← Акыда

Акыда · id 30862

محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

عبد الرءوف محمد عثمان

Полный текст (315 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

. . ومن قال أن النبي ﷺ كان نبيا قبل أن يوحى إليه فهو كافر باتفاق المسلمين، وإنما المعنى أن الله كتب نبوته فأظهرها وأعلنها بعد خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه، كما أخبر أنه يكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقاوته وسعادته بعد خلق جسده، وقبل نفخ الروح فيه. . . . وكثير من الجهال المصنفين وغيرهم يرويه " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " " وآدم لا ماء ولا طين " ويجعلون ذلك وجوده بعينه وآدم لم يكن بين الماء والطين بل الماء بعض الطين لا مقابله " (١) . . وإذا ثبت بطلان كون الرسول ﷺ موجودا بحقيقته قبل خلق السماوات والأرض فقد انهدم أكبر أساس بنى عليه ابن عربي نظريته في الحقيقة المحمدية. ثم إن قوله إن الحقيقة المحمدية هي أكبر مظهر تجلى فيه الإله أو أنها هي الله متعينا في أول تعيناته قول لا دليل عليه - فوق أنه كفر - بل الدليل قائم على بطلانه عقلا وشرعا لأن الخالق غير المخلوق، ولو قلنا بأن الخالق هو المخلوق لما كان هناك خلق أصلا. وهو الذي يؤمن به ابن عربي إذ حاصل كلامه إنكار الخلق والقول بقدم العالم، وقوله عن الحقيقة المحمدية بأنها مبدأ خلق العالم وسبب وجوده. قول مصادم للنصوص الشرعية التي بينت أن مبدأ خلق العالم هو الماء والعرش كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] (٢) . الآية. وقوله ﷺ : «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء» . . . " (٣) . الحديث (٤) . . الحديث.

стр. 177

كما بين القرآن أن الغاية من الخلق هي أن يعبد الله بما شرع، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) . وقول ابن عربي بأن الحقيقة المحمدية هي التي أمدت الأنبياء والأولياء بالعلم الباطن قول ينفي الوحي والنبوة والرسالة، إذ النبوة والرسالة متوقفة على الوحي الذي نزل به الملك على كل نبي. والنتيجة التي يريد ابن عربي أن يصل إليها هي الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. واتخذ ابن عربي في سبيل تحقيق ذلك. الغلو في الرسول ﷺ بدرجة مساواته بالله ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقد يتوهم بعض الناس حين يظن أن معنى هذا الكلام أننا ننفى أن الرسول ﷺ نور كما وصفه القرآن بذلك. والحق أنه ليس معنى وصف النبي ﷺ بأنه نور. أنه مخلوق من نور كما يزعم الصوفية، وإنما معناه أنه ﷺ هاد لمن اتبعه، منير له طريق الهدى وسبيل الرشاد بإذن ربه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] (٢) . وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] (٣) . قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: (يقول جل شأنه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور. يعنى بالنور محمدا ﷺ الذي أنار الله به الحق وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك فهو نور لمن استنار به يبين الحق) (٤) .

стр. 178

ولو كان المراد من ذلك أن الرسول ﷺ مخلوق من نور لصرح القرآن بذلك أتم تصريح ووضحه أوضح بيان، ولما كان هناك داع لوصفه بالبشرية. ولكننا نجد نصوص الشرع تؤكد على بشرية الرسول ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] (١) . وأخرج البخاري بسنده عن أم سلمة أن الرسول ﷺ قال: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» (٢) . وأخرج مسلم بسنده عن عبد الله بن مسعود قال. «صلى بنا رسول الله ﷺ خمسا فقلنا يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال وما ذاك؟ قالوا صليت خمسا. قال " إنما أنا بشر مثلكم. أذكركما تذكرون. وأنسى كما تنسون " ثم سجد سجدتي السهو» (٣) . . فالنبي ﷺ نور بالمعنى القرآني - لا كما يزعم الصوفية - وهو بشر كغيره من الأنبياء السابقين. وصلته بربه صلة العبد المخلوق بمولاه كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (٤) . وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] (٥) . فوصفه الله بالعبودية في أشرف مقاماته ﷺ وهو مقام القرب من ربه.

стр. 179

ما هو مقصد ابن عربي من الغلو في الرسول ﷺ ؟ لا شك أن ابن عربي قد خرج من الإسلام إلى كفر أشنع من كفر اليهود والنصارى وسائر الكفرة والمشركين بآرائه في وحدة الوجود وما تفرع عنها كالحقيقة المحمدية وغيرها من توابع مذهبه. ولما كان ابن عربي قد جمع فنونا كثيرة من العلوم والمعارف والفلسفات والأديان الموجودة في عصره، مع خبث ودهاء وزندقة، أراد أن يتخذ من الغلو في الرسول ﷺ ذريعة لادعائه النبوة وأنه هو خاتم الأولياء الذي هو في نظره أفضل من خاتم الأنبياء. يقول ابن عربي عن نبوة الأولياء: (اعلم أيدك الله أن النبي هو الذي يأتيه الوحي من عند الله، يتضمن ذلك الوحي شريعة يتعبد بها في نفسه. فإن بعث إلى غيره كان رسولا. . . وهذا باب قد أغلق برسول الله ﷺ فلا سبيل أن يتعبد الله أحدا بشريعة ناسخة لهذه الشريعة المحمدية. وأما حالة أنبياء الأولياء في هذه الأمة فهو كل شخص أقامه الحق في تجل من تجلياته، وأقام له مظهر محمد ﷺ ومظهر جبريل ﵇. فأسمعه ذلك المظهر الروحاني خطاب الأحكام المشروعة لمظهر محمد ﷺ حتى إذا فرغ من خطابه وفزع عن قلب هذا الولي عقل صاحب هذا المشهد جميع ما تضمنه ذلك الخطاب من الأحكام المشروعة الظاهرة في هذه الأمة المحمدية، فيأخذها هذا الولي كما أخذها المظهر المحمدي) (١) . . وأما عن ادعائه بأنه خاتم الأولياء الذي هو في نظره أفضل من خاتم الأنبياء فيقول: فأتى به ختم الولاية مثل ما ... ختم النبوة بالنبي المرسل ولنا من الختمين حظ وافر ... ورثا أتانا في الكتاب المنزل (٢)

стр. 180

وقال: أنا خاتم للأولياء كما أتى ... بأن ختام الأنبياء محمدا ختام خصوص لا ختام ولاية ... تعم فإن الختم عيسى المؤيدا (١) وعلاقة عيسى ﵇ بموضوع خاتم الأولياء لأن ابن عربي يرى أن ختم الولاية نوعان عام وخاص. فختم الولاية العامة لعيسى ﵇ الذي ينزل آخر الزمان نبيا وليا يحكم بشريعة محمد ﵊. أما ختم الولاية الخاص فهي المرتبة التي ادعاها ابن عربي لنفسه وأضفى عليها عدة صفات وخصائص من أهمها: القول بقدم خاتم الأولياء: كما هو الحال بالنسبة لخاتم الأنبياء عنده فكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية (٢) . أن خاتم الأولياء مصدر علوم الأولياء والأنبياء: فكما أن خاتم الأنبياء عند ابن عربي هو مصدر كل علم ومشكاته، فكذلك خاتم الأولياء هو المشكاة التي يأخذ منها كل ولي علمه الباطن. يقول ابن عربي: (وليس هذا العلم (أي العلم بوحدة الوجود) إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم) (٣) . .

стр. 181

ولكن ابن عربي لم يكتف بهذا الادعاء حتى زعم أن الأنبياء والمرسلين من حيث كونهم أولياء يأخذون من مشكاة خاتم الأولياء الذي هو ابن عربي نفسه. أما من حيث كونهم أنبياء ومرسلين فيأخذون من مشكاة خاتم المرسلين. ومعنى هذا أن لعلوم الأنبياء والمرسلين اعتبارين: أحدهما: علوم النبوة والرسالة والتي هي الشريعة والأحكام الظاهرة وهذه يستمدها كل نبي من مشكاة خاتم الأنبياء. الثاني: علوم الولاية. التي هي الحقائق والعلوم الباطنة فهذه يستمدها الأنبياء والأولياء من مشكاة خاتم الأولياء (١) . وبذلك يكون ابن عربي قد فضل نفسه على جمع الأنبياء والمرسلين بهذا الكلام الذي هو من وحي الشيطان، وفيه من الكفر والتنقيص للرسل والاستخفاف بهم والكفر بما جاءوا به ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة. وليس هناك اسم شرعي لما يسمى بخاتم الأولياء، وإنما هو منصب صوفي مبتدع لا دليل عليه من الشرع. نخلص من هذا إلى أن ابن عربي ومن قبله الحلاج، ومن تبعهم من ملاحدة الصوفية لم يصدروا في غلوهم في الرسول ﷺ عن محبته وتعظيمه واتباع شريعته. وإنما كان مقصدهم من هذا الغلو تعظيم ذواتهم ودعوة المخدوعين من أتباعهم إلى عبادتهم. وهدم الدين الذي جاء به محمد ﷺ ، وإذهاب هيبته من النفوس. فضررهم على دين الإسلام أشد من ضرر اليهود والنصارى وملل الكفر مجتمعة فيجب على كل من له بصيرة وكل طالب للحق محب لرسول الله ﷺ

стр. 182

أن يعرف حقيقة مذهب هؤلاء وضلالهم وكفرهم حتى لا يخدع بهم وبباطلهم. كما يجب على أهل العلم والدعاة أن يبينوا للناس حقيقة كفر ابن عربي وأمثاله وضلال مذهبه لإنقاذ عامة الصوفية من افتتانهم بهؤلاء الملاحدة. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] (١) .

стр. 183

[المبحث الخامس آثار الغلو في الرسول ﷺ على الاعتقاد والأعمال] المبحث الخامس آثار الغلو في الرسول ﷺ على الاعتقاد والأعمال لا شك أن الغلو من أكبر أسباب الانحراف بالدين عن الصراط المستقيم. وقد كان للغلو في الرسول ﷺ أكبر الأثر في إفساد حقائق الدين وتشويه معالمه، ولم ينحصر هذا الإفساد على جانب دون آخر بل عم الدين كله اعتقادا وعملا وسلوكا، وسأتحدث في هذا المبحث بإيجاز عن دور غلاة الصوفية في إفساد العقيدة والعبادة بسبب غلوهم في الرسول ﷺ . أولا - في الاعتقاد: (أ) في جانب الألوهية: يؤمن المسلمون بأن الله متفرد بالخلق والتدبير والألوهية والربوبية، وأن الله واحد لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله، فجاء ملاحدة الصوفية وزعموا أن محمدا ﷺ شريك مع الله في الخلق والتدبير وكشف الضر وجلب النفع إلى غير ذلك من صنوف الشرك، وكتب الصوفية وصلواتهم مشحونة بذلك. يقول البوصيرى (١) في البردة التي يترنم بها ملايين الصوفية:

стр. 184

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حدوث الحادث العمم ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم (١) فهذا الشاعر خلع على رسول الله ﷺ من أوصاف الربوبية والألوهية ما لا يليق وصف أحد به إلا الله وحده، فجعل الرسول وحده ملاذه ومعاذه عند حلول الخطوب ونزول الشدائد ثم نسب إلى الرسول الشفاعة مطلقا كما يعتقده المشركون في الشفاعة الشركية التي تكون بدون إذن ولا رضى من المشفوع عنده وإنما تكون بجاه الشافع ومكانته فقط. ثم نراه يجعل الدنيا والآخرة من جوده، وأن علم اللوح والقلم من بعض علومه وهذا مع ما فيه من الشرك كفر بالله . لأن كل ما ذكره من أوصاف الربوبية والألوهية لا يجوز بأي حال من الأحوال وصف أي مخلوق بها وإنما أي من صفات الخالق وحده. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] (٢) وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] (٣) . وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] ) (٤) الآية. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (٥) . ويقول البكري (٦) في قصيدة له:

стр. 185

ولذ به في كل ما ترتجي ... فإنه المأمن والمعقل وناده إن أزمة أنشبت ... أظفارها واستحكم المعضل يا أكرم الخلق على ربه ... وخير من فيهم به يسئل قد مسني الكرب وكم مرة ... فرجت كربا بعضه يعضل فبالذي خصك بين الورى ... برتبة عنها العلا تنزل عجل بإذهاب الذي اشتكى ... فإن توقفت فمن أسأل (١) وهذا مع ما فيه من شرك قدح في الألوهية وتفرد الله بتدبير الكون وحده، ولم يتوقف شركهم وكفرهم عند هذا الحد حتى زعموا أن محمدا عين ذات الله وهو من الحق بمنزلة إنسان العين من العين وأنه روح الله المنفوخ في آدم. يقول أحمد بن إدريس (٢) في إحدى صلواته: " اللهم صل على الكنه الذاتي والقدس الصفاتي، نور الأسماء، ورداء الكبرياء، أزار العظمة الإلهية، عين الإحاطة الذاتية، تجليات الغيب والشهادة، روح حياة الماء، الروح الإلهي، والنور البهاء، رحمة الوجود وعلم الشهادة صلاة ذاتية أزلية أبدية. اللهم وسلم عليه مثل ذلك " (٣) . ويقول صاحب دلائل الخيرات: " اللهم صل على سيدنا محمد بحر أنوارك ومعدن أسرارك، ولسان حجتك وعروس مملكتك، وإمام حضرتك، وطراز ملكك، وخزائن رحمتك، وطريق

стр. 186

شريعتك المتلذذ بتوحيدك إنسان عين الوجود والسبب في كل موجود عين أعيان خلقك المتقدم من نور ضيائك صلاة تدوم بدوامك وتبقى ببقائك لا منتهي لها دون علمك صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين " (١) . ويقول صاحب كتاب النفحات الأقدسية في خطبة كتابه: (نحمدك اللهم يا من صلى على محمد بفيض ذاته فكان مجلى له في جميع تجلياته فهو روح الله المنفوخ في صورة آدم. وطامة الحقائق الكبرى لسائر العالم فلا يصل واصل إلا إليه ولا يهتدي حائر إلا به فيه عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله ولا موجود في هذا الوجود إلا إياه وأشهد أن محمدا ﷺ إنسان عين ذاته وسر إمداداته) (٢) . ويقول عبد الكريم الجيلي (٣) (اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس، ويظهر في كنائس، فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين. . . واعلم أن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية بنفسه، فيقابل الحقائق العلوية بلطافته، ويقابل الحقائق السفلية بكثافته. . ثم اعلم أن الإنسان الكامل هو الذي يستحق الأسماء الذاتية والصفات

стр. 187

الإلهية استحقاق الأصالة والملك بحكم المقتضى الذاتي فإنه المعبر عن حقيقته بتلك العبارات، والمشار إلى لطيفته بتلك الإشارات ليس لها مستند في الوجود إلا الإنسان الكامل، فمثاله للحق مثال المرآة التي لا يرى الشخص صورته إلا فيها، وإلا فلا يمكنه أن يرى نفسه إلا بمرآة الاسم " الله " فهو مرآته، والإنسان الكامل أيضا مرآة الحق. فإن الحق تعالى أوجب على نفسه ألا ترى أسماؤه ولا صفاته إلى في الإنسان الكامل) (١) وتصور كلامهم في هذا الباب كاف لإثبات بطلانه (٢) . (ب) أما اعتقادهم في الرسول ﷺ فيخالف اعتقاد عامة المسلمين في جوانب كثيرة: فإذا كان المسلمون يعتقدون أن محمدا ﷺ وجميع الأنبياء والرسل من قبله بشر مثل بقية البشر في كل شيء غير أنهم مفضلون بالوحي وبخصائص تناسب نبوتهم ورسالتهم. وهذا هو الاعتقاد الصحيح الذي نطق به القرآن والسنة وأجمع عليه المسلمون على مر العصور. حتى جاء ملاحدة الصوفية وحولوا أتباعهم عن هذا الاعتقاد الصحيح إلى عقيدة وثنية تجعل من محمد ﷺ المجلي الأعظم للذات الإلهية وأنه الواسطة بين الوجود المطلق وهو الله وبين عالم الطبيعة وبالتنزل صار محمدا هو الإله عندهم وقد سبق في النصوص ما يؤيد ذلك، ويؤمن المسلمون بأن أول ما خلق الله هو الماء والعرش ثم القلم ثم خلق السماوات والأرض كما بين ذلك الله ورسوله (٣) . ولكن الصوفية تعتقد بأن أول ما خلق الله هو محمد ﷺ ومنه خلق كل شيء ولما كانت نصوص الشرع على خلاف ذلك والآيات والأحاديث تبين أن أول ما خلق الله هو الماء والعرش ثم القلم، حاولوا التوفيق بين ضلاهم وبين

стр. 188

هذه النصوص فأطلقوا على الحقيقة المحمدية أسماء مثل عرش التجلي الذاتي، والقلم الأعلى، وأم الكتاب، إلى غير ذلك من الألقاب الكثيرة التي خلعوها على الحقيقة المحمدية. يقول أحمد بن إدريس في إحدى صلواته: (اللهم صل على مولانا محمد نورك اللامع ومظهر سرك الهامع الذي طرزت بجماله الأكوان وزينت ببهجة جلاله الأوان، الذي فتحت ظهور العالم من نور حقيقته وختمت كماله بأسرار نبوته فظهرت صور الحسن من فيضه في أحسن تقويم ولولا هو ما ظهرت لصورة عين من العدم الرميم) (١) . ويقول في صلاة أخرى: (اللهم صل على أم كتاب كمالات الذات، عين الوجود المطلق الجامع لسائر التقييدات. صورة ناسوت الخلق، معاني لاهوت الحق، الغيب الذات، والشهادة الأسماء، والصفات الناظر بالكل في الكل من الكل للكليات الجزئيات ٠٠) (٢) . ويعتقد المسلمون بأن الله خلق هذا الكون من العدم وأوجده على غير مثال سابق. لكن الصوفية تؤمن بأن الله خلق هذا الكون من نور محمد ﷺ ويستشهدون بحديث النور المنسوب إلى جابر بن عبد الله وقد سبق ذكره وبيان بطلانه (٣) . يقول الدباغ (٤) (اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسموات وأرضين وجنات

стр. 189

وحجب، وما فوقها، وما تحتها، إذا جمعت كلها، وجدت بعضا من نور محمد، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور العظيم عليها لتهافتت وتساقطت) (١) . وإذا كان المسلمون يؤمنون بأن القرآن نزل على رسول الله ﷺ بواسطة جبريل، وأن النبي ﷺ لم يكن يدري عن القرآن شيئا قبل نزوله عليه كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] (٢) ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] (٣) ولكن ملاحدة الصوفية تأبى هذه الحقيقة وتعدل عنها إلى الإفك والبهتان فتزعم أن جبريل عجب حين رأى محمدا ﷺ يتلو القرآن قبل أن يعلمه إياه فسأله جبريل فأجابه قائلا: ارفع الستر مرة حين يلقى إليك الوحي، ففعل جبريل ذلك فرأى محمدا ﷺ هو الذي يوحي إليه، فصاح سبحان الله: منك وإليك يا محمد. وهذا دليل واضح على تلاعب الشيطان بعقولهم وأحلامهم، إذ لا يصدق بهذه الخراقة إلا من ليس له أدنى تمييز، وقد أسس لهم هذه الأسطورة ابن عربي شيخ الصوفية الأكبر إذ يفسر قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] (٤) . يقول: (اعلم أن رسول الله ﷺ أعطى القرآن مجملا قبل جبريل من غير تفصيل

стр. 190

الآيات والسور فقيل له ولا تعجل بالقرآن الذي عندك قبل جبريل فتلقيه على الأمة مجملا فلا يفهمه أحد منك لعدم تفصيله) (١) . وهذه فرية واضحة البطلان يكذبها القرآن وحال الرسول ﷺ الذي كان ينتظر نزول الوحي عليه ليعرف حكم الله فيما يجد من الحوادث والنوازل. وإذا كان المسلمون يؤمنون بأن رسول الله ﷺ أرسل في زمان ومكان معينين وأن الرسل السابقين عليه أرسل كل واحد منهم إلى قوم معينين في زمان معين. إلا أن غلاة الصوفية تعتقد بأن الرسول في كل العصور واحد هو محمد ﷺ وأن الرسل السابقين ليسوا إلا صورا لمحمد ﷺ ويروون في هذا شعرا: كل النبيين والرسل الكرام أتوا ... نيابة عنه في تبليغ دعواه فهو الرسول إلى كل الخلائق في ... كل العصور ونابت عنه أفواه (٢) . وإذا كان المسلمون يعتقدون بأن رسول الله ﷺ قد مات كما يموت سائر البشر بعد أن بلغ رسالة كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٣) وإذا بمتأخري الصوفية يعتقدون بأن الرسول حي وأنه يرى يقظة لا مناما، وأن مشايخ الصوفية يتلقون عنه مباشرة ويجتمعون به. وهذا من أظهر البطلان الذي يكذب التاريخ والواقع ويستحيل أن تقبله الفطر والعقول (٤) . فساد مفهوم محبة الرسول ﷺ : بعد أن كانت محبة الرسول ﷺ تعنى إيثاره على كل مخلوق سواه، وطاعته واتباعه. صار معناها عند غلاة الصوفية عبادته ودعاؤه والسؤال به

стр. 191

وتأليف الصلوات المبتدعة وعمل الموالد وإنشاء القصائد الشركية في الاستغاثة به وصرف وجوه العبادة إليه ﷺ وبعد أن كان تعظيم رسول الله ﷺ باتباعه والأدب معه وتوقيره، صار التعظيم عندهم هو الغلو فيه ﷺ بإخراجه عن حد البشرية ورفعه إلى مرتبة الألوهية. هذا عن دور الغلاة في إفساد عقيدة المسلمين في الله ورسوله وتحويلهم عن الإسلام والتوحيد الخالص على عقائد وثنية مخالفة للإسلام جملة وتفصيلا. ثانيا: آثار الغلو في الرسول ﷺ على العبادات الشرعية: أدى الغلو في الرسول ﷺ إلى الانحراف بالعبادات عن وضعها الشرعي، وتأويلها، وابتداع عبادات ما أنزل الله بها من سلطان فبعد أن كان المسلمون يرون أن أعظم أعمالهم بعد الإيمان بالله هو الصلاة وبقية أركان الإسلام. جاء غلاة الصوفية فزعموا أن أجل الأعمال هو الإيمان بوحدة الوجود والتحقق بها (أي الفناء في ذات الله) ، والإيمان بالحقيقة المحمدية، والصلاة عليها بأكثر الصلوات شركا وكفرا، وقضاء الأعمار في الخلوات والأذكار المبتدعة، وسيأتي لهذا مزيد بيان (١) . ويؤمن المسلمون بأن أجل ما ورثوه عن رسول الله ﷺ هو هديه وسنته، فجاءت الصوفية لتزعم بأن أجل ما ورثوه عن رسول الله ﷺ هو الطريقة، والحقيقة، والتصوف الفلسفي بمقاماته واصطلاحاته، وهلم جرا. أما هديه ﷺ وسنته فلا يعرفونها ولا يرفعون لها رأسا بل يرون أن المشتغلين بالسنة. الداعين إليها هم من ألد خصومهم. لأن مهمتهم نشر الهدي ودين الحق الذي فيه إبطال كل خرفات وأباطيل الملاحدة والزنادقة قديما وحديثا.

стр. 192

[المبحث السادس حكم الإسلام في الغلو في رسول الله ﷺ ] المبحث السادس حكم الإسلام في الغلو في رسول الله ﷺ لقد جاءت نصوص الشرع بإثبات بشرية الرسول ﷺ ، وأنه بشر محكوم بقوانين البشرية غير أنه مفضل بخصائص تناسب نبوته ورسالته ويأتي التأكيد على هذا الأمر لئلا يتطرق الغلو إلى الرسول ﷺ مثلما وقع لليهود مع عزير وللنصارى مع عيسى ابن مريم ﵇. وَقَدْ نَهَى اللَّهُ أَهْلَ الْكِتَابِ - خَاصَةً النَّصَارَى - عَنِ الْغُلُوِّ وحذرهم من سوء عاقبته فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٢) الآية. وفي نهي الله لهم تَحْذِيرٌ لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقعت فيه النصارى من الغلو في عيسى ورفعهم له فوق مرتبته ووصفه بصفات الألوهية، فوقعوا بسبب ذلك في الشرك والكفر المخرج عن الملة. لأجل هذا نهى الرسول ﷺ عن الغلو في الدين عامة وفيه خاصة وذلك في أحاديث كثيرة. منها ما أخرجه النسائي وابن ماجه واللفظ له بسنده «عن ابن عباس ﵄ قال: (قال لي رسول ﷺ غداة العقبة وهو على

стр. 193

ناقته: " ألقط لي حصى " فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: " أمثال هؤلاء فارموا " ثم قال: " يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (١) . قال ابن تيمية في شرح هذا الحديث: (وقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال. والغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك، والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف. وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (٢) . وسبب هذا اللفظ عام: رمي الجمار. وهو داخل فيه، فالغلو فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار، ونحو ذلك. بناء على أنه أبلغ من الحصى الصغار ثم علل ذلك: بأن ما أهلك من قبلنا إلا الغلو في الدين كما نراه في النصارى. وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه أن يكون هالكا) (٣) . ومنها ما أخرجه البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. فإنما أنا عبده. فقولوا عبد الله ورسوله» (٤) . ففي هذا الحديث تحذير واضح لهذه الأمة من الإطراء في مدحه ﷺ حتى لا يفضي ذلك إلى الغلو فيه كما غلت النصارى من قبل في عيسى بن مريم ﵇. والنهي عن الإطراء في هذا الحديث يحتمل أمرين:

стр. 194

- إما النهي عن مطلق المدح والاقتصار على وصفه بأنه عبد الله ورسوله. - وإما النهي عن المبالغة في المدح لئلا يؤدى ذلك إلى وصف الرسول ﷺ بصفات الألوهية. ولكلا الأمرين ما يؤيده من الأحاديث (١) . وبين الرسول ﷺ في هذا الحديث منزلته التي أنزله الله إياها، وهي مرتبة العبودية لله، ، ثم مرتبة الرسالة التي اصطفاه الله لها. فأمر الرسول ﷺ أمته أن تصفه بالعبودية والرسالة ولا تتجاوز ذلك إلى غيره من الأوصاف التي تتضمن الإطراء المنهي عنه. ومع أن هذا الحديث حجة قاطعة في النهي عن الإطراء وسد باب الغلو في الرسول ﷺ إلا أن الغلاة حاولوا تأويل هذا الحديث بما يبطل معناه ويؤدى إلى نقيضه، فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هو إطراء مشابه لإطراء النصارى لعيسى، ووصفهم له بصفات الألوهية والربوبية وقولهم عنه أنه الله أو ابن الله. وما سوى ذلك من أنواع الإطراء فليس بمذموم بل هو مستحب (٢) . فأجازوا إطراء الرسول ﷺ بما دون وصفه بصفات الألوهية والربوبية. وظنوا أن هذا من قبيل التعظيم لرسول الله ﷺ . كما قال البوصيري في البردة: دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم فانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وأنسب إلى قدره ما شئت من عظم فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم (٣) وهذا جهل واضح بمعنى الحديث ومقصود الرسول ﷺ به لأن معناه النهي عن المدح أصلا، أو النهي عن المبالغة فيه. ثم إن تعظيم الرسول ﷺ لا يكون إلا بما شرعه، ووصفه ومدحه بدون قيد قد يدخل في أنواع من الشرك

стр. 195

كالاستغاثة به ﷺ عند الشدائد وطلب الحاجات منه إلى غير ذلك من أنواع الغلو المفضي إلى الشرك، الذي نهى الله ورسوله عنه. وليت هؤلاء الغلاة وقفوا في إطرائه ﷺ عند هذا الحد فلم يصفوه بصفات الألوهية والربوبية كما فعلت النصارى، بل إنه قد وصل بهم الغلو إلى مساواة الرسول ﷺ بالله. يقول صاحب كتاب النفحات الأقدسية: (فشأن محمد في جميع تصرفاته هو شأن الله، تعالى، فليس لمحمد ﷺ من محمد شيء ولذلك كان نورا ذاتيا من عين ذات الله) (١) وفي هذا الكلام من الكفر الصريح ما فيه والذي يناقض ما جاء به الرسول ﷺ من تحقيق التوحيد وسد الذرائع إلى الشرك. ومن الأحاديث التي وردت في النهي عن الإطراء في المدح ما أخرجه الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك ﵁ «أن رجلا قال: يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا، فقال رسول الله ﷺ " عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان. أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » (٢) . وأخرج أبو داود بسنده «عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: (انطلقت في وفد بنى عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا فقال: السيد الله ﵎. قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا. فقال: " قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان» (٣) .

стр. 196

قال الخطابي: (وإنما منعهم - فيما نرى - أن يدعوه سيدا، مع قوله «أنا سيد ولد آدم» ، وقوله للخرزج «قوموا إلى سيدكم» - يريد سعد بن معاذ - من أجل أنهم قوم حديثو عهد بالإسلام، وكانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة كما هي بأسباب الدنيا، وكان لهم رؤساء يعظمونهم، وينقادون لأمرهم، ويسمونهم السادات، فعلمهم الثناء عليه وأرشدهم إلى الأدب في ذلك، فقال: «قولوا بقولكم» يريد قولوا بقول أهل دينكم وملتكم، وادعوني نبيا ورسولا، كما سماني الله في كتابه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] ولا تسموني سيدا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم ولا تجعلوني مثلهم، فإني لست كأحدهم، إذ كانوا يسودونكم بأسباب الدنيا وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة، فسموني نبيا ورسولا (١) . فكره رسول الله ﷺ من أصحابه أن يواجهوه بالمدح لئلا يفضي ذلك إلى الغلو، وأخبر أن مواجهة المادح للممدوح بمدحه - ولو بما فيه - من عمل الشيطان لما يقتضيه المدح والإطراء من تعاظم الممدوح في نفسه وهذا ينافي التوحيد، لأنه يدخل في النفس الكبر والعجب المفسد للاعتقاد والعمل. كما في الحديث القدسي «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني شيئا منهما قذفته في النار» (٢) . وفي الحديث «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (٣) . وهذه الآفات سببها محبة المدح، لأجل هذا كره الرسول ﷺ من أصحابه أن يواجهوه بالمدح والإطراء حتى لا ينافي هذا عبوديته الخالصة لربه، فمقام العبودية يقتضي كراهية المدح أصلا، والنبي ﷺ لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يمدح صيانة لهذا المقام، وأرشد الأمة إلى ترك

стр. 197

ذلك نصحا لهم، وحماية لمقام التوحيد من أن يدخل عليه ما يفسده من الشرك ووسائله ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] (١) . ورأوا أن فعل ما نهاهم الرسول ﷺ عن فعله قربة من أفضل القربات، وحسنة من أعظم الحسنات (٢) . وفي قوله ﷺ : «أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » دليل قاطع على كراهية الرسول للمدح بما سوى العبودية والرسالة وأخبر أن هذه هي منزلته الحقيقية التي أنزله الله إياها، وهذا مما يبين أن الغلاة قد سلكوا في غلوهم مسلكا لا يحبه الرسول ﷺ ولا يرضاه بل نهي عنه في مواقف كثيرة. وقد أنكر الرسول ﷺ على من قال له ما شاء الله وشئت فقال له: «أجعلتني والله عدلا بل ما شاء الله وحده» (٣) كما أنكر على معاذ ﵁ حينما هم أن يسجد له (٤) ومعاذ إنما قصد بذلك تعظيم النبي ﷺ ، لكن النبي أنكر عليه ذلك لأنه لا ينبغي السجود إلا لله وحده، فكل من عظم الرسول ﷺ ، بما لم يشرعه فقد غلا فيه وإن ظن أنه بذلك معظما. ومن هذا الباب نهيه ﷺ عن اتخاذ قبره عيدا ومسجدا حتى لا تقع الأمة في الشرك. فحقق الرسول ﷺ لأمته التوحيد وسد كل الذرائع إلى الشرك وقطع أسبابه والتي من أعظمها الغلو فيه، لأجل هذا كان الغلو في الرسول ﷺ محرما لأنه يفضي إلى الشرك والكفر، ولما يتضمنه هذا الغلو من القدح في مقام الألوهية وتفرد الله بصفات الربوبية. ولأن فيه تنقيصا للنبي ﷺ لأن كماله في عبوديته لربه كما يتضمن الكذب عليه لأن الرسول ﷺ ما دعا الخلق إلا إلى إفراد الخالق بالعبادة، ولم يدعهم

стр. 198

إلى عبادة نفسه ووصفه بصفات الرب كما أنه لم يدع أنه من نور، أو أن له في الكون شيئا من التدبير، أو أنه يعلم الغيب إلى غير ذلك مما يعتقده الغلاة فيه. بل عد ذلك مما يناقض الدين الذي جاء به، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] (١) الآية. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا - قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠ - ٢٢] (٢) وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] (٣) . ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم - وهم أعلم خلق الله بعد رسوله ﷺ بالدين وأشدهم حبا وتعظيما لله ولرسوله ﷺ ومعرفة لحقوقه - لم يتعاملوا معه ﷺ إلا على أنه بشر مثلهم رسول، لا على أنه إنسان حل فيه الإله، أو أنه روح الله أو أنه مخلوق من نور إلى آخر ما يعتقده الغلاة. ولا دعوا الناس إلى ذلك، وإنما دعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وأن رسول الله ﷺ عبد الله اصطفاه الله لرسالته وعلى هذا جرى سلف هذه الأمة. إلى أن رفعت الزندقة رأسها فوجد في الأمة من أنواع الغلو ما يناقض شرع الله. وما علمت هذه المقالات ولا ابتدعت إلا من أناس زنادقة منافقين كالحلاج

стр. 199

وابن عربي والجيلي وابن الفارض (١) وغيرهم من الغلاة الذين سار على نهجهم أكثر الصوفية حتى زماننا هذا. وهذه المقالات التي ابتدعوها هي كفر وزندقة متسترة بدعوى حبهم للرسول ﷺ وتعظيمه. فهي في ميزان الشرع كفر صريح أو مؤدية للكفر ومن اعتقد فيها وقال بها عن علم فقد كفر. وذلك كالقول بقدم النور المحمدي وأنه مادة العالم وأن الرسول كان بحقيقته موجودا قبل أن يخلق آدم وأنه إنسان عين الله، وأنه هو الحقيقة الإلهية السارية في الوجود بأسره وأن الحقيقة المحمدية هي العقل الكلي الذي يصل ما بين الوجود المطلق وهو الله وما بين عالم الطبيعة (الخلق) . وأن الحقيقة المحمدية هي روح الله المنفوخ في آدم وأن محمدا ﷺ كان خلقا في ظاهره خالقا في باطنه وأن الأنبياء كانوا صورا للحقيقة المحمدية وأن الحقيقة المحمدية ليست إلا الله متعينا في أول تعيناته وهي اسم الله الأعظم إلى غير ذلك من العقائد الباطلة. فهذه الأمور من اعتقدها فلا شك في كفره وزندفته، كما حكم جمع من العلماء بكفر ابن عربي ومن تابعه على معتقده (٢) ومع كون هذه الأمور كفرا بواحا، إلا أن هؤلاء الزنادقة الضلال موهوه وخرفوه وأخرجوه في قالب محبة الرسول ﷺ وحجبوا الناس عن تلقي حقائق الشرع، والعلم بالدين حتى لا ينكشف للناس زيغهم وضلالهم. وشجعهم على ذلك انتشار الجهل بين غالبية المسلمين حتى عد هؤلاء

стр. 200

الضلال من علماء الدين وأولياء الله الصالحين. فراجت في سوق الجهل بضاعتهم وأقبل عليها الجهال يحسبونها دينا يتقربون به إلى الله فإذا بهم قد وقعوا في الشرك الأكبر وصاروا عبيدا لهؤلاء الضلال يتلاعبون بعقولهم كما يتلاعب الصبيان بالكرة. والمحفوظ من حفظه الله فأنار بصيرته وفتح للحق قلبه وعقله.

стр. 201

[الفصل الثاني الابتداع] [المبحث الأول تعريف البدعة وبيان حكمها] الفصل الثاني الابتداع وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول - تعريف البدعة وبيان حكمها. المبحث الثاني - البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول ﷺ . المبحث الثالث - آثار الابتداع.

стр. 202

المبحث الأول تعريف البدعة وبيان حكمها البدعة في اللغة: اسم هيئة من الابتداع كالرفعة من الارتفاع وهي: كل شيء أحدث على غير مثال سابق. سواء أكان محمودا أم مذموما. وهي مأخوذة من بدع الشيء يبدعه بدعا إذا أنشأه واخترعه. قال ابن فارس: (" بدع ". الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال والآخر الانقطاع والكلال) (١) وجاء في لسان العرب: (بدع الشيء يبدعه بدعا وابتدعه: أنشأه وبدأه. . . والبديع والبدع: الشيء يكون أولا. وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] (٢) أي ما كنت أول من أرسل، قد أرسل قبلي رسل كثير. والبدعة: الحدث وما ابتدع في الدين بعد الإكمال. . . . وأبدع وابتدع وتبدع: أتى ببدعة. قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] (٣) وبدعه: نسبه إلى البدعة. . . والبديع: المحدث العجيب. . . . وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال. والبديع من أسماء الله - تعالى - لإبداعه الأشياء وإحداثه إياه. وهو البديع الأول قبل كل شيء. ورجل

стр. 203

بدع وامرأة بدعة: إذا كان غاية في كل شيء، كان عالما أو شريفا أو شجاعا) (١) . هذا ما يختص بالأصل الأول من معاني الكلمة، وهو الاختراع والإحداث وأما ما يختص بالأصل الثاني: وهو الانقطاع والكلال، فمنه قولهم - كما جاء في لسان العرب: (. . . أبدعت الإبل: بركت في الطريق من هزال أو داء أو كلال، وفي الحديث: «إني أبدع (٢) فأحملني» (٣) . . . كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعا أي إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها) (٤) . وهذا راجع إلى المعنى الأول. لأن انقطاع الدابة عن السير طارئ على عادتها وأمر حادث لم يكن من قبل. ومن هذا المعنى الثاني أخذت البدعة أيضا، لأنها وإن كانت شيئا مخترعا لم يسبق له مثيل إلا أن فيها معنى الانقطاع، لأنها تنقطع بصاحبها عن سلوك الصراط المستقيم. وعلى هذا فالكلمة تدور على معنى الإحداث والاختراع والخروج عن حد المألوف والمعهود. قال الشاطبي: (ومن هذا المعنى - أي الإحداث والاختراع - سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة. فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة) (٥) .

стр. 204

تعريف البدعة اصطلاحا: بعد بيان المعنى اللغوي للبدعة أنتقل لبيان معناها الاصطلاحي لنرى العلاقة بين المعنيين. وأول ما يقابلنا في البحث عن تعريف العلماء للبدعة هو أنه ليس هناك تعريف موحد متفق عليه بين العلماء، إذ انقسم العلماء في تعريف البدعة إلى فريقين: - الفريق الأول وسع مدلول البدعة لتشمل كل ما حدث بعد رسول الله ﷺ سواء كان مذموما أو محمودا. - والفريق الثاني قصر مدلول البدعة على الحادث المذموم الذي لم يرد به الشرع ولم يندرج تحت أصل يعمل به. مما يدخل في العبادة أو قصد به التعبد من العادات وبالجملة فهي تطلق عند هذا الفريق في مقابلة السنة. وتبعا لذلك انقسم تعريف البدعة بسبب هذين الاتجاهين، فالاتجاه الأول يرى أن البدعة تنقسم إلى محمودة ومذمومة، والاتجاه الثاني يرى أن البدعة لا تكون إلا مذمومة. وسنعرض لتعريف البدعة لدى كل فريق بشيء من التفصيل، ونتبع ذلك بتحديد معنى البدعة الشرعية وبيان حكمها. أولا - القائلون بالتقسيم: يرى هذا الفريق أن البدعة: هي كل ما أحدث في الدين بعد رسول الله ﷺ سواء أكان محمودا أم مذموما، وعلى ذلك فالبدعة عندهم تنقسم إلى محمودة ومذمومة، لكن منهم من اكتفى بذلك، ومنهم من قال بجريان الأحكام الخمسة عليها. فممن ذهب إلى أنها تنقسم إلى محمودة ومذمومة الإمام الشافعي ﵀ حيث قال: (البدعة بدعتان، بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة

стр. 205

فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم) (١) . واحتج بقول عمر ﵁ في قيام رمضان (نعمت البدعة هي) (٢) . وروى عن الشافعي قول آخر يفسر ما سبق. فأخرج البيهقي في مناقب الشافعي بسنده عنه قال: (المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهي البدعة الضلالة. والثانية ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا (٣) فهي محدثة غير مذمومة) (٤) . وقال ابن الجوزي: (البدعة عبارة - عن فعل لم يكن فابتدع، والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان. فإن ابتدع شيء لا يخالف الشريعة ولا يوجب التعاطي عليها فقد كان جمهور السلف يكرهونه وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان جائزا حفظا للأصل وهو الاتباع. . . وقد جرت محدثات لا تصادم الشريعة ولا يتعاطى عليها فلم يروا بفعلها بأسا) (٥) واستشهد بقول عمر: " نعمت البدعة هذه ". ثم قال: (ومتى أسند المحدث إلى أصل مشروع لم يذم، فأما إذا كانت البدعة كالمتمم فقد اعتقد نقص الشريعة، وإن كانت مضادة فهي أعظم) (٦) . وإذا كان الشافعي ومن تابعه قد اكتفى بتقسيم البدعة إلى قسمين: بدعة

стр. 206

محمودة أو مستحسنة، وبدعة مذمومة. فإن العز بن عبد السلام (١) ومن حذا حذوه مالوا إلى التفصيل. فالبدعة عندهم تجرى عليها الأحكام الخمسة. قال العز بن عبد السلام: (البدعة: فعل ما لم يعهد في عهد رسول الله ﷺ وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة) (٢) . وبمثل هذا قسمهما القرافي (٣) (٤) . والنووي (٥) وابن حجر (٦) في أحد المواضع في الفتح.

стр. 207

ثانيا - القائلون بذم البدعة مطلقا: يرى هذا الفريق أن البدعة تطلق على كل ما أحدث في الدين مما لا أصل له في الشرع وأن البدعة مذمومة مطلقا. وقد ذهب إلى هذا جمع من الأئمة، والعلماء منهم الإمام مالك ﵀ حيث قال: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (١) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا) (٢) وقال الإمام أحمد ﵀: (أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ ، والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة ضلالة) (٣) وممن سار على هذا النهج ابن وضاح (٤) في كتابه البدع والنهي عنها حيث عقد بابا بعنوان كل محدثة بدعة وساق الآثار التي تؤكد ذلك وتؤيده (٥) . ويعرف ابن تيميه البدعة بقوله: (إن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب) (٦) .

стр. 208

ويقول ابن رجب: (والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة) (١) . وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر عند شرحه لقول ابن مسعود ﵁: «وشر الأمور محدثاتها» (٢) حيث قال: (والمراد بقوله: كل بدعة ضلالة: ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام) (٣) . ولعل أحسن من فصل القول في هذا المجال الإمام الشاطبي ﵀ حيث عرف البدعة بتعريفين: أولهما: أنها (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله . وهذا التعريف على رأى من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات. ثانيهما: البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) وهذا على رأى من أدخل العادات في مسمى البدع. وليس هذا التعريف داخلا معنا لأن الصحيح أن البدعة لا تدخل العادات إلا ما قصد به التعبد منها. ثم أخذ الشاطبي يشرح ألفاظ التعريف، ويتلخص ما قاله فيما يأتي: الطريقة والطريق: ما رسم للسلوك عليه. في الدين: قيد يخرج الاختراع في أمور الدنيا.

стр. 209

وإنما قيدت بالدين لأنها فيه تخترع، وإليه يضيفها صاحبها، ولو كانت الطريقة مخترعة في الدنيا لم تسم بدعة، وذلك كإنشاء المدن الحديثة واختراع الآلات التي لم تكن موجودة من قبل. مخترعة: أي لا أصل لها في الشريعة، ولا تعلق لها بها. لأن البدعة تتميز بأنها خارجة عما رسمه الشرع. وهذا القيد يخرج ما حدث وله أصل في الشرع كتصنيف العلوم الشرعية مثلا، فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول، فأصولها موجودة في الشرع، وهي مستمدة من قاعدة المصالح المرسلة، ولا ينبغي أن تسمى بدعة أصلا، ومن سمى مثل ذلك بدعة فإما أن يريد المفهوم اللغوي لها، - كما سمى عمر بن الخطاب ﵁ جمع الناس على قيام رمضان بدعة - وإما من جهله بمواقع السنة والبدعة. تضاهي الشرعية: أي أن البدعة تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون كذلك بل هي مضادة لها من أوجه متعددة منها: - وضع الحدود، وذلك كالناذر للصيام قائما لا يقصد، ضاحيا لا يستظل، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف. - ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدا، وما أشبه ذلك. - ومنها التزام العبادات المعينة في أوقات معينة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، وذلك كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته، وكون البدعة تضاهي الأمور المشروعة وصف لازم لها، وإلا لكانت من باب الأفعال العادية. ويبين ذلك، أن صاحب البدعة يخترعها ليضاهي بها السنة، سواء لبس بها صاحبها على الناس، أو كانت مما التبست عليه - هو - بالسنة ويؤكد هذا

стр. 210

انتصار المبتدع لبدعته بأمور تخيل أنها مشروعة، ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في أهل الخير. - يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله، تعالى، هذا القصد. قيد لإخراج العادات التي لا يقصد بها التعبد من البدع، وبيان أن ما ابتدع من الأمور الزائدة على المشروع، والمنسوبة للشرع، مقصود بها المبالغة في التعبد، أو تجديد النشاط إلى العبادة (١) . وعرفها الشمني بأنها (٢) (ما أحدث على خلاف الحق المتلقي عن رسول الله ﷺ من علم أو عمل أو حال بنوع شبهة أو استحسان، وجعل دينا قويما وصراطا مستقيما) (٣) والمراد بالعلم: الاعتقاد، وبالحال: هيئة العمل (٤) . أدلة القائلين بالتقسيم: وبعد أن استعرضنا تعريف كل من الفريقين للبدعة أنتقل إلى عرض أدلة كل فريق ومناقشتها حتى يتسنى لنا تحديد معنى البدعة في الشرع. وسأبدأ بالفريق الأول: وهم القائلون بالتقسيم: إن مراد هذا الفريق باستدلالهم بهذه الأدلة هو بيان أنها تخصص العموم الوارد

стр. 211

في ذم البدعة، وأنها ليست كلها ضلالة، بل منها المحمود والمذموم، وقد استدلوا بعدة أدلة منها: - قول عمر ﵁ عن جمع الناس على قيام رمضان -: «نعمت البدعة هذه» (١) ووجه الاستدلال بهذا القول: أن عمر قد سمى ذلك الفعل بدعة، ووصفها بما يفيد حسنها فدل ذلك على أن هناك بدعة حسنة في الشرع. - ومنها ما أخرجه مسلم بسنده عن جرير بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيء» (٢) . قال النووي: (. . . . وفي هذا الحديث تخصيص قوله ﷺ : «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٣) وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة) (٤) . ويشرح الشاطبي وجه استدلالهم بهذا الحديث: بأنه صريح في أن من سن سنة خير فذلك خير، وأن سن هنا بمعنى اخترع وابتدع لكون الاستنان قد نسب إلى المكلف دون الشارع، ولو كان المراد من عمل سنة ثابتة في الشرع لما قال: «من سن» . ويدل على ذلك قوله ﷺ : «ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن

стр. 212

آدم الأول كفل منها - من دمها - لأنه أول من سن القتل» (١) فقوله ﷺ : «سن» بمعنى اخترع. لأنه أول من اخترع القتل بين الناس ولم يكن موجودا. ومثله قوله ﷺ «من سن في الإسلام سنة حسنة» . أي اخترعها من نفسه وأحدثها. لكن بشرط أن تكون حسنة حتى يكون له الأجر. إذا فليس المراد: من عمل سنة ثابتة، ولو كان المراد كذلك لقال من عمل بسنتي، أو بسنة من سنتي، أو من أحيا سنة من سنتي (٢) . ومن الأدلة ما أخرجه الترمذي بسنده عن بلال بن الحارث: «أن النبي ﷺ قال لبلال بن الحارث: (اعلم: قلت: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل أثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا) » (٣) . قال الشاطبي: فقوله «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدى» ، واضح في العمل بما ثبت أنه سنة. . . بخلاف قوله: من سن كذا، فإنه ظاهر في الاختراع أولا من غير أن يكون ثابتا في السنة. وأما قوله ﷺ لبلال بن الحارث «ومن ابتدع بدعة ضلالة» فظاهر أن البدعة لا تذم بإطلاق. بل بشرط أن تكون ضلالة، وأن تكون لا يرضاها الله ورسوله، فاقتضى هذا كله أن البدعة إذا لم تكن كذلك لم يلحقها ذم، ولا تبع صاحبها وزر، فعادت إلى أنها سنة حسنة، ودخلت تحت الوعد بالأجر) (٤) .

стр. 213

ومما استدلوا به أيضا: أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قد استحسنوا أشياء لم يرد بها نص معين في كتاب ولا سنة مما رأوه حسنا وأجمعوا عليه، ولا تجتمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، وإنما يجتمعون على هدى وعلى ما هو حسن. مثال ذلك. أنهم أجمعوا على جمع القرآن وكتابته في المصحف وعلى جمع الناس على المصاحف العثمانية واطراح ما سواها. ثم اقتفى الناس أثرهم في ذلك الرأي الحسن، فجمعوا العلم ودونوه وكتبوه. ومثل ذلك قتل عمر الجماعة بالواحد، وتضمين الصناع، وكل هذه محدثات لم تكن في عهد رسول الله ﷺ وقد استحسنها الصحابة ومن بعدهم. فدل ذلك على أن البدع تنقسم إلى حسنة وقبيحة (١) وربما استدلوا (٢) بالحديث الموقوف على ابن مسعود ﵁ وهو قوله: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» (٣) . قال الشيخ علي محفوظ: (ووجه الشبهة فيه ظاهر وهو أنه قال: " ما رآه المسلمون والظاهر ما رأوه بعقولهم فرجع التحسين إليهم فهم المخترعون، ولو كان التحسين بالدليل لما نسب الرؤية إلى المسلمين، فدل على أن البدعة فيها الحسن والقبيح ") (٤) . وبناء على ما تقدم فإن هذا الفريق يرى: - أن البدعة تطلق على كل ما أحدث في الدين بعد رسول الله ﷺ سواء كان محمودا أو مذموما.

стр. 214

- أن كل ما ورد في ذم البدع. مثل قوله ﷺ «كل بدعة ضلالة» عام مخصوص. - أن البدعة تدور عليها الأحكام الخمسة. أدلة القائلين بذم البدعة: تتركز أدلة هذا الفريق حول إثبات أن البدعة سيئة ومذمومة مطلقا، وقد استدلوا على ذلك بأدلة من القرآن والسنة، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١) فهذه الآية تدل على أن الشريعة قد جاءت كاملة فلا تحتاج إلى زيادة ولا نقصان. وحاصل كلام المبتدع وحاله، أن الشريعة لم تتم وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها في زعمه، ولو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها، ولاشك أن من اعتقد هذا فهو ضال عن الصراط المستقيم (٢) . قال الإمام مالك: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (٣) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا) (٤) . ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٥) . فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي

стр. 215

سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم، وهم أهل البدع. وليس المراد بالسبل: المعاصي، لأن المعاصي - من حيث هي - لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما للتعبد. وإنما هذا الوصف خاص بالبدع والمحدثات. فعن ابن مسعود ﵁ قال: « (خط لنا رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال هذا سبيل الله مستقيما قال ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] » (١) . قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] قال: البدع والشبهات (٢) ومن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] (٣) فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق، أي منحرف عنه إلى طرق البدع والضلالات والمعاصي. وعن مجاهد: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي المقتصد منها بين الغلو والتقصير وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر، وكلاهما من أوصاف البدع. ومن الأدلة الواردة في القرآن مما يدل على ذم المبتدعين قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] (٤) فهذه الآية تبين حال الزائغين عن اتباع الحق، وذلك باتباعهم لما تشابه من الكتاب. بقصد الفتنة في الدين وما ذاك إلا بسبب زيغ في قلوبهم وفساد في أفهامهم. وهذا صنيع أهل البدع لأنهم يتركون محكم الكتاب ويتمسكون بمتشابهه،
следующие страницы →