السجن، فقال للذي ظَنَ أنًه ناج من صاحبيه في السجن: اذكرني عند ربّك. فأدَّبه الله ببقائه في السجن بضع سنين، ليعلق قلبه بربِّه دون غيره، ويتم له صدق التوكّل عليه وحده - سبحانه- دون سواه.
السادس: أنه- سبحانه- شاء أن تكون نجاته بما آتاه الله من العلم، وبما علَمه من تأويل الأحاديث، لا بشفاعة أحد، ولحاجة الأمة راعيها ورعيتها إليه، دون حاجته إليهم، ليكون ذلك أكرم له، وأعزَ لنفسه، ولئلا يكون لأحد عليه سوى الله منَة، فأرى الله ملك مصر رؤيا هاله أمرها، وعجز أشراف قومه ووجهاؤهم عن تعبيرها، وقالوا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين!!
ولما انتهى أمر الرؤيا إلى يوسف أوَّلها أصدق تأويل، وبين أنها كشفت للأمة عنِ مستقبلها في رخائها وشدتها أربعٍ عشرة سنة.
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٧ - ٤٩]
فأخذ تفسير يوسف من قلب الملك مأخذه، ولم يسعه إلا أن
стр. 72
يرسل بإحضاره، فأبى يوسف حتى ينظر في قضيته مع النسوة، فإنه قد زُجً به في السجن من أجلهن، ففعل الملك، وظهرت براءته، ﵇، وحضر إلى الملك فقال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ - قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٥] فاستجابَ له الملكَ، وأتم الله ليوسف ما شاء منِ نعمته.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦]
وبذلك يتبين أن الله محّصه ورعاه، بتتابع البلاء والإنجاء، ابتلاه بكيد إخوته له، ورميه في الجب، ثم أنجاه. وابتلاه ببيع السيارة له، ثم هيأ له من أحسن مثواه. وابتلاه بتسليط امرأة العزيز عليه، وبالنسوة اللاتي قطًعن أيديهن، ثم عصمه وحماه. وابتلاه بالسجن، ثم أخرجه منه بريئًا من التُهمة عليمًا بربه، وبشئون الأمة، في وقت اشتدت فيه حاجة البلاد إلى حفيظ عليم يدبر أمرها، ويقودها في حياتها خير قيادة، فتولّى أمرها، واستسلم له أهلها.
وفي قصة يوسف، ﵇، سوى ما ذكر شيء كثير
стр. 73
يدل على أن الله تعهد يوسف برعايته، وتولاه في أطوار حياته، ليتخذه رسولا، ويجعل من سيرته الحميدة آيات بيّنات على صدقه، وأمانته فيما يدعيه من الرسالة.
стр. 74
[قصة موسى ﵇]
قصة موسى ﵇ ذكر الله- في أول سورة القصص بيانًا عن نشأة موسى، ﵇، وحاله قبل الرسالة، وأتبع ذلك بيانًا عن رسالته إلى أن أنجاه، ومن آمن معه، وأهلك أعداءه ليكون ذلك القصص في جملته آية على نبوة محمد، ﵊، وصدقه فيما أنزل عليه من الوحي، ودعا إليه أمته، كما يرشدنا إلى ذلك، بقوله- تّعالى- في مطلع السورة:
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٢ - ٣]
وقوله- تعالى- عند انتهاء ما أراد ذكره من القصة: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]
أما ما ذكر في هذه السورة من تفاصيل القصة فآيات بيِّنات تدل على كمال رعاية الله لموسى، ﵊، في جميع شئونه: في رضاعته، وكفالته، وعلمه وحكمته، وإعداده
стр. 75
بالقوة، والأخلاق الفاضلة، من نصرة المظلوم، وإعانة الضعيف، وعزَة النفس، وصدق التوكّل على الله، والأمانة، وحسن المعاملة، ليكون رسولا ينقذ به- سبحانه- الشعوب من الاستعباد، ويخلصها من الطغيان، والاستبداد، ويهدي به القلوب، وينير به البصائر، وإليك شيئًا من تفصيلها ترى منه ما ذكرت:
١ - قَدم الله بين يدي هذه القصة جملة من الآيات بين فيها سنته العادلة، وحكمته البالغة، في القضاء على من علا في الأرض، وأفسد فيها، ومنّه على المستضعفين، والتمكين لهم، وإدالتهم من عدوهم، فضلًا منه ورحمة، والله عليم حكيمٍ.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣]
ثم فصَّل ذلك فيما ذكره بعد من القصة.
٢ - ولد موسى بن عمران، ﵇، في مصر، وكان ملكها إذ ذاك جبارًا جائرًا، يقتل ذكران بني إسرائيل، ويستحيي نساءهم، فأوحى الله إلى أم موسى أن تلقيه في اليم إذا خافت عليه من فرعون وجنوده، ووعدها وعدًا صادقًا أن يردّه إليها، ففعلت، وأنجاه الله، والتقطه آل فرعون، وتداولوا الرأي فيه.
стр. 76
وعند ذلك مر موسى بطَوْرٍ آخر من أطوار الخطر، ثم كتب الله أن ينتهي بهم التفكير في أمره إلى أن يتخذه فرعون ولدًا، وأن ينشأ في بيت ملك يتربًى فيه على العزة، وشدة البأس، وقوة العزم، والأخذ بالحزم، ولا يصاب بما أصيب به قومه من العذاب، والذّل، والهوان. وبذلك يصلح لحمل أعباء الرسالة، ومواجهة فرعون في جبروته وطغيانه (١) . ثم أولاه الله نعمة أخرى، فكتب عليه ألا يرضع إلا من أمه، حتى اضطر فرعون، ومن معه إلى أن يردّوه إلى أمه، وهم لا يشعرون، وبهذا التدبير الحكيم، واللطف الخفي، أنجز الله لأم موسى وعده، فرجع إليها ولدها لتكفله، ويتمتع بعطفها، وينعم بحنانها، وتقر به عيناها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق.
٣ - هذه الحلقة الأولى من حياة موسى كلها عبِرٌ وآيات
منها: أن الله- جعل نجاته مما أصاب غيره من أبناء قومه فيما يراه الناس دمارًا، وإلقاءً بالنفس إلى التهلكة.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ [القصص: ٧]
ومنها: أنه- سبحانه- كتب لموسى الحياة السعيدة في بيت
стр. 77
من يخشى عليه منه، فعاش بين أظهرهم عيشة الملوك.
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩]
ومنها: أن الله حرَّم عليه تحريمًا كونيا أن يرضع من امرأة سوى أمه، فكان ذلك فيما يرى الناس، بلاءً أصابه، وهو في الأمر نفسه كمالُ اللطف من الله، والرحمة بموسى، ليرجعه إلى أمه، وهم لا يشعرون، فاجتمع له إلى السلامة، والنجاة، عطف الأمهات وعزُّ الملوك.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ - فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٢ - ١٣]
ومنها: حفظ الله- سبحانه- على موسى صفاء روحه وسلامة فطرته، فمع أنه عاش في بيت ملك، وأوساط ظلم، وطغيان فإنه لم يتأثر بما تأثر به مَنْ قضى أيامه الأولى من حياته في بيئة استشرى فيها الفساد، وطبعت بطابع الجبروت، والاستبداد، ولم يصب بما يصاب به أبناء الملوك، ومن يتقلب في
стр. 78
النعمة، ورغد العيش حين تهمل تربيته، من جهل واستهتار، أو رخاوة وخلاعة ومجون، بل صانه الله من كل ما يشينه، وآتاه العلم النافع، والحكمة البالغة، وسداد الرأي، كما حفظ عليه نعمته من قبل في بدنه.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤]
٤ - جَبَلَ الله نبَيّه موسى على الحزم والأخذ بقوة في نصرة المظلوم، والضرب على يد الظالم، وذلك يتجَلى في الخصومة التي كانت بين إسرائيلي وفرعوني، فإن موسى لم يلبث أن أغاث من استغاث به، فوكز القبطي، فقضى عليه، إقامة للعدل، وإنصافًا للمظلوم، كما طبعه على الرفق بالضعيف، والعطف عليه، ومد يد المعونة إليه. ويتجلى ذلك منه في قوله- تعالى-:
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ - فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٤]
فجمع له بين شدَّة البطش على الظالمين، وكمال الرّفق بالمستضعفين.
стр. 79
٥ - كان من آثار عناية الله بموسى، ورعايته له أن قَوَى فيه الوعي الديني، واستحكمت الصلة بينه وبين ربه، فأحبّ ما يحبّه الله من العدل والإنصاف، وكره ما يبغضه الله من الظلم والعدوان؛ لذلك فزع إلى ربه، واعترف بظلمه لنفسه، حينما قضى القبطي نحبه من وكزته، وأسرع إلى الاستغفار لله - تعالى- من ذنبه.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٦ - ١٧] وفاض قلبه إيمانا بالله، فعظمت ثقته، وتوكله عليه؛ لذلك قصد إليه وحده في غربته وحيرته رجاء أن يهديه سواء السبيل.
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]
ولما استبدت به الحاجة وأخذ منه الجوع مأخذه توجه إلى ربه، فسأله من فضله، فأبت عليه عزَة نفسه أن يشكو حاجته لغيره، أو يعرض لمن سقى لهمِا بطلب الأجر.
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]
стр. 80
وقد استجاب الله دعاءه، وهيأ له بيئة صالحة يحيا فيها حياة طيبة، فقد عرض عليه شعيب لما عرفه عنه من القوة والأمانة أن يزوجه إحدى ابنتيه على أن يرعى له الغنم ثماني حجج، وإن أتمَّ عشر سنوات كان ذلك مكرمة منه، فالتزم موسى بذلك، ولم يمنعه ما كان فيه أولا من رغد العيش، وحياة الملوك أن يكون أجيرًا، يأكل ويتزوج من كسب يده، وأشهد ربه على ذلك:
﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]
وقد ثبت أنه أتم أبعد الأجلين. فهذه سلسلة من حياة موسى قبل الرسالة، تضمنت شيئًا مما حباه الله به من العلم، والحكمة، والمروءة، والنجدة، ونصرة المظلوم، والأخذ على يد الظالم، والعطف على الضعيف، وقوة الإيمان بالله، والصدق في الالتجاء إليه، والتوكل عليه، والتواضع مع عزة النفس، وغير ذلك من مكارم الأخلاق التي يعد بها الله من يختاره للرسالة، وقيادة الأمم.
٦ - طلب موسى من ربه أن يشدّ أزره بأخيه هارون، فأرسله معه ليكون عونا له في الحِجَاج، وخاف أن يبطش بهما فرعون وجنوده، وأن يقتلوا موسى بالقبطي الذي سبق أن قتله،
стр. 81
فقال الله له: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وجعل لهما سلطانًا من الآيات تقوم به الحجة، وتنخلع به قلوب الجبارين، وتمتلئ بالوهن والضعف، وبذلك يثبت موسى في ميدان الدعوة إلى اللهّ، فبات واثقًا بربه مؤمنًا بما يدعو إليه من الهدى والنور، وتجلى في حجاجه صولة الحق، وأحس من نفسه بالعزة والقوة، وبذلك ذلَّ جبروت فرعون، وتلاشى عنده تألّهه وتعاليه، ولم يعد يملك لموسى من الكيد إلا أن يرعد ويبرق، ويموّه ويخدع.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]
ولم يكن ليأخذ على يديه أحد، ولا هناك من الأسباب الداعية ما يمنعه أن يبطش بموسى، فإن الدولة دولته، والجنود جنوده، لكنها عناية الله برسوله، وما آتاه من آيات، وسلطان قد بهر فرعون، وقطع نياط قلبه، ولم يملك- أيضًا- ملأ فرعون سوى أن يُثيروا حفيظته، ويُغروه بموسي ومن آمن به:
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]
стр. 82
أفلا يرى العاقل أن موسى وهو وحيد غريب، وقومه مستعبدون، لم يقف هذا الموقف من فرعون وملئِهِ، والدولة دولتهم إلاُ هو مؤيّد من ربه، صادق في دعوته، وأن هذا هو الحق المبين.
٧ - جرت سنة الله العادلة أن يفتح بالحق بين رسله، ومن آمن بهم من الأمم، ومن سار سيرهم، ويجعلهم خلفاء الأرض، ويهلك من كذَب بهم، وانحرف عن طريقهم ليكون ذلك من آيات اللهّ التي يفصل بها بين الصادق والكاذب، والحق والباطلِ، والشريعة العادلة، والقوانين الجائرة.
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧]
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ - قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٨ - ١٢٩]
стр. 83
وهذا هو ما انتهى به أمر موسى وقومه مع فرعون وملئه.
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠]
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ - وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ - وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ - ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٣ - ٦٦] فانظر كيف اتحدت وسيلة النجاة للأولياء، والهلاك للأعداء، إنها آية الله الباهرة، وقدرته القاهرة، لقد أهلك فرعون وجنده بما جعله طريقًا لنجاة موسى وقومه، هذا إلى جانب انفلاق البحر، وتماسك مائه، وخروجه عن طريق السيلان بضربة عصا.
وفي قصص موسى من الآيات سوى ذلك ما يبهر العقول، ويأخذ بمجامع القلوب، ولا يدع قولا لقائل إلا من سَفه نفسه، وسعى في هلاكها، وذلك قوله:
[خاتمة وتشتمل على أمرين]
[الأمر الأول الطريقة المثلى للدعوة إلى الله]
خاتمة
وتشتمل على أمرين
стр. 86
الأول
الطريقة المثلى للدعوة إلى الله
(أ) تختلف أحوال الدعاة إلى الله في أداء مهمتهم، فبينما يكون بعضهم: خبيرا بجوهر الموضوع، ملما بأطرافه، محسنا للأداء والتعبير عما أراد، منسقا لنقاط الموضوع، مقدما منها ما يجب أن يقدم، مراعيا لظروف السماعين وأحوالهم، يكون البعض الآخر محسنا في بعض النواحي دون بعض.
وقد خلق الله الإنسان مختارا، وأودع فيه غريزة حب الاستطلاع، وطبعه على النفرة من النقص، والفرار منه، والرغبة في الدرجات العليا، وطلب المزيد مما ينهض به في حياته ويرفع مستواه، وجعل فيه استعدادا للتأثر بما يرى ويسمع ومحاكاة ما يجده في بيئته من الخير، اللهم إلا من مسخت فطرته وانسلخ مما هو الأصل في إنسانيته.
وخير طريق يحتذيه الدعاة في القيام بمهمتهم، وأمثل منهاج يسلكونه في استمالة قلوب الناس إلى الخير، والإعذار إلى من لم
стр. 87
يستجب للحق بعد بيان الحجة، وإقامة البرهان هو طريق الرسل، عليهم الصلاة والسلام، ومنهاجهم في دعوتهم إلى الله بقولهم المفصل وسيرتهم الحميدة.
وفيما يلي، إلماعة من سيرة رسول الله وخليله إبراهيم، ﵊. كان إبراهيم الخليل، ﵊، مثلا أعلى في صدق اللهجة، والإيمان بما يدعو إليه من التوحيد، وشرائع الإسلام، والتصديق به على وجه اطمأنَت به نفسه، ورسخ في سويداء قلبه، وقد أثنى الله عليه بذلك في مُحكم كتابه في مطلع الحديث عنه حينما قام يدعو أباه إلى التوحيد، فقال:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]
فعلى الداعي إلى الحق أن يكون مؤمنًا به، مخلصا لما يدعو إليه، صادق اللهجة فيه، وإلا انكشف سره، وافتضح أمره، فإن ثياب الزور تشف عما وراءها، وعند ذلك يكون وبالًا على الدعوة.
بدأ إبراهيم الخليل بأبيه في الدعوة إلى التوحيد، فإنه أقرب الناس إليه، وألصقُهم به، فكان أولى بمعروفه، وبرّه،
стр. 88
وإحسانه، وإلى جانب ذلك يكون ردءا له إذا استجاب لدعوته، وظهرًا له يحميه بدافع أخوة الإيمان، وعصبيّة النسب.
قال- تعالى- في وصفه لِإبراهيم في دعوته: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وقد تلطف معه في الدعوة، فذكّره بما بينهما من الرحم، ووشائج النسب، استمالة لقلبه، وتنبيهًا له إلى أنه لو كذَبَ الناس جميعًا ما طابت نفسه بالكذب عليه، وأنه لو غشهم جميعًا لم يكن منه إلا النصح له لما بينهما من أواصر القربى والنسب.
وبدأ دعوته لأبيه بالتوحيد الذي هو أصل الدين، وجوهر الشرائع السماوية، وعليه تقوم فروع الإسلام، وبه صلاح القلب، وبصلاحه تصلح سائر الجوارح، وتستقيم أحوالها.
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صَلَحَت صَلَحَ الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» . وسلك في دعوته إلى التوحيد طريق الاستدلال عليه بأن ما يعبده أبوه وقومه لا يسمعهم إذا دعوه لكشف غمة، أو تفريج كربة، ولا يراهم إذا عبدوه، وتضرعوا إليه، ولا يجلب لهم نفعًا، ولا يدفع عنهم ضرًا، وإذا كان لا يرجى نفعه، ولا يُخشى بأسه، فكيف يستحق
стр. 89
أن يعبد، أو يتقرب إليه؟!! وبذلك أقام عليهم الحجة، وقطع عذرهم.
فيجب على من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر أن يقتفي أثر إبراهيم الخليل في دعوته، فيتلطف مع من يدعوهم، ويسوسهم حسب ما تقتضيه أحوالهم، ويبدأ بأقرب الناس إليه، وأولاهم بإرشاده، ويقدم الإرشاد إلى عقيدة التوحيد، ويركز الحديث فيها، ويقيم على ذلك الدليل ليقنعهم بالحجة، ويسقط أعذارهم.
ادعى إبراهيم الخليل، ﵊، أن الله آتاه من العلم ما لم يؤت أباه، لا ليفخر بذلك، أو يتعالى على أبيه حتى يكون خلقًا ذميمًا، ينفَرُ الناس من حوله، ويمقتونه من أجله، بل ادَّعى ذلك ليلفت النظر إلى وجوب الإصغاء إليه، واتباعه فيما جاء به من الحق المبين، ليهديهم به إلى الصراط المستقيم.
قال- تعالى- في وصفه لِإبراهيم في دعوته: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣]
نهى إبراهيم، ﵊، أباه عن طاعة
стр. 90
الشيطان في وسوسته، واتباعه فيما يسوله، ويزينه له من الشرك بالله، وسائر المنكرات، فإن طاعته له، وإسلام قياده إليه عبادة له من دون الله، ونبه أباه إلى عصيان الشيطان لربه، وتمرده عليه، وإذنْ فليس على هدى في وسوسته، ولا يزين للناس إلا ما هو شر وضلال.
قال- تعالى- في وصف دعوة خليله: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤] فعلى الداعية إلى الحق أن يكشف الغطاء عن معنى العبادة، ويزيدها إيضاحًا حماية لعقيدة التوحيد، وبيانًا لأصولها، ويستعمل أسلوب التنفير من عبادة غير الله اقتداء بخليل الرحمن، ﵊.
أنذر إبراهيم أباه إنذار المتلطف معه، المشفق عليه، بأنه يخشى عليه مغبة شركه، وعاقبة عبادته للشيطان، وطاعته له، فيعذبه الله على ذلك، ولا يجد ممن تولاهم بالعبادة من يدفع عنه بأس الله وعذابه.
قال- تعالى- في وصف إبراهيم في دعوته: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]
فعلى الداعية أن يستعمل أسلوب الإنذار، والتخويف من
стр. 91
سوء العواقب، والتذكير بعذاب الله، وأليم عقابه يوم يتبرأ دعاة السوء ممن غرروا بهم، ويتمنّى المخدوعون بزخرف القول أن لو عادوا إلى الدنيا، فيتبرءوا من دعاة السوء كما تبرءوا منهم يوم القيامة، وأنى لهم ذلك؟
لا تأثير للدعوة إلى الحق وإن كانت صادقة إلا إذا وجدت آذانًا صاغية، وقلوبا واعية، وفطرة سليمة لم تفسدها الأهواء، ولذا لم يستجب لِإبراهيم أبوه، بل أنذره لئن لم ينته ليرجمنه، وأمره بهجره مليا، فصبر إبراهيم على أذاه، وقابل سيئته بالحسنة، وقال له:
﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] واعتزلهم وما يدعون من دون الله، بعدًا عن الفتنة، إذ لم يستطع القضاء عليها، وأملًا في أن يجد لدعوته أرضا خصبة، فوهب الله له: إسحاق، ويعقوب، وجعل كلًا منهما نبيا، جزاء وفاقًا بصدقه في الدعوة، وإخلاصه فيها، وصبره على الأذى في سبيل نشرها، وهجره للشرك وأهله، اتقاء للشرّ، وبعدًا عن مواطنه ومظاهره.
قال الله- تعالى-: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم: ٤٦]
стр. 92
فعلى الدعاة أن يتذرّعوا بالصبر، وسعة الصدر، وأن يقابلوا السيئة بالحسنة، وأن لا ينتقموا لأنفسهم ما استطاعوا إلى العفو سبيلا، لكن إذا انتهكت حرمات الشريعة انتصفوا لها، وأخذوا على أيدي العابثين، وعليهم أن يهجروا الشرّ وأهله، إذا لم يمكنهم إزالته أو تخفيفه، خشية أن تصيبهم الفتنة، أو يعمهم البلاء، أو تكون مخالطتهم حجة عليهم، أو معرة لهم، وذريعة للنيل منهم، وعدم الاستماع لنصائحهم، وعليهم أن يتحرّوا المجالس التي يرجى فيها قول الحق، والله الموفق.
стр. 93
[الأمر الثاني الطريقة المثلى للدعوة إلى الله]
الثاني
الطريقة المثلى للدعوة إلى الله
(ب) لم يرسل الله- تعالى - رسولا إلا أمره بالتوحيد، والدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
قال الله- تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]
وقال- تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقد عني الرسل، عليهم الصلاة والسلام، بذلك، فبدءوا البلاغ بدعوة أممهم إلى أن يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا به شيئًا، وقطعوا فيه شوطا بعيدا حتى شغلوا به الكثير من أوقات البلاغ.
ولا عجب في ذلك فإن التوحيد أصل الدين وذروة سنامه، وملاك الإسلام ودعامته الأولى، لا تصح من إنسان قربة. ولا يتقبل الله منه عبادة إلا إذا كانت مقرونة بالتوحيد،
стр. 94
وإخلاص القلب لله وحده.
قال- تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]
وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
وقد أرشد اللهّ الناس إلى أيسر الطرق في الدعوة إلى التوحيد، وأسهلها، وأقربها إلى معرفة الحق، وأعدلها. وهو الاستدلال بآيات الله، وسننه الكونية، وتفرده- سبحانه- بتصريفها، وتدبيرها على تفرده بإِلهيته واستحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له، فذلك أهدى سبيلا، وأقوم دليلا، وأقوى في إقناع الخصم، وإلزامه الحجة، فإنه مقتضى العقل الصريح وموجب الفطرة السليمة.
قال الله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
стр. 95
فرتب- سبحانه- نهيه إياهم عن اتخاذهم شركاء له في العبادة على علمهم، وإقرارهم بأنه- تعالى- وحده هو الذي خلقهم، وخلق الذين من قبلهم، وهو الذي جعل الأرض قرارًا، وذلّلها لهم ليمشوا في جوانبها، وليبتغوا من فضله، ورفع السماء بلا عمد، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لهم، لينعموا بما آتاهم من النعم، وليتمتعوا بما أفاض عليهم من الخيرات لعلهم يتقون ربهم، وولي نعمتهم، فيعبدوه وحده لا شريك له مخلصين له الدين، شكرًا له على ما أسبغ عليهم من نعمه، وأفاض عليهم من بركاته.
وفي القرآن كثير من النظائر لهاتين الآيتين في بيان أسلوب الدعوة، ورسم الطريق الناجحة في إقامة الحجة، وإلزام الخصم.
لقد سلك الأنبياء والمرسلون هذه الطريقة في دعوتهم أممهم إلى الهدى ودين الحق، اهتداء بهدي الله، واسترشادًا بإرشاده، وهو العليم الحكيم، ومن أبرزهم في ذلك أولو العزم
стр. 96
من الرسل، ومنهم إبراهيم الخليل، عليهم الصلاة والسلام.
أرسل الله- جل شأنه- خليله إبراهيم، ﵊، إلى قوم من الفرس عُتاة جبّارين يعبدون التماثيل، فأنكر عليهم عكوفهم لها، وتقرّبهم إليها. قال- تعالى-: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ - إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٢]
ولما لم يكن لديهم حجة يعتمدون عليها في عبادتهم الأصنام، تعللوا لباطلهم بما وجدوا عليه آباءهم من التقرب إلى التماثيل، وعبادتهم إياها، فألغوا عقولهم، وقلدوا آباءهم على غير هدى وبصيرة:
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣]
فسفه إبراهيم، ﵊، أحلامهم، وحكم عليهم وعلى آبائهم بالحيرة، والضلال المبين، ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٤] وبين لهم أن التماثيل لا تسمع النداء، ولا تستجيب الدعاء، ولا تملك نفعًا، ولا توقع ضرًا، فلا يليق بعاقل أن يتخذها آلهة مع من فطر السماوات والأرض، وإليه مقاليد الأمور، يؤتي الملك من يشاء،
стр. 97
وينزعه ممن يشاء، ويضر من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ - أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ - قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢ - ٧٤]
فلما ركبوا رؤوسهم، وأبوا إلّا اللجاج والعناد، والعصبية الممقوتة في تقليد الآباء والأجداد، أعلن براءته منهم، وشدة عداوته لهم، ولما يعبدون من دون الله:
﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ - الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ - وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ - وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ - وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ - وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨٢]
وجد إبراهيم، ﵊، أنه لا بد له من سلوك طريق آخر عملي في إقامة الحجة ليكون أقوى في الإبانة عن الحق، وأملك في إلزام الخصم، يضطرهم به إلى الاعتراف بما هم فيه من ضلال، وظلم، وانحراف، فأقسم بالله أن يكيد لأصنامهم وهم عنها غائبون، انتهز فرصة خروجهم من البلد لبعض شأنهم، وذهب إلى آلهتهم خفية لئلا يراه أحد فيصده عن
стр. 98
تنفيذ ما أراد، فجعلهم قطعًا صغارًا إلا كبيرًا لهم تركه سالمًا، ليكون له ولهم معه شأن عند التحقيق فيما جرى على أصنامهم، فلما عادوا إلى منازلهم، وشاهدوا ما أصيبت به آلهتهم:
﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ - قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ - قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٩ - ٦١]
فلما حضر مجلسهم أخذوا يقررونه بما صنع بآلهتهم:
﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] فأجابهم بنسبَةِ ما حدث إلى مَنْ لا يَتَأَتَّى منه، نسبه إلى كبير التماثيل وهو- كما يعلم ويعلمون- جماد لا حراك به، ذلك ليرشدهم إلى مكان الخطأ في عكوفهم على التماثيل، عبادة لها، وتقربا إليها، ويصرفهم عنها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويوحي إليهم بأنه هو الذي كاد لأصنامهم، وأنزل بهم ما يكرهون، وقد أكد ذلك بأمره إياهم أن يسألوا التماثيل عمَّن أصابهم بالتكسير والتحطيم إن كانوا يحيرون جوابا.
﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]
وقد نجحت هذه الطريقة إلى حدّ ما، وأوجدت فيهم
стр. 99
وعيًا، فثابوا إلى رشدهم، وما كان في أصل فطرتهم، واعترفوا بأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم تماثيل لا تملك لنفسها نفعًا، ولا تدفع عنها بأسًا، وظلموا إبراهيم، ﵇، بصدهم عن دعوته، وإعراضهم عما جاءهم به من الآيات البينات على التوحيد، وإخلاص العبادة لله رب العالمين، لكنهم لم يلبثوا أن ركبوا رؤوسهم، ونكصُوا على أعقابهم، وارتكسوا في حمأة الضلال، والحيرة عصبية لما ورثوه عن آبائهم من الشرك، والبهتان المبين.
قال الله- تعالى-: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ - ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤ - ٦٥] لقد ازداد طريق الحق وضوحًا، وبيانًا، واستحكمت حلقات الحجة لِإبراهيم على أبيه، وقومه، وحق له أن يضيق ذرعًا من صدودهم، وأن يتأفف ضجرًا من طغيانهم وشركهم، وأن يُنكر عليهم ذلك إنكارًا صارخًا، ويرميهم بالخبال، وإلغاء العقول، ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ - أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧]
стр. 100
لقد أخذت الحمية الجاهلية للباطل من نفوس قوم إبراهيم، ﵇، مأخذها، وتمكنت منهم العصبية لطاغوت التقليد للآباء، والأجداد فيما أصيبوا به من الشرك، والانحراف عن الحق حتى ملكت مشاعرهم، ووجهت عقولهم، وأفكارهم إلى شر وجهة، وصرفتهم عن الحق المبين، والصراط المستقيم، وزينت لهم أن يتخلصوا من إبراهيم، ﵇، وينزلوا به أشد العقاب انتصارًا لألهتهم الباطلة، وانتقاما منه جزاءً له عما صنع بها من تحطيم وتكسير.
ويعلم الله أنه ما أراد بذلك إلا الخير لهم، وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد:
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]
لكن يأبى الله إلا أن ينصر رسوله وخليله إبراهيم، ﵇، وأن يخذل أعداءه، وأعداء دينه، ويُبطل ما كادوا به لأوليائه، فيبوءوا بالخسران المبين، إمضاءً لسنته العادلة الحكيمة في أوليائه وأعدائه.
قال- تعالى-:
[الفرق الإسلامية]
[تمهيد]
تمهيد كان الناسُ أمةً واحدةً على الحق بما أودع الله فيهم من فطرة الإسلام، وبما عهد إليهم من الهدى والبيان، فلما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاجتالتهم الشياطين عن الصراط المستقيم، وسلكت بهم بنيات الطريق، فتمزقت وحدتهم، واختلفت كلمتهم. فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزًا حكيما. قال- تعالى-: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]
وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]
وقال، ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصرّانه، أو يمجسانه» . الحديث. وقد أمر الله- تعالى- في كتبه، وعلى ألسنة رسله بوحدة الكلمة، والاعتصام بشرعه،
стр. 103
وحذًر من الفرقة والاختلاف، وبين عاقبة ذلك بما ذكر من أحوال الأمم الماضية، وما حاق بها من الدَمار، وأصابها من الهلاك، وحثهم على البلاغ والبيان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، نصرة للحق، وإزالة للشبهة، وإحباطًا لكيد دعاة السوء واستهوائهم النفوس الضعيفة. قال الله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]
وعن العرباض بن سارية «قال: وعظنا رسول الله، ﷺ ، موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأنَّها موعظة مودعٍّ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: " أوصيكم بالسّمع والطّاعة، فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها
стр. 104
بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» . إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
ومع ذلك دبّ الخلاف بين الناس، فما من أمة من الأمم إلا وقد اختلفت بهم الأهواء حتى وضع كل لنفسه أصولا عليها يبني مذهبه، وإليها يرجع في خصومته، فتناقضت مذاهبهم، وصار كل واحد حربا على أخيه، وشغل بذلك عن كتاب الله، وهدي رسوله، ﵊، إلا أنه- سبحانه- جرت سنته، واقتضت حكمته، أن يقيّض للحق في كل عصر جماعة تقوم عليه، وتهدي الناس إليه، إنجازًا للوعد بحفظ دينه، وإقامة للحجة، وإسقاطًا للمعاذير، قال- تعالى-: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقال، ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» . وفي رواية، «قالوا: يا رسول الله! من الفرقة الناجية؟ قال: " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ".» وفي رواية، قال: «هي الجماعة يد الله على
стр. 105
الجماعة» . رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم. وفي الحديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق. . . ".» الحديث.
وقد تبين من ذلك أن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وإن شعارها كتاب الله، وهدي رسوله، ﵊، وما كان عليه سلف الأمة الذين يؤمنون بمحكم النصوص، ويعملون بها، ويردون إليه ما تشابه منها، وأما الفرق الضالة، فشعارها مفارقة الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة، واتباع الأهواء، وشرع ما لم يأذن به الله من البدع والآراء الزائفة بناء على أصول وضعوها، يوالون عليها، ويعادون، فمن وافقهم عليها، أثنوا عليه وقرّبوه، وكان في زعمهم من أهل السنة والجماعة، ومن خالفهم تبرءوا منه ونبذوه، وناصبوه العداوة والبغضاء، وربما رموه بالكفر، والخروج من ملة الإسلام لمخالفته لأصولهم الفاسدة.
هذا، وليس في نصوص الكتاب والسنة ما يعتمد عليه في تعيين الفرق، ولا بيان ما يرجع إليه في تمييز بعضها من بعض، وإن كان فيها التحذير من فرق الضلال، وذكر عددهم، وبيان
стр. 106
شعارها إجمالًا، ولسنا بمكلّفين بتعيينها، وتحديدها، ولا نحن في ضرورة إلى ذلك في عقيدة، أو عبادة، أو معاملة، أو دعوة إلى الحق، بل يكفينا في جميع شئوننا أن يتميز لدينا الحق من الباطل بالحجة والبرهان، وبالحق يعرف رجاله والدعاة إليه، فلا يعيب الشريعة إن خلت من ذلك، ولا ينقص قدر العلماء أن يضربوا صفحًا عن استقصاء الفرق الضالة حتى يبلغوا بها ما ذكر في الحديث من العدد، ومع ذلك، فقد حمل بعض العلماء حب الاستطلاع، والولع، والبحث أن يصنّفوا في تعيين الفرق، ويذكروا لكل فرقة ما به تتميز عن الأخرى إشباعًا للرغبة، واستجابة لداعي الفكر، وحاولوا أن يبلغوا بما جمعوا وقسّموا، وأصلوا وفصّلوا ما ذكر رسول الله، ﷺ ، في الحديث من غير أن يتجاوزوه أو يقفوا دونه.
ومن أجل أن المسألة اجتهادية، ولا خبر فيها عن المعصوم تباينت مناهجهم في التصنيف، واختلفت مذاهبهم في التعيين، فمنهم من أخذ في عد الفرق من غير أن يبني على أساس، أو يستند إلى قانون يضبط ما ذكر من عدد الفرق ومذاهبها، ومنهم من أصل أصولا يتفرع عنها ما سواها، ووضع قواعد تضمنت المسائل التي وقع فيها النزاع، وذكر كبار الفرق التي ينشعب عنها
стр. 107
ما عداها. ومن هؤلاء الشهرستاني في كتابه: " الملل والنحل ". وإليك كلمته في أصول المذاهب، وكبار الفرق، فقال:
[المقدمة الثانية]
المقدمة الثانية: في تعيين قانون يبنى عليه تعديد الفرق الإسلامية: اعلم أن لأصحاب المقالات طرقًا في تعديد الفرق الإسلامية لا على قانون مستند إلى نصّ، ولا على قاعدة مخبرة عن الوجود، فما وجدت مصنفين منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق.
ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن ليس كل من تميز عن غيره بمقالة ما في مسألة ما عُدَّ صاحب مقالة. فتكاد تخرج المقالات عن حدّ الحصر، والعدد، ويكون من انفرد بمسألة في أحكام الجوهر مثلا معدودا في عداد أصحاب المقالات. فلا بدّ إذن من ضابط في مسائل هي: أصول، وقواعد يكون الاختلاف فيها اختلافًا يعتبر مقالة، ويعد صاحبها صاحب مقالة، وما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط، إلا أنهم استرسلوا في إيراد مذاهب الأمة كيفما اتفق وعلى الوجه الذي وجد، لا قانون مستقر، لا أصل مستمر، فاجتهدت على ما تيسر
стр. 108
من التقدير، وتقدر من التيسير، حتى حصرتها في أربع قواعد هي: الأصول الكبار.
القاعدة الأولى: الصفات، والتوحيد فيها، وهي تشتمل على مسائل: الصفات الأزلية إثباتًا عند جماعة، ونفيًا عند جماعة، وبيان صفات الذات، وصفات الفعل، وما يجب للهّ - تعالى- وما يجوز عليه، وما يستحيل، وفيها الخلاف بين الأشعرية، والكرامية، والمجسمة، والمعتزلة.
القاعدة الثانية: القدر، والعدل، وهي تشتمل على مسائل: القضاء، والقدر، والجبر، والكسب في إرادة الخير، والشر، والمحذور، والمعلوم إِثباتًا عند جماعة، ونفيا عند جماعة، وفيها الخلاف بين القدرية، والنجارية، والجبرية، والأشعرية، والكرامية.
القاعدة الثالثة: الوعد، والوعيد، والأسماء، والأحكام، وهي تشتمل على مسائل: الإيمان، والتوبة، والوعيد، والإرجاء، والتكفير، والتضليل إثباتًا على وجه عند جماعة، ونفيًا عند جماعة، وفيها الخلاف بين المرجئة، والوعيدية، والمعتزلة، والأشعرية، والكرامية.
القاعدة الرابعة: السّمع، والعقل، والرّسالة، والأمانة،
стр. 109
وهي تشتمل على مسائل: التحسين، والتقبيح، والصلاح، والأصلح، واللطف، والعصمة في النبوّة، وشرائط الإمامة نصَا عند جماعة، وإجماعا عند جماعة، وكيفية انتقالها على مذهب من قال بالنصّ، وكيفية إثباتها على مذهب من قال بالإجماع، والخلاف فيها بين الشيعة، والخوارج، والمعتزلة، والكرامية، والأشعرية. فإذا وجدنا انفراد واحد من أئمة الأمة بمقالة من هذه القواعد عددنا: مقالته مذهبًا، وجماعته فرقة، وإن وجدنا واحدًا انفرد بمسألة، فلا نجعل مقالته مذهبًا، وجماعته فرقة، بل نجعله مندرجًا تحت واحدة ممن وافق سواها مقالته، ورددنا باقي مقالته إلى الفروع التي لا تعد مذهبًا مفردا، فلا تذهب المقالات إلى غير النهاية، وإذا تعينت المسائل التي هي قواعد الخلاف تبينت أقسام الفرق، وانحصرت كبارها في أربع بعد أن تداخل بعضها في بعض.
стр. 110
[كبار الفرق الإسلامية أربع]
القدرية، الصفاتية، الخوارج، الشيعة ثم يتركب بعضها مع بعض، ويتشعّب عن كل فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة، ولأصحاب كتب المقالات، طريقان في الترتيب.
أحدهما: أنهم وضعوا المسائل أصولا ثم أوردوا في كل مسألة: مذهب طائفة طائفة، وفرقة فرقة.
والثاني: أنهم وضعوا الرجال وأصحاب المقالات أصولا، ثم أوردوا مذاهبهم في مسألة مسألة، وترتيب هذا المختصر على الطريقة الأخيرة لأني وجدتها أضبط للأقسام وأليق بأبواب الحساب، وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبيّن صحيحه من فاسده، وأعين حقه من باطله، وإن كان لا يخفى على الأفهام الذكية في مدارج الدلائل العقلية لمحات الحق، ونفحات الباطل.
ومهما يكن المنهج الذي سلكه من ألف في الفرق