في ذم البدعة، وأنها ليست كلها ضلالة، بل منها المحمود والمذموم، وقد استدلوا بعدة أدلة منها:
- قول عمر ﵁ عن جمع الناس على قيام رمضان -: «نعمت البدعة هذه» (١) ووجه الاستدلال بهذا القول: أن عمر قد سمى ذلك الفعل بدعة، ووصفها بما يفيد حسنها فدل ذلك على أن هناك بدعة حسنة في الشرع.
- ومنها ما أخرجه مسلم بسنده عن جرير بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيء» (٢) .
قال النووي:
(. . . . وفي هذا الحديث تخصيص قوله ﷺ : «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٣) وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة) (٤) .
ويشرح الشاطبي وجه استدلالهم بهذا الحديث:
بأنه صريح في أن من سن سنة خير فذلك خير، وأن سن هنا بمعنى اخترع وابتدع لكون الاستنان قد نسب إلى المكلف دون الشارع، ولو كان المراد من عمل سنة ثابتة في الشرع لما قال: «من سن» .
ويدل على ذلك قوله ﷺ : «ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن
стр. 212
آدم الأول كفل منها - من دمها - لأنه أول من سن القتل» (١) فقوله ﷺ : «سن» بمعنى اخترع. لأنه أول من اخترع القتل بين الناس ولم يكن موجودا. ومثله قوله ﷺ «من سن في الإسلام سنة حسنة» . أي اخترعها من نفسه وأحدثها. لكن بشرط أن تكون حسنة حتى يكون له الأجر.
إذا فليس المراد: من عمل سنة ثابتة، ولو كان المراد كذلك لقال من عمل بسنتي، أو بسنة من سنتي، أو من أحيا سنة من سنتي (٢) .
ومن الأدلة ما أخرجه الترمذي بسنده عن بلال بن الحارث: «أن النبي ﷺ قال لبلال بن الحارث: (اعلم: قلت: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل أثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا) » (٣) .
قال الشاطبي:
فقوله «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدى» ، واضح في العمل بما ثبت أنه سنة. . . بخلاف قوله: من سن كذا، فإنه ظاهر في الاختراع أولا من غير أن يكون ثابتا في السنة. وأما قوله ﷺ لبلال بن الحارث «ومن ابتدع بدعة ضلالة» فظاهر أن البدعة لا تذم بإطلاق. بل بشرط أن تكون ضلالة، وأن تكون لا يرضاها الله ورسوله، فاقتضى هذا كله أن البدعة إذا لم تكن كذلك لم يلحقها ذم، ولا تبع صاحبها وزر، فعادت إلى أنها سنة حسنة، ودخلت تحت الوعد بالأجر) (٤) .
стр. 213
ومما استدلوا به أيضا:
أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قد استحسنوا أشياء لم يرد بها نص معين في كتاب ولا سنة مما رأوه حسنا وأجمعوا عليه، ولا تجتمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، وإنما يجتمعون على هدى وعلى ما هو حسن. مثال ذلك. أنهم أجمعوا على جمع القرآن وكتابته في المصحف وعلى جمع الناس على المصاحف العثمانية واطراح ما سواها.
ثم اقتفى الناس أثرهم في ذلك الرأي الحسن، فجمعوا العلم ودونوه وكتبوه. ومثل ذلك قتل عمر الجماعة بالواحد، وتضمين الصناع، وكل هذه محدثات لم تكن في عهد رسول الله ﷺ وقد استحسنها الصحابة ومن بعدهم.
فدل ذلك على أن البدع تنقسم إلى حسنة وقبيحة (١) وربما استدلوا (٢) بالحديث الموقوف على ابن مسعود ﵁ وهو قوله: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» (٣) .
قال الشيخ علي محفوظ:
(ووجه الشبهة فيه ظاهر وهو أنه قال: " ما رآه المسلمون والظاهر ما رأوه بعقولهم فرجع التحسين إليهم فهم المخترعون، ولو كان التحسين بالدليل لما نسب الرؤية إلى المسلمين، فدل على أن البدعة فيها الحسن والقبيح ") (٤) .
وبناء على ما تقدم فإن هذا الفريق يرى:
- أن البدعة تطلق على كل ما أحدث في الدين بعد رسول الله ﷺ سواء كان محمودا أو مذموما.
стр. 214
- أن كل ما ورد في ذم البدع. مثل قوله ﷺ «كل بدعة ضلالة» عام مخصوص.
- أن البدعة تدور عليها الأحكام الخمسة.
أدلة القائلين بذم البدعة: تتركز أدلة هذا الفريق حول إثبات أن البدعة سيئة ومذمومة مطلقا، وقد استدلوا على ذلك بأدلة من القرآن والسنة، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١) فهذه الآية تدل على أن الشريعة قد جاءت كاملة فلا تحتاج إلى زيادة ولا نقصان. وحاصل كلام المبتدع وحاله، أن الشريعة لم تتم وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها في زعمه، ولو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها، ولاشك أن من اعتقد هذا فهو ضال عن الصراط المستقيم (٢) .
قال الإمام مالك:
(من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (٣) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا) (٤) .
ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٥) .
فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي
стр. 215
سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم، وهم أهل البدع.
وليس المراد بالسبل: المعاصي، لأن المعاصي - من حيث هي - لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما للتعبد. وإنما هذا الوصف خاص بالبدع والمحدثات.
فعن ابن مسعود ﵁ قال: « (خط لنا رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال هذا سبيل الله مستقيما قال ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] » (١) .
قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] قال: البدع والشبهات (٢) ومن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] (٣) فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق، أي منحرف عنه إلى طرق البدع والضلالات والمعاصي.
وعن مجاهد: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي المقتصد منها بين الغلو والتقصير وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر، وكلاهما من أوصاف البدع.
ومن الأدلة الواردة في القرآن مما يدل على ذم المبتدعين قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] (٤) فهذه الآية تبين حال الزائغين عن اتباع الحق، وذلك باتباعهم لما تشابه من الكتاب. بقصد الفتنة في الدين وما ذاك إلا بسبب زيغ في قلوبهم وفساد في أفهامهم.
وهذا صنيع أهل البدع لأنهم يتركون محكم الكتاب ويتمسكون بمتشابهه،
стр. 216
وقد ورد في الحديث ما يفسر الآية ويحذر من المبتدعة وأشباههم فقد أخرج البخاري بسنده «عن عائشة ﵂ قالت: (تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] إلى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] قالت: قال رسول الله ﷺ : فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) » (١) .
وأخرج الآجري بسنده عن طاووس قال: (ذكر لابن عباس ﵄ الخوارج - وما يصيبهم عند قراءة القرآن؟ (٢) فقال - رضي الله تعالى عنه: " يؤمنون بمحكمه ويضلون عن متشابهه. وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون: آمنا به ") (٣) ولا شك أن الخوارج كانوا أوائل المبتدعة، وكانت تلك سمتهم وسمة من أتى بعدهم من أهل البدع على اختلاف بدعهم (٤) وهي التمسك بالمتشابه وترك المحكم لزيغ في القلب.
وهذه الآيات قد تضمنت ذم الابتداع وأهله بطريق الإجمال ولم تخصص نوعا من البدع أو المحدثات دون نوع أو قسما دون قسم بل هي عامة، يستفاد منها ذم البدع مطلقا.
وبعد أن استعرضنا بعض الآيات التي تشير إلى ذم البدعة وأهلها ننتقل إلى السنة لاستعراض الأحاديث التي استدل بها القائلون بذم البدع مطلقا. فمن ذلك ما أخرجه أحمد وغيره عن العرباض بن سارية ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. فقال: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه
стр. 217
من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (١) فهذا الحديث نص في أن البدع كلها ضلالة بلا استثناء في ذلك ولا يحتمل تخصيصا يخرج بعض البدع عن هذا الوصف، وذلك لورود التعميم في أحاديث أخرى، ولم يرد في حديث منها ما يخصص ذلك العموم.
ومن الأدلة ما أخرجه مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: " بعثت أنا والساعة كهاتين " ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد. فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (٢) .
قال الحافظ ابن حجر:
(قوله: «كل بدعة ضلالة» قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها، أما منطوقها، فكأن يقال: حكم كذا بدعة، وكل بدعة ضلالة، فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدى. فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة، صحت المقدمتان وأنتجتا المطلوب) (٣) .
ومن الأدلة أيضا ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها: قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٤) فهذا الحديث يدل على أن من أحدث في الدين شيئا وليس أصل في الشرع يدل عليه فهو باطل ومردود على صاحبه.
стр. 218
قال النووي عند شرحه لهذا الحديث بروايتيه:
(. . . وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات. وفي الرواية الثانية زيادة، وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئا فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل أو سبق بإحداثها. . وهذا الحديث مما ينبغي حفظه، واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به) (١) .
ومع ما سبق. فالحديث يعتبر ميزانا توزن به الأعمال هل هي موافقة للشرع أم لا؟
قال الحافظ ابن رجب:
(وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، كما أن حديث: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال في باطنها، فهذا ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله - تعالى -فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء، ثم قال: " فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود، والمراد بأمره هاهنا: دينه وشرعه كالمراد بقوله في الرواية الأخرى «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . فالمعنى إذا أن كل من كان عمله خارجا عن الشرع، ليس متقيدا بالشرع فهو مردود.
وقوله: «ليس عليه أمرنا» إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة موافقا لها فهو مقبول،
стр. 219
ومن كان خارجا عن ذلك فهو مردود ") (١) .
ومنها قوله ﷺ (. . . . «فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢) فهذا الحديث فيه تحذير ووعيد شديد لمن رغب عن السنة وعدل عنها إلى غيرها من الأهواء والبدع.
وبناء على ما سبق فإن هذا الفريق من العلماء يرى:
- أن جميع ما ورد في ذم البدع من نحو قوله ﷺ «كل بدعة ضلالة» عام باق على عمومه.
- أن البدعة لا تكون إلا مذمومة، وإن استحسنها صاحبها.
- إن البدعة تطلق على ما أحدث في الدين بعد رسول الله ﷺ مما لا دليل عليه في الشرع بطريق خاص ولا عام.
- أن البدعة المقصودة بالذم شرعا لا تقبل التقسيم. أما التي قسمها العلماء فهي البدعة اللغوية وهي أعم وأشمل من البدعة الشرعية.
وبناء على ذلك فقد ناقشوا القائلين بالتقسيم في دعواهم.
مناقشة القائلين بالتقسيم: سبق أن ذكرنا أن أصحاب هذا الاتجاه قد انقسموا إلى فريقين:
- ففريق يرى أن البدعة تنقسم إلى محمودة ومذمومة واكتفى بذلك. ويمثله الإمام الشافعي ومن تابعه.
- والفريق الثاني زاد على ذلك بالقول بتقسيمها إلى خمسة أقسام وكان
стр. 220
هذا الفريق أكثر تفصيلا وتوضيحا. ويمثله العز بن عبد السلام وتلميذه القرافي ومن تابعهما.
أما الإمام الشافعي فقد ورد عنه قولان يفسر أحدهما الآخر. وحاصلهما أنه يرى أن البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة، وأن البدعة المحمودة ما أحدثت ولها أصل في الشريعة.
وقد نبه الحافظ ابن رجب على ذلك فقال: (وقد روى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم. واحتج بقول عمر ﵁: " نعمت البدعة هي ". ومراد الشافعي ﵀ ما ذكرناه من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه وهي البدعة في إطلاق الشرع. وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة: يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعا لموافقتها السنة.
وقد روى عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا، أنه قال: المحدثات ضربان:
ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة، وما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا (١) فهذه محدثة غير مذمومة) (٢) .
أما القائلون بالتقسيم فقد سبق إيراد أدلتهم والآن أبدأ بمناقشتها.
- أولا: استدلالهم بقول عمر ﵁: " نعمت البدعة هذه " وأن عمر قد سمى جمع الناس على قيام رمضان بدعة واستحسنها.
ليس فيه دليل على ما ذهبوا إليه من وجود البدعة الحسنة شرعا. ذلك أن عمر ﵁ لم يرد ذلك وإنما أراد المفهوم اللغوي لها وهو أوسع من المفهوم
стр. 221
الشرعي. لأنها تطلق في اللغة على الحادث محمودا كان أو مذموما بخلاف الشرع فلا تطلق إلا على الحادث المذموم.
أما ما فعله عمر ﵁ فقد كان سنة من كل وجه، ويوضح ذلك: أن قيام رمضان سنة وأنه ﷺ قد حث عليه ورغب فيه فقال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) ثم إنه ﷺ صلى القيام في المسجد جماعة بأصحابه عدة ليال فلما كثر الناس في المسجد امتنع من الخروج إليهم خشية أن تفرض عليهم. فظل الأمر على ذلك حتى توفاه الله.
ويبين ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ أخبرته «أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها. فتوفى رسول الله ﷺ والأمر ذلك» (٢) .
وعلى ذلك فالجماعة في القيام سنة وليست بدعة، فلما توفى رسول الله ﷺ وزال المانع بانقطاع الوحي بقيت على سنيتها وظل الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ﵁ وصدرا من خلافة عمر، ﵁، حتى رأى عمر أن يجمع الناس على القيام وراء إمام واحد بدلا من صلاتهم في المسجد أوزاعا متفرقين.
فعن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: (خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلى
стр. 222
الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلى بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله) (١) .
ثم أجمع الصحابة على صحة ما فعله عمر وأقروه فصار إجماعهم حجة. هذا بالإضافة إلى أنه سنة خليفة راشد أمرنا باتباعها لما روى الترمذي بسنده عن العرباض بن سارية أنه قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة. الحديث، وفيه: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (٢) .
وعلى ذلك فالجماعة في قيام رمضان سنة وليست بدعة، وإنما سماها عمر ﵁ بذلك إرادة منه للمفهوم اللغوي، لا الشرعي. ولأن رسول الله ﷺ قد تركها لمانع - وهو خوف الافتراض - قد زال بوفاته واتفق أنها لم تصل جماعة في زمان أبي بكر، ﵁، إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل أفضل من جمعهم على إمام أول الليل، وإما لضيق زمانه عن النظر في هذه الفروع لاشتغاله بحروب الردة وغير ذلك (٣) .
فلما تمهد الإسلام في زمان عمر ﵁ رأى جمعهم على إمام واحد وكان له الفضل في إحياء هذه السنة. وعلى ذلك فاستدلال القائلين بالتقسيم بهذا القول لا يؤدى إلى ما ذهبوا إليه من وجود البدعة الحسنة شرعا. ولو افترضنا صحة استدلالهم بهذا فليس قول الصحابي حجة إذا خالف الحديث.
كيف وقد أتت الأحاديث تشهد بالضلالة لكل بدعة.
стр. 223
يقول ابن تيمية:
(وأما قول عمر: " نعمت البدعة هذه " فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكما بقول عمر الذي لم يخالف فيه، لقالوا: " قول الصاحب ليس بحجة " فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله ﵌. ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة فلا يعتقده إذا خالف الحديث فعلى التقديرين: لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب.
. . . . ثم نقول: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي) (١) وأما استدلالهم بحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة» - وأن سن بمعنى اخترع وابتدع - على وجود البدعة الحسنة شرعا.
فالجواب: أنه ليس المراد بالاستنان هنا الاختراع، وإنما المراد به العمل بما ثبت في السنة النبوية، أو إحياء أمر مشروع غفل عنه الناس أو تركوه، وبيان ذلك من وجهين:
- الأول: أن سبب ورود الحديث يفسر المراد بذلك.
ففي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار. قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار (٢) أو العباء، متقلدي السيوف عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج. فأمر بلال فأذن وأقام. فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إلى
стр. 224
آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (١) والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨] (٢) تصدق رجل من ديناره من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة، قال فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت. قال: ثم تتابع الناس. حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة (٣) فقال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده. من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده. من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٤) .
فهذا الحديث يدل على أن المراد بالسنة الحسنة هو مثل ما فعله ذلك الصحابي، حيث أتى بتلك الصرة فانفتح بسببه باب الصدقة وتتابع الناس بعده فكان فاتحة الخير في هذا الإحسان. وإذا نظرنا إلى ما فعله هذا الصحابي نجد أن هذه الصدقة أمر مشروع وأنه لم يخترع شيئا جديدا.
غاية الأمر أنه كان له الفضل في تنبيه الصحابة وتشجيعهم - بفعله - على الصدقة وعلى ذلك فالمراد بالسنة الحسنة في الحديث: هو العمل بالسنة، خاصة إذا غفل عنها الناس أو تركوها.
ويتسع معنى السنة الحسنة ليشمل كل ما كان من أبواب الخير مما نبه إليه الشرع وحث عليه بشرط أن يكون على مقصود الشرع من الاتباع.
- الوجه الثاني:
أن قوله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة» لا يمكن حمله على
стр. 225
الاختراع، لأن كون السنة حسنة أو سيئة لا يعرف إلا بموافقة الشرع أو بمخالفته فما وافق الشرع وأوامره فهو من السنة الحسنة، ويدل على ذلك معنى الحديث.
وتطلق السنة السيئة على أمرين:
- أحدهما: إحداث المعاصي واختراع الفجور كما في حديث ابن آدم الأول ولفظه: «ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها - وربما قال سفيان: من دمها - لأنه سن القتل أولا» (١) .
- والثاني: هو الإحداث في الدين والابتداع فيه.
وأيضا لو صح حمل هذا الحديث على وجود البدعة الحسنة شرعا لكان معارضا بالأحاديث الدالة على عموم ذم البدعة، وإذا تعارضت أدلة العموم والتخصيص، لم يقبل ذلك التخصيص (٢) .
وأما حديث بلال بن الحارث: وفيه «ومن ابتدع بدعة ضلالة» . . . .) فهذا الحديث لا يحتج به ولا يصلح للاستدلال لأنه ضعيف. وسبب ضعفه أنه من رواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، وهو أحد المتروكين المجروحين ممن لا يعتد بحديثه (٣) .
وأما استدلالهم بقول ابن مسعود: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) فقد اعتاد كثير من الناس - المنتسبين للعلم منهم والجهال - الاحتجاج بهذا الأثر على أن في الدين بدعة حسنة، وأن الدليل على حسنها اعتياد الناس
стр. 226
عليها - ويروون هذا الأثر على أنه مرفوع إلى النبي ﷺ هذا مع أن الحديث موقوف على ابن مسعود لا يصح رفعه بحال من الأحوال.
وقبل الجواب أورده بنصه. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجلعهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ) (١) .
وهذا الحديث ليس فيه دليل على ما ذهبوا إليه وذلك:
- لأن الحديث موقوف فلا يجوز أن يحتج به في معارضة النصوص القاطعة في أن: «كل بدعة ضلالة» كما صح عن النبي ﷺ في أكثر من حديث.
- وعلى التسليم بأنه حجة، فإنه لا يعارض تلك النصوص القاطعة في ذم البدعة لأمور:
١ - أن المراد بهذا الأثر إجماع الصحابة وعلى ذلك فاللام في " المسلمون " ليست للاستغراق، بل هي للعهد لأن سياق الأثر يدل على ذلك. كما وضحته زيادة الحاكم على هذا الأثر (٢) .
٢ - وعلى التسليم بأن المراد به غير الصحابة فلا يعني أن المقصود به عموم المسلمين عالمهم وجاهلهم بل المقصود به أهل الإجماع.
ولو كان المقصود به عموم المسلمين عالمهم وجاهلهم لاستلزم الباطل لأمرين:
- أحدهما: أنه سيناقض قوله ﷺ : «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة» (٣) .
стр. 227
ووجه التناقض - أن الحديث الأول يفيد - في نظر المستدلين به - أن كل مسلم مصيب لأن الحديث قد حكم بالحسن على مذهبه.
- الثاني: أنه يقتضي أن يكون العمل حسنا عند بعض الناس قبيحا عند البعض الآخر وهذا باطل (١) ولو كان المراد منه استحسان عامة المسلمين لكان هذا فتحا لباب الابتداع في الدين.
وبعد هذا أرى أنه لا يمكن الاحتجاج بقول ابن مسعود على وجود البدعة الحسنة أو جوازها، وأما الاحتجاج به من المبتدعة وأشباههم إنما يكون لهوى في نفوسهم، وإلا فابن مسعود ﵁ كان من أشد الصحابة تحذيرا من الابتداع ومقاومة للبدع.
وأما استدلالهم بما فعله السلف وعملوا به مما لم يرد فيه نص صريح أو خاص من كتاب أو سنة ومثلوا لذلك بجمع القرآن وتصنيف العلوم وغير ذلك - على وجود البدعة الحسنة.
والجواب عن ذلك: أن ما ذكروه واستدلوا به من فعل الصحابة ليس دليلا على ما ذهبوا إليه.
لأن ما فعله الصحابة كان من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب أو من قبيل المصلحة المرسلة عند من يأخذ بها.
وأما جمع أبي بكر ﵁ للقرآن وجمع عثمان ﵁ الناس على مصحف واحد فقد كان سببه الخوف من تفلت القرآن من الصدور وضياعه، فقام أبو بكر ﵁ بجمعه بين الدفتين، ثم جاء عثمان ﵁ فجمع الناس على مصحف واحد، وأمر بإحراق ما عداه من المصاحف خشية الاختلاف في القرآن ووقوع الفتنة بسبب ذلك.
فهذا الأمر - أعني جمع القرآن - لم يرد فيه نص عن النبي ﷺ بفعله على وجه الخصوص. لكن نصوص الشرع العامة تؤيده.
стр. 228
فقد كان النبي ﷺ يأمر بكتابة القرآن، ولا فرق بين أن يكتب مفرقا أو مجموعا بل صار جمعه أصلح (١) وأيضا فجمع القرآن راجع إلى حفظ الشريعة، والأمر بحفظها معلوم، وراجع إلى سد الذريعة إلى وقوع الاختلاف في القرآن، وقد علم النهي عن الاختلاف في القرآن، بنصوص الشرع المستفيضة (٢) .
ويرى ابن تيمية أن جمع القرآن لم يخرج عن كونه سنة، لأن السنة - بمعناها الواسع - هي ما قام الدليل الشرعي على أنه طاعة لله ورسوله، سواء فعله الرسول ﷺ ، أو فعل في زمانه أو لم يفعله في زمانه لعدم المقتضى حينئذ لفعله، أو وجود المانع منه، وإذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة، كما أمر بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وكما جمع الصحابة القرآن في المصحف، وداوموا على قيام رمضان في المسجد جماعة. وقد قال ﷺ : «لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» (٣) فشرع كتابة القرآن، وعلى ذلك فكتابة القرآن مشروعة لكن لم يجمعه الرسول ﷺ في مصحف واحد لاحتمال نزول آيات أو سور أو احتمال نسخ لبعض آياته.
فلأجل هذا الاحتمال لم يمكن جمعه في مصحف واحد حتى مات رسول الله ﷺ (٤) فقام أبو بكر ﵁ بجمعه وقام عثمان ﵁ بجمع الناس على مصحف واحد، وأجمع الصحابة على ذلك فصار إجماعهم دليلا شرعيا. وأما تدوين السنة والعلوم الشرعية فهو من باب تبليغ الشريعة. وقد ورد الأمر بذلك والحث عليه. فقال ﷺ «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» (٥) وقال: «بلغوا عني ولو آية» (٦) .
стр. 229
وثبت في السنة الأمر بكتابة العلم كقوله ﵊ «اكتبوا لأبي شاة» (١) وعن أبي هريرة ﵁ أنه - قال: «ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني عن رسول الله ﷺ ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب» (٢) .
فهذه الأحاديث تدل على أن كتابة العلم وتدوينه أمر مشروع. ويتأكد هذا إذا خيف عليه الضياع والدروس. وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: " أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه فإني خفت دروس العلم. وذهاب العلماء، ولا يقبل إلا حديث النبي ﷺ وليفشوا العلم، وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا " (٣) .
أما قتل عمر ﵁ الجماعة بالواحد حينما اشتركوا في قتله، فإنه وإن لم يرد في الشرع دليل على خصوصه إلا أنه مستند إلى المصلحة التي أيدتها نصوص الشرع الدالة على وجوب حفظ الدماء والنفوس. ويبين وجه المصلحة في ذلك، أن القتيل معصوم الدم، وقد قتل عمدا، فإهدار دمه داع إلى هدم أصل القصاص، واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى السعي بالقتل إذا علم أنه لا قصاص فيه، فإيقاع القصاص عليهم أمر تدعو إليه المصلحة الشرعية المعتبرة على وجه العموم وهي حفظ الدماء والنفوس، فلا يعد ذلك من قبيل الابتداع لموافقته مقاصد الشرع وأصوله المعتبرة (٤) .
ثم هو بعد ذلك فعل خليفة راشد أجمع عليه الصحابة.
أما تضمين الصناع فقد قضى الخلفاء الراشدون بتضمينهم، وقال علي ﵁: (لا يصلح الناس إلا ذاك) .
ووجه المصلحة في ذلك: أن الناس لهم حاجة إلى الصناع والغالب عليهم
стр. 230
التفريط في عين الأمتعة، فلو لم يضمنوا مع شدة الحاجة إليهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين:
- إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق.
- وإما أن يعملوا ولا يضمنوا بدعواهم الهلاك، فتضيع الأموال، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة في التضمين، وهذا معنى قول علي: " لا يصلح الناس إلا ذاك " (١) .
وبعد عرض أدلة الفريقين ومناقشة القائلين بالتقسيم تبين أن أدلة القائلين بذم البدع مطلقا أقوى وأسلم من المعارضة لأنه لم يرد في نصوص الشرع ما يعارضها وينقلها من العموم إلى الخصوص، ومن الإطلاق إلى التقييد، وأما ما ذكره الفريق الأول من أدلة فلا يتعارض مع أحاديث العموم الواردة في ذم البدعة. وذلك لأن البدعة هي ما أحدث في الدين وليس عليه دليل صحيح من الشرع لا خاص ولا عام.
وما ذكروه من أمثلة فإما أن يكون داخلا في السنة بمعناها العام. وإما أن يكون وسيلة لتحقيق أمر مشروع كبناء المدارس لنشر العلم الشرعي، وتصنيف العلوم النافعة واستخدام وسائل العصر النافعة في نشر الدين والعلم وهذا كله يندرج تحت معنى السنة الحسنة.
ثم إنه لا خلاف بين الفريقين في ذم البدع المذمومة وإنما الخلاف في تسمية السنة الحسنة بالبدعة الحسنة والاستدلال بما لا ينهض من الأدلة على وجود البدعة الحسنة. ولهذا الأمر خطورته لأن المبتدعة وأهل الأهواء يتذرعون بالخلاف في هذه المسألة ويعدون بدعهم المذمومة من قبيل البدعة الحسنة ويحاولون تخريجها على أصول الشرع.
لأجل هذا كان تحرير محل النزاع في هذه المسألة مهما جدا. فالجميع متفقون على أن البدع المذمومة ضلالة.
стр. 231
ومتفقون أيضا على أنه قد أحدثت بعد رسول الله ﷺ أشياء حسنة، ولكنهم اختلفوا في تسميتها.
فالفريق الأول سماها بدعة حسنة وحاول أن يثبت بالأدلة وجود البدعة الحسنة شرعا ليندرج تحتها كل ما أحدث من أمور الخير. وليس مقصدهم إلا ذلك.
والفريق الثاني: قال بأنها ليست من البدع في شيء - لأن البدع كلها ضلالة لا حسن فيها - وإنما هي من قبيل السنة الحسنة. طالما أنها مندرجة تحت نصوص الشرع وقواعده العامة.
فالخلاف لفظي، ومآل القولين واحد بين أهل العلم في هذه المسألة وإن كان الصحيح الذي لا مرية فيه هو أن البدعة كلها ضلالة، وأن ما سمي بدعة مما ثبت حسنه فاطلاق اسم البدعة عليه شرعا لا ينطبق ولا يسوغ، أما الخلاف الحقيقي فهو بين أهل العلم وأهل الأهواء حينما يريد المبتدعة تسويغ بدعهم المذمومة ونشرها استنادا إلى أنها بدعة حسنة، وأن فريقا من العلماء قالوا بوجود البدعة الحسنة فهنا يكون الخلاف الحقيقي، وتظهر خطورته في انتشار البدع الكثيرة بسبب الاعتماد على وجود مسمى البدعة الحسنة شرعا. فيجب المحافظة - والحالة هذه - على عموم قوله ﷺ «كل بدعة ضلالة» .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(. . . . إن المحافظة على عموم قول النبي ﷺ : «كل بدعة ضلالة» متعين، وأنه يجب العمل بعمومه، وأن من أخذ يصنف " البدع " إلى حسن وقبيح، ويجعل ذلك ذريعة إلى أن لا يحتج بالبدعة إلا على النهي فقد أخطأ، كما يفعل طائفة من المتفقهة، والمتكلمة والمتصوفة. والمتعبدة إذا نهوا عن " العبادات المبتدعة " " والكلام في التدين المبتدع "، ادعوا أن لا بدعة مكروهة إلا ما نهي، عنه، فيعود الحديث إلى أن يقال: " كل ما نهي عنه " أو " كل ما حرم "
стр. 232
أو " كل ما خالف نص النبوة فهو ضلالة " وهذا أوضح من أن يحتاج (في رده) إلى بيان، بل كل ما لم يشرع من الدين فهو ضلالة) (١) .
وقال أيضا:
(. . . ومعلوم أن كل ما لم يسنه ولا استحبه رسول الله ﷺ ولا أحد من هؤلاء الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم، فإنه يكون من البدع المنكرات ولا يقول أحد في مثل هذا إنه بدعة حسنة. إذ البدعة الحسنة - عند من يقسم البدع إلى حسنة وسيئة - لا بد أن يستحبها أحد من أهل العلم الذين يقتدي بهم، ويقوم عليها دليل شرعي على استحبابها، وكذلك من يقول البدعة الشرعية كلها مذمومة لقوله ﷺ في الحديث «كل بدعة ضلالة» ويقول: قول عمر في التراويح إن أسماها بدعة: باعتبار وضع اللغة. فالبدعة في الشرع عند هؤلاء ما لم يقم دليل شرعي على استحبابه. ومآل القولين واحد، إذ هم متفقون على أن ما لم يستحب أو يجب من الشرع فليس بواجب ولا مستحب، فمن اتخذ عملا من الأعمال عبادة ودينا وليس ذلك في الشريعة واجبا ولا مستحبا فهو ضال باتفاق المسلمين) (٢) .
وعلى ذلك فالبدعة المنصوص على ضلالتها في الشرع هي:
- كل ما عارض السنة من الأقوال أو الأفعال أو العقائد.
- كل أمر يتقرب به إلى الله، وقد نهى عنه الشرع.
- كل أمر لا دليل عليه من الشرع، مما يلحق بالعبادات أو العقائد.
- كل عبادة لم تأت كيفيتها إلا في حديث ضعيف أو موضوع.
- كل عبادة أطلقها الشارع وقيدها الناس ببعض القيود مثل المكان والزمان أو الهيئة أو العدد.
стр. 233
- كل أمر لا يمكن أن يشرع إلا بنص أو توقيف ولا نص عليه فهو بدعة، إلا ما كان عن صحابي.
- ما نص على استحبابه بعض العلماء سيما المتأخرين منهم ولا دليل عليه.
- الغلو في العبادة (١) .
стр. 234
[المبحث الثاني البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول ﷺ ]
[أولا ادعاء الصوفية أنهم يرون الرسول ﷺ يقظة]
المبحث الثاني
البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول ﷺ لقد كان من أكبر آثار الغلو في الرسول ﷺ ظهور البدع في العقائد والعبادات والتي أظهرها المبتدعة بدعوى حبهم للرسول ﷺ فجعلوا المحبة مبررا لهم في صنيعهم، كما حاولوا أن يلتمسوا لها من الشبه الباطلة ما يقوي بنيانها.
وتنوعت ضروب البدع وتعددت، وكلما مضى الزمان ازدادت البدع حتى أصبحت عقيدة راسخة في النفوس.
وسأتحدث في هذا المبحث عن نماذج من هذه البدع:
أولا - ادعاء الصوفية أنهم يرون الرسول ﷺ يقظة: أشرت في مبحث آثار الغلو في الرسول ﷺ إلى بعض البدع الاعتقادية في الرسول ﷺ ، وذلك كالاعتقاد بالحقيقة المحمدية وتوابعها، وبينت بطلانها.
ومما يعتقده الصوفية في هذا الباب إيمانهم بحياة النبي ﷺ بعد موته حياة تامة لها كل خصائص الأحياء، ولذلك قالوا بأنهم يرونه يقظة ويجتمعون به فيرشدهم في طريقتهم، وأنه يحضر حضراتهم التي يقيمونها والموالد التي يعملونها.
وقد أشار الغزالي إلى هذه الخرافة وجعلها من فضائل الصوفية وإن لم يصرح بها تصريحا واضحا فقال عنهم:
(. . . . حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتهم ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة والأمثال
стр. 235
إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق) (١) .
ولكن هذه الخرافة لم يصرح بها إلا المتأخرون استغلالا منهم لظروف الجهل التي ضربت عقول المسلمين فصاروا أسرى الخرافات والأساطير.
وقد ذكر عمر بن سعيد (٢) الفوتي في كتاب الرماح:
(أن الأولياء يرون رسول الله ﷺ يقظة، وأنه يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله أن يراه عبد رفع عنه الحجاب فيراه على هيئته التي كان هو عليها) (٣) .
وعلى هذه البدعة أسست طرق صوفية كثيرة سميت بالطرق المحمدية لأنها كما يزعمون أخذت من الرسول ﷺ مباشرة في اليقظة وذلك كالطريقة التيجانية (٤) والطريقة الأحمدية الإدريسية (٥) وغيرها من الطرق. كما بنوا عليها حضراتهم وموالدهم. إذ تزعم الصوفية أن الحضرة التي يقيمونها سميت بذلك لأن النبي ﷺ يحضرها إما بروحه وإما يقظة بجسده وروحه.
стр. 236
وكذلك المولد الذي يقرأونه يزعمون أن النبي ﷺ يحضره. خاصة عند ذكر ولادته ﷺ ، ولذلك يقومون لمجيئه.
ويقول قائلهم: جاء الرسول. حضر الرسول. وحتى يمعنوا في تضليل الناس بهذه البدعة يقولون بأن الرسول لا يراه إلا الكمل من العباد، أما القاصرون والمنكرون فهم محجوبون عن رؤيته ﷺ واعتقادهم في هذا يشبه اعتقادهم في القطب الصوفي المغيب عن الأبصار الذي لا يجتمع به إلا كبار الأولياء على زعمهم، مثلما يعتقد الشيعة في الإمام الغائب المنتظر.
يقول صاحب جواهر المعاني عن شيخه أحمد التيجاني:
(قال ﵁: أخبرني سيد الوجود يقظة لا مناما. قال لي أنت من الآمنين، ومن رآك من الآمنين إن مات على الإيمان) (١) .
وقال عنه أيضا: (. . . ثم أمرني بالرجوع ﷺ إلى صلاة الفاتح لما أغلق، فلما أمرني بالرجوع إليها، سألته ﷺ عن فضلها فأخبرني أولا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيا أن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون، ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير، ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من الأذكار) (٢) .
ويقول أحمد بن إدريس في إحدى صلواته:
(. . . واجمع بيني وبينه، كما جمعت بين الروح والجسد ظاهرا وباطنا يقظة ومناما، واجعله يا رب روحا لذاتي من جميع الوجوه في الدنيا قبل الآخرة) (٣) .
стр. 237
ويستدلون على ادعائهم رؤية النبي ﷺ يقظة بالحديث الذي رواه البخاري ومسلم بسنديهما عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي» (١) .
قالوا فالحديث صريح في رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته في الدنيا قبل الآخرة.
قال ابن أبي جمرة (٢) (اللفظ - أي لفظ الحديث - يعطي العموم، ومن يدعي الخصوص بغير مخصص منه ﷺ فمتعسف) .
وقال السيوطي بعد أن ذكر هذا الحديث وأيده ببعض النقول عن بعض العلماء: (فحصل من مجموع هذه النقول والأحاديث أن النبي ﷺ حي بجسده وروحه وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض. . . . فإذا أراد الله رفع الحجاب عمن أراد إكراما برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها لا مانع من ذلك ولا داعي للتخصيص برؤية المثال) (٣) .
وهذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه لأن الحديث يحتمل عدة معان ولذلك اختلف العلماء في معناه وحملوه على عدة محامل منها:
- أن المراد به من آمن به في حياته ولم يره - لكونه حينئذ غائبا عنه
стр. 238
فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره. أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته ﷺ .
- أو أن معناه أنه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وخروجها على الوجه الحق.
- وقيل أنه على التشبيه والتمثيل ويدل على ذلك الرواية الأخرى ولفظها: «فكأنما رآني في اليقظة» .
- وقيل معناه أن يراه يقظة في الآخرة، وهذا بشارة لرائيه في النوم بأنه سيموت مسلما، لأنه لا يراه تلك الرؤيا الخاصة باعتبار القرب إلا من تحقق موته على الإسلام. ومعنى ذلك أنها رؤية خاصة في الآخرة على سبيل القرب منه ﷺ وهذا الوجه والذي قبله أقرب الوجوه إلى الصواب.
- وقيل معناه أنه يراه في المرآة التي كانت له ﷺ إن أمكنه ذلك، وهو قول ابن أبي جمرة (١) قال ابن حجر في الفتح (٢) (وهذا من أبعد المحامل) .
- وقيل معناه أنه يراه حقيقة في الدنيا ويخاطبه (٣) .
وهذا الاحتمال الأخير باطل من وجهين:
١ - أنه مستحيل شرعا لمعارضته النصوص. كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (٤) وهو أيضا مخالف لإجماع الأمة التي أجمعت على وفاته ﷺ . ولا يرد على ذلك أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وما ورد عنه ﷺ من أنه ترد عليه روحه حتى يرد السلام على من سلم عليه. فإن هذه الحياة حياة برزخية تختلف عن الحياة الدنيا في خصائصها وصفاتها ولذلك يقتصر في شأنها على ما ورد في النصوص، ولا تقاس على الحياة الدنيا بأي حال من الأحوال.
стр. 239
ثم إن حمل هذا الحديث على رؤيته يقظة في الدنيا بعد وفاته يلزم منه ادعاء الكذب على رسول الله ﷺ وهذا مستحيل لأنه معصوم عن الكذب. وبيان ذلك: أن النبي ﷺ قال: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» فعلق الجواب على الشرط، ومن المعلوم أن جمعا كثيرا من سلف الأمة وخلفها قد رأوه في المنام ولم يذكر أحد منهم أنه رآه في اليقظة. وخبر الصادق ﷺ لا يتخلف (١) .
٢ - أنه مستحيل عقلا لأنه يلزم منه لوازم باطلة مثل أن يخرج ويراه الناس وأن يقود أمته في كل المواطن كما كان في حياته ﷺ وأن يجاهد في سبيل الله وأن يفصل بين الأمة في المسائل المتنازع عليها والحوادث التي وقعت لأمته من بعده طالما أنه حي حياة تامة.
إذ لو صح ذلك لكان حل النبي ﷺ لمشاكل أمته التي حدثت من بعده وجمع كلمتهم أولى من أن يظهر لأناس في مجالس بدعية جمعوا فيها من فنون الشرك والبدع ما نهي عنه وحذر منه.
فكيف يحضر مجالسهم التي بهذه الصفة ويترك الصحابة والأمة من بعدهم يواجهون الفتن بأنفسهم وهم أحوج ما يكونون إليه لو كان حيا.
قال القرطبي (٢) فيما نقله الحافظ ابن حجر:
(وهذا القول يدرك فساده بأوائل العقول ويلزم عليه ألا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره ويمشى في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى في قبره منه شيء فيزار مجرد القبر ويسلم
стр. 240
على غائب، لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل) (١) .
ثم إن هذا الحديث لو صح دليلا على دعواهم لتطرقت إليه الاحتمالات السابقة والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، وأيضا فإن رؤية النبي ﷺ بعد موته في اليقظة هي من الأمور الاعتقادية التي لا تثبت إلا بدليل صحيح سالم من المعارضة. وهذا الدليل محتمل لوجوه متعددة ومعارض بنصوص صريحة قطعية من القرآن والسنة تثبت موته ﷺ (٢) .
قال ابن تيمية:
(والضلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه: " إما النبي ﷺ وإما غيره من الأنبياء يقظة، ويخاطبهم ويخاطبونه. وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم. ومنهم من يخيل إليه أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي ﷺ وعانقه وصاحباه. ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام وإلى مكان بعيد. . . . وهذا موجود عند خلق كثير كما هو موجود عند النصارى والمشركين، لكن كثير من الناس يكذب بهذا، وكثير منهم إذا صدق به يظنه أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه. ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان.
ومن كان أقل علما قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافا ظاهرا. ومن عنده علم منها لا يقول له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيدا فائدة في دينه، بل يضله عن بعض ما كان يعرفه، فإن هذا فعل الشياطين، وهو إن ظن أنه قد استفاد شيئا فالذي خسره من دينه أكثر. ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة: إن الخضر أتاه، ولا موسى ولا عيسى، ولا أنه سمع رد النبي ﷺ . وابن عمر
стр. 241
كان يسلم إذا قدم من سفر ولم يقل قط أنه يسمع الرد. وكذلك التابعون وتابعوهم، وإنما حدث هذا من بعض المتأخرين. . . ممن قل علمه بالتوحيد والسنة، فأضله الشيطان كما أضل النصارى في أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) (١) .
إذا تبين لنا هذا علمنا أن ما يدعيه الصوفية من حياة النبي ﷺ ورؤيتهم له يقظة هو محض خرافة، يكذبها العقل والواقع والتاريخ وأن ما بنوه على أساس هذه الخرافة باطل، وأن هذا من تلاعب الشياطين بهم لأنهم ليسوا على الطريقة الشرعية في عقائدهم وعبادتهم، وإلا لو كان هذا صحيحا لحصل لأفضل الخلق بعده ﷺ وهم صحابته، لكنهم لما كانوا على الصراط المستقيم لم تطمع الشياطين في إضلالهم بمثل هذه الخرافات والبدع (٢) .
وكما لبس الشيطان عليهم في ادعائهم لرؤية النبي ﷺ في اليقظة، فقد لبس على كثير منهم في الرؤيا المنامية مع تعمد كثير منهم الكذب على رسول الله ﷺ في المنام.
فها هو ابن عربي إمام ملاحدة الصوفية المسمى عندهم بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر يزعم بأنه رأى رسول الله ﷺ في المنام وقد أعطاه كتاب فصوص الحكم ليخرج به على الناس، وهو كتاب مشحون بالكفر والكذب على الله ورسوله من أوله إلى آخره.
فلم يكتف بالكذب في يقظته حتى كذب في منامه على رسول الله ﷺ وغالب الصوفية يعتمدون على الرؤيا المنامية في إثبات بدعهم وخرافاتهم، فالصادق منهم لبس عليه الشيطان بأنه رأى الرسول ﷺ وهو في الحقيقة لم يره، وأما الكذوب فأمره بين.
стр. 242
وقد ذكر العلماء أن رؤيا رسول الله ﷺ في المنام لا يثبت بها حكم شرعي أو يُنْفَى، لأن الشريعة ثابتة بالأدلة الشرعية المعروفة الظاهرة، وليست الرؤيا دليلا من هذه الأدلة. ثم قالوا إن من رأى رؤيا فليعرض رؤياه على الشرع، فإن وافقت مقتضى الشرع فالحكم به، وتكون الرؤيا من قبيل الاستئناس.
وإن كانت مخالفة لأمر شرعي فمحال وباطلة؛ لأن النبي ﷺ لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته، لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي المنامية، فمن رأى شيئا من ذلك فرؤياه غير صحيحة، إذ لو رأى النبي ﷺ في المنام حقا لم يخبره بما يخالف الشرع، فمن أخبر بما يخالف الشرع واستند إلى رؤيا النبي ﷺ وإجازته له فهو أحد رجلين:
إما كذوب دجال كابن عربي وأمثاله، وإما صادق ولكن لبّس الشيطان عليه لقلة علمه فأوهمه أنه رأى النبي ﷺ ولم يره (١) .
[ثانيا التوسل غير المشروع بالنبي ﷺ ]
[التوسل المشروع]
ثانيا: - التوسل غير المشروع بالنبي ﷺ : ومن البدع التي أحدثها الصوفية التوسل بالنبي ﷺ بذاته وبجاهه أو الإقسام على الله به. ويدخلون في هذا التوسل الاستغاثة به وطلب الحاجات منه. وهذه البدعة أخذت شكلًا علميًّا لدى الصوفية لكثرة ما كتب فيها من مؤلفات ورسائل. لكن جوهر الحقيقة هو أنهم يريدون أن يظهروا أمام الناس بمظهر المتمسك بأدلة الشرع، لذا نراهم يحرصون على جلب الأدلة وسوقها حتى يتسنى لهم إثبات مشروعية هذا النوع من التوسل بالنبي ﷺ ومن ثم يدخلون فيه كل ألوان الشرك كالاستغاثات والتضرع وطلب الحاجات وغير ذلك.
ثم إن لهم من وراء ذلك مقصدا آخر وهو أنهم يجوزون الشرك بالأولياء والصالحين تحت اسم التوسل بهم، طالما ثبت التوسل بالنبي ﷺ فلا مانع أن يتعدى ذلك إلى الأولياء من بعده. وإذا سألتهم عن الدافع إلى ذلك قالوا ما هو إلا محبة النبي ﷺ وأولياء الله الصالحين وتعظيمهم ومعرفة حقوقهم إلخ.
стр. 243
وقبل الكلام على التوسل المبتدع بالرسول ﷺ ، أود أن أبين أن التوسل بالنبي ﷺ ينقسم إلى قسمين:
١ - توسل مشروع.
٢ - توسل غير مشروع.
أما التوسل المشروع فينقسم إلى نوعين:
- أحدهما التوسل بالإيمان برسول الله ﷺ وطاعته. وهذا فرض عين على كل مسلم في كل حال، ولا يسقط عن أحد من الخلق بعد قيام الحجة عليه، ولا يعذر فيه بأي عذر. وقد جعل الله الإيمان بالرسول ﷺ وطاعته وسيلة إلى كل خير ورحمة في الدنيا والآخرة.
ويقع التوسل بهذا النوع على وجهين:
- فتارة يتوسل المسلم بالإيمان بالرسول وطاعته ومحبته إلى ثواب الله وجنته.
- وتارة يتوسل بذلك في الدعاء فيقول مثلا: اللهم بإيماني بنبيك وطاعتي له وحبي إياه اغفر لي.
- ثانيهما: التوسل بدعائه ﷺ وشفاعته، وذلك في حياته. كما كان الصحابة يفعلونه مع النبي ﷺ من طلب الدعاء منه، والاستغفار لهم، وطلب السقيا لهم.
كما يكون في الآخرة بطلب الخلق منه أن يشفع لهم عند ربهم للقضاء بين العباد وهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون. وعليه فهذا النوع من التوسل إما أن يكون في حياته ﷺ ، وهو نافع لمن دعا له الرسول أو شفع له. وإما أن يكون في يوم القيامة حيث يتوسل الناس به ليشفع لهم عند ربهم. أما بعد مماته فلم يكن أحد يطلب منه الدعاء لا عند قبره، ولا في أي مكان آخر. ولم يفعل ذلك الصحابة والتابعون ولا من بعدهم. ولم ينقل عنهم بوجه صحيح أن ذلك جائز. وهذا النوع من التوسل يقع على وجهين أيضا:
стр. 244
الأول: أن يطلب من الرسول ﷺ الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع كما كان الصحابة يطلبون منه فيدعو لهم. وكما يطلب الخلق منه ذلك في يوم القيامة. وأحاديث الاستسقاء وغيرها توضح ذلك أتم توضيح.
- الثاني: أن يضيف إلى ذلك سؤال الله تعالى بشفاعة نبيه ودعائه وذلك كما في حديث الأعمى فإنه طلب من الرسول ﷺ الدعاء والشفاعة، فدعا له الرسول وشفع فيه وأمره أن يدعو الله فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليه بنبيك محمد نبي الرحمة» الحديث. وفيه: «اللهم فشفعه في» فأمره أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه. وسيأتي مزيد شرح لهذا الحديث.
وهذا النوع من التوسل لا يجوز إلا في حياته ﷺ أما بعد وفاته فلا يجوز بحال من الأحوال. إذ ليس على ذلك دليل صحيح كما سيأتي بيانه.
[التوسل غير المشروع]
٢ - التوسل غير المشروع: ويقصد به التوسل بذات النبي ﷺ ، وسؤال الله بجاه نبيه، والإقسام على الله به. وهذا النوع غير مشروع لفقدان الدليل على مشروعيته، فلم ترد به سنة صحيحة ولم يكن الصحابة يفعلونه لا في حياته ﷺ ولا بعد موته، لا عند قبره ولا في أي مكان آخر. ولم ينقل ذلك عنهم بوجه صحيح يعتمد عليه عند أهل العلم. بل الثابت عنهم أنهم عدلوا عنه إلى غيره، كما فعل عمر مع العباس ﵄.
وهذا التوسل غير المشروع هو مقصود غالب المتأخرين بالتوسل بالنبي ﷺ ، ويعتقدون أنه من أفضل القربات، وأنه دليل على حب النبي ﷺ والصالحين. وهو أول ما يعولون على إثباته والمنافحة عنه، والرد على ما نعيه، والتشنيع عليهم، حتى يسلم لهم ما أرادوا من تعميم التوسل بالأنبياء والصالحين. وهذا النوع هو ما سأتناوله بشيء من العرض والتفصيل.
стр. 245
يقول السبكي (١) .
(إن التوسل بالنبي ﷺ جائز في كل حال. قبل خلقه وبعد خلقه في مدة حياته في الدنيا، وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة والجنة) (٢) ويقسمه إلى ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: أن يتوسل به بمعنى أن طالب الحاجة يسأل الله تعالى به أو بجاهه أو ببركته. فيجوز ذلك في الأحوال الثلاثة وقد ورد في كل منها خبر صحيح. وساق تحت هذا النوع حديث توسل آدم بالنبي ﷺ (٣) وغيره من الأحاديث.
- النوع الثاني: التوسل به بمعنى طلب الدعاء منه. وقال: إن ذلك كما كان في حياته يجوز بعد موته.
ثم ساق حديثا بسنده عن مالك الدار قال: (أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب ﵁، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله ﷺ في المنام فقال: ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون وقل له: عليك الكيس الكيس. فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر ﵁ ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه) .
стр. 246
قال. ومحل الاستشهاد من هذا الأثر طلبه الاستسقاء من النبي ﷺ بعد موته في مدة البرزخ. ولا مانع من ذلك فإن دعاء النبي ﷺ لربه تعالى في هذه الحالة غير ممتنع.
- النوع الثالث: أن يطلب منه ذلك الأمر المقصود. بمعنى أنه ﷺ قادر على التسبب فيه بسؤاله ربه وشفاعته إليه. فيعود إلى المعنى الثاني وإن كانت العبارة مختلفة (١) .
وبعبارة أصرح من ذلك أن يطلب منه الحاجات رأسا فيقول السائل يا رسول الله فرج كربتي أو أغثني. . . إلخ.
ولم يجد السبكي ما يستدل به على هذا النوع الثالث سوى أنه عائد إلى النوع الثاني. لكن غيره وجدوا ما يستدلون به على مثل هذا النوع، وهي الحكايات والمنامات وعليها غالب اعتمادهم.
شبهات المجيزين لهذا النوع من التوسل: يورد الصوفية شبهات كثيرة على جواز التوسل بالنبي ﷺ توسلا بدعيا وشركيا ليوهموا أتباعهم أنهم بذلك على الحق وأنهم أحب إلى رسول الله ﷺ وأقرب من غيرهم. وشبههم متنوعة لكني سأقتصر على أقواها في نظرهم.
أولا- من القرآن: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] (٢) . وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] (٣) .
стр. 247
قال صاحب كتاب حقيقة التوسل والوسيلة:
(ولفظ الوسيلة عام في الآيتين فهو شامل للتوسل بالذوات الفاضلة من الأنبياء والصالحين في الحياة وبعد الممات، وبإتيان الأعمال الصالحة على الوجه المأمور به، وللتوسل بها بعد وقوعها) (١) .
واستدلالهم بهاتين الآيتين باطل لأنه مخالف لتفسير الصحابة والتابعين وما عليه أئمة التفسير من أن المراد بالوسيلة في الآيتين التقرب إلى الله بصالح الأعمال ولم يؤثر عن واحد من هؤلاء أنه فسرها بجواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين كما فسره هؤلاء.
ثم إن الاستدلال بالآية الثانية بالذات على مدعاهم من أبطل الباطل وأكذب الكذب لأنها تدل على نقيض ما ادعوه وترد عليهم دعواهم، ويبين هذا سبب نزولها كما قال ابن مسعود ﵁ فيما رواه البخاري عنه: (كان ناس من الأنس يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم) (٢) .
ومعنى ذلك أن الله يرد على هؤلاء الذين عبدوا الجن ودعوهم من دون الله بأن الذين تدعونهم قد أسلموا فصاروا يتقربون إلى الله بصالح الأعمال، وفي هذا تحريض لهؤلاء المشركين على الإيمان بالله وحده وسلوك مسلك الجن الذين آمنوا، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] (٣) .
стр. 248
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١) .
عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] (٢) (اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد ﷺ بإخلاص في ذلك لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة.
. . . . وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (٣) وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] (٤) فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسول الله ﷺ ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل) (٥) .
стр. 249
ومما استدلوا به من الأحاديث ما أخرجه البخاري بسنده عن أنس بن مالك ﵁: (أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون) (١) .
ويستدلون بهذا الحديث على جواز التوسل بذوات المخلوقين وجاههم فقالوا إن توسل عمر إنما كان بجاه العباس ومكانته عند الله ، وإن توسله إنما كان مجرد ذكر منه للعباس في دعائه وطلب من الله أن يسقيه من أجله وقد أقره الصحابة على ذلك فدل هذا بزعمهم على جواز التوسل بذات المخلوق وجاهه. ولكن ما سبب عدول عمر عن التوسل بالرسول ﷺ طالما أن ذلك جائز في نظرهم. أجابوا عن ذلك بأن عدوله كان لبيان جواز التوسل بغير النبي ﷺ وأن ذلك مما لا حرج فيه.
يقول الشيخ أحمد زيني دحلان (٢) .
(وإنما استسقى عمر ﵁ بالعباس ﵁ ولم يستسق بالنبي ﷺ ليبين للناس جواز الاستسقاء بغير النبي ﷺ وأن ذلك لا حرج فيه، وأما الاستسقاء بالنبي ﷺ فكان معلوما عندهم فلربما أن بعض الناس يتوهم أنه لا يجوز الاستسقاء بغير النبي ﷺ فبين لهم عمر باستسقائه بالعباس الجواز) (٣) .
واستدلالهم بهذا الحديث على ما يدّعونه استدلال باطل لأمور:
أولا: أن الحديث قد ذكر أن الصحابة كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ
стр. 250
في حال حياته للسقيا فيستسقي لهم، وقد بينت الأحاديث الواردة في الاستسقاء ذلك، وليس هناك حديث صحيح يؤيد ما ذهبوا إليه من أن الصحابة كانوا يتوسلون بذات النبي ﷺ أو جاهه.
بل الأحاديث الواردة تؤكد أن التوسل إنما كان بدعاء النبي ﷺ . أخرج الشيخان بسنديهما عن أنس ﵁: «أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، فقال يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله أن يغثنا، قال، فرفع رسول الله ﷺ يديه، فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعَة، ولا شيئا، وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التُّرس، فلما توسطت السماء، انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظراب والأودية ومنابت الشجر. قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس» (١) .
وأخرج البخاري بسنده عن عباد بن تميم عن عمه: «أن النبي ﷺ خرج بالناس يستسقي لهم، فقام فدعا الله قائما ثم توجه قِبَل القبلة وحوّل رداءه فسقوا» (٢) .
فهذان الحديثان وأمثالهما كثير في كتب السنة، وكلها تؤكد أن الصحابة كانوا إذا انقطع عنهم المطر ذهبوا إلى رسول الله ﷺ وسألوه أن يدعو الله لهم