير المخلوق، ولو قلنا بأن الخالق هو المخلوق لما كان هناك خلق أصلا.
وهو الذي يؤمن به ابن عربي إذ حاصل كلامه إنكار الخلق والقول بقدم العالم، وقوله عن الحقيقة المحمدية بأنها مبدأ خلق العالم وسبب وجوده. قول مصادم للنصوص الشرعية التي بينت أن مبدأ خلق العالم هو الماء والعرش كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] (٢) . الآية.
وقوله ﷺ : «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء» . . . " (٣) . الحديث (٤) . . الحديث.
стр. 177
كما بين القرآن أن الغاية من الخلق هي أن يعبد الله بما شرع، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) .
وقول ابن عربي بأن الحقيقة المحمدية هي التي أمدت الأنبياء والأولياء بالعلم الباطن قول ينفي الوحي والنبوة والرسالة، إذ النبوة والرسالة متوقفة على الوحي الذي نزل به الملك على كل نبي.
والنتيجة التي يريد ابن عربي أن يصل إليها هي الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. واتخذ ابن عربي في سبيل تحقيق ذلك. الغلو في الرسول ﷺ بدرجة مساواته بالله ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وقد يتوهم بعض الناس حين يظن أن معنى هذا الكلام أننا ننفى أن الرسول ﷺ نور كما وصفه القرآن بذلك.
والحق أنه ليس معنى وصف النبي ﷺ بأنه نور. أنه مخلوق من نور كما يزعم الصوفية، وإنما معناه أنه ﷺ هاد لمن اتبعه، منير له طريق الهدى وسبيل الرشاد بإذن ربه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] (٢) . وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] (٣) .
قال ابن جرير في تفسير هذه الآية:
(يقول جل شأنه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور. يعنى بالنور محمدا ﷺ الذي أنار الله به الحق وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك فهو نور لمن استنار به يبين الحق) (٤) .
стр. 178
ولو كان المراد من ذلك أن الرسول ﷺ مخلوق من نور لصرح القرآن بذلك أتم تصريح ووضحه أوضح بيان، ولما كان هناك داع لوصفه بالبشرية. ولكننا نجد نصوص الشرع تؤكد على بشرية الرسول ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] (١) .
وأخرج البخاري بسنده عن أم سلمة أن الرسول ﷺ قال: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» (٢) .
وأخرج مسلم بسنده عن عبد الله بن مسعود قال. «صلى بنا رسول الله ﷺ خمسا فقلنا يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال وما ذاك؟ قالوا صليت خمسا. قال " إنما أنا بشر مثلكم. أذكركما تذكرون. وأنسى كما تنسون " ثم سجد سجدتي السهو» (٣) . .
فالنبي ﷺ نور بالمعنى القرآني - لا كما يزعم الصوفية - وهو بشر كغيره من الأنبياء السابقين. وصلته بربه صلة العبد المخلوق بمولاه كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (٤) . وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] (٥) .
فوصفه الله بالعبودية في أشرف مقاماته ﷺ وهو مقام القرب من ربه.
стр. 179
ما هو مقصد ابن عربي من الغلو في الرسول ﷺ ؟ لا شك أن ابن عربي قد خرج من الإسلام إلى كفر أشنع من كفر اليهود والنصارى وسائر الكفرة والمشركين بآرائه في وحدة الوجود وما تفرع عنها كالحقيقة المحمدية وغيرها من توابع مذهبه.
ولما كان ابن عربي قد جمع فنونا كثيرة من العلوم والمعارف والفلسفات والأديان الموجودة في عصره، مع خبث ودهاء وزندقة، أراد أن يتخذ من الغلو في الرسول ﷺ ذريعة لادعائه النبوة وأنه هو خاتم الأولياء الذي هو في نظره أفضل من خاتم الأنبياء.
يقول ابن عربي عن نبوة الأولياء:
(اعلم أيدك الله أن النبي هو الذي يأتيه الوحي من عند الله، يتضمن ذلك الوحي شريعة يتعبد بها في نفسه. فإن بعث إلى غيره كان رسولا. . . وهذا باب قد أغلق برسول الله ﷺ فلا سبيل أن يتعبد الله أحدا بشريعة ناسخة لهذه الشريعة المحمدية.
وأما حالة أنبياء الأولياء في هذه الأمة فهو كل شخص أقامه الحق في تجل من تجلياته، وأقام له مظهر محمد ﷺ ومظهر جبريل ﵇. فأسمعه ذلك المظهر الروحاني خطاب الأحكام المشروعة لمظهر محمد ﷺ حتى إذا فرغ من خطابه وفزع عن قلب هذا الولي عقل صاحب هذا المشهد جميع ما تضمنه ذلك الخطاب من الأحكام المشروعة الظاهرة في هذه الأمة المحمدية، فيأخذها هذا الولي كما أخذها المظهر المحمدي) (١) . .
وأما عن ادعائه بأنه خاتم الأولياء الذي هو في نظره أفضل من خاتم الأنبياء فيقول:
فأتى به ختم الولاية مثل ما ... ختم النبوة بالنبي المرسل
ولنا من الختمين حظ وافر ... ورثا أتانا في الكتاب المنزل (٢)
стр. 180
وقال:
أنا خاتم للأولياء كما أتى ... بأن ختام الأنبياء محمدا
ختام خصوص لا ختام ولاية ... تعم فإن الختم عيسى المؤيدا (١)
وعلاقة عيسى ﵇ بموضوع خاتم الأولياء لأن ابن عربي يرى أن ختم الولاية نوعان عام وخاص. فختم الولاية العامة لعيسى ﵇ الذي ينزل آخر الزمان نبيا وليا يحكم بشريعة محمد ﵊. أما ختم الولاية الخاص فهي المرتبة التي ادعاها ابن عربي لنفسه وأضفى عليها عدة صفات وخصائص من أهمها:
القول بقدم خاتم الأولياء: كما هو الحال بالنسبة لخاتم الأنبياء عنده فكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية (٢) .
أن خاتم الأولياء مصدر علوم الأولياء والأنبياء: فكما أن خاتم الأنبياء عند ابن عربي هو مصدر كل علم ومشكاته، فكذلك خاتم الأولياء هو المشكاة التي يأخذ منها كل ولي علمه الباطن.
يقول ابن عربي:
(وليس هذا العلم (أي العلم بوحدة الوجود) إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم) (٣) . .