← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

دانت لهم عربها وأعطوا الزكاة، فأصبحت نجد تُضْرب إليها أكباد الإبل في طلب الدين والدنْيا (١) وتفتخر بما نالها من العزّ والنصر والإقبال والسنا، كما قال عالم صنعاء وشيخها (٢) . قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد محمد الهادي لسنَّة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي لقد سرَّني ما جاءني من طريقة ... وكنت أرى هذي (٣) الطريقة لي وحدي وقال عالم الإحساء وشيخها: لقد رفع المولى به رتبة العلى (٤) ... بوقت به يعلو (٥) الضلال ويرفع تجزُّ (٦) به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفَّع (٧) وهذا في أبيات (٨) لا نطيل بذكرها، وقد شهد غيرهما بمثل ذلك؛ واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] [الأحقاف -١٠] .

стр. 37

وما أحسن ما قال قتادة عن حال أول هذه الأمة من (١) . المسلمين: لما قالوا لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون (٢) وكبرت (٣) عليهم؛ فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها، ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نصر. إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين التي يقطعها (٤) الراكب في ليالٍ قلائل، ويسير الراكب في فئام لا يعرفونها، ولا يقرون بها. وهذا المعترض عاش في ظل ذلك، وتولَّى القضاء، وصارت له الرياسة عند أهل محلته بانتسابه إلى هذا الدين، ودعواه محبة (٥) الشيخ (٦) وأنه شرح بعض كتبه، ومع ذلك تجرَّد لمسبته ومعاداته، وجحد ما جاء به وقرره من الهدى ودين الحق. قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] [الأنعام -٢٦] . وقال بعضهم: وما ضر نور الشمس إن كان ناظرًا ... إليها عيونٌ لم تزل دهرها عميا ولا ينكر ما قررناه إلا مكابر في الحسيات، ومباهت في

стр. 38

الضروريات، يرى أن عبادة الصَالحين ودعاءهم والتوكُّل عليهم، وجعلهم وسائط بينهم وبين الله مما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وأنه هو الإسلام، وأهله هم الأمة المحمدية، ومن أنكر عليهم وضلَّلهم فهو خارج مارج، كما قال هذا الرجل وصاحبه ابن سند في منظومته التي أنشدها، لما استولت العساكر المصرية على بلاد الدرعية: * لقد فتحت للدين أعينه الرمد * ثم أخذ في سبّ (١) المسلمين وتضليلهم والشمات (٢) بهم، ومدح [٤] ، من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادًا تعبد، وقد أجابه الذكي الأديب، الشيخ أحمد بن مشرف بمنظومة ذكر فيها حال العساكر المصرية، وما اشتهر عنهم من اللواط، والشركيات، والزنا، وشرب المسكرات، وإضاعة الصلوات (٣) ثم قال بعده في أثناء رده: فإن كان هذا عندك الدين (٤) والهدى ... لقد فتحت للدين أعينه الرمد وبالجملة: فلا يقول مثل هذا في الشيخ ﵀ إلا رجل مكابر، لا يتحاشى من البهت والافتراء، وإلى الله ترجع الأمور، وعنده تنكشف السرائر. [الرد على المعترض في اتهامه للشيخ بأنه لم يتخرَّج على العلماء الأمناء] وأما قوله: (ولم يتخرَّج على العلماء الأمناء) فهذه الدعوى الضالة نشأت من سوء المعتقد وخبث الطوية، وهذا الرجل لا زمام ولا خطام

стр. 39

لأكاذيبه وأباطيله يرسلها حيث شاء، ويكابر أهل العلم ولا يتحاشى. وقد عُرِف طلب الشيخ للعلم ورحلته في تحصيله، كما ذكره صاحب " التاريخ " الشيخ حسن بن غنام الإحسائي، وقد اجتمع بأشياخ الحرمين في وقته ومحدثيها، وأجازه (١) بعضهم ورحل إلى البصرة - وسمع وناظر - وإلى الإحساء وهي إذ ذاك آهلة بالعلماء؛ فسمع من أشياخها، وباحث في أصول الدين ومقالات الناس في الإيمان وغيره، وسمع من والده ومن فقهاء نجد في وقته، واشتهر عندهم بالعلم والذكاء، وعرف به على صغر سنه. وأيضًا: فقد كان أهل العلم سلفًا وخلفًا يسمعون الأحاديث ويروونها (٢) ويحفظون السنن ويستنبطون منها الأحكام، وهذا عندهم هو الغاية التي يرحل إليها المحدثون، وينتهي إليها الطالبون، وليس من عادتهم القراءة في كتب الرأي والفروع، كما هو المعروف عند الناس. رحل الشافعي إلى المدينة وسمع " الموطأ "، وتصدَّى للفتيا، وأنكر على من لم يطمئن في صلاته لما دخل مسجد محمد بن الحسن بالكوفة، ولم يُسْمع من مالك ولا غيره كتابًا في الرأي والمذهب، وهكذا غيره من أهل العلم والفتوى. وأما قوله: (كما صحَّ وثبت عن مشايخنا الأمجاد النقاد) . فجوابه: أن هذه الدعوى في مشايخه كل يدعي، فالقدرية، والرافضة،

стр. 40

[٥] والجهمية، والمعتزلة، وغلاة عباد القبور يرون أن مشايخهم أَمْجَاد نُقَّاد، يؤخذ عنهم (١) ويحفظ عنهم؛ ويسمون أهل السنَّة والجماعة وأهل الحديث: حشوية، مجسمة، وناصبة، ومجبِّرة (٢) وعُبَّاد القبور يسمون الموحدين: متنقصة (٣) للأنبياء والصالحين. ويقرِّر ذلك أشياخ كل طائفة، وأتباعهم يرون أنهم بذلك أمجاد نقاد (٤) " ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم " (٥) . قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] [البقرة -١١١] . إذا عرفت هذا: فمشايخ هذا الرجل الذين أثنى عليهم من أكابر المعادين للدين، ورؤوس (٦) المخالفين، وقد عرف ذلك (٧) عن ابن سند وابن سلوم وأمثالهما (٨) من أشياخه الذين كثر في هذا الباب سبابهم، وغلُظَ عن معرفة الله ومعرفة حقّه حجابُهم. [الرد على اتهام المعترض للشيخ بأنه سعى بتكفير للأمة] وأما قوله: (فسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك

стр. 41

جملة إلا من وافقه على قوله (١) . فهذه العبارة تدل على تهوُّر في الكذب، ووقاحة تامَّة، وفي الحديث: " «إنَّ مما (٢) أدرك الناس من كلام النبوة الأولى (٣) إذا لم تستح فاصنع ما شئت» " (٤) وصريح هذه العبارة أن الشيخ كفَّر جميع هذه الأمة من المبعث النبوي إلى قيام الساعة، إلا من وافقه على قوله الذي اختصَّ به، وهل يتصوَّر هذا عاقل عرف حال الشيخ وما جاء به ودعا إليه؛ بل أهل البدع كالقدرية، والجهمية، والرافضة، والخوارج، لا يُكَفِّرون جميع من خالفهم، بل لهم أقوال وتفاصيل يعرفها أهل العلم. والشيخ ﵀ لا يعرف له قول انفرد به عن سائر الأئمة، بل ولا عن أهل السنَّة والجماعة منهم، وجميع أقواله في هذا الباب - أعني ما دعا إليه من توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العمل والعبادات - مجمع عليه عند المسلمين، لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم، وعدل عن منهاجهم، كالجهمية، والمعتزلة، وغلاة عُبَّاد القبور؛ بل قوله مما أجمعت عليه الرسل، [٦] ، واتفقت عليه الكتب، كما يعلم ذلك بالضرورة من عرف ما جاءوا به وتصوره، ولا يُكَفِّر إلا على هذا الأصل بعد قيام الحجة المعتبرة، فهو في ذلك على صراط مستقيم متبع لا مبتدع.

стр. 42

وهذا كتاب الله وسنَّة رسوله، وكلام أصحاب رسول الله عيَن ومن بعدهم من أهل المعلم والفتوى معروف مشهور مقرر في محله في حكم من عدل بالله وأشرك به، وتقسيمهم للشرك إلى أكبر وأصغر؛ والحكم على المشرك الشرك الأكبر بالكفر (١) مشهور عند الأمة لا يكابر فيه إلا جاهل لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم، وما جاءت به الرسل. وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف غير واحد من أهل العلم، وحكى الإجماع عليها، وأنها من ضروريات الإسلام، كما ذكره تقي الدين ابن تيمية، وابن قيم الجوزية، وابن عقيل، وصاحب " الفتاوى (٢) البزازية "، وصنع الله الحلبي، والمقريزي الشافعي، ومحمد بن حسين النعمي الزبيدي، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، ومحمد بن علي الشوكاني، وغيرهم من أهل العلم. [الرد على المعترض في قوله عن الشيخ وجعل بلاد المسلمين كفارًا] وأما قوله: (وجعل بلاد المسلمين كفارًا أصليين) . فهذا كذب وبهت، ما صدر ولا قيل، ولا أعرفه عن أحد من المسلمين فضلًا عن أهل العلم والدين؛ بل كلهم مجمعون على أن بلاد المسلمين لها حكم الإسلام في كل زمان ومكان. وإنما تكلَّم الناس في بلاد المشركين، الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين، ويجعلونهم أندادًا لله ربِّ العالمين، أو يسندون إليهم التصرف والتدبير كغلاة القبوريين، فهؤلاء تكلم الناس في كفرهم وشركهم وضلالهم، والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم: أن من فعل

стр. 43

ذلك ممن يأتي بالشهادتين يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردَّة ولم يجعلوه كافرًا أصليًّا، وما رأيت ذلك لأحد سوى محمد بن إسماعيل في رسالته تجريد التوحيد المسمى: " بتطهير الاعتقاد " (١) وعلَّل هذا القول: بأنهم لم يعرفوا ما دلَّت عليه كلمة الإخلاص، فلم يدخلوا بها في الإسلام مع عدم العلم بمدلولها، وشيخنا لا يوافقه على ذلك. ولكن هذا (٢) المعترض لا يتحاشى من الكذب ولو كان من الميتة والموقوذة والمتردية، وما رأيت شيخ الإسلام أطلق على بلد من بلاد (٣) المنتسبين إلى الإسلام إنها بلد كفر، ولكنه قرر أن دعاء الصالحين وعبادتهم بالاستعانة والاستغاثة والذبح والنذر والتوكل، على أنهم وسائط بين العباد وبين الله في الحاجات والمهمات، هو دين المشركين وفعل الجاهلية (٤) الضالين من الأميين والكتابيين، فظنَّ هذا أن لازم قوله أنه يحكم على هذه البلاد (٥) أنها بلاد كفر، وهذا ليس (٦) بلازم، ولو لزم، فلازم المذهب ليس بمذهب، ونحن نطالب الناقل بتصحيح نقله. نعم؛ ذكر الحنابلة وغيرهم أن البلدة التي تجرى عليها أحكام الكفر، ولا تظهر فيها أحكام الإسلام بلدة كفر؛ وما ظهر فيها هذا وهذا

стр. 44

فقد أفتى فيها شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه يراعى فيها الجانبان (١) فلا تعطى حكم الإسلام من كل وجه، ولا حكم الكفر من كل وجه، كما نقله عنه (٢) ابن مفلح (٣) وغيره. وقوله: (فلا تؤكل ذبائحهم عنده (٤) ولا تحل نساؤهم) . فهذا من نمط ما قبله، والشيخ (٥) لا يمنع من ذبيحة الشخص المعين إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ودخل في الإسلام، ما لم يأتِ بمانع يمنع من حل ذبحه، وكذا حكم النساء، فكيف يقول ذلك في أهل بلد وأهل قرية لا يعلم تفاصيل أحوالهم وما يجري منهم من النواقص (٦) إلا الله عالم الغيب والشهادة. وأما القتال: فلم يقاتل إلا أصل الإسلام، والتزام مبانيه العظام، ومن نقل عنه أنه قاتل على غير ذلك فقد كذب وافترى، على أن بعض العلماء يرى القتال على ترك بعض الواجبات (٧) . فكيف بما أجمع عليه سلف الأئمة وأئمتها؟ .

стр. 45

وأما قوله: (ولا يُجَوِّز السفر إليهم حتى منع (١) السفر إلى جميع بلاد الإسلام) . فيطالب أولا (٢) بتصحيح هذا؛ فإن صحَّ فللسلف كلام معروف في السفر إلى ما (٣) ظهر فيه شيء من شعار الكفر والفسوق لمن لم يقدر على [٨] إظهار دينه، وللقادر أيضًا كما يعرفه أهل العلم والفقه، وقد منعوا من السفر إلى بلد تظهر فيها البدع لمن خشي الفتنة، فكيف ببلد يدعى فيها غير الله ويستغاث بسواه، ويتوكَّل على ما (٤) عبد معه من الإلهة؛ بل لقد صرَّح غلاة عباد القبور بأن لمشايخهم شركة في التدبير والتصريف وبعضهم يقول: (وُكِلَ إليهم تدبير العالم) كما رأيناه وسمعناه من طوائف كثيرين (٥) ؛ وقد حكاه عنهم شيخ الإسلام في مِنْهَاجِهِ (٦) . فماذا على شيخنا رحمه الله تعالى لو حمى الحمى وسدّ الذريعة وقطع الوسيلة؟ . لا سيّما في زمن فشا فيه الجهل وقبض العلم، وبَعُد العهد بآثار النبوة؛ وجاءت قرون لا يعرفون أصل الإسلام ومبانيه العظام، وأكثرهم يظن أن الإسلام هو التوسل بدعاء الصالحين، وقصدهم في الملمات والحوائج، وأن من أنكره جاء بمذهب خامس لا يعرف قبله.

стр. 46

فإذا كان الحال هكذا فأي مانع من قوله؟ وأي دليل يجيز السفر إليهم ويبيحه مطلقًا؟ هذا لا يقوله إلا جاهل بأصول الشريعة ومدارك الأحكام، ومن القواعد المهمة: " سد الذريعة، وقطع الوسيلة المفضية إلى محظورات الشريعة ". فكيف بالكفر الذي لا ساحل له؟ وقد ابتلينا بهؤلاء المعترضين الجهال الذين لا يعرفون قواعد الملة والشريعة، ولا يستصعبون الأصول فيما يبدونه أو يحكونه من النقول. وهذا اغتراب الدين من لك بالتي ... كقبض على جمر فتنجو من البلا ولو أن عينا ساعدت لتوكفت ... سحائبها بالدمع ديمًا هطلا ولكنها عن قسوة القلب قحطها ... فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا (١) . [مناقشة المعترض في مسألة أخذ أموال المحاربين وحكم الفيء والغنيمة] وأما قوله: (فإذا تولَّى بلدًا قهرًا من بلاد محاربيه جعلها بزعمه فيئًا بيت مال له ولعياله وأتباعه؛ يزعم بذلك أنه يفعل فعل الصحابة ﵃ بالشام والعراق وغيرها من بلاد المسلمين) . والجواب أن يقال: هذه العبارة عبارة جاهل بالحال والواقع، جاهل [٩] بالأحكام الشرعية. والشيخ ﵀ ما اختص بشيء من ذلك له ولا (٢) لعياله، بل هم كسائر المسلمين، يأكل أحدهم من الزكاة (٣) بفقره (٤) وحاجته وجهاده، ومن الفيء بحسب غناه في الإسلام ونفعه لأهله ومقامه

стр. 47

فيه، وغيرهم أحظ (١) وأكثر، وأمر هذا المال إلى ولاة (٢) الأمور والأئمة. هذا حقيقة الحال. وأما الحكم الشرعي: فمعلوم أن الرسول (٣) ﷺ فتح خيبر، وقسَّمها بين الغانمين، واختصَّ منها بفدك يأكل منها هو وأهله، ثم صارت صدقة بعده بنص الحديث، بيد أبي بكر ثم عمر، ثم دفعها عمر إلى علي والعباس، وهذا أطيب المكاسب وأحلها. قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية [الأنفال -٤١] . وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] (٤) الآية [الحشر -٧] . وقد أخذ الجزية من مجوس هجر وأهل نجران وقسمها بين أصحابه، وسيرته في المغانم (٥) معروفة مشهورة عند أهل العلم، والبحث في حال من أخذت منه وفي دينه: هل هذا الأخذ على الوجه الشرعي والقانون المرضي أولا؛ هذا محل البحث. وأمَّا التشنيع بمجرد (٦) أخذها: فهو حرفة الجاهلين، وطريقة

стр. 48

غير المحصلين (١) وحينئذٍ فيقال: إن كان ما صدر من رؤساء الإحسان والقطيف وغيرهم، ممن أُخذ ماله فيئًا وغنيمة هو الشرك الأكبر وعبادة الصالحين، وهو صريح الرد على الله وعلى رسله (٢) وعلى أئمة الدين، وما قرَّره الشيخ وبيَّنه هو توحيد رب العالمين الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، وأنهم قاموا أشد القيام في رده وإطفائه، وقاتلوا (٣) على ذلك بعد قيام الحجة، واعتراف (٤) كثير من علمائهم بأنه الحق، وأنه دين الله، فلا حرج حينئذِ ولا إثم في أخذ تلك الأموال فيئًا وغنيمة، اقتداء برسول الله ﷺ ، وعملًا بدينه وشرعه (٥) ؛ وإن كان ما عليه من أُخذت أموالهم من عبادة الصالحين، والشرك بالله والإعراض عن دينه، وقتال أهله، ومعاداة من قام به، وهو الإسلام وهو الحق، وهم مصيبون في ذلك على بينة من الله، [١٠] ، فالذم لمن (٦) حكم على أموالهم بهذا الحكم، والعيب له، وتجهيله يتجه ولا يعاب. فالكلام في الأصل الذي تفزع عنه أخذ الأموال، وجعلها فيئًا وغنائم، والمعترض لا يرى أن عبادة الصالحين، ودعاءهم، والتوكل عليهم، والذبح لهم، وتسويتهم بالله في الحب والخوف والرجاء والتعظيم

стр. 49

شرك وضلال (١) يبيح الأموال والدماء بعد قيام الحجة، فلذلك اعترض بأخذ الأموال وجعلها فيئًا؛ بل (٢) ولا يرى ما كانت عليه البوادي من ترك دين الله والإعراض عما جاءت به الرسل، وإنكار البعث والرجوع في الدماء والأموال إلى ما حكمت به أسلافهم وعشائرهم، مع الاستهزاء الصريح بدين الله ورسله، مكفرًا مبيحًا للقتال والمال، وشبهة هذا الضال وإخوانه من قبل أنهم يقولون: لا إِله إلا الله. والعلماء يُكَفِّرون بدون هذا من المكفرات، ويرون أن أموال هؤلاء المرتدين فيئًا، لا يختلفون في ذلك. [الكلام في تكفير أهل الأحداث] وأما قول المعترض: لما رأى في هذه الأمة من الأحداث التي لا تزال موجودة فيها تقل وتكثر، ولا تزال علماؤها تجدد لها دينها من الباب الواسع، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتحاشى عن الدخول عليها من الباب الضيق وهو تكفيرها الذي حذَّر عنه نبيها. . .) إلى آخر عبارته. فالجواب أن يقال: قضية هذا الكلام أن الشيخ إنَّما كفر وقاتل وأخذ الأموال بأحداث لا تزال موجودة في الأمة تقلّ وتكثر، وأنها لا يكفر بها أحد، وأن تكفير الصحابة (٣) لمن كفَّروه من أهل الردة على اختلافهم، وتكفير علي للغلاة، وتكفيره (٤) للسحرة وقتلهم، وتكفير من بعدهم

стр. 50

للقدرية ونحوهم، وتكفير من بعد أولئك للجهمية، وقتلهم للجعد بن درهم وجهم بن صفوان ومن على رأيهم، وقتلهم للزنادقة، وهكذا في كل قرن وعصر من أهل العلم والفقه والحديث طائفة قائمة تكفر من كفَّره الله ورسوله، وقام الدليل على كفره لا يتحاشون عن ذلك؛ بل يرونه من واجبات الدين وقواعد الإسلام وفي الحديث: " «من بدل دينه فاقتلوه» " (١) . ، [١١] وبعض العلماء يرى أنَّ هذا والجهاد (٢) عليه ركن لا يتم الإسلام بدونه. وقد سلك سبيلهم الأئمة الأربعة المقلَّدون، وأتباعهم في كل عصر ومصر، وكفروا طوائف من أهل الأحداث، كالقرامطة والباطنيه، وكفَّروا العبيديين ملوك مصر وقاتلوهم، وهم يبنون المساجد، ويصلون ويؤذون، ويدَّعون نصرة أهل البيت، وصنَّف ابن الجوزي كتابًا سمَّاه: النصر على مصر) (٣) ذكر فيه وجوبَ قتالِهم، وردَّتِهم. وقد عقد الفقهاء في كل كتاب من كتب الفقه المصنفة على مذاهبهم، أبوابًا مستقلة (٤) في حكم أهل الأحداث التي توجب الردَّة، وسماه: باب (٥) الردَّة، وأكثرهم عرَّفوا المرتد: بأنه الذي يكفر بعد إسلامه، وذكروا أشياء دون ما نحن فيه من المكفرات حكموا بكفر فاعلها، وإن صَلَّى وصام، وزعم أنه مسلم.

стр. 51

وقال الشيخ عثمان الحنبلي صاحب " حاشية المنتهى " في عقيدته: (تتمة: الإسلام: الإتيان بالشهادتين مع اعتقادهما والتزام الأركان الخمسة إذا تعينت وتصديق الرسول ﷺ فيما (١) جاء به: (ومن جحد ما لا يتم الإسلام بدونه، أو جحد حكمًا ظاهرًا، أجمع (٢) على تحريمه أو حله) (٣) إجماعًا قطعيًّا، أو ثبت جزمًا كتحريم لحم الخنزير، أو حل خبز (٤) ونحوهما كَفرَ، أو فعل كبيرة، وهي ما فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو داوم على صغيرة، - وهي ما عدا ذلك - فَسَقَ) . انتهى. وهذا يعرفه صغار الطلبة فضلًا عن العلماء الممارسين. وهذا الأحمق يَعُدُّ هذا بابًا ضيقًا، ويسفه رأي الأئمة وعلماء الأمة ويجهلهم، وهو يزعم أنه ينصرهم. وما أحسن ما قيل: لأن يعادي المرء عاقلاً خير له ... من أن يكون له صديق (٥) أحمق والباب الذي يسع كل أحد هو الباب الشرعي، الذي عليه الداعي النبوي.

стр. 52

وأما إهمال الجهاد، وعدم تكفير المرتدين، ومن عدل بربه، واتخذ معه الأنداد والآلهة، فهذا إنما يسلكه من لم يؤمن بالله ورسوله، ولم يُعْنهم أمره، ولم يسلك صراطه، ولم يقدر الله ورسوله (١) . حق قدره، بل ولا قدَّر علماء الأمة وأئمتها حق قدرهم، وهذا هو الحرج والضيق. [١٢] ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] [الأنعام -١٢٥] . والجهاد للمارقين والمرتدين وتكفيرهم داخل في مسمى الإسلام، بل هو من أركانه العشرة، كما نصَّ عليه بعض المحقِّقين، وفي الحديث: " «وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» " (٢) فلا ينشرح له ويراه حقُّا وواسعًا إلا صدر من أراد الله هدايته وتوفيقه، ويراه ضيقًا حرجًا من أراد الله أن يضله ويخزيه بين عباده المؤمنين. هكذا يقرِّر الكلام هنا والقول في هذا الموضع، لا ما زعمه من خسف الله قلبه، فعكس القضية، وراغم الأدلة الشرعية، والقوانين المحمَّدية، فبعدًا لقوم لا يؤمنون. وأما قوله: (أن تكفيرها حذر منه نبيها ﷺ غاية التحذير) . فيقال: إن زعمت أن النبي ﷺ حذر عن تكفير من أتى ما يوجب الكفر ويقتضيه ممن بدَّل (٣) دينه، فهذا مكابرة وجحد للضروريات

стр. 53

والحسيَّات، وقائله إلى أن يعالج عقله أحوج منه إلى تلاوة الآيات والأحاديث، وحكاية الإجماع، وفعل الأمة طبقة طبقة وقرنًا قرنًا. وإن أراد أن النهي (١) عن تكفير عموم الأمة وجميعها: فهذا لم يقله أحد، ولم نسمع به عن (٢) مارق ولا مبتدع، وهل يقول هذا من له عقل يدرك به ويعرف ما في الأمة من العلم والإيمان والدين؛ وأما بعض الأمة فلا مانع من تكفير من قام الدليل على كفره كبني حنيفة، وسائر أهل الردَّة في زمن أبي بكر، وغلاة القدرية والمارقين الذين مرقوا في زمن علي ﵁ وغلوا فيه، وهكذا الحال في كل وقت وزمان، ولولا ذلك لبطل الجهاد وترك الكلام في أهل الردة وأحكامهم، وفي ضمن هذا القول ما تقدم من تسفيه جميع الأمة، وتجهيل علمائها الذين كفَّروا بكثير من الأحداث والمكفِّرات، وفيه: (أنهم لم يسلكوا الطريق الواسع، ولم يفهموا الحديث عن نبيهم) . وبالجملة: فهذا المعترض مموَّه بلفظ الأمة مُلَبِّس. قال تعالى في ذم هذا الصنف من الناس: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] [البقرة -٤٢] . وهذا من أعظم اللبس والخلط والتمويه، والأمة تطلق ويُراد بها عموم أهل الدعوة، ويدخل فيها من لم يستجب لله ورسوله، وتطلق أيضًا [١٣] ، ويُراد بها أهل الاستجابة المنقادين لما جاءت به الرسل، ومن لم يُفَصّل ويضع النصوص مواضعها فهو من الجاهلين الملبسين، بل هو ممن صدَّ

стр. 54

عن سبيل الله وصدف (١) عن آياته. قال تعالى: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٧] [الأنعام -١٥٧] . [كل الطوائف يصنفون الكتب لنصرة مذاهبهم] وأما قوله: (قد بسطنا القول في كتابنا: " غسل الدرن عما (٢) ركبه هذا الرجل من المحن "، وفي كتابنا: " تبصرة أولي الألباب ") . فكأن المعترض يتمدح وينوه بأن له كتابا في الرد على شيخنا ﵀ (٣) . فيقال: كل مبتدع وضال من سائر الطوائف على اختلاف نحلهم وتباين مذاهبهم يصنفون الكتب في نصر أقوالهم ونحلهم, فالرافضة والجهمية, والخوارج وعباد القبور, ومن يقول: إن الأولياء يتصرفون في العالم. والقائلون: بأن الله ثالث ثلاثة وأمثالهم من المبتدعة والمشركين والمعطلة يصنفون الكتب في نصر مذاهبهم, ويسمونها بأسماء مستحسنة تمويهًا على الجهال, وفيها الداء الدفين؛ والكفر الواضح المستبين, فالنصارى سموا ما أحدثوه في هذه الأعصار (٤) من التبديل والتغيير: " العهد الجديد " وسموا: " الأمانة الكبرى ". وسمى بعض من صنف في الفلسفة ومخالفة كتابه: " رسائل إخوان الصفا " وسموا ما صنف في عبادة النجوم بـ " السر المكتوم ". وبعض غلاة القبوريين

стр. 55

يسمى ما صنف في إسناد تدبير العالم إلى الأولياء بـ " كرامات أولياء الله ". وسمى ابن عربي كتابه في الاتحاد: " الفتوحات المكية " وآخر سماه بـ " الفصوص "، وصنف أبو حامد الغزالي كتابه المعروف، وسماه: " إحياء علوم الدين " وقد أمات به من أصول الدين ودعائمه ما يعرفه من عرفه، وصنَّف محمد بن زكريا المتطبب كتابه في الطعن على الأنبياء، وردَ عليه أبو حاتم الرازي المتكلم. وهذا التلبيس لا يروج على من عرف الحقائق، وهذا الرجل يتمدح بما لا يجدي (١) . وقد ردَّ أمثاله من الضالين على شيخ الإسلام وإخوانه الموحدين، فما زادهم ذلك إلا شرفًا وعزًّا، وشهادة بصحة ما هم عليه: والضد يظهر حسنه الضد (٢) ... وبضدها تتبين الأشياء وللشيخ أسوة بأئمة الهدى، وسادات الأولياء، وما أحسن ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لو لم تكن لي في القلوب مهابة ... لم تكثر الأعداء في وتقدح كالليث لما هيب خط له الزبى ... وعوت لهيبته الكلاب النبّح يرمونني شزر العيون لأنني ... غلَست في طلب العلا وتصبحوا (٣) وقال أبو الطيب:

стр. 56

وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل (١) وقال حسان ﵁ (٢) . أتهجوه ولست له بكفء ... فشرُّكما لخيركما الفداء وأحسن من هذا كله قوله تعالى (٣) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] [الأنعام -١١٢] والآية بعدها. فكيف يفتخر هذا الجاهل بالرد على شيخ الإسلام؟ .

стр. 57

[فصل بيان مقصود الشيخ لا يستقيم إسلام أحد إلا بمعادة المشركين] فصل قال المعترض: (والمقصود هنا ذكر عبارات (١) لهذا المكفر بعينها؛ مما نقلناه من خطه بيده وجدناه عند أكابر دعاته ممن أدركناه؛ وذلك [أبعد] (٢) عن دعوى الافتراء عليه ممن ينتمي إليه، وجعلت على نفسي عهدًا وميثاقًا محققًا أني لا أذكر عنه إلا ما تحقَّق كتحقيق الشمس عن الفيء، إذ المقصود من ذلك طلب الحق ودفع الباطل، حيث بقي على هذا التكفير أتباعه ونصروه، توضيحًا منا للحق، لأن " الدين النصيحة ") . فالجواب أن يقال: قد صنع في أكثر العبارات التي نقلها ما صنعت اليهود من التحريف لألفاظها، وإسقاط بعضها وتغييره، فسرى هذا الداء إليه، كما ستقف إن شاء الله عليه (٣) . وإذا اجتمع الجهل والهوى، فقد استحكمت أسباب الهلاك والردى، وأحاطت بصاحبهما (٤) موجبات الضلال والشقى.

стр. 58

وهذا العهد الذي جعله على نفسه، نقضه وغدر في أول عبارة (١) وما بعدها، و " «لكل غادر لواء يوم القيامة» "، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المعادين لأوليائه، الطالبين العنت للبرآء. قال المعترض نقلًا عن الشيخ: (قال في المواضع التي تكلَّم بها (٢) على السيرة - بعد كلام له سبق -: " فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحَّد الله تعالى وترك الشرك، إلا بعداوة [١٥] المشركين؛ والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية [المجادلة -٢٢] . قال: فإذا فهمت ذلك فهما جيدًا عرفت أن كثيرًا ممن يدَّعون الدين لا يعرفونها، وإلا فما الذي حمل المسلمين (٣) على الصبر على ذلك العذاب وإلا سر والضرب والهجرة إلى الحبشة " إلى آخر كلامه. قال المعترض: فنقول أولًا: ينظر في هذا الكلام وتأصيله، فيقال: من هم هؤلاء الكفار أهل (٤) الشرك الذين هم ككفار قريش والحبشة، الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة وأشباههم كأهل الكتاب وعبدة الأوثان، الذين نهيت عن موادتهم وكفرت بها، وأُنزلَت عليهم الآية الكريمة لديك: أتُراهم أمة محمد ﷺ المتقدم ذكرهم، الذين قد عمروا المدارس في أقطارهم

стр. 59

وأمصارهم، ونصبوا القضاة، وشيدوا المنار (١) على مساجدهم لداعي الفلاح آناء الليل وأطراف النهار، ظاهرين مظهرين لذلك، قد بذلوا عليه الأموال والأنفس، يجاهدون عليه من أنكره من أهل الكتاب وغيرهم، حتى بنجد قد شيدوا منارها بعلمائها، ولا والله نعلم إلا ما شاء الله على مساجدها وأئمتها ومدارس قرائها (٢) ومساقيها وسرجها أوقافًا إلا من هؤلاء الذين كفَّرهم هذا الرجل، ويسميهم بالكفار أهل الجاهلية) . والجواب أن يقال: لا بدَّ من ذكر كلام الشيخ ليتبين مراده، ويعرف ما في كلام هذا المعترض من التحريف والحذف لما يبين مراد الشيخ وموضوع كلامه. قال الشيخ (٣) (الموضع الثاني: أنه ﷺ لما قام ينذرهم عن الشرك ويأمرهم بضده وهو التوحيد؛ لم يكرهوا ذلك واستحسنوه وحدَّثوا أنفسهم بالدخول فيه؛ إلى أن صرَّح بسب (٤) دينهم، وتجهيل علمائهم، فحينئذٍ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا؛ ومعلوم أنه ﷺ لم يشتم عيسى وأمه ولا الملائكة ولا الصالحين؛ لكن لما ذكر أنهم لا يُدعون (٥) ولا ينفعون ولا يضرون؛ جعلوا ذلك شتمًا، فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام [١٦] ، ولو وحَّد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة

стр. 60

والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المجادلة: ٢٢] (١) الآية [المجادلة -٢٢] . فإذا فهمت هذا فهمًا جيدًا عرفت أن كثيرًا من الذين يدَّعون الدين لا يعرفونها ولا يفهمونها، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجرة إلى الحبشة مع أنه ﷺ أرحم الناس، ولو يجد لهم رخصة لأرخص لهم، كيف وقد أنزل الله عليه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] (٢) الآية [العنكبوت -١٠] . فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه إذا أوذي فكيف بغير ذلك؟) . انتهى كلام الشيخ ﵀. وقد حذف منه المعترض أوله؛ لأن فيه التصريح بأن العداوة المطلوبة ذكر آلهتهم بأنهم لا يُدعون (٣) ولا ينفعون ولا يضرون، وأن من لم يصرح بذلك (ويعاديهم، ويتبرَّأ منهم ويبغضهم) (٤) ويعتقده ويدين به، لا يستقيم له إسلام، وهذا هو الحق؛ بل هو من مدلول كلمة الإخلاص؛ وهو حقيقة التوحيد، فلو وحَّد الله بعبادته ولم يشرك به، لكنه لم يأتِ (٥) بهذا ولم يعتقده، لم ينتفع بتوحيده وعدم شركه، وهذا

стр. 61

حق لا شك فيه، والآيات تدل عليه، وتشهد له، وهذا المعنى دلَّت عليه كلمة الإخلاص تضمنًا؛ وهو ظاهر بحمد الله. والمعترض حذفه عمدًا، وأخذ وسط العبارة، وقصده الترويج والتمويه، (وقد ورد حديث مرفوع: " «لا يستقيم إيمان عبد حتى تستقيم جوارحه» (١) ") (٢) وكذلك قول الشيخ في آخر كلامه: (فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه إذا أوذي فكيف بغير ذلك) ؛ وأن هذا يدل على أن الكلام فيمن لم يصرح بعيب آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، والتصريح لهم بذلك، وهو غاية العداوة والبغضاء، فحذف هذا المعترض أول الكلام وآخره ليروج ويلبس، وهذا من نوع التحريف والإلحاد ولي الألسن، وهو حرفة يهودية ورثها من ورثها. وقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] [النحل -١٠٦] . والإكراه له صور (٣) خاصة قولية لا فعلية (٤) وما عداها فلا رخصة فيه، والآية عامة يدخل فيها دخولًا أوليًّا (٥) من لم يعب دين المشركين،

стр. 62

وأن آلهتهم لا تنفع ولا تضر، لأنه إذا لم يصرِّح بذلك فهو كاتم لما تضمنته كلمة الإخلاص من النفي، ولا رخصة في الكتمان إلا بشرطه المتقدِّم؛ وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، والمعترض من الغافلين عن هذه (١) المباحث الدينية، أو ممن أضلَّه الله على علم، وقد غدر بميثاقه الذي جعله على نفسه بحذف أول العبارة وآخرها، لأنه تبديل وتغيير (٢) لكلام الشيخ، وسيأتيك من أخواتها ما هو من أعجب العجاب، فالحمد لله على معرفة الحق والصواب. واعلم أن هذا المعترض لم يتصور حقيقة الإسلام والتوحيد؛ بل ظن أنه مجرَّد قول بلا معرفة ولا اعتقاد (٣) وإلا فالتصريح بالشهادتين والإتيان بهما ظاهرًا هو نفس التصريح بالعداوة والبغضاء، وما أحسن ما قيل: وكم من (٤) عائب قولاً صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم (٥) (ولأجل عدم تصوره أنكر هذا، ورد إلحاق المشركين في هذه الأزمان بالمشركين الأولين، ومنع إعطاء النظير حكم نظيره، وإجراء الحكم مع علته، واعتقد أن من عبد الصالحين ودعاهم وتوكل عليهم وقرَّب لهم القرابين مسلم من هذه الأمة، لأنه يشهد أن لا إله إلا الله ويبني المساجد ويصلي، وأن ذلك يكفي في الحكم بالإسلام ولو فعل ما فعل من الشركيات، وحينئذٍ فالكلام مع هذا وأمثاله في بيان الشرك الذي حرَّمه

стр. 63

الله ورسوله، وحكم بأنه لا يغفر، وأن الجنة حرام على أهله، وفي بيان الإيمان والتوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وحرَّم أهله على النار، فإذا عرف هذا وتصوره تبيَّن له: أن الحكم يدور مع علَّته، وبطل اعتراضه من أصله، وانهدم بناؤه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] (١) [المائدة -٧٢] . وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] (٢) [يونس -١٠٦] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] [المؤمنون -١١٧] . وقال تعالى حاكيًا عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدت مع الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] [الشعراء -٩٧ - ٩٨] . ومعلوم أنهم ما سووهم بالله (٣) في الخلق والرزق والتدبير، وإنما هو في المحبة والخضوع والتعظيم والخوف والرجاء، ونحو ذلك من العبادات. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (٤) [البقرة / ١٦٥] .

стр. 64

وهذا حب عبادة وتأله وتعظيم؛ ولهذا (١) ونحوه كفَّرهم الله تعالى (٢) وأباح دماءهم وأموالهم ونساءهم لعباده المؤمنين حتى يسْلموا، ويكون الدين كله لله، فالنزاع في هذا. فمن عرف هذا الشرك وحقيقته، وعرف مسمى الدعاء لغة وشرعًا، وعرف أن تعليق الحكم في هذه الآيات على الشرك والدعاء يؤذن بالعلة (٣) تبيَّن له الأمر، وزال عنه الإشكال، ومن يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل (٤) فلا هادي له. فمن عبد غير الله، وعدل بربه، وسوَّى بينه وبين غيره في خالص حقه: صدق عليه أنه مشرك ضال غير مسلم، دهان عفر المدارس، ونضب القضاة، وشيَّد المنار، ودعا بداعي الفلاح، لأنه لا يلتزمه، وبَذْلُ الأموالِ، والمنافسة على صورة العمل (٥) مع ترك حقيقته لا تقتضي الإسلام؛ ولأهل الكتاب في عمارة البِيَعِ والكنائس والصوامع اجتهاد عظيم، ومحبة شديدة. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] (٦) [المائدة / ٦٨] .

стр. 65

قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩] (١) [التوبة / ١٩] . وقد أجمع العلماء: أن (٢) الإيمان الذي دلَّت عليه شهادة أن لا إِله إلا الله شرط في كل عمل، فالاحتجاج بهذه الأفعال - أعني بناء المساجد والمدارس ونصب القضاة - لا يصدر إلا عن جاهل أو ملبس. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] [الشورى -١٦] . وأما يمينه الفاجرة على أنه لا يلم على المساجد والمدارس والمساقي (٣) والسرج أوقافًا بنجد إلا من هؤلاء الذين كفرهم هذا الرجل يعني الشيخ. فيقال له: أنت جعلت على نفسك عهدًا وميثاقًا أنك لا تحكي إلا ما ثبت عن هذا الرجل، وتحقَّق كتحقق الشمس عن الفيء، فأين تكفيره واحدًا من أهل الأوقاف، فضلًا عن سائرهم؟ وإذا انتزع الحياء والدين فلا تعجب مما صدر عن عادمهما (٤) من الكذب، ونقض العهود، وموت القلوب. ثم كيف يُتصوَّر أن عاقلًا يكفِّر جميع أهل الأوقاف نجد، وأعصارهم وأزمانهم متطاولة متعاقبة؟ فمنهم من وقفه متقدم على الشيخ [٩١]

стр. 66

بخمسة قرون أو ستة (١) كالوقف الذي ببلدة أُشيقر. وهكذا بعده في كل عصر تحدث الأوقاف وتتجدد، فهل يقول: إن الشيخ كفر أولئك وجزم بكفرهم (٢) من في قلبه أدنى خشية، أو له أدنى عقل ومعرفة؛ وقد صان الله الشيخ عن مثل هذه الجهالات والخرافات، ومن عرف الرجال بالعلم عرف حال الشيخ ورسوخه ومتانة علمه ودينه، وأنه يلحق بأكابر السلف وعلمائهم، وإن تأخَّر عصره، ومثل هذا الاعتراض حكايته تكفي عن رده.

стр. 67

[فصل في الرد على المعترض أن أتباع الشيخ هدموا المنار وخربوا المساجد] فصل قال المعترض: (بل لما جاء أتباعه أَكَلَتِ الأوقافَ رؤساؤهم، ولم يحترموا أوقاف البر، وهدموا المنار، ولم يروها شيئًا وخربت المساجد) (١) فلم تجد من يعمرها إلا من لم يدخل ريبه في قلبه، وعطَّلوا المدارس. والويل ثم الويل لمن استغفر من أتباعه لوالديه (٢) أو ضحَّى لهم) . فالجواب أن يقال: لما فرغ هذا من (٣) سب الشيخ وبهته، أخذ في سبِّ أتباعه وبهتهم؛ وبهذا تعلم أنه ذو غيظ عظيم، وحقد وخيم، وفي المثل: " لكل نعمة حاسد، ولكل حق جاحد ". ثم لو تكلَّم غير هذا الرجل بمثل هذا لكان أخف، وأما هذا الرجل فمعاشه وملبسه ومنكحه ومدخله ومخرجه من الأموال التي بأيدي رؤسائهم، وله في المزاحمة على ما بأيديهم نهمة وشح ليس لغيره، وقد مكث بالجبل (٤) مدة سنين، يأكل مما بأيديهم، وكذلك الحال مدة عمره

стр. 68

في سدير، وله منافسة ومعاداة على (١) تحصيل هذا لا تُعْرَفُ لغيره، وأتباع الشيخ من أعظم الناس احترامًا للأوقاف، ومن أكثر الناس تحبيسًا وتوقيفًا على المساجد والأضاحي والأقارب ووجوه البر؛ لكن الهوى يُعْمِي ويُصِمّ. وأما قوله: (وهدموا المنار) . فهذا أيضًا من البهت، فإن المنار موجود مشيد بنجد إلى الآن، وليس وجود المنار شرطًا في الإسلام ولا واجبًا، وفي استحبابه نزاع، [٢٠] لعدم وجوده في عهده ﷺ . وكان المؤذن يتحرَّى أعلى المسجد وسطحه ليحصل الإسماع، وهذا الرجل تمكنت عداوته واشتدت جهالته، فصرنا منه في عناء وتعب، ولولا غربة الدين وندرة من يعرف الحقائق من المدعين، لما صرفت أوقاتًا فاضلة وساعات مباركة، في ردّ أباطيله (٢) وكشف تساجيله، والله أسأل أن يكون كلامنا في هذه المواضع (٣) من الجهاد في سبيله (٤) والدعوة إلى صراطه بدليله. وقوله (٥) (فلم نجد من يعمرها إلا من لم يدخل ريبه في قلبه) . فيقال: شهادة الحال والحس كافية في بيان كذبه، وإبطال قوله، لأنه جحد للحسيات، ومكابرة في الضروريات، فأهل (٦) التوحيد هم أهل المساجد وعمَّارها.

стр. 69

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] (١) [التوبة -١٨] . وفي حديث وفد عبد القيس: " «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله» . . . " (٢) الحديث (٣) فأهل كلمة الإخلاص الداعون إليها هم أهل الإيمان عُمَّار المساجد، وكل من يرتاب في هذا أو يشكّ فيه لا يألف المساجد ولا يعمرها، وسل خبيرًا بحال هذا الرجل ينبيك عنه وعن قلة عمارته للمساجد. وأما قوله: (والويل ثم (٤) الويل لمن استغفر من أتباعه (٥) لوالديه، أو ضحى لهم) . فهذه القولة الضالة كأخواتها السابقة، فيها من نقض عهده الذي جعله على نفسه، وفيها من البهت والكذب وطلب العنت للبرآء ما يقضي بفسوق القائل، فنعوذ بالله من استحكام الهوى، والضلال بعد الهدى، فـ " «من قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» " (٦) ولا نعلم أنَّ أحدًا من أهل العلم والدين نهى عن الاستغفار والتضحية إلا

стр. 70

إذا استبان أن الشخص الذي يستغفر له من أصحاب الجحيم، بأن مات يدعو لله ندًّا، وهذا نص القرآن. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] [التوبة -١١٣] . هذا مذهب الشيخ وأهل العلم من أتباعه، وأما التخليط والحكم بالظن والهذيان فذاك من طوائف الشيطان يصدهم به عن سبيل العلم والإيمان. وفي قول المعترض: (الذين لم يدركوا دعوته) أنَّ من تقادم عهده، وتطاول عصره داخل في عموم كلامه، وأن الشيخ ينهى عن الاستغفار له، وإطلاق هذا يتناول القرون المفضلة ومن بعدهم، وليس هذا بباع من كذبه وبهته، وحسابه على الله وأمره إليه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] [النحل -١٠٥] . لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة أين ميثاقه وعهده؟ . قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] [الأعراف -١٠٢] .

стр. 71

حلفت لنا أن لا تخون عهودها (١) ... فكأنما (٢) حلفت [لنا] (٣) أن لا تفي وأما قوله: (حتى ما بنجد (٤) من الأوقاف على الحرمين (٥) صرفوها لجهادهم ومساجدهم) . يقال: قد تقدم أنه قال: (وخربت المساجد فلم نجد من يعمرها) . فما هذا التناقض؟ تارة يزعم أنهم يأكلون أوقاف المساجد ويخربونها، ثم يقول: (إنهم صرفوا أوقاف الحرمين لمساجدهم) . ثم انظر: ما نكتة إضافة المساجد إليهم، أتظنه لا يرى صرف الأوقاف لها ولا يرى لها من الحرمة ما لسائر المساجد، فأضافها إليهم استهانة بها لا تشريفًا، فما أشد تعصُّبه، وما أبعد عن الحق مذهبه. ثم يقال: أي وقف أخذه الشيخ من أوقاف الحرمين في أي بلد؟ وأي مكان؟ هذه الدعوى (٦) من أكذب الدعاوى وأضلها. وقد استولوا على الإحسان وفيه وقف للحرمين لم يتعرض (٧) له أحد؛ بل هو يصرف إلى الإيمان في مصرفه، ثم في المسألة بحث في صرف أوقاف المساجد - ولو مسجدي الحرمين - على غيرها إذا اقتضاه مقتضٍ

стр. 72

أو أوجبه مصلحة شرعية، والبحث معروف عند أهل العلم من الحنابلة وغيرهم، فلو فرضنا وقوعه فليس فيه مطعن بوجه من الوجوه، ومن ترك صناعة العلم، وتكلَّم بمجرَّد الرأي والهوى، فليس بمستنكر عليه هذا الخلط والضلال.

стр. 73

[فصل رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل بلاد الحرمين بلاد كفر] فصل قال المعترض: (وذلك لجعله بلاد الحرمين من بلاد الكفار، [٢٢] يوضِّح ما قلنا عمن سمعنا ورأينا وأدركنا، أن من جاءهم من الحرمين سموه مهاجرًا، جاء رجل من مكة يقال له: عبد الرزاق، فسموه مهاجرًا، ومن المدينة جعفر سموه: مهاجرًا، ومن العراق كذلك، ومن كل ناحية من بلاد الإسلام، فهذا الكلام على تأصيل كلامه على الكفار والمشركين الذي (١) أسند حكمه إليهم بالتكفير بموادتهم حتى تعلم أنه كما قيل: أحصد هوى وغمر ماش) هذا لفظه. والجواب أن يقال: هذه كتب الشيخ، وهذه تصانيفه ورسائله: أي كتاب، وأي فتوى، وأي ناقل يعتدّ به نقل عنه أن بلاد الحرمين بلاد كفر؟ . قال الشيخ رحمه الله تعالى في رسالته إلى السويدي البغدادي (٢) (وما ذكرت أنى أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأَزْعمُ أنَّ أنْكِحَتَهم غير صحيحة، فيا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم

стр. 74

أو كافر أو عارف أو مجنون؟) إلى أن قال: (وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسل، ثم بعد ما عرفه سبَّه، ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفِّره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك) . قال ﵀ في رسالته للشريف (١) (وأما الكذب والبهتان مثل قولهم: أنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دشه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن (٢) لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، وكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسو له. وإذا كنا لا نُكَفِّر من عَبَدَ الصنم الذي على " عبد القادر "، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، ولم يكفر ويقاتل؟ (٣) سبحانك هذا بهتان عظيم) . فإذا كان هذا كلام الشيخ ﵀ فيمن عبد الصنم الذي على القبور إذا لم يتيسر له من يعلمه ويبلغه الحجة، فكيف يطلق على الحرمين: إنها (٤) بلاد كفر؟ والشيخ على منهاج نبوي وصراط مستقيم، [٢٣] ، يعطي كل مقام ما يناسبه من الإجمال والتفصيل. وأما تسمية عبد الرزاق وجعفر مهاجرين، فقدوم هذين الرجلين بعد

стр. 75

الشيخ بعدة سنوات فلا يجوز نسبة هذا إليه؛ بل هو كذب ونقض لعهده الذي جعل على نفسه، ويل أمه!! ما أكثر غدره، وما أقلَّ وفاءه. على أن هذا لا يعاب به الشيخ، وهو جارٍ على قانون العلم وأصوله، فمن ترك بلدًا يظهر فيها الشرك أو البدع أو الفسوق وهجرها لذلك فهو مهاجر، شاء الشيطان أم أبى، وقد خرج من المدينة خلق لما حصر عثمان ووقعت الفتنة، والفقهاء ذكروا وجوب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه أو خاف الفتنة، وقد سئل بعض الصحابة فقيل له: أين أنت أيام الفتنة - يعني فتنة مقتل عثمان وما بعده - فأنشد: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوَّت إنسان فكدت أطير (١) . وأما قوله: (كما قيل (٢) حصد هوى وغَمِّر مَاش) فهذا الأحمق قد بحث عن حتفه بظلفه، وفتح على نفسه باب المناقشة، وصاحب الهوى هو الذي يرتكب ما يهواه، ولا يرده عن القبائح راد، ولا يمنعه عن شهواته مانع من عقل أو دين، فحينًا ينتسب إلى المسلمين، ويدَّعي أنه على الملة موافق [لهم] (٣) في العقيدة ويتزين بشرح بعض مصنفات الشيخ، وتارة يرجع عن هذا كله، وينقلب على وجهه، ويأخذ في سبّ الشيخ وأتباعه، (٤) (ويجمع من
следующие страницы →