← Акыда

Акыда · id 30862

محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

عبد الرءوف محمد عثمان

Полный текст (315 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه ﷺ وهو عين الجرأة) (١) . ومن الأدب مع الرسول ﷺ وتعظيمه: التأدب في الحديث معه والحديث عنه. وذلك باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها، وأرق المعالي وألطفها، وتجنب كل ما فيه جفاء أو إساءة أدب مع الرسول ﷺ وتنزيه مقام النبوة والرسالة من كل عيب أو نقص ينافي عصمته ﷺ . لأجل هذا نهى الله المؤمنين عن الجهر بالقول لرسول الله ﷺ ، كما نهاهم عن مخاطبته كما يخاطب بعضهم بعضا كما سبق آنفا. لما فيه من الجفاء والإيذاء له. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (٢) . فنهى الله المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ (راعنا) لما فيها من احتمال معنى: ارعنا نرعاك على سبيل المقابلة كما يقال حادثنا وجالسنا، نحادثك ونجالسك. فكأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم. بل حقه ﷺ أن يرعى على كل حال، أو يكون معناها: ارعنا معك حتى نفهمك وتفهم عنا (٣) وكلا المعنيين فيه جفاء لا يليق بمقام النبوة. وقيل نهوا عن ذلك لما فيه من التشبه باليهود لأنهم كانوا يورون بهذه الكلمة عن الرعونة فنهي المسلمون عن قولها قطعا للذريعة، ومنعا للتشبه بهم في قولهم (٤) . وعلى ذلك فكل كلام يشعر بالجفاء وإن لم يقصده المتكلم- لا يجوز أن يخاطب به الرسول ﷺ أو يتحدث به عنه لما في ذلك من إيذائه ﷺ وإذهاب هيبته من النفوس.

стр. 72

ومن تعظيمه ﷺ الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، أو أثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير، ومن أعظم الثناء عليه: الصلاة والسلام عليه في مواطنها، وعند ورود ذكره الشريف على المسامع واللسان وعند الخط بالبنان. ويتضمن معنى الصلاة عليه: ثناء الله عليه والإشارة برفع ذكره، والطلب من الله أن يعلى ذكره، ويزيده تعظيما وتشريفا، والمراد بالطلب هنا هو طلب الزكاة- زيادة الثناء والتشريف- لا طلب أصل الصلاة. أما السلام فيتضمن سلامته أي من كل آفة وعيب (١) . أورد البخاري تعليقا عن أبي العالية قال: " صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء ". قال ابن عباس: يصلون: يبركون (٢) . وقد أخبر الله أنه وملائكته يصلون على النبي وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٣) . قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: والمقصود من هذه الآية: أن الله أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي

стр. 73

عليه ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والسلام عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا " (١) . كما رغب رسول الله ﷺ في الصلاة والسلام عليه في أحاديث عدة: منها ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي واحدة، صلى الله عليه عشرا» (٢) . وأخرج أبو داود بسنده عن أوس بن أوس رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ ! يقولون: بليت. قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٣) . وأخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي» الحديث (٤) . وأخرج الترمذي أيضا بسنده عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي» (٥) .

стр. 74

وأخرج أبو داود بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (١) . وقد علم الرسول ﷺ أصحابه وأمته كيف يصلون عليه في الصلاة وغيرها وذلك فيما أخرجه البخاري ومسلم بسنديهما عند عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية، إن النبي ﷺ خرج علينا، فقال يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك فقال: قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (٢) . وأخرجا أيضا بسنديهما عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: «يا رسول الله ﷺ كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما، صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٣) . إلى غير ذلك من الصيغ التي علمهم النبي ﷺ إياها وأرشدهم إليها. وهذه الصيغ التي علمها النبي ﷺ لأصحابه وأمته من بعدهم هي أفضل كيفيات الصلاة والسلام عليه لأنها صادرة من مشكاة النبوة، ولأن النبي ﷺ لا يختار لهم ولنفسه إلا الأشرف والأفضل والأكمل من الأعمال والكيفيات. فإذا تبين هذا علمنا أن ما ابتدعه كثير من مشايخ الصوفية من صيغ في الصلاة

стр. 75

على النبي ﷺ زاعمين لها من الفضل والثواب الشيء الكثير، هذه الصلوات لا ترتقي إلى مرتبة الصيغ التي علمها النبي ﷺ لأصحابه وأمته في كيفية الصلاة والسلام عليه. هذا إن سلمت تلك الصلوات من الغلو وضروب البدع. كما يلاحظ أنه لم يرد في شيء من صيغ الصلاة على النبي ﷺ لفظ السيادة (سيدنا) . فدل عدم ورودها على أنها ليست مشروعة أو خلاف الأولى. وقد سئل الحافظ ابن حجر عن صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة أو خارج الصلاة سواء قيل بوجوبها أو ندبيتها، هل يشترط فيها أن يصفه ﷺ بالسيادة. كأن يقول مثلا. اللهم صل على سيدنا محمد أو على سيد الخلق، وعلى سيد ولد آدم؟ أو يقتصر على قوله: اللهم صل على محمد؟ وأيهما أفضل، الإتيان بلفظ السيادة لكونها صفة ثابتة له ﷺ ، أو عدم الإتيان بها لعدم ورود ذلك في الآثار؟ . فأجاب ﵀: (نعم، اتباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعا منه ﷺ لم يكن يقول عند ذكره ﷺ : ﷺ وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذكر. لأنا نقول: لو كان ذلك راجحا لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين. ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم قال: ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك) (١) . وللصلاة على النبي ﷺ مواطن يتأكد وجوبها أو استحبابها فيها: منها: التشهد الأخير في الصلاة، واختلف في وجوبه واستحبابه على قولين (٢) . ومنها عند دخول المساجد والخروج منها، وبين يدي الدعاء.

стр. 76

وعند ذكره ﷺ ، وروود اسمه الشريف وكتابته وفي الخطب وعند رواية الحديث وتعليم الناس العلم إلى غير ذلك من المواطن (١) . ومن تعظيمه ﷺ نصرته والذب عنه، وقد أوجب الله على الأمة تعزير نبيه ﷺ وتوقيره، وسبق أن بينا أن تعزيره ﷺ يتضمن معنى النصرة والتعظيم. فواجب على الأمة أن تنصر الله ورسوله، وأن تنتصر لله ورسوله، وإذا كان نصر آحاد المسلمين واجبا، لقوله ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» (٢) . وقوله ﵊: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» (٣) . فكيف لا يكون نصر الرسول ﷺ من أوجب الواجبات، بل حقه أن يفدى بالأنفس والأموال وأن يؤثر بكل عزيز وغال. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] (٤) الآية. فحرم الله على المؤمنين التخلف عن نصرة نبيه والرغبة بالأنفس عنه، وأوجب على المؤمنين نصرته، وذلك في آيات عدة من القرآن منها: قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٥) . وقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠] (٦) الآية.

стр. 77

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] (١) . وامتدح الله المهاجرين بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] (٢) . كما أثنى على الأنصار بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] ونصر الرسول ﷺ يشمل نصره باللسان والسنان والبنان، بالقول والفعل. نصرا له في ذات نفسه حماية لعرضه، وصونا لحرمته، وإرغاما لأعدائه ومبغضيه، وانتصارا له من كل من يؤذيه، وإجلالا لمقام النبوة من أي قدح أو عيب. وقد أجمع أهل العلم على وجوب قتل من سب الرسول ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصا في نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله، أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له والإزراء عليه أو التحقير لشأنه. فحكم من أتى بذلك أن يقتل بلا استتابة لأنه آذى رسول الله ﷺ بما يستوجب إهدار دمه إن كان مسلما، ونقض عهده وقتله إن كان ذميا (٣) كل ذلك حماية لعرضه ﷺ وصونا لمكانته ومنزلته. ومن نصر الرسول ﷺ نصر سنته والذب عن شريعته ودفع كيد الكائدين وطعن الطاعنين في سنته وسيرته، برد شبههم ودحض مفترياتهم وإظهار ما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق.

стр. 78

ويدخل في نصر الله ورسوله نصر الشريعة وأهلها والداعين إليها وتكثير سوادهم وإعانتهم على أمورهم، وقمع أعدائهم. ولا يتأتى هذا النصر ولا يتحقق إلا برفع علم الجهاد في سبيل الله جهادا للكفار والمنافقين، وتتبع الزنادقة والملحدين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الله في أرضه. وتطيق شرعه. وترك النصرة لرسول الله ﷺ ودينه والتخاذل عنها تمكين لأعداء الإسلام من الطعن فيه وتشويهه وإضعاف شوكته وانتهاك حرماته وإذهاب هيبة النبي ﷺ من النفوس. ولا يكون ذلك إلا إذا ترك الجهاد في سبيل الله، وذهبت الغيرة على محارم الله من القلوب، حينما يكون الرضى بالذل والهوان حبا للدنيا وكراهية للموت، وهذا هو حال المسلمين اليوم. فالانتصار لرسول الله ﷺ حق على كل من آمن بالله واتبعه وزعم أنه يحبه، فمن ادعى حبه ولم ينصره وينتصر له فهو كاذب في دعواه. فمقتضى الحب الصحيح أن تنصره وتفديه بالنفس والمال وأن تغار على حرمات الله أن تنتهك، تلك هي أهم جوانب تعظيم الرسول ﷺ وتوقيره. لكن بقي أن أنبه إلى أمرين مهمين في هذا الباب: الأمر الأول: أنه يجب على المسلم المعظم لرسول الله ﷺ أن يفرق بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته وألوهيته، والتي لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، وبين حقوق النبي ﷺ ليضع كل شيء في موضعه حتى يكون على الصراط المستقيم. فالتجاء المضطر- مثلا- الذي أحاطت به الكروب، ونزلت به الشدائد التي لا يقدر على كشفها إلا الله وحده، حق ممن حقوق الله تعالى لا يجوز صرفه

стр. 79

لغير الله بحال من الأحوال، لأن كشف الضر، وإجابة المضطر بيد الله وحده. فصرف هذا الحق لله وإخلاصه له، هو عين طاعته سبحانه ومرضاته، وهو طاعة لرسول الله ﷺ واتباع له في تجريد التوحيد من كل شوائب الشرك. أما صرف هذا الحق- أو غيره من الحقوق الخاصة بالله- لغير الله ولو لرسوله ﷺ بدعوى أنه تعظيم له - فهذا عين المحاده والمشاقة لله ورسوله " وهو من الشرك الذي نهى الله عنه فإذا تبين ذلك علمنا أن ما يفعله بعض المنتسبين إلى الإسلام من التجائهم وقت الشدائد إلى غير الله طالبين منه كشف الضر ورفع الشدة، وما يفعل من هذا القبيل عند قبر الرسول ﷺ ، بدعوى أنه تعظيم له كل هذا من قبيل الشرك الذي حرمه الله ورسوله. الأمر الثاني: الفرق بين التعظيم المشروع وغير المشروع، ينبغي على المسلم أن يعلم أن التعظيم الذي أوجبه الله لرسوله ﷺ هو التعظيم المشروع اللائق بمقام النبوة والرسالة. ومدار هذا التعظيم وأساسه هو الاتباع والاقتداء به ﷺ فمن كان اتباعا واقتداء كان أكثر محبة وتعظيما، وأبعد عن الغلو والبدع. وليس كل ما يظن أنه من باب التعظيم لرسول الله ﷺ هو في الحقيقة تعظيما مشروعا في حقه. قال ابن عبد الهادي (١) . فالتعظيم نوعان: أحدهما: ما يحبه المعظم ويرضاه ويأمر به ويثنى على فاعله، فهذا هو التعظيم في الحقيقة.

стр. 80

والثاني: ما يكرهه ويبغضه ويذم فاعله، فهذا ليس بتعظيم، بل هو غلو مناف للتعظيم، ولهذا لم يكن الرافضة معظمين لعلي بدعواهم الإلهية والنبوة أو العصمة ونحو ذلك، ولم يكن النصارى معظمين للمسيح بدعواهم فيه ما ادعوا، والنبي ﷺ قد أنكر على من عظمه بما لم يشرعه، فأنكر على معاذ سجوده له، وهو محض التعظيم. وفي المسند بإسناد صحيح على شرط مسلم عن أنس بن مالك: «أن رجلا قال: (يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا) ، فقال رسول الله ﷺ : (عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » (١) وقال ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله» (٢) . وكان يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه، ونهاهم أن يصلوا خلفه قياما. وقال: «إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم» (٣) وكل هذا من التعظيم الذي يبغضه ويكرهه (٤) . وقد أنكر النبي ﷺ على من قال له: ما شاء الله وشئت أخرج الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس ﵄: «أن رجلا قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال أجعلتني والله عدلا. بل ما شاء الله وحده» (٥) . وأرشد النبي ﷺ أصحابه إلى أن يقولوا- إذا أرادوا- ما شاء الله ثم شاء

стр. 81

محمد. كما في سنن الدارمي وابن ماجه بسنديهما عن الطفيل بن سخبرة أخى عائشة لأمها قال: «قال رجل من المشركين لرجل من المسلمين نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد فسمع النبي ﷺ فقال: لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد» (١) . فيجب على المسلم أن يفرق بين المشروع وبين غيره في هذا الجانب وعدم التفرقة بينهما هو الذي أوقع المبتدعة في الغلو الذي ذمه الله ورسوله وذلك كالاستغاثة به وطلب الحاجات منه ودعائه من دون الله واعتقاد أنه خلق من نور وأن الكون كله قد خلق من نوره، وأنه يتصرف في الأكون، ويعلم الغيب مطلقا إلى غير ذلك من العقائد الباطلة، وابتداع أنواع كثيرة من الصلوات عليه. فكل هذا من الغلو والشرك الذي نهى الله عنه، وفاعل هذا مضاد لتعظيمه ﷺ . ثالثا: ومن مظاهر محبته ﷺ : كثرة تذكره وتمني رؤيته والشوق إلى لقائه، ذلك أن من أحب شيئا أكثر من ذكره، ولا يكون ذلك إلا إذا شغلت المحبة قلب المحب وفكره، وسبب ذلك استحضار الأسباب والدواعي الباعثة على حب رسول الله ﷺ ومعرفة قدر النعمة التي أنعم الله بها على الناس إذ بعث فيهم رسوله ﷺ . قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ - فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢] (٢) . ويتبع ذلك تمني رؤيته ﷺ والشوق إلى لقائه وسؤال الله اللحاق به على الإيمان وأن يجمع بينه وبين حبيبه ونبيه ﷺ في مستقر رحمته. وقد أخبر الرسول ﷺ بأنه سيوجد في هذه الأمة أناس يودون رؤيته بكل ما يملكون.

стр. 82

فأخرج مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أشد أمتي لي حبا، ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني، بأهله وماله» (١) . ويدخل في هذا الشوق إلى لقائه ﷺ إذ كل حبيب يحب لقاء حبيبه وحينما قدم الأشعريون المدينة كانوا يرتجزون (غدا نلقى الأحبة، محمدا وصحبه) (٢) . ولما احتضر بلال نادت امرأته، واويلاه. وهو يقول وافرحاه (غدا نلقى الأحبة. محمدا وحزبه) (٣) . فمزج مرارة الموت بحلاوة الشوق إلى رسول الله ﷺ ومن تقدمه من الصحابة رضوان الله عليهم. وكان خالد بن معدان الكلاعي (٤) وهو من أعلام التابعين - لا يأوى إلى فراشه مقيله إلا وهو يذكر فيه شوقه إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم يسميهم ويقول: (هم أصلي وفصلي، وإليهم يحن قلبي، طال شوقي إليهم فعجل ربي قبضي إليك) . حتى يغلبه النوم (٥) .

стр. 83

وهكذا شأن المحب دائما أن يشتاق إلى لقاء حبيبه ويتمنى رؤيته بكل ما يستطيع ويملك. فأين شوق المسلمين اليوم إلى نبيهم وحبيبهم ﷺ أين هو؟ لقد غاب عند أكثر العالمين إلا من رحم الله. نعم. لقد غاب. لأن الفكر والقلب قد شغل بالتنافس في حطام الدنيا حتى قل تذكر الرسول ﷺ فضلا عن الشوق إلى لقائه. فنسأل الله أن يوقظنا من رقدة الغافلين وأن يرزقنا الشوق إلى لقائه ولقاء حبيبه ﷺ في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. رابعا: ومن مظاهر محبته ﷺ محبة قرابته وآل بيته وأزواجه وصحابته: ويتمثل هذا في توقيرهم ومعرفة فضلهم وحفظ حرمتهم ومكانتهم وبغض من أبغضهم أو آذاهم. وقد أوصى النبي ﷺ الأمة بآل بيته خيرا فقال: «أذكركم الله في أهل بيتي» . أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن زبد بن أرقم ﵁ قال: «قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا. بماء يدعى " خما " بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر. ثم قال: أما بعد. ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله. واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: (وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي) فقال له حصين (١) ومن أهل بيته؟ يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. ولكن أهل بيته. من حرم الصدقه بعده. قال ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال كل هؤلاء حرم الصدقة بعده؟ قال: نعم» (٢) .

стр. 84

وأخرج البخاري عن ابن عمر أن أبا بكر الصديق قال: (ارقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته) (١) . ومن مظاهر حبه ﷺ حب أصحابه ومعرفة فضلهم وقدرهم والثناء عليهم بما هم أهله، والانتصار لهم ممن يؤذيهم وبغير الخير يذكرهم، فهم خير هذه الأمة بعد نبيها، ويكفى أنهم فازوا بشرف صحبة النبي ﷺ ، وأن الله قد خصهم بهذا الشرف دون غيرهم من العالمين فكانت لهم منزلة الصحبة التي لا تعادلها أي منزلة سواها في هذه الأمة. وقد أثنى الله عليهم في كتابه في مواضع كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] (٢) . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] (٣) الآية. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ - وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠] (٤) .

стр. 85

فهذه الآيات وغيرها تتضمن الثناء على الصحابة وتذكرهم بالخير وسابق الفضل وعلو المنزلة. كما تبين حال من أتى بعدهم من المؤمنين بأنهم يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وهذا هو شأن المؤمنين مع صحابة رسول ﷺ ومن أتى بعدهم من صالح المؤمنين. وقد أثنى الرسول ﷺ على أصحابه خيرا فقال كما في الصحيحين عن عمران بن حصين وغيره: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدري. أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا) الحديث (١) . وقال فيما أخرجه الشيخان بسنديهما عن أبي سعيد الخدري: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدا أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٢) . ولقد صدق عبد الله بن مسعود ﵁ في وصفهم حيث قال: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجلعهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ) (٣) . فصار من لوازم محبة رسول الله ﷺ محبة صحابته وقرابته وأهل بيته ومعرفة فضلهم والثناء عليهم بما هم أهله والدفاع عنهم وصون حرمتهم.

стр. 86

خامسا: ومن مظاهر محبة النبي ﷺ محبة سنته والداعين إليها: والمتمسكين بها وأهل العلم الذين لهم في هذه الأمة قدم صدق وهم السلف الصالح ومن أتى بعدهم على منهاجهم حتى يومنا هذا وتوليهم والدفاع عنهم ومعرفة قدرهم وحفظ حرمتهم والتأدب معهم والاعتذار لمن أخطأ منهم بأحسن المعاذير، وحمل أقوالهم وأحوالهم على أحسن المحامل والوجوه، لأن قصدهم إنما هو نصرة الدين، ولا يعني ذلك عدم تبيين الحق فيما اختلفوا فيه أو الصواب فيما أخطأوا فيه فذلك هو واجب العلماء إلى يوم القيامة. وإنما المقصود هو إحسان الظن وإنصافهم والتأدب معهم، لأنهم حملة الشريعة، ولولا أن الله هيأهم لهذا الأمر لما كان لنا عن هذا الدين خبر، فهم سلفنا الصالح فلنكن لهم خير خلف، لا أن نفيد من تراثهم ونجحد فضلهم أو نتلمس معايبهم ومطاعنهم دون النظر إلى فضائلهم، فهذا هو سبب ذهاب بركة العلم. ولن نرزق بركة العلم والدين إذا لم نعترف لهم بسابق الفضل والمنزلة وتسلم صدورنا لهم ونترحم عليهم ونسأل الله لهم المغفرة، وهذا هو شأن المؤمن في كل زمان. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (١) . قال شارح العقيدة الطحاوية (٢) . (فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمن، كما نطق

стр. 87

به القرآن خصوصا (العلماء) الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يهتدي بهم في ظلمات البر والبحر. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول ﷺ ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له في تركه من عذر (١) فلهم الفضل علينا والمنة بالسبق، وتبليغ ما أرسل به الرسول ﷺ إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم) (٢) . وكما أن من لوازم المحبة لرسول الله ﷺ محبة سنته والداعين إليها فإن من لوزامها بغض من أبغض السنة وأهلها والدعاة إليها من علماء هذه الأمة وسلفها، كما هو صنيع أهل البدع قديما وحديثا من الطعن في السنة وأهلها والوقيعة فيهم وتشويه صورتهم وتاريخهم. فيجب على المسلم معرفة هؤلاء المبتدعة وبغضهم في الله، كما ينبغي التنبه للمارقين والمنافقين والمنهزمين من حملة الأقلام المسمومة من الكتاب والأدباء والمؤرخين، الذين راحوا يشوهون التاريخ ويقلبون الحقائق ويطعنون في خيار هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم من علماء هذه الأمة ويختلقون الأكاذيب أو ينقلونها على هوى وعدم بصيرة فيجب على أهل الاختصاص من المسلمين الكشف عن مخططاتهم وتعريف الأمة بهم والرد عليهم وتبيين الحقائق. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] (٣) .

стр. 88

تلك هي أهم مظاهر محبة الرسول ﷺ ولوازمها في صورتها العامة والتي يجب أن يتحلى بها المسلم في سلوكه وفعله وتظهر آثار ذلك عليه. آثار المحبة على السلوك والأفعال: المقصود بهذه الآثار هو ما يظهر على سلوك المؤمن المحب لله ورسوله وفعله. لأن هذه الآثار هي التي تبين صدق هذه المحبة، وهي عنوان انتفاع المسلم بهذه المحبة، وإذا كان الحب يحرك إرادة القلب نحو تحصيل المحبوبات ودفع المكروهات، فإن محبة المؤمن لله ورسوله تحمله على تحصيل ما يحبه الله من أعمال القلوب والجوارح، واجتناب ما يبغضه الله ورسوله من الأقوال والأفعال فلا بد لكل محبة في القلب من آثار تظهر على الجوارح. وآثار محبة الرسول ﷺ منها ما هو ظاهر يقع عليه الحكم وينطق فيه الوصف، ومنها ما هو باطن بمنزلة الثمرة الإيمانية. فأما الظاهرة منها: فهي أن يكون المسلم محبا لرسول الله ﷺ مؤثرا حبه على كل محبوب وغال، وأن يكون مكثرا لذكره وتذكره والصلاة عليه متشوقا لرؤيته، سائلا الله اللحاق به والاجتماع به في الجنة، والورود على حوضه والشرب منه. ومنها: أن يكون معظما لرسول الله ﷺ تعظيما شرعيا يليق به، موقرا له، ومتأدبا معه وحافظا لحرمته، ومعظما لدينه وسنته، متجافيا عن البدع والغلو وضروب المعاصي. ومنها: أن يكون متبعا لرسول الله ﷺ في منشطه ومكرهه، في سره وعلانيته، باذلا كل ما في وسعه للوقوف على هديه واتباع سنته، متحريا في كل أقواله وأفعاله موافقة سنته، وأن يكون حريصا على الاقتداء به في الواجبات والمستحبات، في الفرائض والنوافل، مكثرا من ذكر الله والدار الآخرة مجاهدا في سبيل الله بكل ما يستطيع. ومنها: أن يكون متأدبا بآدابه متأسيا بأخلاقه ﷺ من سعة الصدر ولين

стр. 89

الجانب وسماحة الخلق، وبذل الندى وكف الأذى، وبسط الوجه، وأن يكون صبورا حليما، قريبا من البر، بعيدا عن الإثم، ودودا لإخوانه، منصفا لهم، ينزل الناس منازلهم، ويعرف لأهل الفضل فضلهم. ويمتليء قلبه حبا لإخوانه المسلمين، غير عياب ولا متفحش ولا ملتمس للبرآء المعايب زاهدا في حطام الدنيا وزخارفها، راغبا فيما عند الله من الأجر والمثوبة. تلك هي بعض أخلاق النبي ﷺ ، والتي يجب على من أحبه أن يتأسى به فيها، لا أن يدعي حبه، وخلقه وسمته مباين لخلق الصالحين والأبرار. وإن حسن الخلق هو عنوان استفادة المسلم من هذا الدين وهديه، وهو الركيزة الأساسية في النجاة من النار وسلوك مسلك الأبرار بعد تقوى الله . ومنها: أن يكون محبا لأصحابه وقرابته وآل بيته والصالحين والعلماء وكل ما يحبه الله ورسوله، وأن يبغض كل من أبغض الله ورسوله أو الصحابة أو آل بيت النبي ﷺ ، أو أبغض دينه وكره ظهوره من الكفرة والمنافقين. ثمرات المحبة: أما الآثار الباطنة فمن أعظمها أن يجد المؤمن في قلبه حلاوة الإيمان كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم بسنديها عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود قي الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (١) . فهذا الحديث يبين أثر محبة الله ورسوله في قلب المؤمن وهو أن يجد حلاوة الإيمان في قلبه إذا اتصف بهذه الصفات الثلاث. يقول ابن تيميه: (أخبر النبي ﷺ أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، لأن

стр. 90

وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئا أو اشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك. . . فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح بما يجده المؤمن الواجد من حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور. تكميل هذه المحبة، وتفريعها، ودفع ضدها. (" تكميلها " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفي فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه سواهما كما تقدم. " وتفريعها " أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. " ودفع ضدها " أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار) (١) وكلما ازداد المؤمن محبة لله ورسوله كلما ازداد ذوقه لحلاوة الإيمان فإن للإيمان من الحلاوة في القلب واللذة والبهجة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه إلا لمن ذاقه، والناس متفاوتون في ذوق الإيمان واللذة به تفاوتا عظيما لا يعلمه إلا الله. والمقصود أن أهل الإيمان يجدون بسبب محبتهم لله ورسوله من حلاوة الإيمان ما يناسب هذه المحبة (٢) . وأما عاقبة هذه المحبة فهي أن يكون المرء مع من أحب كما أخبر بذلك نبينا ﷺ فمن أحب رسول الله ﷺ كان معه في الجنة بإذن الله، ولو لم يكن لمحبة النبي ﷺ ثواب سوى مرافقته في الجنة والتنعم برؤيته لكفى. أخرج البخاري بسنده عن أنس ﵁: «أن رجلا سأل النبي ﷺ متى الساعة يا رسول الله؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال ما أعددت لها

стр. 91

من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكنى أحب الله ورسوله، قال أنت مع من أحببت» (١) . وفي رواية: «قال: وماذا أعددت لها كما قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ فقال: أنت مع من أحببت» . قال أنس فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ : أنت مع من أحببت. قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم) (٢) . وأخرج البخاري بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ : المرء مع من أحب» (٣) . فهذه الأحاديث تبين أن المرء مع من أحب طالما كان هذا الحب سببه محبة الأعمال الصالحة وأهلها. فالمحبة الصحيحة تقتضي مشاركتهم في أصل عملهم وهو فعل الواجبات وترك المنكرات، وإن لم يبلغ درجتهم في التقرب إلى الله ، وعلى ذلك دل قول السائل: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ويقصد بذلك ما زاد على الواجبات من النوافل التي تقبل الكثرة والزيادة، أو أن حظه منها قليل جدا بالمقارنة مع فعل النبي ﷺ وأكابر أصحابه ورضي الله عنهم (٤) . ويؤكد هذا قول أنس ﵁: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم.

стр. 92

قال ابن حجر: (. . ودل الخبر على أن اتباع الرسول ﷺ وإن كان الأصل أنه لا يحصل إلا بامتثال جميع ما أمر به، أنه يحصل من طريق التفضل باعتقاد ذلك وإن لم يحصل استيفاء العمل بمقتضاه بل محبة من يعمل ذلك كافية في حصول أصل النجاة والكون مع العاملين بذلك، لأن محبتهم إنما هي لأجل طاعتهم، والمحبة من أعمال القلوب، فأثاب الله محبهم على معتقده، إذ النية هي الأصل والعمل تابع لها، وليس من لازم المحبة الاستواء في الدرجات) (١) . نخلص من هذا إلى أن من أحب رسول الله ﷺ حبا صحيحا يصدقه الاتباع كان معه في الجنة بإذن الله فضلا وتكرما منه سبحانه، أما مجرد ادعاء الحب بدون تحقيق الاتباع لرسول الله ﷺ فلن يصل صاحبه إلى هذه المعية ما لم يحقق الاتباع. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: (ابن آدم لا تغتر بقول من يقول: المرء مع من أحب، أنه من أحب قوما اتبع آثارهم، ولن تلحق بالأبرار حتى تتبع آثارهم، وتأخذ بهديهم، وتقتدي بسنتهم وتصبح وتمسي وأنت على منهجهم، حريصا على أن تكون منهم، فتسلك سبيلهم، وتأخذ طريقهم وإن كنت مقصرا في العمل، فإنما ملاك الأمر أن تكون على استقامة، أما رأيت اليهود، والنصارى، وأهل الأهواء المردية يحبون أنبياءهم وليسوا معهم، لأنهم خالفوهم في القول والعمل، وسلكوا غير طريقهم فصار موردهم النار، نعوذ بالله من ذلك) (٢) .

стр. 93

[الفصل الثاني الاتباع] [المبحث الأول مفهوم الاتباع] الفصل الثاني الاتباع وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول - مفهوم الاتباع. المبحث الثاني - وجوب طاعة الرسول ﷺ . المبحث الثالث - مظاهر الاتباع.

стр. 94

المبحث الأول مفهوم الاتباع الاتباع في اللغة: مصدر اتبع الشيء وتبعه إذا سار في أثره. جاء في معجم مقاييس اللغة: (" تبع " التاء والباء والعين أصل واحد لا يشذ عنه من الباب شيء، وهو التلو والقفو. يقال تبعت فلانا إذا تلوته واتبعته. وأتبعته إذا لحقته والأصل واحد غير أنهم فرقوا بين القفو واللحوق فغيروا البناء أدنى تغيير، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] (١) ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩] (٢) فهذا معناه على هذه القراءة اللحوق ومن أهل العربية من يجعل المعنى فيهما واحدا) . . والتبع. . . . هو الظل، وهو تابع أبدا للشخص. . . والتبيع ولد البقرة إذا تبع أمه. . والتبع قوائم الدابة وسميت بذلك لأنه يتبع بعضها بعضا. والتبع النصير، لأنه يتبعه نصره. والتبيع الذي لك عليه مال، فأنت تتبعه. وفي الحديث: «مطل الغنى ظلم، وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع» (٣) يقول: إذا أحيل عليه فليحتل " (٤) . جاء في لسان العرب: (. . . وتبعت الشيء وأتبعته ردفته وأردفته ومنه قوله تعالى:

стр. 95

﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] (١) قال أبو عبيد. أتبعت القوم مثل أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم، قال. . واتبعتهم مثل: افتعلت إذا مروا بك فمضيت. . . . واتبع فلان فلانا إذا اتبعه يريد به شرا. كما اتبع الشيطان الذي انسلخ من آيات الله فكان من الغاوين، وكما أتبع فرعون موسى. . . . . . . . وتبع القرآن: ائتم به وعمل بما فيه. . . . . وتابع بين الأمور متابعة: واتر ووالي. . . . . والتبعة والتباعة: ما فيه إثم يتبع به. وتابع عمله وكلامه: أتقنه وأحكمه) (٢) وعلى ذلك فالكلمة تدور حول معاني اللحاق والاقتفاء والاقتداء. ومما يقترب من هذا المعنى التأسي والأسوة. يقال تأسى به إذا اتبع فعله واقتدى به، وائتس به أي اقتد به وكن مثله (٣) قال الراغب في المفردات: (الأسوة والأسوة كالقدوة والقدوة. وهي الحالة التي يكون الإنسان فيها في اتباع غيره إن حسنا أو قبيحا، وإن سارا وإن ضارا ولهذا قال تعال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (٤) فوصفها بالحسنة) (٥) فاتباع الرسول ﷺ هو الاقتداء به واقتفاء آثاره والتأسي به. وقد بحث الأصوليون في باب أفعاله ﷺ عن هذه المعاني وذلك لأننا متعبدون باتباع الرسول ﷺ والتأسي به في أفعاله. لأجل هذا نراهم يتحدثون عن معاني الاتباع والمتابعة والتأسي والموافقة والمخالفة.

стр. 96

وسأتعرض لبيان هذه المعاني حتى يتضح لنا مفهوم الاتباع والمقصود به. قال أبو الحسين البصري: (١) . (أما التأسي بالنبي ﷺ فقد يكون في فعله وفي تركه أما التأسي به في الفعل، فهو أن نفعل صورة ما فعل على الوجه الذي فعل لأجل أنه فعل. والتأسي كما في الترك. هو أن نترك مثل ما ترك على الوجه الذي ترك، لأجل أنه ترك. وإنما شرطنا أن تكون صورة الفعل واحدة، لأنه ﷺ لو صام وصلينا لم نكن متأسين به، وأما الوجه الذي وقع عليه الفعل، فهو الأغراض والنيات. فكل ما عرفناه أنه غرض في الفعل اعتبرناه، ويدخل في ذلك نية الوجوب والنفل، ألا ترى أنه لو صام واجبا فتطوعنا بالصوم لم نكن متأسين به، وكذلك لو تطوع بالصوم فافترضنا به. وإنما شرطنا أن نفعل الفعل (لأجل أنه فعله) (٢) لأنه ﷺ لو صلى، فصلى مثل صلاته رجلان من أمته لأجل أنه صلى، لوصف كل واحد منهما بأنه متأس به ﷺ ولا يوصف كل واحد منهما بأنه متأس بالآخر، وإنما قلنا إن التأسي يكون في الترك، لأن النبي ﷺ لو ترك الصلاة عند طلوع الشمس فتركناها في هذا الوقت لأجل تركه كنا متأسين به. . . . . فأما اتباع النبي ﷺ ، فقد يكون في القول، وقد يكون في الفعل، وقد يكون في الترك، فالاتباع في القول هو المصير إلى مقتضاه من وجوب، أو ندب، أو حظر لأجله، والاتباع في الفعل أو في الترك هو إيقاع مثله في صورته على وجهه، لأجل أنه أوقعه.

стр. 97

. . . وإنما شرطنا في الاتباع ما شرطنا في التأسي، لأنه ﷺ ، لو صام فصلينا، أو صام واجبا فتنفلنا بالصوم، أو صمنا لا لأنه صام، لم نكن متبعين له في هذه الأحوال كلها) (١) . وعلى هذا يكون الاتباع في الفعل هو التأسي بعينه، أما الاتباع في القول فهو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه ذلك القول من وجوب أو ندب أو غير ذلك. وأما الموافقة- فهي كما يرى الآمدي (٢) (مشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول أو فعل أو ترك أو اعتقاد أو غير ذلك. وسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر، أو لا من أجله) (٣) . ومعنى هذا أنه لا يشترط في الموافقة أن يكون فعل أحد الشخصين من أجل فعل الآخر، لأن الموافقة المقصودة هنا هي ما كانت بمعنى المصادفة والمشاركة. أما الموافقة المقصودة شرعا فهي الاتباع بعينه. وأما المخالفة فقد تكون في القول وقد تكون في الفعل أو الترك، فالمخالفة في القول: ترك امتثال ما اقتضاه القول من أمر أو نهي، والمخالفة في الفعل: هي العدول عن إيقاع الفعل مع كونه واجبا، فأما إذا كان الفعل واجبا فلا يسمى تاركه مخالفا. والمخالفة في الترك هي أن نفعل فعلا على وجه العبادة مما تركه الرسول ﷺ لعدم مشروعيته (٤) . وبعد بيان هذه المصطلحات نريد أن نعرف مدى علاقة الزمان والمكان بالتأسي والمتابعة.

стр. 98

يقول الآمدي: (. . . فلو وقع فعله في مكان وزمان مخصوص فلا مدخل له في المتابعة والتأسي وسواء تكرر أو لم يتكرر، إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها، وصوم رمضان (١) . وتأتي أهمية هذا الأمر لأن ارتباط الزمان أو المكان له أهمية في تحديد صحة الفعل من خطئه، وكون الفعل الواقع في الزمان أو المكان سنة أو بدعة وكون فاعله متبعا أو مبتدعا. فإذا علمنا تخصيص الشارع أزمنة معينة أو أمكنة بنوع من العبادة وقصدنا نحن تخصيص هذه الأزمنة والأمكنة بهذا النوع من العبادة كنا متبعين. أما إذا قصدنا زمانا أو مكانا بنوع من العبادة لم يخصصه به الشارع فسنكون حينئذ مبتدعين " يقول ابن تيميه موضحا أهمية هذا الأمر: (وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان خصصناه بذلك. كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة خلف أسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة، والدعاء والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما. وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده- مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه لكونه نزله لا قصدا لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه- فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا هو من البدع التي كان

стр. 99

ينهى عنها عمر بن الخطاب كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد، قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون صلى فيه النبي ﷺ فقال عمر: " إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا. فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض " (١) . فلما كان النبي ﷺ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب. وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة (٢) أبلغ من المتابعة في صورة الفعل) (٣) . وعلى ذلك يتبين لنا أن اتباع الرسول ﷺ هو الاقتداء به في أقواله وأفعاله على الوجه الذي جاء به من وجوب أو ندب مع توفر القصد والنية في متابعته والتأسي به. ولما كنا في باب الاتباع متعبدين بأفعال النبي ﷺ لأنها مناط الاتباع وكانت أفعاله ﷺ متفاوتة الرتبة وليست على درجة واحدة من الوجوب أو الندب أو الإباحة. فهي تشمل كل هذا، كما أن من أفعاله ما كان عاديا ومنها ما قصد به التشريع إلى غير ذلك مما فصلته كتب الأصول. لما كان الأمر كذلك أجبت أن أشير إشارة سريعة إلى أفعاله

стр. 100

أفعال النبي ﷺ : (١) . ٨ - تنقسم أفعال النبي ﷺ عند الأصوليين إلى ثلاثة أقسام رئيسية: أولا: الأفعال الجبلية (العادية) كالقيام والقعود والأكل والشرب وغيرها فهذه الأفعال محمولة على الإباحة بالنسبة إليه ﷺ وإلى أمته، ولا يجب علينا التأسي والاقتداء به في هذا النوع من الأفعال، وهذا هو مذهب الجمهور (٢) . إلا إن ورد في السنة ما يرشد إلى بعض الهيئات بالنسبة لهذه الأفعال الجبلية فينتقل حكمها من الإباحة إلى الوجوب أو الندب على ما هو مقرر عند الفقهاء. مثال ذلك: الأكل باليمين، والشرب قاعدا، والنوم على الجانب الأيمن. وقال قوم: إن التأسي بالنبي ﷺ في هذا النوع مندوب. وقد كان عبد الله بن عمر ﵁ يتتبع مثل هذا النوع من الأفعال ويحرص على متابعة الرسول ﷺ في كل ما صدر عنه من مثل ذلك وإن كان قد فعله الرسول ﷺ اتفاقا ولم يقصده. وجمهور الصحابة كانوا على خلاف ذلك، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيميه مبينا أن الأصل في المتابعة هو أن نفعل ما فعله الرسول ﷺ قاصدين لفعله على الوجه الذي فعله من إباحة أو وجوب أو ندب، ما لم يكن داخلا في باب الخصائص انظر (٣)

стр. 101

ثانيا: الأفعال التي علم أنها من خصائصه ﷺ : لقد ذكر الأصوليون في باب خصائصه ﷺ أمورا من المباحات والواجبات والمحرمات. بعضها متفق عليه والبعض الآخر متنازع فيه. فمن المباحات في حقه ﷺ الزيادة على أربع نسوة، والنكاح بلا مهر كنكاح الموهوبة، ومن الواجبات وجوب التهجد وقيام الليل، ومن المحرمات الأكل من الصدقة، وأكل ذي الرائحة الكريهة كالثوم والبصل. فهذه الخصائص خاصة بالنبي ﷺ لا يشاركه فيها غيره ولا يقتدى به فيها. قال الشوكاني (١) . (والحق أنه لا يقتدى به ﷺ فيما صرح لنا بأنه خاص به كائنا ما كان إلا بشرع يخصنا (٢) . ، فإذا قال مثلا: هذا واجب علي مندوب لكم. كان فعلنا لذلك الفعل لكونه أرشدنا إلى كونه مندوبا لنا لا لكونه واجبا عليه، وإن قال: هذا مباح لي أو حلال ولم يزد على ذلك، لم يكن لنا أن نقول هو مباح لنا أو حلال لنا. . . وأما لو قال: هذا حرام علي وحدي ولم يقل حلال لكم فلا بأس بالتنزه عن فعل ذلك الشيء، أما لو قال: حرام علي حلال لكم فلا يشرع التنزه عن فعل ذلك الشيء. فليس في ترك الحلال ورع) (٣) . ثالثا: الأفعال المجردة عما سبق وإنما المقصود بها التشريع، فهذه نطالب بالتأسي فيها، إلا أن صفتها الشرعية تختلف بحسب الوجوب أو الندب أو الإباحة- وتتنوع هذه الأفعال إلى عدة أنواع بحسب القرائن:

стр. 102

(أ) فإما أن تكون بيانا لمجمل ورد في القرآن أو تقييدا لمطلق أو تخصيصا لعام أو امتثالا لأمر فحكم هذه الأفعال هو حكم ما بينته من وجوب أو ندب وإباحة، ويعرف ذلك إما بصريح القول، مثل قوله ﷺ في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١) وقوله في الحج: «خذوا عني مناسككم» (٢) . وإما بقرائن الأحوال، كقيامه ﷺ بفعل صالح للبيان عند الحاجة إلى ذلك، كقطعه يد السارق من الرسغ، فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (٣) ففي هذه الأحوال يكون البيان تابعا للمبين في الحكم من حيث الوجوب أو الندب أو الإباحة. (ب) فإن لم يكن الفعل بيانا لأمر بل ورد ابتداء منه ﷺ فإما أن تعرف صفته الشرعية أو لا. فإن عرفت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فإن أمته في ذلك مثله وهذا هو الرأي الحق كما قال الشوكاني (٤) . ودليل ذلك القرآن وفعل الصحابة رضوان الله عليهم. أما القرآن فمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (٥) . وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (٦) . وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] (٧) وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (٨) وأما الصحابة فقد كانوا يرجعون إلى فعله ﷺ احتجاجا واقتداء به في مواضع كثيرة، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ في تقبيل الحجر الأسود،

стр. 103

وقال: «لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك» (١) . فإن جهلت صفة الفعل الشرعية فإما أن يظهر قصد القربة أولا فإن ظهر فيه قصد القربة بأن كان مما يتقرب به إلى الله كصلاة ركعتين من غير مواظبة عليهما، فيدل على الندب لأنه أقل ما يفيده جانب الرجحان وقال قوم بأنه واجب (٢) . وإن لم يظهر فيه قصد القربة بل كان مجردا مطلقا فإنه يدل على الندب، لأن الفعل وإن لم يظهر فيه قصد القربة فلا بد أن يكون لقربة. وأقل ما يتقرب به المندوب، وقال قوم بأنه يدل على الإباحة، وقال آخرون بالتوقف حتى يقو دليل على الوجوب أو الندب (٣) .

стр. 104

[المبحث الثاني وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه] المبحث الثاني وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه لقد اصطفى الله محمدا ﷺ بنبوته ورسالته وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمره باتباع ما أوحي إليه وتبليغ ما أنزل إليه، فقام صلوات الله وسلامه عليه بتبليغ الرسالة، وأداء الأمانة. وقد شهد الله له بالصدق والعصمة واستمساكه بما أمره به كما شهد له بالهدى في نفسه، وأنه هاد لمن اتبعه، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] (١) وهذه منزلة رسول الله ﷺ من الدين فهو المبلغ عن الله دينه ووحيه وهو الآمر بإذن مولاه والهادي إلى الصراط المستقيم. فمن آمن به فبالله آمن، ومن أطاعه فقد أطاع الله، ومن قبل عنه فعن الله قبل. لأجل هذا أمر الله العباد بطاعته وأوجب عليهم اتباع أمره وتصديق خبره، وحذرهم من مخالفته وعصيانه، وجعل طاعته فرضا لازما لكل من آمن بالله، ولم يجعل لمؤمن اختيارا في أي أمر بعد قضاء الله ورسوله فيه. وقد استفاضت آيات الكتاب العزيز في بيان أهمية هذا الأمر والتأكيد على وجوبه وفرضيته، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] (٢)

стр. 105

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (١) وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] (٣) فبين الله بعد الأمر بطاعة رسوله أن طاعته سبب للهدى والرحمة، كما بين سبحانه أنه لا سعادة للعباد ولا نجاة لهم في المعاد إلا باتباع الرسول ﷺ وطاعته، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] (٤) وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] (٥) وقد أوجب الله على المؤمنين رد قضاياهم وما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله وجعل سبحانه ذلك من مقتضيات الإيمان ولوازمه، وأخبرهم أن ذلك خير لهم في العاقبة والمال، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٦) قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: (. . . ولهذا قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٥٩] أي اتبعوا كتابه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] أي خذوا بسنته، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] أي فيما أمروا به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله.

стр. 106

. . . وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] (١) فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. وقوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [النساء: ٥٩] أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل النزاع خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] أي وأحسن عاقبة ومآلا (٢) وكما أوجب الله على المؤمنين الرد إلى كتابه وسنة رسوله فقد أوجب عليهم تحكيم نبيه ﷺ والتحاكم إليه والتسليم لحكمه وجعل ذلك من مستلزمات الإيمان فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (٣) قال ابن القيم: (. . . أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه ولم يكتف منهم أيضا بذلك حتى يسلموا تسليما، وينقادوا انقيادا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٤)

стр. 107

فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالا مبينا) (١) . وقد أمرنا الله بأن نتبع رسوله ﷺ ونمتثل أمره ونهيه في كل ما جاءنا به، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (٢) قال ابن كثير: (أي: " مهما أمركم به فافعلوه ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهي عن شر ") (٣) وهذا الأمر من الله عام شامل لكل ما جاءنا به الرسول ﷺ سواء أكان منصوبا بعينه في القرآن أو لا؟ ذلك لأن النصوص الواردة في هذا الشأن كلها توجب اتباع الرسول ﷺ وإن لم نجد ما قاله منصوصا بعينه في القرآن، ولأن الله لم يفرق بين طاعته سبحانه وبين طاعة نبيه ﷺ ، بل جعل طاعة نبيه طاعة له سبحانه فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (٤) وغالب الآيات قرنت بين طاعته سبحانه وطاعة نبيه، ولأن ما سنه الرسول ﷺ مما ليس فيه نص كتاب فإنما سنه بأمر الله ووحيه. قال الإمام الشافعي: (وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم- فبحكم الله سنه، وكذلك أخبرنا الله في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] (٥)

стр. 108

وقد سن رسول الله مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب. وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود (١) عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجا) (٢) . وقد جاءت الأحاديث الكثرة عن النبي ﷺ في الدلالة على وجوب طاعته واتباع سنته منها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبت طائفة منم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق» (٣) قال الطيبي (٤) . : فيما نقله عنه الحافظ بن حجر: (شبه ﷺ نفسه بالرجل، وإنذاره بالعذاب القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه، بمن كذب الرجل في إنذاره ومن صدقه) (٥) .

стр. 109

وأخرج البخاري أيضا بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (١) والمراد بالإباء هنا هو الامتناع عن التزام سنة رسول الله ﷺ وعصيان أمره. والموصوف بالإباء إن كان كافرا فلا يدخل الجنة أبدا وإن كان مسلما منع من دخولها مع أول داخل إلا من شاء الله تعالى (٢) وأخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (٣) . فهذا الحديث يؤكد أن طاعة الرسول ﷺ طاعة لله كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (٤) وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمر - وهم العلماء والأمراء - ما لم يأمروا بمعصية فإن أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة. وأخرج الترمذي وأبو داود وأحمد - واللفظ له - عن العرباض بن سارية قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم

стр. 110

بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (١) ففي هذا الحديث يوصي الرسول ﷺ أصحابه ومن يأتي بعدهم بالتمسك بالسنة ولزومها والاعتصام بها. قال ابن رجب: (وهذا إخبار منه ﷺ بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا واحدة وهي ما كان عليه وأصحابه (٢) ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، والسنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة. . . . . والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعمان وعلي ﵃ (٣) وكما أمر رسول الله ﷺ المسلمين بطاعته، حذرهم من الخروج عن سنته ورهبهم من تركها والإعراض عنها، فقال فيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة
следующие страницы →