الله ﷺ تابعة لمحبتنا لله ، إذ هي أساس المحبة الدينية الشرعية ومصدرها، وكل ما سواها من المحاب الشرعية تبع لها. وذلك كمحبة الأنبياء والصالحين، ومحبة كل ما يحبه الله ورسوله.
قال ابن تيمية:
(وليس للخلق محبة أعظم ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه، فإن الرسول ﵊ إنما يحب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله.
كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (١)) (٢) .
وعلى ذلك فلا تنفك إحدى المحبتين عن الأخرى فمن أحب الله أحب رسوله ﷺ وكذلك سائر رسله ومحبة الرسول تبع لمحبة من أرسله. ولأجل هذا جاء حب الرسول ﷺ مقترنا بحب الله في أكثر النصوص الشرعية.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] (٣) .
وفي الحديث «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٤) .
وهذا الارتباط بين المحبتين ارتباط شرعي لا ينفك. فمن زعم أنه يحب الله ولم يحب رسوله ﷺ أو العكس فكلامه باطل واعتقاده فاسد.
стр. 37
[المبحث الثاني وجوب محبة الرسول ﷺ ]
المبحث الثاني
وجوب محبة الرسول ﷺ انتهينا مما سبق إلى أن محبة الرسول ﷺ هي ميل قلب المؤمن إلى رسول الله ﷺ ميلا يتجلى فيه إيثار حبه على كل من سواه من البشر وتتشوق النفس إلى معرفة حكم هذه المحبة في الشرع مع بيان أدلتها من الكتاب والسنة.
فأقول إن محبة الرسول ﷺ أصل عظيم من أصول الإيمان يتوقف على وجوده وجود الإيمان، فلا يدخل المسلم في عداد المؤمنين الناجين حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه بل ومن الناس أجمعين.
وأدلة هذا كثيرة القرآن والسنة.
فمن القرآن:
(أ) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] (١) .
ففي هذه الآية توعد الله من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ومعلوم أن الله لا يتوعد أحدا بمثل هذا الوعيد الشديد إلا على ترك واجب، أو فعل محرم.
стр. 38
فعلم بذلك أنه يجب على كل مؤمن أن يكون الله ورسوله، والجهاد في سبيله أحب إليه من الأهل والإخوان والأموال والأوطان.
يقول القاضي عياض مستدلا بهذه الآية:
(فكفى بهذا حضا وتنبها ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها وعظم خطرها واستحقاقه لها ﷺ ، إذ قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وتوعدهم بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله) (١) .
وقد ذكر الله في هذه الآية ثمانية أصناف وهم الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال المكتسبة والتجارات والمساكن والديار. وهذه الأصناف تمثل بمجموعها كافة الروابط الاجتماعية والاقتصادية وعليها مدار مصالح الحلق ومعايشهم. وهي التي تجذب الإنسان إلى الأرض وتثقله عن الجهاد في، سبيل الله ما لم يكن حب الله ورسوله مستعليا في قلب المسلم على كل هذه الروابط والمصالح.
وفي ذكر الله للجهاد مقرونا بحبه وحب رسوله ﷺ دليل على أنه من أظهر العلامات على ذلك الحب لأنه هو المحك الذي يتجلى فيه صدق هذا الحب وإيثاره على غيره من الكتاب التي ذكرها الله في هذه الآية.
ومن رحمة الله عز رجل أنه لم يذم حب الأهل والأقارب والأزواج ولا حب المال المتكسب والمساكن ولم ينه عن ذلك. وإنما جعل من مقتضى الإيمان إيثار محبة الله ورسوله على حب هذه الأنواع، وكذلك تقديم الجهاد إذا وجب عليها.
وهذا هو حال المؤمنين الصادقين في حبهم لله ورسوله (٢) .
стр. 39
(ب) قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (١) .
فهذه الآية إخبار عن مكانة الرسول ﷺ بين المؤمنين، كما أنها أيضا إخبار عن الحال التي ينبغي أن يكون فيها المؤمنون مع الرسول ﷺ ، فهو أولى بهم من أنفسهم ولا يكون كذلك حتى يكون أحب إليهم من أنفسهم.
ويبين ابن القيم أن هذه الآية دليل على أن من لم يكن الرسول ﷺ أولى به من نفسه فليس من المؤمنين ثم يوضح أن هذه الأولوية تتضمن أمرين:
١ - (. . . أن يكون أحب إلى العبد من نفسه، لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره ومع هذا يجب ان يكون الرسول أولى به منها، وأحب إليه منها، فبذلك يحصل له اسم الإيمان.
ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه.
٢ - ومنها: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلا، بل الحكم على نفسه للرسول ﷺ يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها) (٢) .
فتبين من هذا أنه يجب على كل مؤمن أن يكون الرسول أولى به من نفسه في كل شيء، وأن يكون حكمه ﷺ في أي شيء مقدما على رغبات النفس وتطلعاتها، بل إن الحياة لتعد هينة ورخيصة بجانب تحقيق ما فرضه الله ورسوله
стр. 40
وإن كان على خلاف هوى النفس. لأن نفوسنا تدعونا إلى الهلاك، والرسول ﷺ يدعونا إلى النجاة فكان أولى بنا من أنفسنا ﷺ .
وحينما أيقن المسلمون الأولون بذلك أعزهم الله ومكن لهم في الأرض. فلما غلبت الأهواء واتبعت الشهوات صار الحال مبدلا معكوسا. ذلة وهوان بعد عزة وضياع وتفرق بعد القوة والتمكين. والسبب هو تقديم الأهواء وشهوات الأنفس عل ما يحبه الله ورسوله.
الأدلة من السنة: وقد جاءت الأحاديث لتؤكد مدلول هاتين الآيتين- أبلغ تأكيد وأوضحه ألا وهو وجوب محبة الرسول ﷺ .
فمنها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده» (١) وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن أنس قال: قال النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (٢) .
فهذان الحديثان من أوضح الأدلة على وجوب محبة الرسول ﷺ لأن المؤمن لايستحق اسم الإيمان الكامل ولا يدخل في عداد الناجين حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. والتعبير " بأحب " دليل صريح كل أن المحبة المطلوبة شرعا هي المحبة الراجحة، وأن الإيمان الكامل متوقف على رجحان هذه المحبة في القلب على ما سواها من محبة سائر المخلوقين.
وخص الوالد والولد بالذكر لكونهما أعز خلق الله على الإنسان، بل ربما كانا أحب إليه من نفسه، وفي هذا تأكيد على أنه يجب أن يكون الرسول ﷺ أحب إلى نفس المؤمن من كل حبيب وعزيز عليه من سائر البشر جميعا (٣) .
стр. 41
ونفى الإيمان في هذا الحديث هو نفى لكمال الإيمان الواجب الذي ينجو به صاحبه من الوعيد ويستحق دخول الجنة بفضل الله. وذلك لأن محبة الرسول ﷺ من واجبات الإيمان فمن أخل بها فقد أخل بواجب من واجبات الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أحماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان، والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج، وغير ذلك فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (١) .
فلما نفى- الإيمان - حتى توجد هذه الغاية، دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذكي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب، فإن الله إنما وعد بذلك من فعل ما أمر به وأما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها فهو معرض للوعيد) (٢) .
فنفي الإيمان عند عدم وجود المحبة الراجحة يدل على أنها واجبة وإن من لم يأت بها فقد تعرض للوعيد، فإن الله ورسوله لا ينفيان اسم مسمى أمر- أمر به الله ورسوله - إلا إذا ترك بعض واجباته، فأما إذا كان الفعل مستحب في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، ولو صح هذا لنفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج وحب الله ورسوله لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي ﷺ ، بل ولا أبو بكر ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفا عنه لجاز أن ينفى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين وهذا لا يقوله عاقل. فإن قال
стр. 42
إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة، فقد صدق.
وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ﷺ (١) .
ومعنى هذا أن محبة الرسول ﷺ من لوازم الإيمان وواجباته فلا يتحقق الإيمان بدونها، ولا يستحق المؤمن اسم الإيمان بدونها، وأن نفي الإيمان في الحديث إنما هو نفي لكمال الإيمان الواجب إذا لم توجد المحبة الراجحة على ما سواها من سائر المحاب فإذا وجدت هذه المحبة على هذه الصفة فهي دليل على كمال الإيمان بالنسبة لمن اتصف بها في هذا الجانب. وأما إذا لم توجد هذه المحبة على الصفة الراجحة كان من اتصف بها معرضا للوعيد لأنه أخل بواجب من واجبات الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها.
ومن الأحاديث الدالة على وجوب المحبة ما أخرجه البخاري بسنده عن عبد الله بن هشام قال: «كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. ضال النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر» (٢) .
فهذا الحديث يبين أنه لا يبلغ المسلم حقيقة الإيمان حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه.
وتلك هي قمة السمو في الحب حين يستعلى المسلم على رغبات النفس وشهواتها، مؤثرا حب رسول الله ﷺ على كل ذلك، ويتبين هذا إذا تعارض أي أمر أمر به الرسول ﷺ مع رغبة من رغبات النفس فأيهما تقدم كان الحكم له.
стр. 43
ونقل ابن حجر في شرح هذا الحديث عن بعض الزهاد أن:
(تقدير الكلام لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه الهلاك.
. . . وقال الخطابي (١) حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب وإنما أراد ﵊ حب الاختيار إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه) .
ثم يستطرد ابن حجر معلقا على كلام الخطابي فيقول:
(فعلى هذا فجواب عمر أولا كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي ﷺ أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والأخرى، فأخبر بما اقتضاه الاختيار ولذلك حصل الجواب بقوله: «الآن يا عمر» أي الآن عرفت فنطقت بما يجب) (٢) .
إذا فلم يكن حصول المحبة عند عمر ﵁ أمرا جديدا على نفسه وإنما كان الجديد لديه هو إدراكه لتلك المحبة والتفاته إليها.
وفي هذا الحديث إشارة إلى فضيلة التفكر.
فإن عمر ﵁ لما أجاب أول الأمر لم يكن قد تفكر في كون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه، فلما استوقفه الرسول ﷺ وراجعه تفكر وامتحن نفسه فإذا به يصل إلى النتيجة المطلوبة. وهي كون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه.
стр. 44
لأجل هذا كان التفكر سبيلا من سبل الوصول إلى هذه المحبة. فإذا تفكر المسلم في النفع الحاصل له من جهة الرسول ﷺ وأنه سبب نجاته في الدنيا والآخرة، وأدرك ذلك بقلبه يقينا عظمت عند ذاك محبة النبي ﷺ في قلبه.
وبعد أن تبين لنا وجوب محبة الرسول ﷺ بأدلته من القرآن والسنة. أود أن أشير إلى أن هذه المحبة- كما قال ابن رجب (١) - على درجتين:
١ - إحداهما- فرض: وهي المحبة التي تقتضى قبول ما جاء به الرسول ﷺ من عند الله، وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم، وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية، ثم حسن الاتباع له فيما بلغه عن ربه، من تصديقه في كل ما أخبر به وطاعته فيما أمر به من الواجبات، والانتهاء عما نهي عنه من المحرمات، ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة، فهذا القدر لا بد منه، ولا يتم الإيمان بدونه.
٢ - والدرجة الثانية: فضل، وهي المحبة التي تقتضى حسن التأسي به، وتحقيق الاقتداء بسنته، في أخلاقه، وآدابه، ونوافله، وتطوعاته، وأكله، وشربه، ولباسه، وحسن محاضرته لأزواجه، وغير ذلك من آدابه الكاملة، وأخلاقه الطاهرة. والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه، واهتزاز القلب من محبته، وتعظيمه، وتوقره ومحبة استماع كلامه، وإيثاره على كلام غيره من المخلوقين. ومن أعظم ذلك الاقتداء به في زهده في الدنيا والاجتزاء باليسير منها، ورغبته في الآخرة (٢) .
ومما سبق يتبين لنا أن المحبة والإيمان أمران متلازمان في قلب المؤمن تلازما مطردا يزيد أحدهما بزيادة الآخر وينقص بنقصانه.
стр. 45
كما جاء ذلك مبينا في قوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده والناس أجمعين» (١) .
فقد وضح هذا الحديث العلاقة بين الإيمان والمحبة، إذ علق كمال الإيمان الواجب على وجود المحبة الراجحة لرسول الله ﷺ وجعلها شرطا يتوقف عليه الإيمان الذي ينجو به صاحبه من العقاب ويستحق دخول الجنة بفضل الله ورحمته.
ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان حب الرسول ﷺ في قلب المسلم راجحا على حب ما سواه من النفس والمال والولد وسائر البشر أجمعين.
فمن كان حبه لنفسه أو لشيء من الأشياء كحبه لله ورسوله أو أشد فهو من أصحاب الوعيد لأن الله تعالى جعل المحبة الراجحة لله ورسوله من لوازم الإيمان وجعل ما دونها من أوصاف المشركين.
فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (٢) .
فإذا قويت المحبة في قلب المؤمن وزادت أثمر ذلك زيادة في الإيمان، وذاق العبد حينئذ حلاوة الإيمان.
كما في صحيح البخاري ومسلم عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. . .» الحديث) (٣) .
ولا يصل العبد إلى هذه المنزلة إلا إذا سعى في تحصيل ما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأفعال.
стр. 46
وكلما كان سعي العبد حثيثا لتحصيل هذه المحبوبات كلما ازداد إيمانه وذاق حلاوته، وإذا قصر العبد في أداء ما كلف به والالتزام بآداب الشرع فإنما يرجع ذلك إلى نقصان في الإيمان الدال على نقصان المحبة. فزيادة المحبة دليل على زيادة الإيمان ونقصانها دليل على نقصان الإيمان.
أما أصل الإيمان فلا يوجد بدون وجود المحبة، ولا يوجد مسلم ليس في قلبه محبة ولو كانت ضعيفة - لرسول الله ﷺ .
فتبين لنا من هذا أن العلاقة بين المحبة والإيمان علاقة وثيقة فوجود أحدهما متوقف على وجود الآخر وزيادة أحدهما تعني زيادة الآخر.
стр. 47
[المبحث الثالث دواعي محبة الرسول ﷺ وأسباب زيادتها]
المبحث الثالث
دواعي محبة الرسول ﷺ وأسباب زيادتها يرتبط الحب في قلب الإنسان بدوافع وبواعث تبعث عليه مهمتها أن تحرك القلب وتدفعه نحو محبوباته.
وتتعدد هذه الدوافع وتتنوع بحسب تنوع المحبوبات واختلافها. فمن الحب ما تدفع إليه البواعث الحسية، أو العقلية، أو القلبية. وذلك لوجود صفات قامت بالمحبوب واتصف بها من كمال، أو جمال، أو إحسان، أو غير ذلك من الدواعي والأسباب الباعثة على الحب. وإذا نظرنا إلى محبة الرسول ﷺ فسنجد أن البواعث عليها متنوعة ومتعددة، وذلك لكثرة ما خصه الله به من أنواع الفضائل، وما أجراه على يديه من الخيرات لأمته. إلى غير ذلك من الدواعي التي ترجع إلى مجموع خصائص النبي ﷺ وصفاته ومنها:
أولا: أن حب المسلم للرسول ﷺ تابع لحبه لله : وذلك لأن محبة الله تعالى هي أساس المحبة الشرعية، لأن الله هو المحبوب لذاته، وكل ما سواه مما يحب شرعا فمحبته تابعة لمحبة الله . وذلك كمحبة أنبيائه ورسله وملائكته وعباده الصالحين، وكذلك محبة الأعمال والأخلاق التي يحبها الله ويرضاها. فمحبة ذلك كله تبع لمحبة الله وهي من لوازم محبته فإن محبة الله توجب محبة ما يحبه الله.
وعلى ذلك فمن أحب الله أحب رسوله ﷺ لأجل حب الله ، فإن الرسول إنما يحب لأجل الله، ويطاع لأجل الله (١) كما قال الله تعالى:
стр. 48
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) .
ثانيا: أن الله تعالى أحبه واختاره من خلقه فحب ما يحبه الله من لوازم محبته: ذلك أن الله اصطفاه على الناس برسالته، وجعله خاتم النبيين، وأفضل الخلق أجمعين وحبيب رب العالمين، كما روى مسلم بسنده عن واثلة بن الأسقع قال سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل. واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٢) .
وأخرج البخاري ومسلم واللفظ له عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله. إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا " وضعت هذه اللبنة! قال: فأنا اللبنة. وأنا خاتم النبيين» (٣) وأخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة أيضا قال- قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع» (٤) .
وقد ثبت في الحديث أن الله إذا أحب عبدا وضع له المحبة والقبول عند أهل الأرض والسماء. أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل،
стр. 49
فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض» (١) .
قال ابن حجر:
(المراد بالقبول في حديث الباب: قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه ويؤخذ منه أن محبة قلوب الناس علامة محبة الله) (٢) وإذا كان هذا الشأن في عامة عباد الله فأولى بهذه المحبة وذلك القبول أفضل الخلق أجمعين رسول الله ﷺ .
وقد تحقق هذا وأضعاف أضعافه، إذ لم تعرف الدنيا رجلا فاضت القلوب بحبه وفدته النفوس بكل عزيز وغال مثلما عرف ذلك عن رسول الله ﷺ حتى أولئك الذين ناصبوه العداء لم يملكوا أنفسهم من سيطرة الإعجاب برسول الله ﷺ وإجلاله.
فرسول الله أهل لأن يحب، لحب الله له واختياره لهذا الخير العميم. ومظاهر حب الله لرسوله كثيرة جدا منها:
(أ) اختياره واصطفاؤه لمقام النبوة والرسالة، إذ لا يختار الله لهذا الأمر إلا من أحبهم وارتضاهم.
كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] (٣) .
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (٤) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] (٥)
стр. 50
(ب) تشريفه ﷺ بإنزال القرآن عليه.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (١) .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] (٢) .
(ج) إكرامه ﷺ بشرح صدره ووضع وزره ورفع ذكره وإعلاء قدره قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ - وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ - الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ - وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٤] (٣) .
(د) تكريمه بصلاة الله وملائكته عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٤) . والصلاة من الله تتضمن الثناء عليه ومن الملائكة الدعاء له ﷺ .
(هـ) تشريفه بمقام الخلة، وهي أرفع درجة من المحبة، ولم ينلها من الأنبياء سوى إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام أن رسول الله ﷺ خليل الرحمن كما كان إبراهيم ﵇ خليل الرحمن.
أخرج مسلم بسنده عن جندب قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. الا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا
стр. 51
تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» (١) .
(و) إن الله جعله رحمة للعالمين، الإنس والجن، رحمة للمؤمنين منهم، بالعز في الدنيا والنجاة في الآخرة، وللكافرين بإمهالهم وتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٢) .
قال ابن القيم:
(وأصح القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] إنه باق على عمومه وفيه على هذا التقدير وجهان:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته، أما أتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له، فالذين عجّل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرا بذلك العهد من المحاربين له. وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها.
وأما الأمم النائية عنه فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته.
الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنين قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم لكن لم يقبلوها) (٣) .
стр. 52
وأخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: «قيل لرسول الله: ادع على المشركين، قال: (إني لم أبعث لعَّانا، وإنما بعثت رحمة) » (١) .
(ز) ما خصه الله به وفضله على سائر الأنبياء، كإحلال الغنائم له، ونصرته بالرعب مسيرة شهر.
كما في الحديث الذي أخرجه البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (٢) .
(ج) تشريفه وتكريمه يوم القيامة بكونه صاحب المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى في أن يقضي الله بين الخلائق.
وكونه أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع وأول مشفع وصاحب لواء الحمد، وصاحب الحوض المورود، وأول من تفتح له أبواب الجنة. إلى غير ذلك من وجوه التكريم والتشريف لنبينا محمد ﷺ والتي تعد من أقوى الدوافع إلى محبته.
ثالثا: كمال رأفته ورحمته بأمته وحرصه على هدايتها وإنقاذها من الهلكة: حتى كادت أن تذهب نفسه أسفا على قومه ألا يكونوا مؤمنين كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] (٣) .
стр. 53
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (١) .
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] (٣) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٤) .
وقد جاءت أحاديث كثيرة تؤكد هذا المعنى. منها ما أخرجه البخاري ومسلم بسنديهما عن عبد الله بن زيد قال: «لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسَّم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم رسول الله (فقال: يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئاَ قالوا: الله ورسوله أمن. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ ؟ قال: كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن. قال: لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا. ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؟ لولا الهجرة، لكنت امرءا من الأنصار ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها. الأنصار شعار، والناس دثار. إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (٥) .
стр. 54
ومنها ما أخرجه مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] (١) الآية. وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (٢) فرفع يديه وقال (اللهم! أمتي أمتي) وبكى. فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم- فسله، فأتاه جبريل ﵊ فسأله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال. وهو أعلم. فقال الله يا جبريل (اذهب إلى محمد فقل: أنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» (٣) .
ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم - واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته. وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا» (٤) .
إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي تبين حدب النبي ﷺ وشفقته على أمته ورحمته بها.
وجدير بمن كان بمثل هذه الشفقة والرحمة أن تتوجه قلوب المسلمين بكليتها إلى محبته وأن تجعل من حبه وسيلة قربى وزلفى إلى الله .
رابعا: كمال نصحه لأمته وهدايته لها وإحسانه إليها: إذ دل الأمة على كل خير يقربها إلى ربها، وحذرها من كل شر يجلب لها الذل والخزي في الدنيا والعذاب والنكال في الآخرة. فأصبح العز والتمكين في
стр. 55
الدنيا والسعادة والنعيم في الآخرة متوقفا على اتباع منهجه وسلوك سبيله. كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (١) .
وإذا كان الإنسان بفطرته يحب من نصحه أو أحسن إليه مرة أو مرتين فما بالنا بالناصح الأمين البر الشفيق على أمته والذي كانت حياته كلها نصحا لأمته وتعليما لها وتزكية لأرواحها وأبدانها. وهو الذي هدى البشرية- بإذن ربها- إلى الصراط المستقيم بعدما كانت تعيش في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء، ولولا رحمة الله للناس ببعثته ورسالته لعاش الناس في بحار الظلمات تتقاذفهم الأمواج فلا يجدون إلى ساحل الهداية سبيلا.
يقول الله : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] (٢) .
وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ - فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢] (٣) .
لأجل هذا كانت المنة ببعثة النبي ﷺ عظيمة، والنعمة بذلك جسيمة. ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من أدرك الفرق بين الهدى والضلال وبين الجاهلية والإسلام وبين رضى الله وسخطه.
فمن عرف هذا الفرق وأدركه إدراكا يقينيا علم عظم هذه النعمة التي لا تعادلها نعمة على ظهر الأرض، وأحب الرسول ﷺ بكل قلبه وآثر حب الله ورسوله على ما سواهما.
стр. 56
ولأجل هذا كان الصحابة أشد الخلق حبا لرسول الله ﷺ لأنهم عاشوا الجاهلية وعاينوها عن قرب فلما جاء الإسلام وأدركوا الفرق بين الظلمات والنور ازداد تمسكهم بالإسلام واشتد حبهم على مر الأيام لهذا النبي العظيم ﷺ .
أما عظيم إحسانه إلى أمته، فلأنه كان سبب انتفاع هذه الأمة بحياتها وأرواحها وأبدانها.
بل كان هو السبب- بإذن ربه- في حياة هذه الأمة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] (١) الآية.
وإذا كان الإنسان يحب أبويه لكونهما وسيلة وجوده، ولأنهما منحاه الرعاية والعناية حتى استطاع شق طريقه في الحياة.
فرسول الله أولى بذلك الحب لأنه كان سبب انتفاع الإنسان بحياته وبدنه وروحه. فلولا الإيمان به واتباع دينه لكان الإنسان في درجة الحيوانات أو أحط كما كانت حال الجاهلية قبل أن تشرق عليهم شمس النبوة وهكذا الشأن في كل جاهلية قديما وحديثا.
خامسا: ما خصه الله به من كريم الخصال ورفيع الأخلاق مما ميزه على سائر الخلق أجمعين: ولو لم تكن له معجزة إلا أخلاقه العظيمة لكفت دليلا على صدق نبوته وسمو تعاليم رسالته.
والمطالع في سيرته ﷺ ومواقفه المتعددة يجد أن رسول الله ﷺ قد حاز من كل خلق أرفعه، وتسنم ذرى الأخلاق حتى سما بها، فكان كما وصفه ربه بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٢) .
стр. 57
فكان رسول الله ﷺ أكرم الناس خلقا، وأوسعهم صدرا، وأصدقهم.
فكان رسول الله ﷺ أكرم الناس خلقا، وأوسعهم صدرا وأصدقهم لهجة، وأكرمهم عشيرة، وأوفاهم عهدا، وأوصلهم للرحم، قريبا من كل بر، بعيدا عن كل إثم، لا يقول إلا حقا، ولا يعد إلا صدقا، جوادا بماله، فما قال لأحد: لا، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، شجاعا يتقي به أصحابه عند شدة البأس، صابرا محتسبا في جنب الله كل مكروه وأذى، يسبق حلمه غضبه ويعفو عند المقدرة، رحيم القلب، طيب النفس، آتاه الله الكمال في الخلق والخلق، والقول والعمل، وجمله بالسكينة والوقار، وكساه حسن القبول، فاستمال القلوب وملك زمامها، فانقادت النفوس لموافقته، وثبتت القلوب على محبته، وفدته النفوس بكل عزيز وغال.
فجدير بمن كان بتلك المنزلة أن تتوجه القلوب لمحبته، وكلما اطلع الإنسان على جوانب خلقه الكريم ازداد حبا له. ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم أكمل الأمة حبا له لما شاهدوه وعاينوه من أحواله الشريفة وأخلاقه الكريمة ﷺ .
هذه هي أهم موجبات محبة الرسول ﷺ ودواعيها. وهذه المحبة قد تضعف في قلب المسلم بسبب المعاصي والذنوب، أو الإقبال على حطام الدنيا. لأجل هذا يجب على المسلم أن يأخذ بالأسباب التي تزيد من محبته لرسول الله ﷺ .
أسباب زيادة المحبة: يرتبط الحب في القلب بما يحركه من تذكر وتفكر، ورؤية للآثار وسماع للأخبار.
ومع وجود هذه المحركات يزداد الحب في قلب الإنسان وتطلب النفس تحصيل المحبوبات. وحب المسلم للرسول ﷺ يحركه في قلبه أمور كثيرة منها:
١ - تذكر الرسول ﷺ وأحواله: إن للمعرفة ارتباطا وثيقا بالحب، وإذا لم يعرف المسلم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم
стр. 58
ويتعرف عليه وعلى عظيم قدره ومكانته في نفسه وعند ربه، فسيكون حبه له ضعيفا منزويا في أعماق الشعور والوجدان.
فإذا أراد المسلم أن يزداد حبه لرسول الله ﷺ فلا بد له من معرفته ومعرفة جوانب شخصيته وأخلاقه وذلك بمطالعة سيرته وشمائله وأيامه والنظر فيها بتمعن لاستخلاص الدروس والعبر والعيش مع رسول الله ﷺ والأحداث التي واجهته والمواقف التي وقفها والأعمال التي قام بها والنظر إلى حال الصحابة معه وكيف كان عيشهم وجهادهم لأعدائهم وحبهم لنبيهم ﷺ .
فكلما طالع الإنسان سيرة رسول الله ﷺ وتدبرها أدرك عظمة رسول الله فازداد حبا له وشوقا إليه. ومما يكمل هذا الجانب التفكر فيما لاقاه الرسول في سبيل تبليغ الدين وعظيم حرصه على هداية الناس جميعا وشفقته على أمته ورحمته بها فإذا أدرك المسلم هذا الأمر ازداد حبا لرسول الله ﷺ .
٢ - الوقوف على هديه ﷺ والاشتغال بالسنة قولا وعملا: الوقوف على هديه ﷺ وتدبر سنته والاقتداء به في كل أمر من أمور الدين حتى يكون المسلم على بصيرة ويقين من أنه على جادة الاتباع فيجعل الرسول ﷺ أمامه في كل أمر يقوم به من أمور الدين وكأنه واحد من أصحابه يأتمر بأمره وينتهي بنهيه وكلما استمسك المسلم بهديه وسنته وعاش معها بقلبه ووجدانه كلما كان ذلك ادعى إلى تذكر رسول الله ﷺ وحبه.
وإذا كان الحب مرتبطا بالمعرفة والتذكر، فأكثر الناس حبا له أهل سنته المشتغلون بها علما وعملا، رواية ودراية لأنهم أعلم الأمة بأقواله ﷺ وأفعاله وأخلاقه وشمائله، ولو لم يكن لهم نصيب من حبه سوى الصلاة والسلام عليه لكفى بهذا شرفا.
٣ - معرفة نعمة الله على عباده بهذا النبي ﷺ : ومن أعظم أسباب هذه المعرفة التفكر في النفع الحاصل لهذه الأمة بسبب
стр. 59
بعثة النبي ﷺ فيها ونزول القرآن عليه.
وأنه سبب نجاة هذه الأمة في الدنيا والآخرة وأن كل خير وعز وسعادة حصلت لهذه الأمة أو يقدر لها أن تحصل فبسبب اتباعه.
وأن كل بلاء حصل لهذه الأمة أو سيحصل فسببه مخالفة ما جاء به من عند ربه. وحتى تكتمل هذه المعرفة يتخيل الإنسان كيف سيكون حال هذه الأمة لو لم يبعث فيها رسول الله ﷺ وكيف كان حالها قبل مبعثه ﷺ ثم كيف أصبح حالها بعد بعثته ونزول القرآن عليه. وكيف أن الله جمع به بعد فرقة، ورفع به شأن هذه الأمة وأخرجها به من الظلمات إلى النور.
قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] (١) .
٤ - كثرة الصلاة والسلام عليه: إذ أنها من أعظم ما يربط قلب المسلم برسول الله ﷺ ويجعله متذكرا له دائما، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٢) .
وقد ورد الحث عليها والأمر بالإكثار منها في أحاديث كثيرة منها ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي واحدة، صلى الله عليه عشرا» (٣) .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في المبحث القادم إن شاء الله.
стр. 60
[المبحث الرابع مظاهر محبة الرسول ﷺ ]
المبحث الرابع
مظاهر محبة الرسول ﷺ الحب وإن كان من أعمال القلوب إلا أنه لا بد وأن تظهر آثاره على الجوارح قولا وفعلا. ولما كان الحب أمرا يمكن أن يستتر وراء الدعاوى والمزاعم ويقع في الاشتباه، كان لا بد من التمييز بين الصادق فيه وبين الدعي الكاذب وبين من سلك في حبه لرسول الله ﷺ مسلكا صحيحا وبين من انحرف بمسلك حبه عن الصواب.
وقد جرت العادة أن الدعاوي لا تقبل إلا ببينات، فالبينة على من ادعى، ولو يعطى الناس بدعواهم لاختل ميزان الحق والعدل. وطالما استغلت دعوى الحب لله ولرسوله ﷺ أو حب الصالحين لتسويغ ألوان من البدع وضروب من الغلو وجعلها مقبولة طالما كان دافعها هذا الحب المزعوم.
لذا أردت في هذا المبحث الكلام على الشواهد الصادقة والمظاهر الواضحة لمحبة رسول الله ﷺ واتباعها بآثارها على السلوك والأفعال.
وذلك لبيان أن حب الرسول ﷺ مقيد بضوابط تحكمه، ومحدد بعلامات تؤكد صدقه، وآثار تظهر على من اتصف به. وهذه العلامات والمظاهر كثيرة، لكني سأتكلم عن أظهرها وأبينها.
أولا: طاعة الرسول ﷺ واتباعه:
إن أقوى شاهد على صدق الحب- أيا كان نوعه- هو موافقة المحب لمحبوبه وبدون هذه الموافقة يصير الحب دعوى كاذبة وأكبر دليل على صدق الحب لرسول الله ﷺ هو طاعته واتباعه.
стр. 61
فالاتباع هو دليل المحبة الأول وشاهدها الأمثل، وهو شرط صحة هذه المحبة، وبدونه لا تتحقق المحبة الشرعية ولا تتصور بمعناها الصحيح.
وإذا كان الله سبحانه قد جعل اتباع نبيه ﷺ دليلا على حبه سبحانه، فهو من باب أوفى دليل على حب النبي ﷺ . قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) .
قال ابن كثير ﵀:
(هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية بأنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله.
كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: " ليس الشأن أن تحب إنما الشأن أن تحب ".
وقال الحسن البصري وغيره من السلف:
زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] (٣) فتبين من هذا أن الاتباع هو أعظم شاهد على صدق المحبة، بل هو من أجل ثمارها.
стр. 62
فالصادق في حب النبي ﷺ هو من أطاعه واقتدى به وآثر ما يحبه الله ورسوله على هوى نفسه، وظهرت أثار ذلك عليه من موافقته في حب ما يحبه وبغض ما يبغضه.
ويؤكد القاضي عياض على ارتباط هذه المحبة بالموافقة والاتباع فيقول: (اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقا في حبه وكان مدعيا، فالصادق في حب النبي ﷺ من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها:
الاقتداء به واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) وإيثار ما شرعه على هوى نفسه وموافقة شهواته، قال الله تعالى ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (٢)(٣) .
وقد استفاضت نصوص الكتاب والسنة في تعظيم شأن الاتباع وبيان أهميته، وأن سعادة المسلم في الدارين موقوفة على متابعة النبي ﷺ ، وأن شقاء من شقي وهلاك من هلك إنما كان بسبب مخالفته لما جاء به الرسول ﷺ ، وسنعرض لهذه النصوص في مبحث وجوب الطاعة.
نخلص من هذا إلى أن أقوى مظهر وأوضح شاهد على صدق المحبة لرسول الله ﷺ هو الاتباع وبدونه تصبح المحبة دعوى مجردة عن الدليل وقولا لا يصدقه عمل.
وهذا الاتباع محدد أيضا بشواهد وعلامات تؤكده وسنعرض لها فيما بعد.
ثانيا: تعظيم النبي ﷺ وتوقيره والأدب معه:
تعظيم النبي ﷺ هو ما يقتضيه مقام النبوة والرسالة من كمال الأدب وتمام
стр. 63
التوقير، وهو من أعظم مظاهر حبه، ومن آكد حقوقه ﷺ على أمته، كما أنه من أهم واجبات الدين.
وهذا التعظيم مثل المحبة من حيث كونه تابعا للمعرفة، فعلى قدر المعرفة يكون التعظيم وتكون المحبة.
لذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم أكثر الناس حبا وتعظيم لرسول الله ﷺ لمعايشتهم له وقربهم منه. وتعظيم النبي ﷺ يكون بالقلب، واللسان والجوارح، فالتعظيم بالقلب هو ما يستلزم اعتقاد كونه رسولا اصطفاه الله برسالته، وخصه بنبوته، وأعلى قدره، ورفع ذكره، وفضله على سائر الخلق أجمعين، كما يستلزم تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين.
أما التعظيم باللسان فيكون بالثناء عليه بما هو أهله، مما أثنى به على نفسه، أو أثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير، ويدخل في ذلك الصلاة والسلام عليه، كما يشمل الأدب في الخطاب معه والحديث عنه ﷺ .
وأما التعظيم بالجوارح فيشمل العمل بطاعته، وتجديد متابعته، وموافقته في حب ما يحبه، وبغض ما يبغضه والسعي في إظهار دينه، ونصرة شريعته، والذب عنه وصون حرمته (١) .
وعلى ذلك فاساس التعظيم للنبي ﷺ وقاعدته التي ينبني عليها هو تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهي وزجر، وعبادة الله بما شرع. فمن فقد هذا الأساس أو أخل به فقد أخل بتعظيمه وتوقيره ﷺ . وهذا الإخلال يأتي من أمرين كليهما على طرفي نقيض:
أولهما: الجفاء والتفريط في حقوقه ﷺ . وذلك كنسبته إلى ما لا يليق بمقام النبوة كالطعن في صدقه أو أمانته وعدالته وذلك كصنيع ذي الخويصرة التميمي الذي طعن في قسمة رسول الله ﷺ للغنائم كما روي ذلك البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
стр. 64
«بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسماه أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل فقال: ويلك. ومن يعدل إذ لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه. فقال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» . . . .) (١) الحديث.
ويشبه هذا الصنيع صنيع المنافقين ومن انطمست بصائرهم فلم يعرفوا للنبي ﷺ قدره ولم يحفظوا حرمته. ومما يلحق بالجفاء عدم التأدب في الحديث والكلام عن النبي ﷺ كصنيع بعض الشعراء والكتاب في تشبيه بعض الولاة والحكام أو وصفهم بصفات الرسول ﷺ الخاصة به. كقول المعري مثلا (٢) .
لولا انقطاع الوحي بعد محمد ... قلنا محمد عن أبيه بديل
هو مثله في الفضل إلا أنه ... لم يأته برسالة جبريل (٣)
وقد نقل القاضي عياض أمثلة من هذا القبيل من أقوال بعض الجفاة والمنافقين (٤) .
ومما يلحق بالجفاء ترك الصلاة والسلام عليه لفظا وخطا، أو الاستهانة بهديه وسنته وقلة المبالاة بها أو التعظيم لشأن المفكرين والكتاب والقادة بما يغض من
стр. 65
شأنه ﷺ ، مع أن هؤلاء مهما بلغوا لن يصلوا إلى مرتبة واحد من عامة الصحابة.
وقد كثر الجفاء في زماننا هذا بكثرة المارقين والمنهزمين من الكتاب والأدباء الذين سودوا الصحائف بالاستهزاء بتعاليم الإسلام وقيمه وربما بالتطاول على مقام النبوة. كما عزف كثير من المسلمين عن مطالعة سيرة النبي ﷺ ومذاكرة سنته وكثرة الصلاة والسلام عليه. مما أدى إلى الجفاء للنبي ﷺ وعدم توقيره.
ولقد كان سلفنا الصالح إذا ذكر عندهم النبي ﷺ أو حديثا من أحاديثه ظهر عليهم من الهيبة والإجلال والتأدب كما لو كان النبي ﷺ أمامهم حتى إن بعضهم كان يبكي عند ذكره ﷺ فكان محمد بن المنكدر (١) إذا سئل عن حديث بكى حتى يرحمه الجالسون، وكان عبد الرحمن بن مهدي (٢) إذا قرأ حديث النبي ﷺ أمر الحاضرين بالسكوت وقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] (٣) ويتأول أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب عند سماع قوله ﷺ (٤) .
هكذا كان أدب سلفنا الصالح مع رسول الله ﷺ وسنته فأين منا هذا الأدب وذلك التوقير؟ كما نسأل الله العافية.
ثانيهما: الغلو في النبي ﷺ ورفعه فوق مرتبته التي وضعه الله عليها.
стр. 66
وذلك كاعتقاد أنه يعلم الغيب مطلقا أو أن وجوده سابق لهذا العالم وأن من نوره خلق الكون كله إلى غير ذلك من الاعتقادات الباطلة التي لم ترد في سنة. وسيأتي لهذا مزيد بيان في فصل الغلو في الرسول ﷺ .
وقد أوجب الله على الأمة كلها تعظيم النبي ﷺ وتوقيره فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ - ٩] (١) .
فالتسبيح لله والتعزير والتوقير للنبي ﷺ وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٢) والتعزير بمعنى التعظيم.
قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى:
(معنى التعزير في هذا الموضع: التقوية والنصرة والمعونة ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال) (٣) .
ويعرف ابن تيمية التعزير بأنه:
(اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار) (٤) .
وقد أبان الله في كتابه عن وجوه الأدب مع النبي ﷺ وتعظيمه. وما ينبغي على المسلم أن يتأدب به مع رسول الله ﷺ وذلك في آيات شتى وبأساليب
стр. 67
متنوعة. وقد اشتملت سورة الحجرات في صدرها على مجموعة من التوجيهات التربوية للمسلمين في كيفية تعاملهم مع رسول الله ﷺ والتأدب معه.
فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ - إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ - إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١ - ٥] (١) فقد أشارت هذه الآيات إلى بعض وجوه الأدب مع النبي ﷺ منها:
- عدم التقدم بين يدي الله ورسوله بقول أو فعل أو إذن أو تصرف كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] (٢) . قال ابن جرير في تفسير هذه الآية:
" لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم، قبل أن يقضي الله لكم فيه، ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله (٣) . وهذا الأمر فرض باق على الأمة إلى يوم القيامة- مثل طاعته ﷺ حيا وميتا- فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته ﷺ كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذوي العقول السليمة، فالأدب كل الأدب معه ﷺ تقديم سنته وأقواله على كل قول أو رأي (٤) .
- ومنها عدم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ ، وعدم الجهر له بالقول
стр. 68
مخافة حبوط العمل. فالأدب معه في حياته غض الصوت عنده مع الهيبة والإجلال له، وأن يكون مجلس علم وحلم ووقار وسكينة، وأن يكون الحديث معه بتأدب وتلطف.
وإذا كان الله قد حرم رفع الأصوات فوق صوت نبيه، وحرم الجهر له بالقول لما في ذلك من الجفاء والإيذاء لنبيه ﷺ ، فكذلك رفع الأصوات عند قبره ﷺ في حكم رفع الصوت عنده في حياته من حيث التحريم لأن حرمة النبي ﷺ ميتا كحرمته حيا.
وقد شدد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ النكير على رجلين رفعا أصواتهما في المسجد النبوي وذلك فيما رواه البخاري بسنده عن السائب بن يزيد قال:
(كنت قائما في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فاتني بهذين، فجئته بهما. قال: من أنتما- أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما. ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ !) (١) .
فإذا تقرر هذا علمنا أن ما يحدث من كثير من الناس عند قبره ﷺ من رفع الأصوات واختلاطها، وصنيع من يسمون " بالمزورين " من رفع الأصوات عند القبر والتشويش في المسجد النبوي، كل هذا من الأمور المحرمة لما فيها من إيذاء النبي ﷺ ، وانتهاك حرمة المسجد.
ومن مخالفة الأدب في هذا الباب رفع أراء بعض البشر وأقوالهم ومذاهبهم على سنة النبي ﷺ ، ومحاولة إسكات صوت السنة والداعين إليها وفي هذا من الإيذاء والجفاء ما هو أكبر بكثير من مجرد رفع الصوت عند النبي ﷺ (٢) .
стр. 69
قال أبو بكر بن العربي (١) .
(حرمة النبي ﷺ ميتا كحرمته حيا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نبه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] (٢) . وكلام النبي ﷺ من الوحي، وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناه (٣) بيانها في كتب الفقه والله أعلم) (٤) .
ومن الأدب مع الرسول ﷺ عدم جعل دعائه كدعاء الناس بعضهم بعضا، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] (٥) وللمفسرين في معنى هذه الآية قولان:
- أحدهما: معناه أن لا تجعلوا دعاءكم ونداءكم للرسول ﷺ كما ينادي بعضكم بعضا باسمه المجرد فنهاهم الله أن ينادوا رسوله ﷺ بيا محمد. بل الأدب معه ﷺ أن ينادوه: بيا رسول الله، ويا نبي الله، مع خفض الصوت احتراما
стр. 70
وتوقيرا له (١) .
الثاني: أن لا تجعلوا دعاء الرسول لكم من جنس دعاء بعضكم بعضا إذا شاء أجاب وإن لم يشأ لم يجب. بل الأدب معه أنه إذا دعاكم لم يسعكم إلا إجابته والسمع والطاعة له (٢) .
ومن الأدب معه ﷺ أن أصحابه إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] (٣) .
قال ابن القيم:
(ومن الأدب معه: أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع- من خطة أو جهاد أو رباط- لم يذهب أحدهم مذهبا في حاجته حتى يستأذنه. . . فإذا كان هذا مذهبا مقيدا بحاجة عارضة، لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين: أصوله، وفروعه، دقيقة، وجليله؟ هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (٤) ومن الأدب معه. أن لا يستشكل قوله. بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول.
стр. 71
ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه ﷺ وهو عين الجرأة) (١) .
ومن الأدب مع الرسول ﷺ وتعظيمه: التأدب في الحديث معه والحديث عنه. وذلك باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها، وأرق المعالي وألطفها، وتجنب كل ما فيه جفاء أو إساءة أدب مع الرسول ﷺ وتنزيه مقام النبوة والرسالة من كل عيب أو نقص ينافي عصمته ﷺ .
لأجل هذا نهى الله المؤمنين عن الجهر بالقول لرسول الله ﷺ ، كما نهاهم عن مخاطبته كما يخاطب بعضهم بعضا كما سبق آنفا. لما فيه من الجفاء والإيذاء له. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (٢) .
فنهى الله المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ (راعنا) لما فيها من احتمال معنى: ارعنا نرعاك على سبيل المقابلة كما يقال حادثنا وجالسنا، نحادثك ونجالسك. فكأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم. بل حقه ﷺ أن يرعى على كل حال، أو يكون معناها: ارعنا معك حتى نفهمك وتفهم عنا (٣) وكلا المعنيين فيه جفاء لا يليق بمقام النبوة.
وقيل نهوا عن ذلك لما فيه من التشبه باليهود لأنهم كانوا يورون بهذه الكلمة عن الرعونة فنهي المسلمون عن قولها قطعا للذريعة، ومنعا للتشبه بهم في قولهم (٤) .
وعلى ذلك فكل كلام يشعر بالجفاء وإن لم يقصده المتكلم- لا يجوز أن يخاطب به الرسول ﷺ أو يتحدث به عنه لما في ذلك من إيذائه ﷺ وإذهاب هيبته من النفوس.
стр. 72
ومن تعظيمه ﷺ الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، أو أثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير، ومن أعظم الثناء عليه: الصلاة والسلام عليه في مواطنها، وعند ورود ذكره الشريف على المسامع واللسان وعند الخط بالبنان.
ويتضمن معنى الصلاة عليه: ثناء الله عليه والإشارة برفع ذكره، والطلب من الله أن يعلى ذكره، ويزيده تعظيما وتشريفا، والمراد بالطلب هنا هو طلب الزكاة- زيادة الثناء والتشريف- لا طلب أصل الصلاة. أما السلام فيتضمن سلامته أي من كل آفة وعيب (١) .
أورد البخاري تعليقا عن أبي العالية قال: " صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء ".
قال ابن عباس:
يصلون: يبركون (٢) .
وقد أخبر الله أنه وملائكته يصلون على النبي وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٣) .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:
والمقصود من هذه الآية: أن الله أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي
стр. 73
عليه ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والسلام عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا " (١) .
كما رغب رسول الله ﷺ في الصلاة والسلام عليه في أحاديث عدة: منها ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي واحدة، صلى الله عليه عشرا» (٢) .
وأخرج أبو داود بسنده عن أوس بن أوس رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ ! يقولون: بليت. قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٣) .
وأخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي» الحديث (٤) .
وأخرج الترمذي أيضا بسنده عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي» (٥) .
стр. 74
وأخرج أبو داود بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (١) .
وقد علم الرسول ﷺ أصحابه وأمته كيف يصلون عليه في الصلاة وغيرها وذلك فيما أخرجه البخاري ومسلم بسنديهما عند عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية، إن النبي ﷺ خرج علينا، فقال يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك فقال: قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (٢) .
وأخرجا أيضا بسنديهما عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: «يا رسول الله ﷺ كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما، صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٣) .
إلى غير ذلك من الصيغ التي علمهم النبي ﷺ إياها وأرشدهم إليها. وهذه الصيغ التي علمها النبي ﷺ لأصحابه وأمته من بعدهم هي أفضل كيفيات الصلاة والسلام عليه لأنها صادرة من مشكاة النبوة، ولأن النبي ﷺ لا يختار لهم ولنفسه إلا الأشرف والأفضل والأكمل من الأعمال والكيفيات.
فإذا تبين هذا علمنا أن ما ابتدعه كثير من مشايخ الصوفية من صيغ في الصلاة
стр. 75
على النبي ﷺ زاعمين لها من الفضل والثواب الشيء الكثير، هذه الصلوات لا ترتقي إلى مرتبة الصيغ التي علمها النبي ﷺ لأصحابه وأمته في كيفية الصلاة والسلام عليه. هذا إن سلمت تلك الصلوات من الغلو وضروب البدع. كما يلاحظ أنه لم يرد في شيء من صيغ الصلاة على النبي ﷺ لفظ السيادة (سيدنا) . فدل عدم ورودها على أنها ليست مشروعة أو خلاف الأولى.
وقد سئل الحافظ ابن حجر عن صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة أو خارج الصلاة سواء قيل بوجوبها أو ندبيتها، هل يشترط فيها أن يصفه ﷺ بالسيادة. كأن يقول مثلا. اللهم صل على سيدنا محمد أو على سيد الخلق، وعلى سيد ولد آدم؟ أو يقتصر على قوله: اللهم صل على محمد؟ وأيهما أفضل، الإتيان بلفظ السيادة لكونها صفة ثابتة له ﷺ ، أو عدم الإتيان بها لعدم ورود ذلك في الآثار؟ .
فأجاب ﵀:
(نعم، اتباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعا منه ﷺ لم يكن يقول عند ذكره ﷺ : ﷺ وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذكر. لأنا نقول: لو كان ذلك راجحا لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين. ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم قال: ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك) (١) .
وللصلاة على النبي ﷺ مواطن يتأكد وجوبها أو استحبابها فيها: منها: التشهد الأخير في الصلاة، واختلف في وجوبه واستحبابه على قولين (٢) . ومنها عند دخول المساجد والخروج منها، وبين يدي الدعاء.