← Акыда

Акыда · id 30863

مذكرة التوحيد

عبد الرزاق عفيفي

Полный текст (144 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ - قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] فقد استدل بتفرده بالربوبية، وكمال التصرف، وحمايته ما يريد أن يحميه، على استحقاقه وحده للعبادة، ووجوب إفراده بالإلهية قال- تعالى-: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١] فأخبر بأن البعث آت لا محالة، ونزّه نفسه عما زعمه المشركون من الشركاء، ثم استدل- سبحانه- على قدرته على البعث، وتفرده باستحقاقه الإلهية بآياته الكونية، فقال- تعالى-: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ - وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٤ - ٥] إلى قوله- تعالى-: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ - وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ - وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ - أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ١٧ - ٢١]

стр. 37

﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] وقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] إلى أن قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] فجعل- سبحانه- تفرده بالربوبية خلقًا للحاضرين والسابقين، وتمهيده الأرض، ورفعه السماء بغير عمد يرونها، وإنزاله الأمطار ليحيي بها الأرض بعد موتها، ويخرج بها رزقًا لعباده بابًا إلى توحيد الإِلهية وآية بيّنة على استحقاقه وحده العبادة. وقال- تعالى-: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١] إلى أن قال: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] فقررهم- سبحانه- بما لا يسعهم إنكاره، ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده بالرزق، والملك، والتدبير، والإِحياء، والإماتة، والبدء، والإعادة، والإرشاد، والهداية ليقيم به عليهم الحجة في وجوب تقواه دون سواه. وينكر عليهم حكمهم الخاطئ، وشركهم الفاضح،

стр. 38

وعكوفهم على من لا يملك لهم ضرا ولا نفعًا، ولا حياة ولا نشورًا. قال- تعالى-: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ - أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٠] إلى قوله - تعالى-: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] (١) [سورة النمل، الآيات: ٥٩- ٦٤] . فأنكر- سبحانه- أن يكون معه من خَلَقَ، ودبر، أو صرف، وقدَّر، أو يُجيب المضطرّ إذا دعاه، ويكشف السّوء، أو يولي، أو يعزل، وينصر، ويخذل، أو يُنقذ من الحيرة، ويهدي من

стр. 39

الضلالة، أو يبدئ ويعيد، ويبسط الرزق لمن يشاء، ويَقْدِر. إلى غير ذلك مما استأثر الله به. وهذا مما استقرّ في فطرتهم، ونطقت به ألسنتهم، وبه قامت الحجة عليهم فيما دعتهم إليه الرسل من توحيد العبادة. وما ذكر من الآيات قليل من كثير. ومن سلك طريق القرآن في الاستدلال، واهتدى بهدي الأنبياء في الحجاج اطمأنت نفسه، وقوي يقينه، وخصم مناظره (أي انتصر عليه) . فإن في ذلك الحجة، والبرهان من جهتين: الأولى: أنه خبر المعصوم. والثانية: أنه موجب الفطرة، ومقتضى العقل الصحيح.

стр. 40

[المسألة الخامسة في الفرق بين النبي والرسول وبيان النسبة بينهما] المسألة الخامسة في الفرق بين النبي والرسول وبيان النسبة بينهما النبي: مشتق من النبأ، بمعنى: الخبر، فإن كان المراد أنه يخبر أمته بما أوحى الله إليه، فهو فعيل، بمعنى: فاعل، وإن كان المراد أن الله يخبره بما يوحي إليه، فهو فعيل، بمعنى: مفعول، ويصح أن يكون مأخوذًا من النًبء (بالهمزة وسكون الباء) ، أو النبوة، أو النباوة (بالواو) ، وكلها بمعنى: الارتفاع والظهور، وذلك لرفعة قدر النبي، وظهور شأنه، وعلوَ منزلته. والفرق بين النبي والرسول: أن الرسول من بعثه الله إلى قوم، وأنزل عليه كتابًا، أو لم ينزل عليه كتابًا لكن أوحى إليه بحكم لم يكن في شريعة من قبله؛ والنبي من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتابًا، أو يوحي إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وعلى ذلك، فكل رسول نبي، ولا عكس، وقيل: هما مترادفان، والأول أصح.

стр. 41

[المسألة السادسة في إمكان الوحي والرسالة] المسألة السادسة في إمكان الوحي والرسالة الوحي لغة: الإعلام في خفاء بإشارة، أو كتابة، أو إلهام، أو مناجاة، أو نحو ذلك. وشرعًا: هو إعلام الله نبيه بحكم شرعي، ونحوه، بواسطة، أو بغير واسطة. ولا يبعد في نظر العقل، ولا يستحيل في تقدير الفكر، أن يختص واهب النعم، ومفيض الخير بعض عباده: بسعة في الفكر، ورحابة في الصدر، وكمال صبر، وحسن قيادة، وسلامة في الأخلاق، ليعدّهم بذلك لتحمّل أعباء الرسالة، ويكشف لهم عما أخفاه عن غيرهم، ويوحي إليهم بما فيه سعادة الخلق، وصلاح الكون، رحمةً للعالمين، وإعذارًا إلى الكافرين، وإقامة للحجة على الناس أجمعين، فإنه- سبحانه- بيده ملكوت كل شيء، وهو الفاعلِ المختار، لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، ولا رادّ لما قَضى، وهو على كل شيء قدير. وآية ذلك أنًا نشاهد أن الله- سبحانه- خلق عباده على

стр. 42

طرائق شتى في أفكارهم، ومذاهب متباينة في مداركهم، فمنهم من سما عقله، واتسعت مداركه، واطلع من الكون على كثير من أسراره، حتى وصل به ثاقب فكره، وانتهت به تجاربه إلى أن اخترع للناس ما رفع أولو الألباب من أجله رءوسهم إليه، إعجابًا به، وشهادة له بالمهارة، وأنكره عليه صغار العقول حتى عدوه شعوذة، وكهانةً، أو ضربًا من ضروب السحر، ولا يزالون كذلك حتى يستبين لهم بعد طول العهد، ومرّ الأزمان ما كان قد خفي عليهم، فيذعنوا له، ويوقنوا بما كانوا به يكذّبون، ومنهم من ضعف عقله، وضاقت مداركه، فعميت عليه الحقائق، واشتبه عليه الواضح، فأنكر البدهيات، وردّ الآيات البينات، بل منهم من انتهى به انحراف مزاجه، واضطره تفكيره، إلى أن أنكر ما تدركه الحواس كطوائف السونسطائية (١) .

стр. 43

وكما ثبت ذلك التفاوت بين الناس في العقول بضرورة النظر، وبديهة العقل، ثبت التفاوت بينهم- أيضًا- في قوة الأبدان وضعفها، وسعة الأرزاق وضيقها، ونيل المناصب العالية، والاستيلاء على زمام الأمور، وقيادة الشعب، والحرمان من ذلك، إما للعجز أو القصور، ليتخذ بعضهم بعضًا سخريا. وإما لحكمة أخرى يعلمها مدبّر الكائنات؛ وربما كشف عن كثير منها الغطاء لمن تدبر القرآن، وعرف سيرة الأنبياء، وتاريخ الأمم، ومما جرى عليها من أحداث. فمن شاهد ما مضت به سنة الله في عباده من التفاوت بينهم في مداركهم، وقواهم، وإرادتهم، وغير ذلك من أحوالهم، لم يسعه إلا أن يستسلم للأمر الواقع، ويستيقن بأن لله أن ينبئ من يشاء من خلقه، ويصطفي من أراد من عباده. ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]

стр. 44

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ - أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢] إن الحوار الذي دار بين الرسل وأممهم يدل على أنهم لم يكونوا ينكرون الرسالة، ولم يكونوا يستبعدون حاجتهم إلى هداية من الله عن طريق روح طيبة يختارها الله لوحيه، أو نفس طاهرة يصطفيها لتبليغ شرعه، لكنهم استبعدوا أن يكون ذلك الرسول من البشر، وظنوا خطأ أنه إنما يكون من الملائكة، زعمًا منهم أن البشرية تنافي الرسالة، فمهما صفت روح الإنسان، وسمت نفسه، واتَسعت مداركه، فهو في نظرهم أقل من أن يكون أهلا لأن يُوحي الله إليه، وأحقر من أن يختاره اللهّ لتحمُل أعباء رسالته. ومن نظر في الكتب المُنزلة، وتصفَح ما رواه علماء الأخبار، اتضح له ما ذكر من إمكان الوحي، وحاجة الناس إليه.

стр. 45

قال الله- تعالى-: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ - أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ - فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٥ - ٢٧] وقال- تعالى-: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ - فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ - أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: ٢٣ - ٢٥] وقال- تعالى-: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ - إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ - قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٣ - ١٥] وقال- تعالى-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]

стр. 46

وقال- تعالى-: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ - قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: ١٠ - ١١] وقال- تعالى-: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ - لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ - قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٢ - ٤] إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن إنكار الأمم لم يكن لأصل الرسالة ولا لحاجتهم إليها، إنما كان لبعث رسول من جنسهم. ولو قال قائل: إن أئمة الكفر، وزعماء الضلالة كانوا يوقنون بإمكان أن يرسل الله رسولا من البشر غير أنهم جحدوا ذلك بألسنتهم حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم

стр. 47

الحق، وتمويهًا على الطغام من الناس، وخداعًا لضعفاء العقول، وتلبيسًا عليهم خشية أن يسارعوا إلى مقتضى الفطرة، ويستجيبوا لداعي الدين، ومتابعة المرسلين، لو قال قائل ذلك ما كان بعيدًا عن الحقيقة، ولا مجافيًا للصواب! بل بدت منهم البوادر التي تؤيد ذلك، وتصدقه وسبق إلى لسانهم ما يرشد البصير إلى ما انطوت عليه نفوسهم من الحسد والاستكبار أن يؤتَى الرسل ما أوتوا دونهم، وينالوا من الفضيلة، وقيادة الأمم إلى الإصلاح ما لم ينل هؤلاء. قال الله- تعالى-: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال- تعالى-: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وقالَ- تعالى-: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ - أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ - فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٣]

стр. 48

وليس بدعًا أن يختار الله نبيا من البشر، أو يبعث في الناس رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته، ويزكّيهم، ويعلّمهم الكتاب والحكمة، بل ذلك هو مقتضى الحكمة، وموجب العقل، فإن الله- سبحانه- قد مضت سنَّته في خلقه بأن يكونوا أنواعًا مختلفة على طرائق شتى، وطبائع متباينة، لكل نوع غرائزه وميوله، أو خواصه ومميزاته التي تقضي بالأنس، والتآلف بين أفراده، وتساعد على التفاهم والتعاون بين الجماعات، ليقوم الوجود، وينتظم الكون، فكان اختيار الرسول من الأمة أقرب إلى أخذها عنه، وأدعى إلى فهمها منه، وتعاونها معه، لمزيد التناسب، ولمكان الإلف بين أفراد النوع الواحد. ولو كان عُمار الأرض من الملائكة لاقتضت الحكمة أن يبعث الله إِليهم مَلَكًا رسولا، وقد أرشد الله إلى ذلك في ردّه على من استنكر أن يرسل إلى البشر رسولا منهم، قال الله- تعالى-: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا - قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤ - ٩٥] ولكن شاء الله أن يكون الخليفة في الأرض من البشر،

стр. 49

فاقتضت حكمته أن يكون رسوله إليهم من جنسهم، بل اقتضت حكمته ما هو أخص من ذلك، وأقرب إلى الوصول للغاية، وتحصيل المقصود من الرّسالة، فكتب على نفسه أن يُرسل كل رسول بلسان قومه. قال- تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] ولو قدّر أن الله أجاب الكفار على ما اقترحوا من إرسال مَلَكٍ إليهم لأرسل- سبحانه- الملك في صورة رجل، ليتمكَنوا من أخذ التشريع عنه، والاقتداء به فيما يأتي ويذر، ويخوض معهم ميادين الحجاج والجهاد، وبذلك يعود الأمر سيرته الأولى، كما لو أرسل- سبحانه- رسولا من البشر، ويقعون في لَبْس وحيرة، جزاء وِفاقًا. قال- تعالى-: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ - وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨ - ٩] ومن نظر في آيات القرآن، وعرف تاريخ الأمم، تبين له أن سنَة الله في عباده أن يرسل إليهم رُسُلا من أنفسهم.

стр. 50

قال- تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ - بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤] وقال- تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]

стр. 51

[المسألة السابعة في حاجة البشر إلى الرسالة] المسألة السابعة في حاجة البشر إلى الرسالة الأفعال الاختيارية: منها ما تُحمد عقباه فيجمل بالعاقل فعله، والحرص عليه، ولو ناله في سبيل تحصيله حرج ومشقَّة، وأصابه في عاجل أمره كثير من الآلام. ومنها ما تسوء مغبته، فيجدر بالعاقل أن يتماسك دونه، وأن يتنكب طريقه، خشية شره، وطلبًا للسّلامة من ضُرّه، وإن كان فيه ما فيه من الملذات العاجلة التي تغري الإنسان بفعله، أو تخدعه عما فيه سلامة نفسه. غير أن عقله قد يقصر في كثير من شئونه، عن التمييز بين حَسَن الأفعال وقبيحها، ونافعها وضارها، فلا بدّ من معينٍ يساعده على ما قصر عنه إِدراكه، وقد يعجز عن العلم بما يجب عليه علمه، لأنه ليس في محيط عقله، ولا دائرة فكره، مع ما في علمه به من صلاحه وسعادته، وذلك: كمعرفته بالله، واليوم الآخر، والملائكة تفصيلا، فكان في ضرورة إلى من يهديه الطريق في أصول دينه، وقد يتردد في أمر إما لعارض هوى

стр. 52

وشهوة، أو لتزاحم الدواعي واختلافها، فيحتاج إلى من ينقذه من الحيرة، ويكشف له حجاب الضلالة بنور الهداية، فبان بذلك حاجة الناس إلى رسول يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويكمّلهم بمعرفة ما قصرت عنه أفهامهم، ويوقفهم على حقيقة ما عجزوا عنه، ويدفع عنهم الألم والحيرة، ومضرة الشكوك. أضف إلى ذلك أن تفاوت العقول والمدارك، وتباين الأفكار، واختلاف الأغراض، والمنازع، ينشأ عنه تضارب الآراء، وتناقض المذاهب، وذلك يفضي إلى سفك الدماء، ونهب الأموال، والاعتداء على الأعراض، وانتهاك الحرمات، وبالجملة ينتهي إلى تخريب، وتدمير لا إلى تنظيم، وحسن تدبير، ولا يرتفع ذلك إلا برسول يأتي بفصل الخطاب، ويقيم الحجة، ويوضّح المحجّة، فاقتضت حكمة الله أن يُرسل رسله رحمة بعباده، وإقامة للعدل بينهم، وتبصيرًا لما يجب عليهم من حقوق خالقهم، وإعانة لهم على أنفسهم، وإعذارًا إليهم، فإنه لا أحد أحبّ إليه العذر من الله. من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب. فقد ثبت أن " سعد بن عبادة " قال: «لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح (أي بحده لا صفحته) ؛

стр. 53

فبلغ ذلك رسول اللهّ، ﷺ ، فقال: "تعجبون من غيرة سعد لأنا أغْيَرُ منه والله أغْير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ولا أحد أحبّ إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك وعد الله بالجنة» . رواه البخاري. ومما تقَدم يعلم أن إرسال الله الرسل مما يدخل في عموم قدرته- تعالى- وتقتضيه حكمتُه، فضلًا منه، ورحمة، والله عليم حكيم، وهذا هو القول الوسط، والمذهب الحق. وقد أفرط المعتزلة فقالوا: إن بعثة الرسل واجبة على اللهّ - تعالى- إبانة للحقّ، وإقامة للعدل، ورعاية للأصلح، وهذا مبنيّ على ما ذهبوا إليه من القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وهو أصل فاسد. وتطرّف البراهمة (١) فأحالوا أن يصطفي الله نبيًّا، ويبعث

стр. 54

من عباده رسولا، وزعموا أن إرسالهم عبث، إما لعدم الحاجة إليهم اعتمادًا على العقل في التمييز بين المفاسد والمصالح، واكتفاءً بإدراكه ما يحتاج إليه العباد في المعاش والمعاد، وإما لاستغناء الله عن عباده، وعدم حاجته إلى أعمالهم، خيرًا كانت أم شرًّا، إذ هو- سبحانه- لا ينتفع بطاعتهم، ولا يتضررُ بمعصيتهم، وقد سبق بيان عدم كفاية العقل في إدراك المصالح والمفاسد. وحاجة العالم إلى الرسالة مع غنى الله عن أعمال الخلق، فليس إرسالهم عبثا بل هو مقتضى الحكمة.

стр. 55

[المسألة الثامنة في المعجزة الفرق بينها وبين السحر] المسألة الثامنة في المعجزة. الفرق بينها وبين السحر كل ما لم تبلغه طاقة البشر، ولم يقع في دائرة قدرتهم، فهو معجزة، وقد تُطلق المعجزة على ما خرج عن طاقة العامة من الخلق دون الخاصّة، كبعض المسائل العلمية، واختراع بعض الآلات، والأجهزة الحديثة، وغيرها مما لا يقوى عليه إلّا خواص الناس، وكالغوص، والسباحة، وحمل الأثقال، وهذا عجز نسبي يكون في مخلوق دون آخر. وأما المراد من المعجزة هنا (أي في علم التوحيد) : فهي الأمر الخارق للعادة الخارج عن سنة الله في خلقه، الذي يظهره الله على يد مُدّعي النبوة تصديقًا له في دعواه، وتأييدًا له في رسالته، مقرونًا بالتحدّي لأمته، ومطالبتهم أن يأتوا بمثله، فإذا عجزوا كان ذلك آية من الله- تعالى- على اختياره إيّاه، وإرساله إليهم بشريعته. أما السحر: فهو في اللغة كل ما دق، ولطف، وخفي

стр. 56

سببه، فيشمل قوة البيان، وفصاحة اللسان، لما في ذلك من لطف العبارة، ودقَة المسلك، ويشمل النميمة لما فيها من خفاء أمر النَّمام، وتلطفه في خداع من نم بينهما ليتم له ما يُريد من الوقيعة، ويشمل العزائم والعُقَد التي يعقدها الساحر، وينفث فيها مستعينا بالأرواح الخبيثة من الجن، فيصل بذلك في زعمه إلى ما يريد من الأحداث والمكاسب. وبذلك يتبين الفرق بين المعجزة والسحر: ١ - فالمعجزة ليست من عمل النبي، وكسبه. إنما هي خلق محض من الله- تعالى- على خلاف سنته في الكائنات. وأما السحر: فمن عمل الساحر، وكسبه سواء أكان تعويذات، أم بيانا، أم نميمة، أم غير ذلك، وله أسبابه ووسائله التي قد تنتهي بمن عرفها ومهر فيها، واستعملها إلى مسبباتها، فليس خارقا للعادة، ولا مخالفًا لنظام الكون في ربط الأسباب بمسبباتها، والوسائل بمقاصدها. ٢ - والمعجزة: تظهر على يد مدعي النبوة لتكون آية على صدقه في رسالته التي بها هداية الناس من الضلالة، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والأخذ بأيديهم إلى ما ينفعهم في عقائدهم، وأخلاقهم، وأبدانهم، وأموالهم.

стр. 57

أما السحر: فهو خلق ذميم، أو خرافة، أو صناعة يموه بها الساحر على الناس، ويضللهم، ويخدعهم بها عن أنفسهم، وما ملكت أيديهم، ويتخذها وسيلة لكسب العيش من غير حله، ويفرق بها بين المرء وزوجه، والصديق وصديقه، وبالجملة يفسد بها أحوال الأمة بخفاء، والناس عنه غافلون. ٣ - سيرة من ظهرت على يده المعجزة حميدة. وعاقبته مأمونة، فهو صريح في القول والفعل، صادق اللهجة، حسن العشرة، سخي، كريم، عفيف عما في أيدي الناس، يدعو إلى الحق، وينافح دونه بقوة وشجاعة. أما الساحر: فسيرته ذميمة، ومغبته وخيمة، خائن خداع سيئ العشرة، يأخذ ولا يُعطي، يدعو إلى الباطل، ويسعى جهده في ستره، خشية أن يفتضح أمره، وينكشف سره، فلا يتم له ما أراد من الشرّ والفساد. ٤ - من ظهرت على يده المعجزة يقود الأمم والشعوب إلى الوحدة والسعادة، ويهديها طريق الخير، وعلى يده يسود الأمن والسلام، وتفتح البلاد، ويكون العمران. أما الساحر: فهو آفة الوحدة، ونذير الفرقة، والتخريب والفوضى، والاضطراب.

стр. 58

[المسألة التاسعة في أنواع المعجزة] المسألة التاسعة في أنواع المعجزة إن آيات المعجزات التي أيد الله بها رسله قد اختلفت أنواعها، وتباينت مظاهرها وأشكالها، إلا أنها تجتمع في أن كلا منها قد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله، منفردين أو مجتمعين، فكانت بذلك شاهد صدق على الرّسالة، وحجًة قاطعة تخرس الألسنة، وينقطع عندها الخصوم، ويجب لها التّسليم والقبول. ويغلب أن تكون معجزة كل رسول مناسبة لما انتشر في عصره، وبرز فيه قومه، وعُرفوا بالمهارة فيه، ليكون ذلك أدعى لفهمها، وأعظم لدلالتها على المطلوب، وأمكن في الالتزام بمقتضاها، ففي عهد موسى، ﵇، انتشر السحر، ومهر فيه قومه، حتى أثروا به على النفوس، وسحروا به أعينَ الناظرين، وأوجس في نفسه خيفة منه من شهده، وإن كان عالي الهمّة، قوي العزيمة، فكان ما آتاه اللهّ نبيه موسى فوق ما تبلغه القوى والقدر، وما لا يدرك بالأسباب والوسائل، وقد أوضح الله

стр. 59

ذلك في كثير من الآيات، منها قوله- تعالى-: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى - قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى - قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى - فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى - قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى - وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى - لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه: ١٧ - ٢٣] ولهذا بُهت السحرة، وبطل ما جاءوا به من التمويه والتضليل، وامتاز الحق عن الباطل. قال- تعالى-: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ - قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٠ - ١٢٢] وفي عهد المسيح عيسى ابن مريم، ﵇، برع بنو إسرائيل في الطب فكان مما آتاه الله أن يصوّر من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيرًا بإذن الله، وإبراءُ الأكمه والأبرص بإذن الله، وإحياء الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الآيات التي ثبتت بها رسالته، وقامت بها الحجة على قومه. وفي عهد محمد، ﷺ ، كان العرب قد بلغوا الغاية في فصاحة اللسان، وقوة البيان، وجرت الحكمة على ألسنتهم حتى

стр. 60

اتخذوا ذلك ميدانًا للسباق والمباراة، فأنزل الله القرآن على رسوله محمد، ﷺ ، فكانت بلاغته، وبيانه، وما تضمنه من الحِكم والأمثال جانبًا من جوانب إعجازه، قال، ﷺ : «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وَحْيًا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (١) . وليست معجزات موسى، وعيسى، ومحمد، ﵈، مقصورة على ما ذُكِرَ، وإنما ذلك بيان لما تحدى به كل منهم قومه، وجعله قاعدة يَبْني عليها دعوته، وتثبت بها رسالته، وإلا فلهؤلاء وغيرهم من الأنبياء كثير من الآيات البيّنات، والعلامات الواضحات التي دلّت على صدقه سوى ما تحدّى به كل نبي قومه. ومنها ما يرجع إلى سيرتهم قبل الرسالة، فإن الله - تعالى- قد أعدّهم لتحمل أعباء رسالته، ومنها ما يرجع إلى ثبات جأشهم، وقوة بأسهم في مقام الدعوة، والجهاد في سبيل نصرتها، ونشرها بنفسه، وبمن آمن معه، وما أقلهم عددًا،

стр. 61

وأضعفهم شوكة، مع غنى عدوهم، وكثرة عَدَدهم، وعُددهم، وقوة سلطانهم، إلى غير ذلك ممَا يدل على صدق الدّاعي في دعوته، وكمال يقينه بها. ومنها: ما يرجع إلى سلامة الشريعة التي يدعون إليها، وحكمتهم في حمل الناس عليها، وقوة حجاجهم في الدفاع عنها، وما شوهد من آثارها في صلاح من اهتدى بها من الأمم في الدولة، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والحرب، والسلم، وغير ذلك من أحوال الشعوب، حتى إذا حرّفوها عن مواضعها، فأولوها على غير وجهها، أو أعرضوا عنها، وتركوا العمل بها دالت دولتهم، وساءت حالتهم، فإن العاقبة للمتقين، والخيبة والخزي على المفسدين. ومنها ما يرجع إلى آيات حسية أكرم بها رسله، ومن آمن بهم من: تفريج كربة، وإزالة شدّة، أو خوارق عادات طلبتها الأمة بغيًا وعنادًا، فأجيبت إليها دفعًا للحرج عن الرسل، وزيادة في التثبيت لهم، والإِعذار إلى من كفر بهم. ومنها: ما يرجع إلى تعليم الصناعات، وتيسير طرقها: كإسالة عين القطر، وإلانة الحديد لداود، ﵇، على خلاف سنة الكون، ليكون ذلك آية له وكرامة، وليكون سعة

стр. 62

للعباد ورحمة لهم، إلى غير ذلك مما لا يحصيه إلا الله. [قصة يوسف ﵇] وإليك أمثلة من قصص الأنبياء في القرآن ترشدك إلى كثير مما ذكرت، وتبين لك سنة الله - تعالى- الماضيةَ في إعداده الأنبياء لتحمل أعباء الرسالة، وحكمته البالغة في تأييده إياهم بالمعجزات الباهرات، لتقوم بها الحجة على أممهم، إعذارًا إليهم، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان عزيزا حكيمًا. فمن ذلك: قصة يوسف ﵊: إن هذه القصة فيها كثير من العجائب، والعبر، والعظات، والأحكام، والأخلاق، وألوان الامتحان، والابتلاء، والفضل، والإحسان، والذي أقصد إليه من مباحثها هنا أمرين لمزيد اتصالهما بالموضوع: الأول: كيف كانت هذه القصة معجزة لرسول الله محمد ﷺ . الثاني: كيف كانت دليلا على أن الله يعدّ رسله في حياتهم الأولى قبل الرسالة لتحمّل أعبائها حين إرسالهم إلى أممهم. أما الأول: فإنه- تعالى- ذكر قصة يوسف، عليه الصلاة

стр. 63

والسلام، في القرآن مفصّلة لتكون بجملتها آية بل آيات على نبوة رسوله محمد، ﵊. وبيان ذلك أنهَّ كان أميًّا لم يقرأ شيئًا من كتب الأولين، ولا درس شيئًا من تاريخهم، ولا خطّ من ذلك شيئًا بيمينه حتى يُرتاب في أمره، ويُتَهم بأنه تكلم بما قرأ أو درس. قال- تعالى-: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] بل كان من الغافلين عن قصة يوسف وأمثالها، لم تخطر له ببال، ولم تقرع له سمعًا قبل أن يُوحي الله بها إليه، ويذكرها له في محكم كتابه. قال- تعالى- في مطلع سورة يوسف: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ - نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١ - ٣] وقال بعد ذكر يوسف لرؤياه، وعرضها على أبيه، ووصية أبيه له: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]

стр. 64

ولم تكن قصة يوسف بالأمر الذي اشتهر في العرب، وتناولوه بالحديث فيما بينهم، بل كانت غيبًا بالنسبة إليهم، ولا كان محمد مع يوسف وإخوته، ولا شهد مكرهم به، ولا كيدهم له، فيتهم بأنه تكلم بأمر شهده، أو انتشر بين قومه. قال- تعالى- لنبيه محمد في ختام قصة يوسف، عليهما الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] ولا يسع أحد أن يقول: إنه عرف تفاصيل القصة من اليهود، فإن السورة مكية، واليهود كانوا يعيشون بالشام والمدينة وما حولها، ولم يعرف عنه أنَه اتَصل بهم قبل الهجرة، ولا دارسهم شيئا من العلوم، ولو كان تم شيء من ذلك لانكشف أمره لطول العهد، وكثرة الخصوم، وحرج قومه من دعوته، وسعيهم جهدهم في الكيد له، والصدّ عنه، وحرصهم على تشويه سمعته، والقضاء عليه وعلى دعوته، حتى رموه بالسحر، والكهانة، والجنون، واتهموه زورًا بالكذب، وهو في قرارة أنفسهم الصادق الأمين، وتبادلوا الرأي فيما يوقعونه به من حبسه، أو طرده من بينهم، وتشريده، وانتهى أمرهم بالاتفاق

стр. 65

على قتله، فأنجاه الله من كيدهم، وكتب له الهجرة إلى المدينة حيث عزَ الإسلام، وقامت دولته. قال- تعالى-: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فقوم هذا شأنهم معه لا يخفى عليهم أمرِه، وهو يعيش بين أظهرهم، وهم له بالمرصاد، فلو وجدوا سبيلا إلى الطعن عليه باتصاله باليهود، والأخذ عنهم لسارعوا إلى فضيحته، والتشنيع عليه بذلك، ولم يضطروا إلى الافتراء عليه، ولا إلى التفكير في قتله أو تشريده، ولا إلى نشوب الحرب بينه وبينهم سنين طويلة، ولم يلجأوا إلى اتهامه تهمة تحمل ردها في طيها، فقد اتهموه برجل أعجمي بمكة، وادعوا أنه يعلّمه، فسفَه الله أحلامهم وألقمَهُم الحجر. قال- تعالى-: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وليست قصة يوسف خبرًا مقتضبًا عبًر عنه بالجملة أو الجملتين، فيقال: إن صدقه في الحديث عنها وليد الصدفة

стр. 66

والاتفاق، بل هي قصة كثيرة العجائب، متشعبة الموضوعات، وقعت بين أطراف مختلفة في أزمان متباعدة، فمن رؤيا صادقة، إلى مؤامرة، ثم نجاة، يتبعها بيع، ثم إيواء، إلى مراودة، يتبعها هم، ثم عصمة من الفحشاء، إلى سجن فيه دعوة إلى التوحيد، مع رفق وحُسْن سياسة، وتأويل للرؤيا أصدق تأويل، يتبع ذلك خروجه ﵇، من السجن بريئًا من التهمة، وتولًيه شئون الدولة، واجتماع إخوته به، مع معرفته لهم، وإنكارهم إياه، وما أكثر ما دار بينه وبينهم من الأحاديث وما جرى من الأحداث، إلى أن انتهى ذلك بتعريفه لهم بنفسه، وعفوه عنهم، وحضور أبيه إليه على خير حال، إلى غير ذلك من التفاصيل التي يعرفها البصير بكتاب اللهّ. وقد سيقت القصة مفصلة في جميع نواحيها، مستوفاة في جميع فصولها، في أدق عبارة، وأحكم أسلوب، أفيعقل بعد ذلك أن يًقال: إن صدقه، ﵊، فيما سرده من قضاياها، ووقائعها، وعجائبها على هذا النهج الواضح، والطريق السوي وليدُ الصدفة والاتفاق؟! ختم- سبحانه- سورة يوسف بمثل ما بدأها به من الإرشاد إِجمالًا إلى القصد الذي من أجله سيقت القصة، وهو أن تكون

стр. 67

آية على نبوة محمد ﷺ ، وصدقه فيما جاء به من التشريع، وأن قصة يوسف، ونحوها مما نزل به الوحي مستقى من المشكاة التي أخذ منها الأنبياء، فليس حديثًا مفترى، ولكنه تصديق لما بين يديه من كتب المرسلين، وتفصيل لما يحتاج إليه المكلفون من التشريع في معاشهم ومعادهم، وجماع الهداية والرحمة لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. أفيمكن أن تكون هذه القيادة الرشيدة بهذا التشريع المستقيم من إنسان أميّ عاش في أمة أمية من عند نفسه دون وحي من الله!؟ كلا إنَها العناية الربانيَّة، والرسالة الحقّة، والوحي الصادق المبين، نزل به الروح الأمين، على قلب محمد، ﷺ ، ليكون رحمة للعالمين. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] أما الثاني: فإن في تفاصيل قصة يوسف، ﵊، كثيرًا من الأسرار، والعجائب التي يعد بها الله رسله، ويهيئ بها أنبياءه لقيادة الأمم، من أخلاق سامية، وآداب عالية،

стр. 68

وحكمة بالغة، وقرة عزيمة، وعقائد صحيحة، ويتبَينّ ذلك بوجوه كثيرة: الأول: صفاء روح يوسف، ونقاء سريرته، وهذا واضح من الرؤيا الصادقة التي رآها في صغر سنة، وأول نشأته، فتحقق تأويلها بسجود أبويه وإخوته له في كبر سنه، وختام. حياته. قال- تعالى-: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقال: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] الثاني: ما خصَّهُ الله به من المميزات التي زادت تعلق والده به، وحملت إخوته على التآمر عليه، والكيد له، فأشار بعضهم بقتله ليخلو لهم وجه أبيهم، وتطيب لهم الحياة، ورأى آخرون أن في إبعاده عن والده الكفاية، فلما أجمعوا أمرهم على ذلك، ورموه في غيابة الجبّ أوحى الله إليه: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] إيناسًا له، وإزاحة للغمة عن نفسه، وهيأ له من أخرجه من البئر لكنهم باعوه بثمن

стр. 69

بخس دراهم معدودة، فرعاه الله، وجعله عند من يكرم مثواه، ومكَن له في الأرض، وعلمه من تأويل الأحاديث، والله غالب على أمره، ولكنَ أكثر الناس لا يعلمون. وبعد أن مكَّن الله له، واجتمع بإخوته لم ينتقم لنفسه، بل صَفَحَ عن الزَلَّة، وعفا عند القدرة، ونبأهم بما سبق من سوء صنيعهم معه في الصًغر. ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ - قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ - قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ - قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٩ - ٩٢] الثالث: عفَة فرجه، ونزاهة نفسه، مع توافر دواعي الشهوة، وتهيئ أسباب الجريمة، من دوام الخلوة، ومزيد الخلطة، والدعوة إلى الفاحشة، وحياته معها في بيتها، وأخذها الحيطة في إغلاق الأبواب. لقد كان يوسف من المخلصين لله، فاستعاذ به، واستقبح أن يقابل جميل من أحسن مثواه بخيانته في عرضه. وذكر ما يصيب الظالمين في العواقب من الخسار أو الدمار،

стр. 70

وبذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء، وأظهر براءته. ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩] ثم اشتدّ بامرأة العزيز الأمر، فأنذرت يوسف بالسجن والعذاب، أو يفعل ما تأمره به. فقال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] الرابع: أنه لم يشغله ما أصيب به من تتابع البلاء عن ربه ودينه، والدعوة إلى ما ورثه من التوحيد الخالص عن آبائه: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ﵈، فانتهز حاجة من معه في السجن إليه في تأويل ما رأياه في التعريف بنفسه، فبدأ ببيان مكانته، والحديث عن نفسه، ليُقْبَل منه قوله، ونصح لهما في التوحيد وزيَّنه، وحذرهما من الشرك وقبحه، وأقام على ذلك الحجة، كل ذلك قبل تأويل الرؤيا، ليكون أدعى إلى الإصغاء والقبول، وأبعد عن الإعراض عنه، وقد أطال في ذلك، ثم ختم بتأويل الرؤيا لهما في آية قصيرة. الخامس: أن يوسف أراد أن يأخذ بأسباب الخلاص من

стр. 71

السجن، فقال للذي ظَنَ أنًه ناج من صاحبيه في السجن: اذكرني عند ربّك. فأدَّبه الله ببقائه في السجن بضع سنين، ليعلق قلبه بربِّه دون غيره، ويتم له صدق التوكّل عليه وحده - سبحانه- دون سواه. السادس: أنه- سبحانه- شاء أن تكون نجاته بما آتاه الله من العلم، وبما علَمه من تأويل الأحاديث، لا بشفاعة أحد، ولحاجة الأمة راعيها ورعيتها إليه، دون حاجته إليهم، ليكون ذلك أكرم له، وأعزَ لنفسه، ولئلا يكون لأحد عليه سوى الله منَة، فأرى الله ملك مصر رؤيا هاله أمرها، وعجز أشراف قومه ووجهاؤهم عن تعبيرها، وقالوا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين!! ولما انتهى أمر الرؤيا إلى يوسف أوَّلها أصدق تأويل، وبين أنها كشفت للأمة عنِ مستقبلها في رخائها وشدتها أربعٍ عشرة سنة. ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٧ - ٤٩] فأخذ تفسير يوسف من قلب الملك مأخذه، ولم يسعه إلا أن

стр. 72

يرسل بإحضاره، فأبى يوسف حتى ينظر في قضيته مع النسوة، فإنه قد زُجً به في السجن من أجلهن، ففعل الملك، وظهرت براءته، ﵇، وحضر إلى الملك فقال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ - قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٥] فاستجابَ له الملكَ، وأتم الله ليوسف ما شاء منِ نعمته. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] وبذلك يتبين أن الله محّصه ورعاه، بتتابع البلاء والإنجاء، ابتلاه بكيد إخوته له، ورميه في الجب، ثم أنجاه. وابتلاه ببيع السيارة له، ثم هيأ له من أحسن مثواه. وابتلاه بتسليط امرأة العزيز عليه، وبالنسوة اللاتي قطًعن أيديهن، ثم عصمه وحماه. وابتلاه بالسجن، ثم أخرجه منه بريئًا من التُهمة عليمًا بربه، وبشئون الأمة، في وقت اشتدت فيه حاجة البلاد إلى حفيظ عليم يدبر أمرها، ويقودها في حياتها خير قيادة، فتولّى أمرها، واستسلم له أهلها. وفي قصة يوسف، ﵇، سوى ما ذكر شيء كثير

стр. 73

يدل على أن الله تعهد يوسف برعايته، وتولاه في أطوار حياته، ليتخذه رسولا، ويجعل من سيرته الحميدة آيات بيّنات على صدقه، وأمانته فيما يدعيه من الرسالة.

стр. 74

[قصة موسى ﵇] قصة موسى ﵇ ذكر الله- في أول سورة القصص بيانًا عن نشأة موسى، ﵇، وحاله قبل الرسالة، وأتبع ذلك بيانًا عن رسالته إلى أن أنجاه، ومن آمن معه، وأهلك أعداءه ليكون ذلك القصص في جملته آية على نبوة محمد، ﵊، وصدقه فيما أنزل عليه من الوحي، ودعا إليه أمته، كما يرشدنا إلى ذلك، بقوله- تّعالى- في مطلع السورة: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٢ - ٣] وقوله- تعالى- عند انتهاء ما أراد ذكره من القصة: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦] أما ما ذكر في هذه السورة من تفاصيل القصة فآيات بيِّنات تدل على كمال رعاية الله لموسى، ﵊، في جميع شئونه: في رضاعته، وكفالته، وعلمه وحكمته، وإعداده

стр. 75

بالقوة، والأخلاق الفاضلة، من نصرة المظلوم، وإعانة الضعيف، وعزَة النفس، وصدق التوكّل على الله، والأمانة، وحسن المعاملة، ليكون رسولا ينقذ به- سبحانه- الشعوب من الاستعباد، ويخلصها من الطغيان، والاستبداد، ويهدي به القلوب، وينير به البصائر، وإليك شيئًا من تفصيلها ترى منه ما ذكرت: ١ - قَدم الله بين يدي هذه القصة جملة من الآيات بين فيها سنته العادلة، وحكمته البالغة، في القضاء على من علا في الأرض، وأفسد فيها، ومنّه على المستضعفين، والتمكين لهم، وإدالتهم من عدوهم، فضلًا منه ورحمة، والله عليم حكيمٍ. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣] ثم فصَّل ذلك فيما ذكره بعد من القصة. ٢ - ولد موسى بن عمران، ﵇، في مصر، وكان ملكها إذ ذاك جبارًا جائرًا، يقتل ذكران بني إسرائيل، ويستحيي نساءهم، فأوحى الله إلى أم موسى أن تلقيه في اليم إذا خافت عليه من فرعون وجنوده، ووعدها وعدًا صادقًا أن يردّه إليها، ففعلت، وأنجاه الله، والتقطه آل فرعون، وتداولوا الرأي فيه.
следующие страницы →