← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حلفت لنا أن لا تخون عهودها (١) ... فكأنما (٢) حلفت [لنا] (٣) أن لا تفي وأما قوله: (حتى ما بنجد (٤) من الأوقاف على الحرمين (٥) صرفوها لجهادهم ومساجدهم) . يقال: قد تقدم أنه قال: (وخربت المساجد فلم نجد من يعمرها) . فما هذا التناقض؟ تارة يزعم أنهم يأكلون أوقاف المساجد ويخربونها، ثم يقول: (إنهم صرفوا أوقاف الحرمين لمساجدهم) . ثم انظر: ما نكتة إضافة المساجد إليهم، أتظنه لا يرى صرف الأوقاف لها ولا يرى لها من الحرمة ما لسائر المساجد، فأضافها إليهم استهانة بها لا تشريفًا، فما أشد تعصُّبه، وما أبعد عن الحق مذهبه. ثم يقال: أي وقف أخذه الشيخ من أوقاف الحرمين في أي بلد؟ وأي مكان؟ هذه الدعوى (٦) من أكذب الدعاوى وأضلها. وقد استولوا على الإحسان وفيه وقف للحرمين لم يتعرض (٧) له أحد؛ بل هو يصرف إلى الإيمان في مصرفه، ثم في المسألة بحث في صرف أوقاف المساجد - ولو مسجدي الحرمين - على غيرها إذا اقتضاه مقتضٍ

стр. 72

أو أوجبه مصلحة شرعية، والبحث معروف عند أهل العلم من الحنابلة وغيرهم، فلو فرضنا وقوعه فليس فيه مطعن بوجه من الوجوه، ومن ترك صناعة العلم، وتكلَّم بمجرَّد الرأي والهوى، فليس بمستنكر عليه هذا الخلط والضلال.

стр. 73

[فصل رد دعوى المعترض أن الشيخ جعل بلاد الحرمين بلاد كفر] فصل قال المعترض: (وذلك لجعله بلاد الحرمين من بلاد الكفار، [٢٢] يوضِّح ما قلنا عمن سمعنا ورأينا وأدركنا، أن من جاءهم من الحرمين سموه مهاجرًا، جاء رجل من مكة يقال له: عبد الرزاق، فسموه مهاجرًا، ومن المدينة جعفر سموه: مهاجرًا، ومن العراق كذلك، ومن كل ناحية من بلاد الإسلام، فهذا الكلام على تأصيل كلامه على الكفار والمشركين الذي (١) أسند حكمه إليهم بالتكفير بموادتهم حتى تعلم أنه كما قيل: أحصد هوى وغمر ماش) هذا لفظه. والجواب أن يقال: هذه كتب الشيخ، وهذه تصانيفه ورسائله: أي كتاب، وأي فتوى، وأي ناقل يعتدّ به نقل عنه أن بلاد الحرمين بلاد كفر؟ . قال الشيخ رحمه الله تعالى في رسالته إلى السويدي البغدادي (٢) (وما ذكرت أنى أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأَزْعمُ أنَّ أنْكِحَتَهم غير صحيحة، فيا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم

стр. 74

أو كافر أو عارف أو مجنون؟) إلى أن قال: (وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسل، ثم بعد ما عرفه سبَّه، ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفِّره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك) . قال ﵀ في رسالته للشريف (١) (وأما الكذب والبهتان مثل قولهم: أنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دشه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن (٢) لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، وكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسو له. وإذا كنا لا نُكَفِّر من عَبَدَ الصنم الذي على " عبد القادر "، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، ولم يكفر ويقاتل؟ (٣) سبحانك هذا بهتان عظيم) . فإذا كان هذا كلام الشيخ ﵀ فيمن عبد الصنم الذي على القبور إذا لم يتيسر له من يعلمه ويبلغه الحجة، فكيف يطلق على الحرمين: إنها (٤) بلاد كفر؟ والشيخ على منهاج نبوي وصراط مستقيم، [٢٣] ، يعطي كل مقام ما يناسبه من الإجمال والتفصيل. وأما تسمية عبد الرزاق وجعفر مهاجرين، فقدوم هذين الرجلين بعد

стр. 75

الشيخ بعدة سنوات فلا يجوز نسبة هذا إليه؛ بل هو كذب ونقض لعهده الذي جعل على نفسه، ويل أمه!! ما أكثر غدره، وما أقلَّ وفاءه. على أن هذا لا يعاب به الشيخ، وهو جارٍ على قانون العلم وأصوله، فمن ترك بلدًا يظهر فيها الشرك أو البدع أو الفسوق وهجرها لذلك فهو مهاجر، شاء الشيطان أم أبى، وقد خرج من المدينة خلق لما حصر عثمان ووقعت الفتنة، والفقهاء ذكروا وجوب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه أو خاف الفتنة، وقد سئل بعض الصحابة فقيل له: أين أنت أيام الفتنة - يعني فتنة مقتل عثمان وما بعده - فأنشد: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوَّت إنسان فكدت أطير (١) . وأما قوله: (كما قيل (٢) حصد هوى وغَمِّر مَاش) فهذا الأحمق قد بحث عن حتفه بظلفه، وفتح على نفسه باب المناقشة، وصاحب الهوى هو الذي يرتكب ما يهواه، ولا يرده عن القبائح راد، ولا يمنعه عن شهواته مانع من عقل أو دين، فحينًا ينتسب إلى المسلمين، ويدَّعي أنه على الملة موافق [لهم] (٣) في العقيدة ويتزين بشرح بعض مصنفات الشيخ، وتارة يرجع عن هذا كله، وينقلب على وجهه، ويأخذ في سبّ الشيخ وأتباعه، (٤) (ويجمع من

стр. 76

الخرافات والخزعبلات ما لا يصدر عن عاقل ولو كان عدوًّا، وهذا هو الهوى (١) المعمي، والداء العضال القاتل، وقد رأيت له رسالة أرسلها إلى بعض الأعيان من أولاد الشيخ يتمدح فيها بذكر الشيخ ومحبته وموالاته. ويستشهد على متابعة المخاطب بقوله تعالى عن بلقيس (٢) ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] [النمل / ٤٤] . فلما أعرض عنه المخاطب بهذه الرسالة رجع إلى ثلبه وعيبه، وكتب رسالة إلى بعض أمراء الوقت يعيب من أسلم معه لله رب العالمين بزعمه، وكم لها من نظائر، ومتابعة هذا المعترض لهواه يشهد لها ما عليه من الظلمة وعلى أقواله وتأليفه ومدخله ومخرجه، ومن اجتمع فيه ظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة الشك والريب، فقد أحاطت به الظلمات، وحلَّت بداره الهلكات.

стр. 77

[فصل الرد على زعم المعترض أن الشيخ كفر الأمة بالعموم وبحث تجديد العلماء للدين ووقوع الغربة] فصل قال المعترض: (فإذا تنزلنا معه على مذهبه من تكفير الأمة حتى يظهر لك جهله، حيث قال في كلامٍ له يأتي: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس) . اهـ. فيقال لهذا المعترض وإخوانه: قد تقدم أن الشيخ بريء مما نسب إليه من تكفير الأمة، ولا يلزم من قوله: (إنَ التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس) أنه يعتقد كفر الأمة، أو أن الأمة جميعها لا تعرف التوحيد. هذا لا يتحمَّله كلامه، ولا يدل عليه ولا يلزمه. وإظهاره التوحيد للناس حق وصدق، فلم يظهر في وقته وقبله بأزمنة ظهوراً جليا لأهل تلك البلاد إلا بعد دعوته إلى الله، وبيانه للناس ما جاء به نبيهم من الهدى ودين الحق، ولا يمنع أن يكون من الأمة من يعرفه ويدين به، لكن له في الدعوة والبيان والإظهار منزلةً ومرتبةً ليست لغيره من أهل وقته، ولذلك كثر أعداؤه وخصماؤه، واشتغل الجاهلون بالصد عما جاء به، وعظم ذلك في نفوسهم، وخصُّوه بالعداوة، وسالموا كل كافر ومشرك وجهمي ورافضي ومبتدع، وهل ذلك إلا لحنقِ في صدورهم، وغيظٍ في نفوسهم؛ واستكباراَ عن إجابته؛ ولو سَلِموا من ذلك لوجدوا من أعداء دين الله ورسوله المكذبين لرسله من يردُون عليه،

стр. 78

ويصنفون في عيبه وثلبه، والعالم يظهر للناس ما خفى من أصول الدين وفروعه، ولا يقتضي حصر العلم فيه، وإن اشتهر بالدعوة والبيان. وقد خفى التوحيد على طوائف من هذه الأمة في القرن السادس وقبله كما قرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وذكروا مَن غلط في مسمَاه [٢٥] ، من المتكلمين، وأتباعهم ومن جهال الصوفيَّة، كذلك أهل الاتَحاد والحلوليَّة يرون (١) مذاهبهم هي التوحيد، وتوحيد المعتزلة هو الإتيان بأصولهم الخمسة واعتقادها. وقد خاطب شيخ الإسلام بعض الشيوخ في مسألة التوحيد، وبيَّن له توحيد المرسلين وأصل الإسلام، وإن ما يحصل من التألُه والاستغاثة بالشيوخ والصالحين يخالف ما جاءت به الرسل من التوحيد وإسلام الوجوه لله، فعظم أمر هذه المسألة، وقال لشيخ الإسلام: (هذا أعظم ما بينته لنا) أو كما قال. فكيف والحالة هذه يعترض على شيخنا في قوله: (إن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس) . أيظن هذا المعترض أنه على تطاول الأعصار، وممر (٢) الدهور، يزداد الدين ظهوراَ، وقد أخبر نبينا ﷺ أنه يعود غريباَ كما بدأ، فلا بدا من غربته وغربة من يعرفه ويدين به، وهذا من أعلام النبوة كما يشهد له الحس والواقع. قال ابن القيم (٣) ﵀ في الكلام على قوله تعالى:

стр. 79

﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦] (١) الآية [هود / ١١٦] : (الغرباء في هذا العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في هذه الآية، وهم الذين أشار إليهم النبي ﷺ في (٢) قوله: " «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: ومَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» " (٣) وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن عنده: " «طوبى للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل (٤) في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» (٥) . فأهل الإسلام بين أكثر الناس غرباء؛ وأهل الإيمان بين أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنَّة الذين تميزوا (٦) بها عن [أهل] (٧) الأهواء والبدع) (٨) فيهم غرباء، والداعون إليها، الصابرون على أذى المخالفين لهم أشد غربةً، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقُّا فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين.

стр. 80

قال الله تعالى فيهم (١) ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] [الأنعام / ١١٦] . فأولئك هم الغرباء عن (٢) الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم. فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل / سنة رسوله بين هذا الخلق، وهي (٣) الغربة التي مدح رسول الله ﷺ ، وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه " بدأ غريبا (٤) وأنه سيعود غريباً " وأن أهله يصيرون غرباء. وقال الحسن: " المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها للناس حال وله حال) . ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين (٥) غبطهم النبي ﷺ : التمسُّك بالسنَّة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه، وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا طريق ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء ينتسبون إلى الله بالعبوديَّة له (٦) وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا، فلغربتهم بين هذا الخلق

стр. 81

يعدُونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم، وقال النبي ﷺ : " «إنهم النُزَّاع من القبائل» " (١) انتهى. وأما قول المعترض: (ونحن لا نقول بذلك من تكفير الأمة، ولا أنه الذي أظهر دين اللِه ورسوله، بل هو قبله ظاهر قاهر لا يضرّه من (٢) خذله إلى يوم القيامة، كما صح عن النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما) . فيقال: تكفير الشيخ للأمة قد تقدَم البيان في أنه من (٣) أوضاعكم وأكاذيبكم، وتقدَّم نصه بنقل العدول في البراءة منه. وأما عدم (٤) قولك بأنه الذي أظهر دين الله ورسوله، فنعم؛ أنت لا تقول به، ولا يقول به من أعمى الله بصيرته وتحيَّر في ظلمة الجهل والطبع والهوى، فشكَّ في واضحات العلم (٥) وضروريات الهدى، وهذا الضرب من الناس لا يلتفت إليهم، ولا يعدون إذا عُدَّ (٦) أهلُ العلم والإيمان، بل هم همج رِعاع لم يستضيئوا بنور العلم، ولما يلجأوا إلى رُكن وثيق، أقربُ شبهاً بهم الأنعام السارحة، وإنما يعرف الحق والفضل ذووه من أهل العلم بالله ودينه، الذين ينظرون بنور الله،

стр. 82

ويعرفون الرجال بالعلم، فلهم بصيرة بالحقِّ ومعرفةً له أينما كان، ومع من كان. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] (١) [الزمر / ٢٢] . وفي الحديث: " ما جعل الله من نبوَّةٍ إلا كانت بعدها (٢) فترةً " (٣) . وقال الإمام أحمد في خطبته (٤) (الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضلَّ (٥) إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصّرون بنور الله أهل العمى؛ فكم من قتيل لإبليس قد أحْيَوه، ومن ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم) ، إلى آخر كلامه ﵀. وقد شهد أهل العلم والفضل (٦) من أهل عصره أنه أظهر توحيد الله، وجدَّد دينه، ودعا إليه. قال العلامة حسين بن غنَام (٧) ﵀:

стр. 83

لقد رفع المولى (١) به رتبة الهدى بوقت به يعلو الضلال ويرفع (٢) . وذكر في تاريخه عن أكابر أهل عصره أنهم شهدوا له بالعلم والدين، وأنه من جملة المجددين لما جاء به سيد المرسلين، وكذلك أهل مصر والشام والعراق والحرمين تواتر عن فضلائهم وأذكيائهم مدحه والثناء عليه والشهادة له أنه جدد هذا الدين (٣) كما قال شيخنا محمد بن محمود الجزائري رحمه الله تعالى. وأما استدلال هذا المعترض بحديث: " «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» " (٤) . فلم يفقه معناه: فإن الظهور يراد به هنا ظهور (٥) القهر والغلبة للأعداء والمخالفين، وعلو الشأن لا أن الحق والإسلام يزداد بياناَ ووضوحاً إلى يوم القيامة، فإن هذا الفهم (٦) يُردُّ بحديث: " «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ» " (٧) وبحديث (٨)

стр. 84

" «لا يأتي عليكم (١) زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم» " (٢) وأحاديث رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن، وكثرة الهرج، كلها ترد فهم هذا المعترض وتبطله. ولا يقبل ريبه وتفسيره إلا جهَّال جلسائه، وأصحابه الذين (٣) لا يفرقون بين الدر والبعْر، والخبيث والطيب، والميتة والمذكاة ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] فقول المعترض هو المارج الخارج لا قول شيخ الإسلام.

стр. 85

[فصل رد إلزام المعترض للشيخ بتكفير النجاشي ومؤمن آل فرعون ومهاجري الحبشة] فصل قال المعترض: (فظاهر / كلامه هذا (١) أن النجاشي ملك الحبشة [٢٨] ، الذي صلَّى عليه النبي ﷺ بأصحابه ﵃ (٢) حين أخبره جبريل عليه الصلاة (٣) والسلام بموته أنه بكلامه هذا كافر ليس بمسلم، حيث لم يصرِّح بعداوة قومه الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة، وكذلك امرأة فرعون التي قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] [التحريم / ١١] . ومؤمن آل فرعون الذي يكتم إيمانه فهو والنجاشي والصحابة - جعفر وأصحابه الذين (٤) هاجروا إلى الحبشة ﵃ كفار بهذه العبارة، كما ترى عند هذا الرجل، إذا لم يصح إسلامهم على قوله، حيث لم يصرَّح بعداوة الحبشة) . فيقال: الله أكبر، ما أكثر ما في هذه الكلمات اليسيرة من الكذب والظلم والتحريف والجهل.

стр. 86

وجوابها من وجوه: الأول: أن يقال: ليس ظاهر كلامه أن النجاشي ومن ذكر بعده لم يصح إسلامهم. هذا كذب بحت، وافتراء ظاهر؛ لأنه قد ثبت أن النجاشي قد (١) صرح بعداوتهم والبراءة من مذهبهم وراغمهم، زيادة على التصريح بالعداوة، وقد قال: "وإن نخرتم" لما (٢) صرَّح بعبودية عيسى ﵇ حين قرأ جعفر صدر سورة مريم وما فيها من ذكر عيسى، فقال النجاشي: "والله ما زاد عيسى على هذا؛ فنخرت بطارقته فقال: وإن نخرتم"، فأي جهاد وتصريح وعداوة أبلغ من هذا؟ ومع ذلك نصر المهاجرين ومكنهم من بلاده؛ وقال: "أنتم سيوم بأرضي" أي آمنون "من سبكم ندم، ومن ظلمكم غرم" (٣) . فقد صرح بأنه يعاقب من سب دينهم وسفه رأيهم فيه. وهذا قدر زائد على التصريح بعداوتهم. ولا يقول إن جعفرا وأصحابه يكتمون دينهم ببلاد الحبشة، ولا يصرحون بعداوة الكفار والمشركين إلا جهل الورى، وأعظمهم (٤) كذباً وافتراءً، وهل ترك جعفر وأصحابه بلادهم، وأرض قومهم، واختاروا بلاد الحبشة، ومجاورة الأباعد والأجانب، وغير الشكل في المذهب والنسب واللسان، إلا لأجل التصريح بعداوة المشركين، والبراءة منهم جهاراً في المذهب والدين؟ ولولا ذلك لما احتاجوا إلى هجرة، ولا اختاروا

стр. 87

الغربة (١) ولكن / ذلك في ذات الإله، والمعاداة لأجله، وهذا ظاهر [٢٩] ، لا يحتاج لتقرير لولا غلبة الجهل. وامرأة فرعون قصتها، وما جرى عليها من المحنة مشهورة في كتب التفسير، لا يجهلها (٢) من له أدنى ممارسة، وقد حكى الله [في سورة التحريم] (٣) قولها المشتمل على التصريح والبراءة من فرعون وعمله ومن القوم الظالمين، والظلم هنا هو الكفر الجلي. ومؤمن آَل فرعون قام خطيباَ في قومه، عائباَ لدينهم، مفنِّداَ لقيلهم ماقتاً لهم؛ داعياً إلى الحق وإلى صراط مستقيم. كما ذكر الله قصته وقررها في سورة (حم) المؤمن (غافر) . ومن طبع الله على قلبه، وحقت عليه كلمة العذاب، لم تفد فيه الواضحات، ولم ينتفع بالآيات والبينات (٤) . الوجه الثاني: أنه قد تقدَّم عن الشيخ أنه قرَّر في أول كلامه وآخره أن هذه العداوة (٥) لا يستقيم الإسلام بدونها: هي التصريح بأن آلهتهم لا تضر ولا تنفع (٦) وأن عبادتها من أبطل الباطل وأضل الضلال، وهذا هو (٧) سب

стр. 88

آلهتهم الذي أنكروه (١) وعابوا الرسول به. فالكلام في نوع خاص، قد حصل من النجاشي وامرأة فرعون ومؤمن آل فرعون ما هو أبلغ منه وأصرح. الوجه الثالث: أنه لو فرض العموم في كلام الشيخ فأصل العداوة: البغضاء والكراهة، وأصل الموالاة: المحبة والمودة. ومعلوم أن الذين ذكرهم (٢) هذا الرجل قد صرَّحوا بمحبة الحق وكراهة الباطل، كيف وقد امتحن عليه من امتحن، وهاجر فيه من هاجر؟ . الوجه الرابع: أن الشيخ قال: (إذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام [ولو وحَّد الله] (٣) إلا بعداوة المشركين) . فإن أريد أصل العداوة فقد تقدَّم جوابه، وإن أريد عموم العداوة من كل وجه فالكلام في استقامته، لا في حصول أصله، فالذي يفهم تكفير من لم يصرَّح بالعداوة من كلام الشيخ فهمه باطل، ورأيه ضال، لأنه محتمل، وقد دلَّت الآيات والأحاديث على أنه لا استقامة للدين (٤) بل ولا يطلق الإيمان إلا على من عادى المشركين في الله، وتبرأ منهم، ومقتهم لأجله. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية (٥) [المجادلة / ٢٢] .

стр. 89

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] [المائدة / ٥١] . قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] (١) إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١] [المائدة / ٧٨ و ٨١] . قرَر شيخ الإسلام في هذه الآيات أنها دالَّة على انتفاء الإيمان الواجب (٢) بموادة من حاد الله (٣) وأن معاداتهم من واجبات الدين، والإيمان (والإسلام لا يستقيم إلا بها، ذكره في كتاب الإيمان) (٤) وقرره في مواضع منه. وليس مراد الشيخ بقوله: (لا يستقيم له إسلام) ، أنه يكفر كما فهمه هذا الضال وكما فهمته الخوارج من نفي الإيمان عمن ترك واجباَ، وهذا بين بحمد الله. الوجه الخامس: أنا لو تنزلنا مع هذا الضال وجاريناه في فهمه الفاسد لما لزم دخولُ مؤمن آل فرعون وامرأة فرعون. قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] [المائدة / ٤٨] . ولا يلزم أن يكون شرعنا شرعاً لمن قبلنا. الوجه السادس: أن مهاجرة الحبشة والنجاشي وقصته مع جعفر

стр. 90

كانت في أول (١) الإسلام قبل أكمال الواجبات، والآية التي استدلَّ بها الشيخ مدنية، وكل عالم يعرف (٢) أن القرآن نزل منجماً، والأحكامُ لا تلزم إلا بعد البلوغ. هذا لو تنزلنا مع هذا (٣) المعترض. الوجه السابع: أن عموم الآية مخصوص بما أبيح للمفتون في نفسه أن يتوقَّى إظهار الموافقة وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا يلزم عمومها لمثل امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون لو سلمنا عدم التصريح. الوجه الثامن: أن "الإنسان " يطلق ويراد به خاص ومعين؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر: ١٥] [الفجر / ١٥] . وقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] [الإسراء / ٨٣] و [فصلت / ٥١] . وقوله: ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] [مريم / ٦٦] . فهذا ونحوه عام أريد به الخصوص، وهذا معروف في اللغة والاصطلاح الشرعي، مشهور عند أهل العلم مقرر في كتب أصول الفقه. فما الذي أخرج كلام الشيخ عن هذا وأوجب إدخال من ذكر في كلامه لو فرض عدم تصريحهم؟ فالله المستعان.

стр. 91

[فصل في الإقامة بين ظهراني المشركين والتصريح بعداوتهم] فصل قال المعترض: فيالله العجب، ما أعمى عينَ الهوى عن الهدى، [٣١] فإن جعفراً وأصحابه لو سلموا من أذى المشركين، ومنعهم إياهم عن عبادة ربهم، لم يهاجروا للحبشة الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة، فلم تضر إقامتهم عندهم؛ بل نفتهم وصارت هجرة ثانية، وذلك كما قام (١) أبو بكر الصديق ﵁ بين أظهر المشركين، في جوار ابن الدغنة حين أمِن من أذاهم، ولم تضرّه إقامته بين أظهرهم، ولم يكلّفه النبي ﷺ ما كلَّف هذا المتكلم، لو كان كلامه وتأصيله صحيحا، فكيف بما ذكرنا؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. كيف يتكلم الرجلُ بما لا يدري ما تحت كلامه على الله وعلى رسوله وعلى كتاب الله المجيد؟ إذ أي بلد من بلاد الإسلام من أهل القبلة (٢) المحمدية الذي (٣) جعلهم هذا الرجل بكلامه كفاراَ، يمنعون الإنسان من شهادتي الإخلاص، وأداء الفرائض، وتلاوة القرآن، وذكر الله، وتوحيده؛ بل من فعل ذلك عندهم يكون له الإكرام والاحترام؛ إذ هذا خلاصة كلمة التقوى، وهم أحقُّ بها وأهلها) . انتهى.

стр. 92

فيقال لهذا المفتري (١) عماية عين الهوى عن معرفة مواقع الخطاب والهدى هي التي أوقعتك في مهالك العطب والردى، وأوجبت لك مسبة أهل العلم من سادات الورى، وسدت عليك أبواب الرشد والفلاح في الآخرة والأولى. لو عقلت كلام الشيخ وعرفت مواقع الخطاب، وسلمت من الأشر والبَطر والإعجاب (٢) لعرفت أن كلامه ليس في المخالطة والمقام بين ظهرانيهم (٣) ؛ بل هذه المسألة ليس في كلامه تعرُّض لها أصلا، والهجرة إلى الحبشة، ومُقام أبي بكر الصديق يتلو القرآن بمكة ويظهر دينه، كل هذا يؤيد كلام الشيخ وينصره في وجوب التصريح بالعداوة، وأنه لا رخصة مع الاستطاعة، ولولا ذلك لم يحتاجوا (٤) إلى الهجرة، ولو تركوهما في بلد النجاشي لم يحتاجوا إلى نصرته، وأن يقول: "أنتم سيوم بأرضي " ولكان كل مؤمن يخفي إيمانه، ولا يبادي المشركين بشيء من العداوة، فلا يحتاج حينئذ إلى هجرة (٥) بل تمشي الحال على أي حال، كما هي طريقة كثير ممن لم يعرف ما أوجب الله من عداوة [٣٢] المشركين وإظهار دين المرسلين، ولولا التصريح بالعداوة من المهاجرين الأولين، ومباداة قومهم بإظهار الإسلام وعيب ما هم عليه من الشرك وتكذيب الرسول، وجحد ما جاء به من البينات والهدى؛ لما حصل

стр. 93

من قومهم من الأذية والابتلاء والامتحان؛ ما يوجب الهجرة واختيار بلد النجاشي وأمثالها من البلاد، التي تؤمن فيها الفتنة والأذية. فالسبب والمقتضي لهذا كله ما أوجبه الله من إظهار الإسلام، ومباداة أهل (١) الشرك بالعداوة والبراءة؛ (بل هذا هو (٢) مقتضى كلمة الإخلاص، فإن نفي الإلهية عما سوى الله صريح في البراءة) (٣) منه، والكفر بالطاغوت، وعيب عبّاده (٤) وعداوتهم ومقتهم، ولو سكت المسلم ولم ينكر، كما يظنه هذا الرجل، لألقت الحرب وعصاها (٥) ولم تدُرْ بينهم رحاها، كما هو الواقع ممن يدَّعي الإسلام وهو مصاحب ومعاشر لعباد الصالحين والأوثان والأصنام، فسحقاً للقوم الظالمين. وفي قصة أبي بكر حين مُنع من (٦) قراءة القرآن ظاهرا (٧) في مسجده، الذي اتخذه على حافة الطريق يتلو فيه القرآن ظاهرا، وكان رجلا بكاء عند تلاوة القرآن؟ والناس يستمعون إلى قراءته، وفيها ما فيها من تكفيرهم وعيبهم ووعيدهم وسب آلهتهم والبراءة منهم، ومن عبادة ما عبدوه، فنهوه عن ذلك فلم ينته، وثبت على إظهار دينه؛ فأمروه بالخروج، فلقيه ابن الدغنة فقال: " ارجع؛ فمثلك

стр. 94

لا يخرج (١) أنت في جواري " (٢) فمضى على ما كان يصنع من الجهر بالقراءة (٣) وإظهار دينه، وهذا هو مراد الشيخ، وهو الدليل على وجوب التصريح بعداوتهم، فترك المعترض هذا كله، وظن أن إجارة ابن الدغنة تقتضي (٤) عدم العداوة من أبي بكر، وأنه يوالي ابن الدغنة، فما أضلَّ هذا الفهم، «وقد دخل النبي ﷺ في جوار المطعم بن عدي» (٥) أترى هذا يقتضي موالاة النبي ﷺ له (٦) وعدم التصريح بعداوته؟ فكأن الرجل المعترض نبطي لا يفهم موضوع الكلام ولا يحسن الاستدلال، فيستدل بالشيء على ضد ما يدل عليه. ولقد أنسانا بجهله ما سمعناه عن إخوانه الجاهلين، وما أحسن ما قال مجاهد ﵁ (٧) في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] [الأنفال / ٢٤] . قال: "حتى يتركه لا يعقل ".

стр. 95

وأما قوله: (أي بلد من بلاد المسلمين (١) من أهل (٢) القبلة المحمدية الذي (٣) جعلهم هذا الرجل كفارا، يمنعون الإنسان من شهادتي الإخلاص، وأداء الفرائض، وتلاوة القرآن، وذكر الله، وتوحيده؟) . فالجواب أن يقال: في عبارته هنا تحريف ظاهر، فإنه أوقع الموصول المفرد على الجمع، ولم يفرق على عادته في اللحن الفاحش. ويقال أيضا لهذا الظالم: إن الخوارج، وغلاة القدرية، والجهمية والقرامطة، والباطنية، وغلاة الرافضة من الإسماعيلية والنصيرية، وغلاة عبَّاد القبور الذين يرون أن مشايخهم يتصرفون في الكون، كل هؤلاء لا يمنعون من لفظ الشهادتين؛ وأداء الفرائض، وتلاوة القرآن، بل اليهود والنصارى لا يمنعون من ذلك مَنْ دخل بلادهم من المسلمين؛ وبنو حنيفة لا يمنعون من ذلك، وعلى زعم هذا الرجل لا مانع من الإقامة بين [٣٣] ، أظهرهم، ولا هجرة من ديارهم وأماكنهم؛ وهذا القول لا يقوله من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعرف مراد الله ورسوله في الهجرة ويدري سِرَّ ذلك. وهذا الرجل كما ترى في الجهل والسفاهة، ومع ذلك يترشح للرد ويرى نفسه (٤) من طلبة العلم أو من (٥) علماء المسلمين، وهو معدود عند العارفين من الأغبياء الجاهلين.

стр. 96

والأعاجم والفرس الذين يعبدون عليَّا والحسن والحسين، يكتبون (١) المصاحف، ويطبعونها ويشترونها بغالي الأثمان، ويبنون المساجد، ويؤذنون، وأما توحيد الله بالعقل (٢) والعمل فأكثرهم لا يراه، وينكره أشد الإنكار، ويمنع منه، وإنما حدث الشرك بأمرهم ورأيهم وسلطانهم في هذه الأمة، وهم أول من بنى المساجد على القبور وعظموها حتى صارت أوثانا تعبد، وبيوتا يحج لها وتقصد (٣) بل جعلوا لأهلها التصرف (٤) والتدبير والنفع والضر، زعما منهم أن هذا كرامة، وهذا مشهور عنهم سرى في أكثر الأمصار، وعمت به البلوى، حتى رأينا وسمعنا بمصر وغيرها من ذلك ما لا يبقى معه للإسلام أصل يرجع إليه، وصنفوا في ذلك مصنفات يعرفها من له نهمة في طلب العلم وأخبار الناس. " أفيقال: هؤلاء لا يمنعون من توحيد الله وذكره؟ ولولا حجاب الجهل والهوى لما خفى حالهم على هذا المتكلم، ولَمَا قال: (هذا خلاصة كلمة التقوى، وهم أحق بها وأهلها) والله سائله عن ذلك ومجازيه عليه؛ لئن كان أهل الشرك بالله، ومعاداة أوليائه، ومعصية رسوله من المعطلة، وعبَّاد القبور، هم أهل كلمة التقوى، وهم أحق بها وأهلها؛ فلقد ضل حينئذ من أنكر ذلك ومنعه، وكفَّر أهله من السابقين الأولين إلى أن تقوم الساعة، وهذا لازم لقوله، لا محيص عنه.

стр. 97

وبه تَعْرفُ أنَه هو الَّذي لا يَدْري ما تَحْتَ كَلامِه وما خَرَجَ من بَينِ شَفَتيه. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] [الأنعام / ٨٢] . هذا هو الحكم العدل والقول الفصل والحق المبين، لا من جعل [٣٤] ، أهل الشرك بالله ومعاداة أوليائه أهل كلمة التقوى والأحقين بها. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] [الشعراء / ٢٧٧] . ثم ساق المعترض حديث أبي موسى في قصة أسماء بنت عميس مع عمر، وقول النبي ﷺ : " «لعمر وأصحابه هجرة، ولكم هجرتان» " (١) . ثم قال المعترض: (إذا علمت هذا تبين لك خطأ هذا الرجل بأتم بيان، وأوضح برهان، كيف وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] [الأنعام / ١٤٦] . وذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] [المائدة / ١٠٥] . وحديث: " «ائتمروا بالمعروف وانتهوا (٢) عن المنكر» " (٣) الحديث؛ وذكر حديث ابن عمر: " «إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم وكانوا هكذا- وشبك بين أنامله- فالزم بيتك، واملك عليك

стр. 98

لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة أمر نفسك، ودع عنك أمر العامة» " (١) . ثم قال: (فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو واجب مع القدرة على الكفاية حسب مراتبه ودرجاته) . فيقال في جواب هذا: هذه الأحاديث والآيات الكريمات تؤيد (٢) ما قاله الشيخ وتنصره (٣) فإن فضل الهجرة الأولى وما جاء بها يدل على وجوب التصريح بعداوة المشركين وإن لم يكن للمسلمين دولة وشوكة. كحالهم في بدء الإسلام؛ ولذلك (٤) احتاجوا إلى الهجرة، ولو تركوا التصريح بالعداوة وعيب دين المشركين لما احتاجوا إلى ترك أوطانهم، ولكنهم فعلوا ذلك لحاجة المؤمن إلى (٥) إظهار دينه، وخوفه من الفتنة. وبهذا يتبين صواب كلام الشيخ وخطأ المعترض، وأنه قد (٦) عكس القضية في تخطئة الشيخ، والقلب إذا خسف به تصور الحقائق على غير ما هي عليه.

стр. 99

وقد تقدم هذا الجواب. وليس في كلام الشيخ أن المؤمن يؤاخذ بإزر (١) غيره، حتى يرد عليه بقوله تعالى: وَلَا (٢) تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء / ١٥] . بل في كلام الشيخ أن عداوة المشركين وبغضهم (٣) من واجبات الدين، وتاركه ما استقام إسلامه، فأين هذه من هذه؟ لقد أبعدت المرمى، واستحكم عليك الجهل والعمى. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] (٤) [المائدة / ١٠٥] . فسرها حديث أبي (٥) . ثعلبة (٦) . وحديث (٧) . أبي بكر (٨) . وفيهما [٣٥] .

стр. 100

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعل ذلك المؤمن فلا يضره ضلال من ضل إذا اهتدى، وقام بالواجب (١) . . وقوله ﷺ : " «حتى إذا رأيتم (٢) . شحا مطاعاً» " غاية للأمر والنهي، لا أنه لا يجب ابتداءً، فافهمه يستبن لك جهل المعترض. وكذلك حديث عبد الله بن عمر (٣) . هو من هذا الباب، ليس فيه أنه لا يأمر (٤) . ولا ينهى، ولا يظهر دينه، ومن فهم هذا من الأحاديث فهو من الأغبياء الضالين. وأما قوله: (فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كفَّر به هذا الرجل الأمة) - إلى آخره- في عبارته (٥) . خلل، وهي خطه بيده وكان الصواب (٦) . أن يقول: (الذي كفر بتركه) ، لا به. فتأمل. ويقال في جوابه: خرجت عن محل النزاع، فالنزاع (٧) . في التصريح.

стр. 101

بالعداوة، وأما الأمر والنهي (١) . فهو أمر آخر، وطور ثان، وليس في كلام الشيخ تعرض له، فنسبة التكفير إليه به (٢) . - مع أنه خروج عن موضوع الكلام، وحَيدة عن تحرير محل النزاع - فهو أيضا كذب ظاهر وبهت جلي. مَنْ قال: إن الشيخ كفَّر بهذا؟ ومن نقله؟ وفي (٣) . أي كتاب؟ وفي (٤) . أي رسالة؟ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] [طه / ٦١] . فمن أين , أو أنى , وكيف ضلالهم ... هدى , والهوى شتى (٥) ". بهم متشعب. وإنما أدرج مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مسألة وجوب المعاداة والتصريح بها ليلبس على الجهال، ويتكثر بما ساقه من كلام العلماء، وهو عليه لا له، كما ذكر هو عن القاضي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا لم يخف، هو كذلك لكن هذا يؤيد كلام الشيخ؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع عن التصريح بالدين. وأيضا: فتارك الفرض لا يستقيم له إسلام، والشيخ لم يقل إنه يكفر بترك التصريح بالعداوة، بل قال: (لا يستقيم له (٦) . إسلام) فيصدق بحصول الإسلام مع استقامته، وهذا يجري في كل من ترك واجبا، أو فعل محرما، كما قرره تقي الدين في كتاب "الإيمان ".

стр. 102

فجميع نقوله عن الفقهاء تؤيد كلام الشيخ، وترد دعوى المعترض، لكنه جاهل لا يفهم مراد الله ورسوله، ولم يعان، ويمارس صناعة العلم والبحث مع المحصلين (١) . بل وجد أشياخًا ضالين، وكتبًا شتتت فكره، وضيعت فهمه حتى صار من الخاسرين. ثم أطال النقل عن ابن عقيل وابن مفلح، وذكر ما يروى عن حذيفة ﵁ مرفوعا (٢) " «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ". قيل: كيف يذل نفسه؟ قال ﷺ : " يتعرض من البلاء ما لا يطيق» " (٣) . ومراد هذا الغبي: أن الخوف يسقط إظهار الإسلام والتصريح بعداوة المشركين والبراءة (٤) منهم، حتى التصريح بشهادة الإخلاص. فجعل كلام ابن عقيل وابن مفلح، وما أتيح له من كلام الفقهاء في عدم وجوب الأمر والنهي، على الخائف والعاجز حجَّة على كتمان الإسلام، ومداهنة المشركين، وإظهار موادتهم وصحبتهم (٥) هذا مفهوم كلام (٦) . المعترض، فبُعدًا بُعدًا، وسُحْقًا سُحقًا. وأعجب من هذا أنه جعل الحديث حجة له على موادة المشركين

стр. 103

فجعل معاداتهم ذلًّا، وموادتهم (١) عزًّا، فلا أدري على أي شيء أحسده؟ على هذا الفهم الذكي، أو على ما جمعه من أكاذيب المفتري (٢) وما كنت أظن غباوته تبلغ إلى (٣) هذا الحد. فالحمد لله على ظهور الحق, والتوفيق للصدق. ثم استدل المعترض بكلام شيخ الإسلام على حديث أبي سعيد: " «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» " (٤) إلى آخره، وأن الشيخ ذكر في معناه: أن الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، وليس المراد: أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل. يريد الرجل المعترض أن كلام الشيخ يدل على أنه يكفي في الإيمان المطلق إنكار القلب, ولا يحتاج للتصريح بشيء من واجباته، وهذا رجوع إلى مذهب الجهمية القائلين بأن الإيمان هو التصديق, ولم يدخلوا (٥) التلفظ والعمل في مسماه، وبعضهم قال: (هي شرائط وليست (٦) من المسمى) . وكلام أهل السنَة في تبديعهم، وتضليلهم، وتفسيقهم معروف مشهور. فقول المعترض: (فالإنكار بالقلب فقط، وأقف على أضعف الإيمان

стр. 104

[٣٧] ، في حق القادر) قول باطل؛ فإن الحديث يدل على أنه في حق العاجز يكون أدنى الإيمان الخاص، وأما القادر فليس في الحديث نص على حكمه، وإنما يفهم من أدلة أخرى. وكلام الشيخ على الحديث إنما يدل على انتهاء مراتب هذا الإيمان، وليس مراده أن تاركه يكفر، وهذا المعترض لم يفهم مراد الشيخ ولا حام حول قصده. ومراد الشيخ: أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيمان، وأنه ينقسم بحسب الاستطاعة، وأدناه الإنكار بالقلب، وأعلاه الإنكار باليد، وقوله: "وليس وراء ذلك من الإيمان (" حبة خردل " أي: هذا الإيمان) (١) الذي هو الأمر والنهي والتغيير (٢) هذا مراده. وحينئذ: فهو من أدلة الشيخ على وجوب التصريح بالعداوة، وأنه لا يستقيم للإنسان إسلام وإيمان إلا بالإتيان بالواجبات، فلو اقتصر على أدنى رتب الإيمان مع القدرة على سواها فليس إيمانه بمستقيم، وإن كان مع عدم الاستطاعة والعجز (٣) حصل على أضعف الإيمان، فقد فاتته (٤) الاستقامة الكاملة؛ لأن الأدنى فيه نقص وضعف، والمؤاخذة وعدمها بحثها الاستطاعة وعدمها.

стр. 105

فانظر وتأمل هذا التقرير يطلعك على جهالة المعترض، وأنه بمعزلٍ عن العلم والفهم. ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] [فصلت / ٤٤] . وكلام شيخنا ﵀ محله فيمن استطاع وقدر، وأما مع عدم القدرة ومع الإكراه فيباح للرجل أن يتوقى عن (١) نفسه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] الآية [آل عمران / ٢٨] . على أن الصابر مع الإكراه الباذل نفسه لله أفضل ممن فعل ما يباح وتوقى عن نفسه. إذا عرفت مراد الشيخ ﵀ فهو يطلق الكلام حيث أطلقه الكتاب والسنة ويقيده حيث قيداه، فالمعترض (٢) لم يفهم كلام الشيخ، ولا عرف معاني النصوص ومن وقف على كلامه من أهل العلم عرف ما قلناه، وأنه حيران لا يدري السبيل. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] [الأنفال / ٢٢] . واستدل المعترض بقول الإمام أحمد لمن سأله عن السنَّة تذكر في المجلس لا يعرفها غيره أيتكلم بها؟ فقال: " أخبر بالسنَّة ولا تخاصم عليها " (٣) إلى آخره. وبقول مالك: "أخبر بالسنَّة، فإن لم يقبل (٤) منك [٣٨] فاسكت ".

стр. 106

ومراده: أن السكوت سائغ في أصول الإيمان وفروعه، حتى ما دلت عليه كلمة الإخلاص، ولم يفرق بين ما يسوغ السكوت فيه (١) وما لا يسوغ (٢) . وقول أحمد ومالك صريح في أنه لا يسوغ السكوت، وإنما يترك الخصام بعد التعريف والبيان، وهذا يشهد لكلام الشيخ ويؤيده، فإن (٣) الشيخ ﵀ يأمر بالتصريح والبيان؛ وينهى عن الخصام والمراء والهذيان. والرسل عليهم الصلاة والسلام (٤) لم يسكتوا عن الدعوة والإبلاغ لما أرسلوا به حيث لم يقبل منهم، بل استمروا على ذلك حتى أتاهم أمر الله. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ - وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤ - ٣٥] (٥) [الأنعام ٣٤، ٣٥] . وأصل الإسلام ومبانيه لها حال وشأن ليس لغيرها من السنن؛ ولذلك يكفر جاحدها، ويقاتل عليها، بل يكفر تاركها عند جمهور السلف بمجرد الترك، أفيسوغ السكوت للعالم عن إبلاغ الجهال وتعليمهم؟ .

стр. 107

قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية [النحل / ١٢٥] . وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] [العنكبوت / ٤٦] . وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) الآية [يوسف / ١٠٨] . وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] [الفرقان / ٥٢.] . وفي (٢) الحديث: " «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» " (٣) . سبحان الله! ما أقبح ما (٤) تلاعب الشيطان بابن آدم. ألا هل عم في رأيه متأمل ... وهل مُدْبر بعد الإساءة مقبل وهل أمة مستيقظون لرشدهم ... فيكشف عنه النعسة (٥) المتزمل فقد طال هذا الغي واستخرج الكرى ... مساويهمو لو أن ذا الميل يعدل

стр. 108

[فصل بيان أن الأحكام تبنى على قواعد وأصول الشريعة لا على ظواهر الأحوال] فصل [٣٩] قال المعترض: (وهذا الرجل (١) خرج في بلد قد (٢) غلب عليها أحكام الإسلام، وشيدوا منارهم لداعي الفلاح؛ وعمروا مساجدهم ومدارسهم بالأوقاف، مظهرين لشعائر الإسلام بعلمائهم؛ فكفَّرهم وحكم على من لم يصرِّح بعداوتهم بالكفر، كما تراه من كلامه صريحا، فلو قدَّر أنهم فعلوا منكرا من الشرك فما دونه كيف يكفر من لم يصرح بعداوتهم؟ إذ لا يكون التصريح إلا باليد واللسان؛ ولم يفعل ذلك جعفر وأصحابه ﵃ (٣) مع الذين جعلوا الله ثالث ثلاثة، وكذلك النجاشي. وهذا ظاهر بحمد الله من الكتاب والسنَّة ظهورا لا خفاء به؛ ضد ما كفَّر به هذا الرجل الأمة لو كان تأصيله صحيحا. كيف وهو (٤) أفسد الفاسد وأبطل الباطل؟) . والجواب أن يقال: تقدَّم مضمون هذا الكلام مكررا، فما وجه إيراده وتكريره؟ وقد مرَّ جوابه بحمد الله مفصلا، ومن أفلس من الحجج

стр. 109

والبينات، أكثرَ من الترداد والهذيان، ولم يذكر هنا من أدلة إسلامهم إلا تشييد المنار، وعمارة المساجد والمدارس بالأوقاف، وقد تقدَّم الجواب عن هذا، وأن بني حنيفة وبني عبيد القداح والمختار بن أبي (١) عبيد؛ بل والتتار عندهم مساجد ومدارس، ولهم صدقات وأوقاف، والإيمان بالله ورسوله، والكفر بالطاغوت، أمر وراء ذلك كله، لا يدركه إلا من سبقت له السعادة، وعقل عن الله خطابه ومراده، مع أن هذا الشيخ لم يُكفِّر من أهل نجد إلا من قام وجدَّ في إطفاء نور الله، وإنكاره توحيده، ومن جحد البعث من بواديهم وأعرابهم، ولم يُكفّر (٢) إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل على الإيمان بالله ورسله، ووجوب الكفر بما عبد من دونه، فالخصومة في الأصل الأصيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما قوله: (مظهرين لشعائر الإسلام بعلمائهم) . فهي عبارة جاهل (٣) فإن العلماء لا يلزم من وجودهم وجود الإسلام في الناس، ولا يلزم من عدمهم عدمه، والأنبياء وجدوا في الأمم السابقة الذين لم يستجيبوا لهم ولم يؤمنوا، ووجد من العلماء (٤) المؤمنين كثير بين أظهر المشركين وهم معدودون (٥) من المستضعفين المعذورين. وإن أراد أن الباء سببية، وأن المراد (٦) أظهروه بسبب العلماء، [٤٠] ،

стр. 110

فأي مزية في هذا لو فرضت صحته؟ مع أن الخصم يمنعه؟ وأحكام الإسلام إنما تؤخذ عن العلماء. وأما قوله: (وحكم على من لم يصرّح بعداوتهم بالكفر) . فهو كذب لم يقل هذا في أهل نجد كافة، ولا في أهل بلد خاصة، بل هو مستمسك (١) بأصل عظيم، وسلطان مبين، وكلامه وتقريره في وجوب عداوة المشركين الذين يحادون الله ورسوله، وليس في كلامه تعرض لأهل البلد التي ظهر فيها، لا تصريحا ولا إشارة، بل كلامه عام، كما أن دليله الذي استدلَّ به (٢) عام، فهو بحمد الله من الراسخين، لا من المتهوكين الجاهلين. وقوله (٣) (فلو قدر أنهم فعلوا منكرا من الشرك فما دونه كيف (٤) يكفر من لم يصرح بعداوتهم؟) . يقال: قد تقدم مرارا أن الشيخ ﵀ لم يُكفر، وإنما قال: (لا يستقيم إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين) ، فأين في هذا تكفيرهم لولا حجاب الجهل والهوى (٥) الذي أورد المعترض موارد الخسار والردى. وقوله: (ولم يفعل ذلك جعفر وأصحابه) .
следующие страницы →