← Акыда

Акыда · id 30862

محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

عبد الرءوف محمد عثمان

Полный текст (315 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة] محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. أحمده حمد الشاكرين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. كلمة حق قامت عليها السماوات والأرضين وبها أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين. ولأجلها انقسم الناس إلى مؤمنين وكافرين. فمن سبقت له السعادة بالإيمان كان من الناجين. ومن تنكب عنها واتبع هواه كان من الهالكين. وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، المبعوث بالدين القويم، والصراط المستقيم. أرسله الله رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين. فلم يزل ﷺ يجتهد في تبليغ الدين، وهدى العالمين، وجهاد الكفار والمنافقين. حتى طلعت شمس الإيمان، وأدبر ليل الكفر والبهتان، وعز جند الرحمن، وذل حزب الشيطان، وظهر نور الفرقان، فبلغت دعوته القاصي والداني، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما مقرونا بالرضوان. أما بعد، فإن الله افترض على العباد طاعة نبيه ﷺ ومحبته وتوقيره والقيام بحقوقه. وسد الطريق إلى جنته فلن تفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح الله له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره. فقام المسلمون بأداء ما افترضه الله عليهم من محبة نبيه وتوقيره وإكرامه وبره واتباعه وطاعته حق قيام، وظهر من حبهم لرسول الله ﷺ ما جعلهم يفدونه بكل عزيز وغال، ويؤثرونه على الأهل والأوطان والأموال، حتى باعوا أنفسهم وأموالهم لرب العالمين. نصرة لدينه، ودفاعا عن نبيه ﷺ ، ونشرا لهذا الدين في العالمين، فرضي الله عنهم أجمعين. حتى إذا دب الضعف في هذه الأمة، أدركتها سنة الله في الأمم، فظهر فيها

стр. 3

التفرق والاختلاف، والعداوة والبغضاء، وتفرق أهل القبلة على فرق شتى وطرائق قددا، واتخذ النفاق فرصته السانحة في توسيع شقة الخلاف، ورفعت الزندقة رأسها، ودخلت معترك الفرق بقديم حقدها، وكوامن غيظها. كيدا لهذا الدين الذي قوض أركانها، وأذهب من الأرض سلطانها. استمال هؤلاء الزنادقة الأغرار بالعقائد الباطلة، واستغلوا الفتن التي وقعت بتدبيرهم في تزيين الكفر وإلباسه ثوب الغلو في علي ﵁ وآل البيت من ذريته. حتى خرجوا بأكثر الناس من الإسلام إلى مذاهبهم الباطلة. وتوارث أخلافهم سنتهم في الغلو. فغلوا في رسول الله ﷺ حتى أخرجوه من نطاق البشرية إلى مرتبة الألوهية، ونسبوا إلى الله ورسوله ما لا يليق من صنوف الكفر والبهتان، الهادمة لما جاء به الرسول ﷺ من أصول الإسلام والإيمان. وزعموا أنهم بذلك يريدون إظهار حبه وتعظيمه، وأوهموا المخدوعين بهم أنهم أولى الناس بالنبي ﷺ ، وأكثرهم حبا له. وحاولوا إخفاء زندقتهم بدعاوي الزهد والتنسك والتصوف. فمال إليهم الأغرار، وظنوا أنهم من الأبرار الأخيار، وأنهم أحباب النبي المصطفى المختار. ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. فقيض سبحانه من عباده المخلصين، وحزبه المفلحين من أزاح الغشاوة عن الأبصار، وبين للناس زيف الزنادقة الأشرار، وأنهم لا يريدون إلا هدم الدين وتغيير سنة خاتم المرسلين. فتتبعوا أقوالهم وأحوالهم، وكشفوا عن وجوه زندقتهم. حتى غدا أمرهم لأولي الأبصار مكشوفا واضحا، وتبين لأولي النهى من كان لله ورسوله محبا صادقا، ومن كان في دعوى المحبة دجالا كاذبا، ولإفساد دين المسلمين ساعيا. ولما كانت محبة رسول الله ﷺ هي دعوى الفريقين ومتنازع الحزبين. أردت أن أجلي في هذا البحث عن وجه الحقيقة كاشفا عن الصواب، مستعينا بالعزيز الوهاب، ورغبت في تحرير محل النزاع، فأسميته (محبة الرسول ﷺ بين الاتباع والابتداع) .

стр. 4

ووقع الاختيار على هذا الموضوع لأسباب منها: - كون محبة الرسول ﷺ ركنا أصيلا من أركان الإيمان، أصابه ما أصاب الإيمان من ضعف لدى بعض المسلمين، فأردت أن أبين مكانة المحبة من الإيمان. - أن المحبة أمر قد يستتر وراء الدعاوي والمزاعم فأردت أن أبين الشواهد الصادقة لهذه المحبة والأمور الفارقة بين الصادق فيها والكاذب. والتي من أهمها الاتباع. ظن كثير من المسلمين- تأثرا بغلاة الصوفية- أن من لوازم محبة الرسول ﷺ الغلو فيه فأردت أن أبين أن المحبة شيء مختلف تماما عن الغلو. فالأول فرض عين، والثاني ضلال ومين. - اتهام كثير من الغلاة عامة المسلمين بالجفاء للرسول ﷺ ما لم يوافقوهم في غلوهم الذي يسمونه محبة. فأردت أن أبين وجه الصواب في المسألة. - أن حال كثير من الغلاة مخالف لأصول الشرع، مع ادعائهم أنهم أحب الأمة للرسول ﷺ ، فأردت أن أبين حقيقة أمرهم على ضوء الكتاب والسنة. - ما حدث في الأمة بسبب الغلو في الرسول ﷺ من صنوف البدع التي شوهت معالم الدين عند أكثر المسلمين، فأردت أن أبين آثار الغلو على الدين اعتقادا، وتعبدا وسلوكا. وقد رسمت خطة بحثي هذا على النحو التالي: التمهيد: ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: وسأتحدث فيه عن معنى النبوة والرسالة بإيجاز. المبحث الثاني: عن بشرية الرسول ﷺ وسأبين أن كمال الرسول أن يكون بشرا رسولا.

стр. 5

المبحث الثالث: النبوة اصطفاء إلهي، وسأتحدث فيه عن بعض مظاهر اصطفاء الله لنبيه ﷺ بإيجاز. الباب الأول (المحبة والاتباع) الفصل الأول: محبة الرسول ﷺ . يحتوي هذا الفصل على أربعة مباحث: المبحث الأول: مفهوم المحبة، وسأتحدث فيه عن معنى المحبة في اللغة عموما ومعناها في الشرع على وجه الخصوص. المبحث الثاني: وجوب محبة الرسول ﷺ ، وسأتحدث فيه عن حكم محبة الرسول ﷺ في الشرع، ومكانتها من الإيمان. المبحث الثالث: دواعي محبة الرسول ﷺ وأسباب زيادتها، وسأتكلم فيه عن الدواعي والدوافع التي تدفع المسلم إلى محبة الرسول ﷺ وأسباب زيادة هذه المحبة. المبحث الرابع: مظاهر محبة الرسول ﷺ وسأبين فيه العلامات الواضحة والشواهد الصادقة التي من اتصف بها كان صادقا في حبه لرسول الله ﷺ ، وسأتبعه ببيان آثار هذه المحبة على سلوك المسلم وأفعاله. الفصل الثاني: الاتباع: يتكون هذا الفصل من ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مفهوم الاتباع وسأبين فيه معنى الاتباع لرسول الله ﷺ في اللغة والشرع. المبحث الثاني: وجوب طاعة الرسول ﷺ ، واتباعه، وسيكون الكلام فيه أدلة هذا الوجوب من القرآن والسنة. المبحث الثالث: مظاهر الاتباع، وسأبين فيه العلامات الواضحة التي من اتصف بها كان متبعا لرسول الله ﷺ .

стр. 6

الباب الثاني (الغلو والابتداع) يشتمل هذا الباب على فصلين: الفصل الأول: الغلو في الرسول ﷺ ويحتوي هذا الفصل على ستة مباحث: المبحث الأول: مفهوم الغلو، وسيكون الحديث فيه عن معنى الغلو في اللغة والشرع، وأنواع الغلو والأسباب التي أدت إلى ظهوره عند المسلمين. المبحث الثاني: الغلو عند اليهود والنصارى. على أساس أنهم ابتلوا بداء الغلو في أنبيائهم، وأن من غلا من المسلمين فهو متشبه بهم، آخذ بسنتهم التي حذرنا الله ورسوله من اتباعها. المبحث الثالث: الغلو في الرسول ﷺ عند الشيعة باعتبار أنهم أول من فتح باب الغلو في الأشخاص في هذه الأمة بغلوهم في علي ﵁ وآل البيت من ذريته. المبحث الرابع: الغلو في الرسول ﷺ عند الصوفية وسيكون الكلام فيه عن مطلبين: المطلب الأول: الغلو عند الحلاج وذلك باعتباره أول صوفي اشتهر عنه الغلو في الرسول ﷺ كغلو النصارى في عيسى ﵇ منطلقا من مذهبه في الحلول. المطلب الثاني: الغلو عند ابن عربي باعتباره ممثلا لمذهب وحدة الوجود وسأتحدث في هذا المطلب عن مذهب ابن عربي في الحقيقة المحمدية التي كان لها أكبر الأثر في انحراف الصوفية من بعده في اعتقادهم في الرسول ﷺ إذ جعلوه مساويا لله في ذاته وصفاته تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. البحث الخامس: آثار الغلو في الرسول ﷺ ، على الاعتقاد والأعمال، وسأبين

стр. 7

فيه كيف أن الغلو في الرسول ﷺ كان سببا في إفساد العقيدة وتشويه معالم الدين. المبحث السادس: حكم الإسلام في الغلو. وسأبين فيه حكم الشرع في الغلو في الرسول ﷺ ، وحكم من اعتقد مقالة الغلاة في الرسول ﷺ . الفصل الثاني: الابتداع. يتكون هذا الفصل من ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف البدعة وبيان حكمها وسأتعرض فيه بشيء من التفصيل إلى أقوال العلماء في تعريف البدعة، وهل تنقسم إلى حسنة وسيئة أم لا؟ ثم أتبعه بتحرير محل النزاع بين الفريقين في هذا الموضوع. المبحث الثاني: البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول ﷺ وسأتحدث فيه عن نماذج من هذه البدع على سبيل المثال لا على سبيل الحصر والإحصاء، فمن هذه البدع اعتقاد الصوفية بحياة النبي ﷺ حياة تامة لها كل خصائص الأحياء وبنوا على ذلك زعمهم بأنهم يرونه يقظة لا مناما، ويجتمعون به، وسأبين ما انبنى على هذه البدعة من بدع أخرى ومن هذه البدع التوسل غير المشروع بالنبي ﷺ ثم البدع المتعلقة بزيارة قبره ﷺ ، ثم بدعة المولد ثم أعرض نماذج من الصيغ المبتدعة في الصلاة على النبي ﷺ . المبحث الثالث: آثار الابتداع. وسأتحدث فيه عن آثار البدعة الوخيمة على المبتدع في نفسه، وعلى الدين، وعلى المجتمع المسلم وأتبعه ببيان موجز عن كيفية مقاومة البدع.

стр. 8

الخاتمة: وسأتحدث فيها عن أهم النتائج التي أتوصل إليها من خلال بحثي في هذا الموضوع. وقد رسمت لنفسي منهجا في معالجة هذا الموضوع على النحو التالي: ١ - أن أقوم بجمع مادة هذا البحث من مظانه المعتبرة حسبما يتيسر لي من مراجع ومصادر. ٢ - سأقوم بعزو الآيات القرآنية التي ترد في أثناء البحث إلى مواضعها من سور القرآن. ٣ - تخريج ما يرد من أحاديث في أثناء البحث. ٤ - الرجوع إلى معاجم اللغة في التعريفات اللغوية. ٥ - سأترجم لمن يرد ذكره في أثناء البحث من الأعلام غير المشهورين ترجمة موجزة. ٦ - سأقوم بعزو الأقوال إلى أصحابها، أو إلى المصدر الذي اقتبسته منه.

стр. 9

[المبحث الأول تعريف النبوة والرسالة لغة وشرعا] تمهيد وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول: تعريف النبوة والرسالة. المبحث الثاني: بشرية الرسول ﷺ . المبحث الثالث: النبوة اصطفاء إلهي.

стр. 10

المبحث الأول تعريف النبوة والرسالة لغة وشرعا النبوة: النبوة في اللغة: مشتقة من النبأ بمعنى الخبر. قال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩] (١) وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] (٢) . جاء في لسان العرب: (النبأ: الخبر. . . والنبيء المخبر عن الله . . . لأنه أنبأ عنه، وهو فعيل بمعنى فاعل. قال ابن بري (٣) . صوابه أن يقول: فعيل بمعنى مفعل. مثل نذير بمعنى منذر وأليم بمعنى مؤلم. . . . وقال الفراء (٤) النبي: هو من أنبأ عن الله فترك همزه.

стр. 11

قال: وأن أخذ من النبوة والنباوة وهي الارتفاع عن الأرض- أي أنه شرف على سائر الخلق- فأصله غير الهمز) (١) . وعلى ذلك فالنبوة في الأصل مشتقة من النبأ وأصلها الهمز لكن لما كثر استعمالها خفف بإسقاط الهمز، أما اشتقاقه من النبوة والنباوة فهو ضعيف من ناحية اللغة. قال ابن تيمية: (وهو " أي لفظ النبي " من النبأ، وأصله الهمزة وقد قريء به، وهي قراءة نافع يقرأ النبيء، لكن لما كثر استعماله لينت همزته كما فعل مثل ذلك في الذرية، وفي البرية، وقد قيل هو من النبوة، وهي العلو فمعنى النبي المعلى الرفيع المنزلة، والتحقيق أن هذا المعنى داخل في الأول فمن أنبأه الله وجعله منبئا عنه، فلا يكون إلا رفيع القدر عليا، وأما لفظ العلو والرفعة فلا يدل على خصوص النبوة إذ كان هذا يوصف به من ليس بنبي، بل يوصف بأنه الأعلى كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] (٢) . وقراءة الهمزة قاطعة بأنه مهموز. . . . وأيضا فإن تصريفه أنبأ ونبأ ينبئ وينبئ بالهمزة، ولم يستعمل فيه نبا ينبو، وإنما يقال هذا ينبو عنه، والماء ينبو عن القدم إذا كان يجفو عنها، ويقال النبوة، وفي فلان نبوة عنا أي مجانبة. فيجب القطع بأن النبي مأخوذ من الإنباء لا من النبوة) (٣) . الرسالة: الرسول في اللغة مأخوذ من الإرسال بمعنى التوجيه، أو من الرسل بمعنى التتابع أخذا من قولهم: رسل اللبن إذا تتابع دره.

стр. 12

جاء في لسان العرب: (. . . والإرسال: التوجيه، وقد أرسل إليه، والاسم الرسالة والرسالة والرسول. . . والرسول بمعنى الرسالة يؤنث ويذكر، والرسول المرسل. . . والرسول: معناه في اللغة: هو الذي يتابع أخبار من بعثه، أخذا من قولهم: جاءت الإبل رسلا أي متتابعة. . . . وسمى الرسول رسولا لأنه ذو رسول أي ذو رسالة والرسول اسم من أرسلت وكذلك الرسالة) (١) . وعلى ذلك فالرسول في اللغة إما أن يكون مأخوذا من الإرسال بمعنى التوجيه وهو ظاهر من حيث المعنى وإما أن يكون مأخوذا من التتابع فيكون الرسول هو من تتابع عليه الوحي (٢) . هذا بالنسبة للمعنى اللغوي لمدلول النبي والرسول، أما في الاصطلاح فللعلماء في تحديد الفرق بين النبي والرسول، وتحديد مسمى كل منهما كلام كثير لا يسلم من نقد. لكن الأمر الراجح عند كثير من أهل العلم أن هناك فرقا بين مسمى النبي ومسمى الرسول وإن اختلفوا في تحديد المراد بكل منهما. وأيضا فإن النبوة أعم من الرسالة فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا (٣) والذي يظهر والله أعلم أن النبي: هو من نبأه الله بشرع سابق ينذر به أهل ذلك الشرع. وقد يؤمر بتبليغ بعض الأوامر في قضية معينة، أو الوصايا والمواعظ وذلك كأنبياء بني إسرائيل إذ كانوا على شريعة التوراة ولم يأت أحد منهم بشرع جديد ناسخ للتوراة، فتكون منزلته حينئذ بمنزلة المجدد لتعاليم الرسل السابقين (٤) . أما الرسول فهو من بعثه الله بشرع وأمره بتبليغه إلى من خالفوا أوامره. وسواء كان هذا الشرع جديدا في نفسه أو بالنسبة لمن بعث إليهم وربما أتى بنسخ بعض أحكام شريعة من قبله (٥) .

стр. 13

[المبحث الثاني بشرية الرسول ﷺ ] المبحث الثاني بشرية الرسول ﷺ لقد شاء الله العليم الحكيم أن يكون رسله إلى الناس بشرا من جنس المرسل إليهم وبلسانهم ليبينوا لهم شرع ربهم، ولتقوم بهم الحجة على الناس، وتنقطع عنهم المعاذير، ويسهل عليهم اتباع رسلهم، والفهم عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] (١) وقال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] (٢) . ويوضح الله بعض جوانب هذه البشرية فيقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] (٣) الآية. ولم يكن رسول الله ﷺ بدعا من الرسل بل كان بشرا كغيره من الأنبياء والرسل السابقين عليه. قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩] (٤) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] (٥) وهذا أبلغ تأكيد من الله على أن الرسول ﷺ بشر مثلنا له كل خصائص البشر وصفاتهم وهو مع ذلك مفضل بالوحي والرسالة.

стр. 14

والآيات القرآنية تثبت بشرية الرسول ﷺ في مواقف كثيرة. وتوضح أنه بشر لم يخرج عن نطاق البشرية، وأن ما أتى به من وحي أو جرى على يديه من آيات فإنما هو بقدرة الله وحده، وأن الرسول لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا أن يشاء الله. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] (١) وقال تعالى ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] (٢) . وكما أن الرسول لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فهو من باب أولى لا يملك لغيره الضر والنفع أو الهداية والصلاح، بل كل ذلك بيد الله وحده. قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ - وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨ - ١٢٩] (٣) . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] (٤) وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] (٥) . ولما طالب كفار قريش الرسول ﷺ بمطالب تعجيزية ذريعة لهم للتكذيب والكفر، كان رد الله تعالى عليهم هو التأكيد على بشرية الرسول ﷺ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا - أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا - أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا - أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣] (٦) .

стр. 15

وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] تأكيد على أن الرسول بشر يقف عند حدود بشريته، ولا يأتي بشيء من عنده. وحياة رسول الله ﷺ وسيرته توضح هذا الأمر أتم توضيح فقد عاش ﷺ بشرا تجري عليه أعراض البشرية طيلة حياته منذ أن ولد إلى أن مات فأكل وشرب، ومشى في الأسواق، وباع واشترى، وتزوج وأنجب، وحارب، وسالم، وغضب، ورضي، وفرح وحزن، وأدركه المرض فمرض، ومات كما يموت سائر البشر. ﷺ . وكل من عايش رسول الله ﷺ أو تتبع سيرته أدرك هذه الحقيقة تمام الإدراك. والرسول ﷺ بأقواله وأفعاله يؤكد هذا الأمر فيقول فيما رواه مسلم بسنده عن عبد الله بن مسعود وفيه (. . . . «إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون» (١) . وقال فيما رواه البخاري عن أم سلمة ﵂: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» (٢) ففي الحديث الأول يبين رسول الله ﷺ أنه يتذكر وينسى أحيانا؟ هو شأن البشر جميعا، وفي الثاني يؤكد على عدم علمه للغيب بمقتضى طبيعته البشرية إلا أن يطلعه الله على ما شاء من الغيب كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] (٣) .

стр. 16

ومع كون الرسول ﷺ بشرا، إلا أن الله هيأه تهيئة خاصة تتناسب مع هذا الأمر العظيم الذي اصطفى له. فكمله في الخلق والخلق، فكان رسول الله ﷺ أكمل البشر في كافة الجوانب البشرية، كما كان أكملهم عبودية لربه وقياما بحقه. فكمال الرسول ﷺ في عبوديته التامة لربه . لأجل هذا وصفه الله بالعبودية في أكمل مقاماته وأرفع درجاته ﷺ ، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (١) وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] (٢) وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] (٣) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] (٤) . فمنزلة العبودية لله هي أرقى درجات الكمال البشري، لأن الله إنما خلق الخلق لعبادته، وأكمل الخلق قياما بهذا الأمر أتمهم عبودية له، ولا يصدق هذا في المقام الأول إلا على الأنبياء والرسل، وأكملهم محمد ﷺ الذي أكمل الله له مقام العبودية. فلم يختر عليه ما سواه لعلمه بعظم هذه المنزلة عند ربه. فقام رسول الله ﷺ بحق هذه العبودية أتم قيام، فدعا الناس إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وأخرجهم من العبودية لأهوائهم وشهواتهم إلى العبودية لله رب العالمين، كما صان مقام عبوديته لربه من كل ما يفسده أو يضعفه. وأعلم أمته أن منزلته الحقيقية هي العبودية والرسالة فقال فيما رواه الإمام أحمد بسنده عن أنس وفيه (. . . «أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » (٥) .

стр. 17

وأخرج البخاري بسنده عن عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله» (١) . فاستحق رسول الله ﷺ أن يكون العبد الأول لربه، ولذلك خصه الله من عباده المرسلين بما لم يعطه أحدا غيره، فهو أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من تفتح له أبواب الجنة. ومع وضوح بشريته ﷺ في كافة أحواله، إلا أن طوائف من المنتسبين إلى الإسلام خالفوا إجماع الأمة فخرجوا بالرسول ﷺ عن نطاق البشرية وغلوا فيه فوصفوه بصفات الله . وسيتضح لنا ذلك في مباحث الغلو في الرسول ﷺ .

стр. 18

[المبحث الثالث النبوة اصطفاء إلهي] المبحث الثالث النبوة اصطفاء إلهي لقد جرت سنة الله في خلقه أن يصطفى بعض عباده لمهمة النبوة والرسالة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] (٢) وقال تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] (٣) . وهذا الاصطفاء والاختيار منة إلهية امتن الله بها على الأنبياء والمرسلين فلم يصلوا إليها بكسب ولا جهد، ولا كانت ثمرة لعمل أو رياضة للنفس قاموا بها كما يزعم الضلال من الفلاسفة. حيث ذهبوا إلى أن النبوة مكتسبة وأن من هذب نفسه بالخلوة والعبادة وأخلى نفسه عن الشواغل العائقة عن المشاهدة، وراض نفسه، وهذبها، تهيأ للنبوة. وبناء على ذلك قالوا إن النبي هو من اجتمعت فيه ثلاث خصال: - أن يكون له اطلاع على المغيبات لصفاء جوهره وشدة اتصاله بالروحانيات العالية من غير سابقة تعلم ولا تعليم. أن تظهر على يديه خوارق العادات بحيث يؤثر بنفسه في قوى العالم المادي. مشاهدة الملائكة لا أرواحها لما عنده من قوة التخيل، ويسمع كلامهم ووحيهم إليه.

стр. 19

وبالتالي فإن مرجع الوحي عندهم إلى قوة الخيال لدى النبي لا أن الوحى ينزل عليه حقيقة، فالقرآن إذا من عند النبي (١) . وقد كذبهم الله بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ - أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٩] (٢) . فالنبوة والرسالة محض فضل من الله يختص به من شاء من عباده، وهو سبحانه أعلم بمواقع فضله، ومحال رضاه، وأعلم بمن يصلح لهذا الشأن، فهو سبحانه صاحب الخلق والتدبير، والاختيار والاصطفاء،؟ قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (٤) . ومع كون النبوة منحة إلهية. إلا أن الله لا يختار لها إلا أناسا خصهم وميزهم بخصائص ومميزات ليست موجودة في سائر البشر. فالرسل أكمل البشر خلقا وخلقا، وأرجحهم عقلا، وأوفرهم ذكاء، والله رهم قلبا. وهذا هو شأن الرسل أجمعين. والرسول ﷺ حينما اصطفاه الله لمهمة الرسالة الخاتمة، خصه بخصائص ليست موجودة في غيره، وهيأه تهيأة خاصة تتناصب مع هذه المهمة الجليلة. وظهرت آثار اصطفاء الله له في جوانب كثيرة منها:

стр. 20

١ - طهارة نسبه: فلم ينل نسبه الطاهر شيء من سفاح الجاهلية. فكان من سلالة آباء كرام ليس فيهم ما يشينهم أو يعيبهم. بل كانوا سادات قومهم في النسب والشرف والمكانة. وفي الحديث الذي أخرجه مسلم بسنده عن واثلة بن الأسقع ما يؤكد ذلك قال: قال رسول الله ﷺ : « (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بنى هاشم» (١) . ٢ - تعهد الله برعايته وحفظه: وذلك أنه نشأ على الفطرة الزكية فلم يتدنس بشيء من أدران الجاهلية لأن الله حفظه منذ صغره، فحفظ قلبه من تغيير الفطرة ووصول الشيطان إليه أخرج الإمام مسلم بسنده عن أنس بن مالك «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة. فقال: هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده مكانه» (٢) . فهذا الحديث يبين أن الله طهر قلبه ﷺ منذ صغره وحفظه من وصول الشيطان إليه وذلك ليعده فيما بعد لمهمة النبوة والرسالة. فنشأ رسول الله ﷺ على الأخلاق الزاكية والخصال الحميدة، والفطرة النقية السليمة، فبغضت إليه الأوثان فلم يسجد لصنم قط، وحبب إليه الخير ومكارم الأخلاق، فكان في ذلك مضرب الأمثال، وكيف لا؟ وهو الملقب من قبل قومه بالصادق الأمين ﷺ .

стр. 21

٣ - عصمته: وكما حفظ الله قلب نبيه ﷺ وفطرته. فكذلك عصمه من وجوه كثيرة منها: - عصمته من تسلط أعدائه عليه بالقتل أو منعه من تبليغ رسالة ربه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] (١) . وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (٢) وأخرج البخاري بسنده «عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله ﷺ تحت سمرة وعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: " إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال من يمنعك مني فقلت الله (ثلاثا) ولم يعاقبه وجلس» (٣) . عصمته ﷺ من كل ما يقدح في نبوته، أو ينفر الناس عن دعوته فكان رسول الله ﷺ أبعد الناس عن الآثم، متنزها من كل ما يعيب أو يشين البشر في سلوكهم، بعيدا عن سفاسف الجاهلية. كما عصمه الله عن وقوع الخطأ والنسيان أو الكذب والكتمان فيما ييلغه عن ربه فقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى - مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى - وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١ - ٤] (٤) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] (٥) .

стр. 22

٤ - تكميل الله له المحاسن خلقا وخلقا: فكان رسول الله ﷺ أكمل الناس خلقا من حيث جمال صورته، وتناسب أعضائه، وطيب ريحه وعرقه، ونظافة جسمه، واكتمال قواه البدنية والعقلية، كما كان أكمل الناس خلقا إذ جمع محاسن الأخلاق وكريم الشمائل، وجميل السجايا والطباع. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (١) وقد وعت كتب الشمائل والسير شمائله وأخلاقه، وصفاته ﷺ . ٥ - تشريفه بنزول الوحي عليه: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (٢) وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] (٣) . ٦ - كونه خاتم النبيين: قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] (٤) . وأخرج البخاري ومسلم واللفظ له عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة! قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (٥) .

стр. 23

ومظاهر اصطفاء الله لنبيه ﷺ كثيرة لا تعد ولا تحصى لكثرة فضائله وما خصه الله به من صنوف الخير والفضل ويكفيه شرفا أنه سيد ولد آدم، وأنه صاحب المقام المحمود والحوض المورود ولواء المعقود فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. واصطفاء الله للنبي ﷺ دليل على حب الله كما أنه يوجب محبة العباد لهذا النبي العظيم.

стр. 24

[الباب الأول المحبة والاتباع] [الفصل الأول محبة الرسول ﷺ ] [المبحث الأول مفهوم المحبة] الباب الأول المحبة والاتباع (وفيه فصلان) الفصل الأول: محبة الرسول ﷺ . الفصل الثاني: الاتباع.

стр. 25

الفصل الأول وفيه أربعة مباحث المبحث الأول - مفهوم المحبة. المبحث الثاني - وجوب محبة الرسول ﷺ . المبحث الثالث - دواعي محبة الرسول ﷺ وأسباب زيادتها. المبحث الرابع - مظاهر محبة الرسول ﷺ .

стр. 26

المبحث الأول مفهوم المحبة وأنواعها (أ) الحب في اللغة: الحب كلمة دائرة على ألسنة الناس، رمزا لتعلق القلوب وميلها إلى ما ترضاه وتستحسنه. ويطلق في اللغة على صفاء المودة. جاء في لسان العرب: (الحب: نقيض البغض. والحب: الوداد والمحبة. . . وأحب فهو محب. . . والمحبة أيضا: اسم للحب.: وتحبب إليه تودد. وامرأة محبة لزوجها، ومحب أيضا. . . والحب: الحبيب، مثل خدن وخدين. . . والحب: المحبوب، وكان زيد بن حارثة ﵁، يدعى حب رسول الله ﷺ . . . . . وحببت إليه: صرت حبيبا. . . وهم يتحابون: أي يحب بعضهم بعضا. . . والتحبب: إظهار الحب) (١) . وهذا النص كغيره من النصوص في المعاجم قد اقتصر على تعريف الحب بنقيضه أو بمرادفه لكن نرى الراغب الأصفهاني (٢) يفصل أكثر فيقول: (. . . . حببت فلانا يقال في الأصل بمعنى: أصبت حبة قلبه، نحو: شغفته وكبدته وفأدته (٣) .

стр. 27

وأحببت فلانا: جعلت قلبي معرضا لحبه، لكن في التعارف وضع محبوب موضع محب، واستعمل حببت أيضا في موضع أحببت) . (ب) تعريف المحبة عند العلماء: ثم يستطرد الراغب فيقول: (والمحبة إرادة ما تراه خيرا أو تظنه خيرا. وهي على ثلاثة أوجه: - محبة للذة، كمحبة الرجل المرأة، ومنه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] (١) . - محبة للنفع، كمحبة شيء ينتفع به، ومنه: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] (٢) . - ومحبة للفضل، كمحبة أهل العلم بعضهم لبعض من أجل العلم) (٣) . وإذا كان الراغب هنا قد فسر المحبة بإرادة ما يظنه الإنسان خيرا، فقد كان " القاضي عياض (٤) أكثر وضوحا حين عرف المحبة: بأنها ميل الإنسان إلى ما يوافقه. يقول القاضي عياض: (وحقيقة المحبة: الميل إلى ما يوافق الإنسان، وتكون موافقته له:

стр. 28

١ - إما لأستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة اللذيذة وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له. ٢ - أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة كحب الصالحين والعلماء، وأهل المعروف المأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة، فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء. ٣ - أو يكون حبه إياه لمرافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها) (١) . وعلى ذلك فهذا الميل إما أن يكون حسيا أو عقليا أو قلبيا. وعلى هذه الجوانب الثلاثة- منفردة أو مجتمعة- يقوم الحب في القلب، فما وافقها مال إليه القلب وأحبه، وما خالفها نفر عنه وكرهه. وأصل الحب قوة في القلب تحرك إرادة الإنسان لتحصيل المحبوبات أصلا، ودفع المكروهات تبعا، فتميل النفس إلى الشيء إن كان محبوبا وتنفر عنه إن كان مكروها (٢) . ويتوقف تعلق النفس بالشيء حبا، أو النفور عنه كرها على الإدراك الفطري أو الكسبي. فالحب إذن ثمرة الإدراك والمعرفة، فكلما كانت المعرفة أتم كان الحب أقوى والعكس صحيح. لأجل هذا كان الناس متفاوتين في حبهم للأشياء والأشخاص تفاوتا بينا تبعا لتفاوت إدراكهم ومعرفتهم. وإذا كانت وسائل المعرفة والإدراك لدى المرء سليمة وصحيحة أحب الإنسان ما ينفعه ويصلحه، وإلا أحب الضار يحسبه نافعا والفاسد يحسبه صالحا.

стр. 29

وبناء على هذا يمكن أن نعرف الحب بأنه: ميل القلب فطرة أو إدراكا ومعرفة الى ما يوافقه ويستحسنه. (ج) المحبة في النصوص الشريعة: أما في الشرع فقد ورد لفظ الحب في القرآن والسنة بكل جوانبه الطبعية والشرعية. فالجوانب الفطرية أو الطبعية مثل حب الآباء والأبناء والأزواج وحب المال وسائر الشهوات. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] (١) . وقال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] (٢) . وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] (٣) . وقال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] (٤) . وفي الحديث الذي أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل» (٥) وأخرج عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان حب المال وطول العمر» (٦) . هذه هي المحبة الفطرية الجبلية كما وردت في النصوص الشرعية، وأما المحبة الشرعية- أعني حب الله ورسوله- فالنصوص الواردة فيها كثيرة وإليك بيانها:

стр. 30

(د) حب الله : ولنبدأ بحب الله تعالى، أما النصوص الواردة في حب الرسول ﷺ فسوف تأتي في المبحث القادم. فقد جاء لفظ الحب في القرآن والسنة لبيان حب الله لعباده المؤمنين وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] (١) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] (٣) . وفيما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله قال: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه» . . . . . .) الحديث (٤) . وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ " قل هو الله أحد " فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: " سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ : " أخبروه أن الله يحبه» (٥) . كما ورد ما يثبت حب المؤمنين لربهم وذلك كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (٦) .

стр. 31

وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] (١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] الآية (٢) . وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن أنس بن مالك (أن رجلا سأل النبي ﷺ : «متى الساعة يا رسول الله؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: أنت مع من أحببت» (٣) . ومن ثم يتبين لنا أن الحب علاقة متبادلة بين الله تعالى وبين عباده المؤمنين. لكن حب الله لعباده صفة من صفاته منزهة عن مشابهة صفات المخلوقين ونصوص الكتاب والسنة تؤكد ذلك أتم تأكيد. وجمهور السلف على إثبات حب الله لعباده كصفة من صفاته كما يليق بذاته سبحانه، بلا كيف ولا تأويل ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها كما أنهم يثبتون محبة العباد لربهم محبة حقيقية قلبية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث وجميع مشايخ الدين المتبعون وأئمة التصوف أن الله سبحانه محبوب لذاته محبة حقيقية، بل هي أكمل محبة، فإنها كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (٤) وكذلك هو سبحانه يحب عباده المؤمنين محبة حقيقية) (٥) .

стр. 32

ومع وضوح هذا الأمر إلا أن أهل الأهواء والبدع من الجهمية ومن تابعهم من المتكلمين حادوا عن إثبات حب الله لعباده كصفة من صفاته سبحان وتعالى. متأولين محبته سبحانه بإرادة الإحسان، أو بإحسانه وإنعامه على عباده. كما أنهم أولوا محبة العباد لربهم بأنها محبة طاعته، أو محبة إحسانه وثوابه (١) . وهذا التأويل- مع بطلانه- يؤدي إلى إنكار المحبة، ومتى بطلت المحبة بطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، وخلت الأعمال من روحها، إذ هي أصل كما عمل ديني. فإنكارهم للمحبة إنكار لحقيقة الإسلام، فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله، فمن لا محبة في قلبه لله ورسوله فلا إيمان له ألبتة (٢) . (هـ) محبة الرسول ﷺ : وبعد أن تكلمنا عن ورود لفظ الحب في اللغة والشرع نريد أن نخلص إلى تحديد مفهوم محبة الرسول ﷺ . فأقول إنه لما كان الحب لغة: ميل القلب فطرة أو إدراكا ومعرفة إلى ما يوافقه ويستحسنه. فكذلك محبة الرسول ﷺ معناها: أن يميل قلب المسلم إلى رسول الله ﷺ ميلا يتجلى فيه إيثاره ﷺ على

стр. 33

كل محبوب من نفس ووالد وولد والناس أجمعين وذلك لما- خصه الله من كريم الخصال وعظيم الشمائل، وما أجراه على يديه من صنوف الخير والبركات لأمته، وما امتن الله على العباد ببعثته ورسالته إلى غير ذلك من الأسباب الموجبة لمحبته عقلا وشرعا. يقول النووي ملخصا كلام القاضي عياض: (وبالجملة فأصل المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كحب الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقا، وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضار والمكاره عنه. وهذه المعاني كلها موجودة في النبي ﷺ لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعم والأبعاد من الجحيم) (١) . وحب المسلم لرسول الله ﷺ عمل قلبي من أجل أعمال القلوب، وأمر وجداني يجده المسلم في قلبه، وعاطفة طيبة تجيش بها نفسه، وإن تفاوتت درجة الشعور بهذا الحب تبعا لقوة الإيمان أو ضعفه. وليس هذا الحب أمرا عقليا مجردا عن الميل القلبى كما ذهب إليه البيضاوي (٢) فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر: عند شرح قوله ﷺ : " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما قال:

стр. 34

(المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله. فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل- والعقل يقتضي رجحان ذلك- تمرن على الائتمار بأمره حيث يصير هواه تبعا له، ويلتذ به التذاذا عقليا، إذ الالتذاذ العقلي: إدراك مما هو كمال وخير من حيث هو كذلك) (١) . وقد تعقبه صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد بقوله: (. . . . كلامه على قواعد الجهمية ونحوهم من نفي محبة المؤمنين لربهم ومحبته لهم والحق بخلاف ذلك، بل المراد في الحديث أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب إليه مما سواهما حبا قلبيا. . . . . وأما مجرد إيثار ما يقتضي العقل رجحانه وإن كان على خلاف هوى النذر كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه. . . . . فهذا قد يكون في بعض الأمور علامة على الحب ولازما له. لا أنه الحب) (٢) . ثم إن إدراك العقل للكمال أو الخير أو أي معنى من المعاني الفاضلة لا يكفي حتى نسميه حبا، بل لا بد مع ذلك من الميل القلبي والتعلق النفسي. وتمثيله حال من آثر محبة الله ورسوله- وإن كان على خلاف هوى النفس- بحال المريض مع الدواء المر- الذي تعافه نفسه ويميل عقله إلى تناوله- تمثيل غير مناسب وغير لائق أيضا. لأن من كانت محبته لله ورسوله كمحبة المريض للدواء المر جدير بأن يقال أنه وجد مرارة الإيمان لا حلاوته.

стр. 35

وإنما يجد حلاوة الإيمان من كان هواه وقلبه في تلك المحبة مناصرا لعقله ومسايرا له جنبا إلى جنب (١) . وإذا كان هناك من فسر حب الله ورسوله بأنه حب عقلي، فهناك من يظن أن محبة الرسول ﷺ تعني طاعته، وهذا فهم خاطئ إذ أن محبته هي أساس طاعته، والطاعة شرط للمحبة وثمرتها. فالطاعة أمر زائد على المحبة ومترتب عليها. كما أن هذا الحب أمر زائد على الإعجاب بشخصية الرسول ﷺ وسمو أخلاقه وعظمة تعاليمه. إذ نرى كثيرا ممن لا ينتسبون إلى الإسلام ولا يؤمنون برسول الله ﷺ يبدون إعجابهم وتقديرهم لرسول الله ﷺ ويفيضون في بيان جوانب عظمته، ومع ذلك لا يمكن أن نسمي هذا الإعجاب حبا شرعيا حتى يكون هناك إيمان بدين الإسلام. ولقد كان أبو طالب عم الرسول ﷺ يحبه ويحوطه ويصد عنه أذى قريش بما استطاع. ومع هذا فلم يثمر ذلك حبا وإيمانا منه بدين الإسلام لأن حبه لرسول الله ﷺ كان حب قرابة وحمية جاهلية. نخلص من هذا إلى أن المحبة الحقيقية لرسول الله ﷺ هي المحبة الشرعية الإرادية الاختيارية، وهي عمل قلبي من أجل أعمال القلوب، ورابطة من أوثق روابط النفوس تربط المسلم برسول الله ﷺ وتجعل قلبه وهمه وفكره وإرادته متوجهة لتحصيل ما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. (و) الصلة بين محبة الله ومحبة رسوله ﷺ : الصلة بين المحبتين هي صلة الفرع بالأصل والتابع بالمتبوع فمحبتنا لرسول

стр. 36

الله ﷺ تابعة لمحبتنا لله ، إذ هي أساس المحبة الدينية الشرعية ومصدرها، وكل ما سواها من المحاب الشرعية تبع لها. وذلك كمحبة الأنبياء والصالحين، ومحبة كل ما يحبه الله ورسوله. قال ابن تيمية: (وليس للخلق محبة أعظم ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه، فإن الرسول ﵊ إنما يحب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (١)) (٢) . وعلى ذلك فلا تنفك إحدى المحبتين عن الأخرى فمن أحب الله أحب رسوله ﷺ وكذلك سائر رسله ومحبة الرسول تبع لمحبة من أرسله. ولأجل هذا جاء حب الرسول ﷺ مقترنا بحب الله في أكثر النصوص الشرعية. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] (٣) . وفي الحديث «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٤) . وهذا الارتباط بين المحبتين ارتباط شرعي لا ينفك. فمن زعم أنه يحب الله ولم يحب رسوله ﷺ أو العكس فكلامه باطل واعتقاده فاسد.

стр. 37

[المبحث الثاني وجوب محبة الرسول ﷺ ] المبحث الثاني وجوب محبة الرسول ﷺ انتهينا مما سبق إلى أن محبة الرسول ﷺ هي ميل قلب المؤمن إلى رسول الله ﷺ ميلا يتجلى فيه إيثار حبه على كل من سواه من البشر وتتشوق النفس إلى معرفة حكم هذه المحبة في الشرع مع بيان أدلتها من الكتاب والسنة. فأقول إن محبة الرسول ﷺ أصل عظيم من أصول الإيمان يتوقف على وجوده وجود الإيمان، فلا يدخل المسلم في عداد المؤمنين الناجين حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه بل ومن الناس أجمعين. وأدلة هذا كثيرة القرآن والسنة. فمن القرآن: (أ) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] (١) . ففي هذه الآية توعد الله من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ومعلوم أن الله لا يتوعد أحدا بمثل هذا الوعيد الشديد إلا على ترك واجب، أو فعل محرم.

стр. 38

فعلم بذلك أنه يجب على كل مؤمن أن يكون الله ورسوله، والجهاد في سبيله أحب إليه من الأهل والإخوان والأموال والأوطان. يقول القاضي عياض مستدلا بهذه الآية: (فكفى بهذا حضا وتنبها ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها وعظم خطرها واستحقاقه لها ﷺ ، إذ قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وتوعدهم بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله) (١) . وقد ذكر الله في هذه الآية ثمانية أصناف وهم الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال المكتسبة والتجارات والمساكن والديار. وهذه الأصناف تمثل بمجموعها كافة الروابط الاجتماعية والاقتصادية وعليها مدار مصالح الحلق ومعايشهم. وهي التي تجذب الإنسان إلى الأرض وتثقله عن الجهاد في، سبيل الله ما لم يكن حب الله ورسوله مستعليا في قلب المسلم على كل هذه الروابط والمصالح. وفي ذكر الله للجهاد مقرونا بحبه وحب رسوله ﷺ دليل على أنه من أظهر العلامات على ذلك الحب لأنه هو المحك الذي يتجلى فيه صدق هذا الحب وإيثاره على غيره من الكتاب التي ذكرها الله في هذه الآية. ومن رحمة الله عز رجل أنه لم يذم حب الأهل والأقارب والأزواج ولا حب المال المتكسب والمساكن ولم ينه عن ذلك. وإنما جعل من مقتضى الإيمان إيثار محبة الله ورسوله على حب هذه الأنواع، وكذلك تقديم الجهاد إذا وجب عليها. وهذا هو حال المؤمنين الصادقين في حبهم لله ورسوله (٢) .

стр. 39

(ب) قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (١) . فهذه الآية إخبار عن مكانة الرسول ﷺ بين المؤمنين، كما أنها أيضا إخبار عن الحال التي ينبغي أن يكون فيها المؤمنون مع الرسول ﷺ ، فهو أولى بهم من أنفسهم ولا يكون كذلك حتى يكون أحب إليهم من أنفسهم. ويبين ابن القيم أن هذه الآية دليل على أن من لم يكن الرسول ﷺ أولى به من نفسه فليس من المؤمنين ثم يوضح أن هذه الأولوية تتضمن أمرين: ١ - (. . . أن يكون أحب إلى العبد من نفسه، لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره ومع هذا يجب ان يكون الرسول أولى به منها، وأحب إليه منها، فبذلك يحصل له اسم الإيمان. ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه. ٢ - ومنها: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلا، بل الحكم على نفسه للرسول ﷺ يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها) (٢) . فتبين من هذا أنه يجب على كل مؤمن أن يكون الرسول أولى به من نفسه في كل شيء، وأن يكون حكمه ﷺ في أي شيء مقدما على رغبات النفس وتطلعاتها، بل إن الحياة لتعد هينة ورخيصة بجانب تحقيق ما فرضه الله ورسوله

стр. 40

وإن كان على خلاف هوى النفس. لأن نفوسنا تدعونا إلى الهلاك، والرسول ﷺ يدعونا إلى النجاة فكان أولى بنا من أنفسنا ﷺ . وحينما أيقن المسلمون الأولون بذلك أعزهم الله ومكن لهم في الأرض. فلما غلبت الأهواء واتبعت الشهوات صار الحال مبدلا معكوسا. ذلة وهوان بعد عزة وضياع وتفرق بعد القوة والتمكين. والسبب هو تقديم الأهواء وشهوات الأنفس عل ما يحبه الله ورسوله. الأدلة من السنة: وقد جاءت الأحاديث لتؤكد مدلول هاتين الآيتين- أبلغ تأكيد وأوضحه ألا وهو وجوب محبة الرسول ﷺ . فمنها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده» (١) وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن أنس قال: قال النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (٢) . فهذان الحديثان من أوضح الأدلة على وجوب محبة الرسول ﷺ لأن المؤمن لايستحق اسم الإيمان الكامل ولا يدخل في عداد الناجين حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. والتعبير " بأحب " دليل صريح كل أن المحبة المطلوبة شرعا هي المحبة الراجحة، وأن الإيمان الكامل متوقف على رجحان هذه المحبة في القلب على ما سواها من محبة سائر المخلوقين. وخص الوالد والولد بالذكر لكونهما أعز خلق الله على الإنسان، بل ربما كانا أحب إليه من نفسه، وفي هذا تأكيد على أنه يجب أن يكون الرسول ﷺ أحب إلى نفس المؤمن من كل حبيب وعزيز عليه من سائر البشر جميعا (٣) .
следующие страницы →