← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ومناطه، بل ظن بجهله أن الاشتراك في العبادة هو العلة؛ ولذلك قاس قياس الأولى، والأمر ليس كذلك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ - لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢] [الأنبياء / ١٠٢ ,١٠١] . وروى بعضهم (١) أن النبي ﷺ قال له: "ما أجهلك بلغة قومك: ما: لما لا يعقل" (٢) لكن يُشْكل على (٣) هذا ما قرره العلامة (٤) ابن القيم ﵀ من أن ابن الزبعرى إنما أراد إلحاق الحكم بالنظير، وإجراء العلة مجراها، لا أنه خفي عليه موضوع "ما"، وإن صح الحديث، فهو صريح في ردِّ ما قاله على كلا التقديرين، وتقرير شمس الدِّين ابن القيم ﵀ يشير إلى أن أصل الحديث ثابت عنده، وهو كذلك، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وشمس الدِّين حجة في النقل. والمقصود بهذا: تحقيق المشابهة بين المعترض وأسلافه، ممن يعترض على كتاب الله ورسله وأوليائه، وحجتهم بحمد الله داحضة، لكن: ربما جرَّ شأن شؤونًا. إذا عرفت هذا: فقول المعترض في آخر نقله: (فمتى يكون هذا في الأمة؟) يشير إلى كفر الجحود والعناد، وهذه القولة صريحة في استبعاد

стр. 527

[٢٢٣] ، وقوع هذا وحصوله في الأمة، كما دلَّ عليه حديث ثوبان وغيره، وظاهر هذا: أن ما حدث من بني حنيفة، والأسود العنسي، والمختار ابن أبي عبيد، وسائر أهل الردة، والقرامطة، والعبيديين ملوك مصر، والتتر الذين يتلفظون بالشهادتين، ومنهم من يصلي، وغلاة القدرية والجهمية، والرافضة، والجبرية وأمثالهم، ونظراؤهم وأشباههم ممن يتكلم بالشهادتين، وينتسب إلى الإسلام، لا يقع منهم كفر الجحود والعناد أبدًا، وإنما هو كفر عمل لا يخرج عن الملة، له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من غير تكفير وقتال، على زعم هذا المفتري، وهذه الفضيحة والخزية القبيحة الدالة على محله من العقل والدين كافية في رد أباطيله، ودحض أساجيله (١) فَلْيَهْن من ذكرنا من أعداء الرسل هذا الحكم القاسط الجائر، المخالف لجميع كتب الله، المناقض لسائر رسله. ومن العجب خفاء هذا الجهل على كثير ممن ينتسب إلى الإسلام ممن يخالط هذا (٢) وأمثاله، ويسمع لهم، ومن أعرض عن كتاب الله، ولم يكن له حظ من نور الوحي، وضياء الرسالة، فهو مستعد لقبول (٣) ما (٤) أوحته الشياطين إلى أوليائها من الجهل والعمى، والضلال عن سبيل الرشاد والهدى.

стр. 528

[فصل في احتجاج المعترض بكلام لابن رجب الحنبلي على مقصده من عدم تكفير من أتى بشرك] فصل قال المعترض: (وقال زين الدين ابن رجب رحمه الله تعالى (١) "ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلمًا، وقد أنكر على أسامة قتله لمن شهد أن لا إِله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره". ثم بين ﵀ أنه إذا كان مسلمًا بالشهادتين ألزم حقوق الإسلام، إلى أن قال: "وبهذا الذي قررنا يظهر الجمع بين ألفاظ (٢) الأحاديث في هذا الباب؛ ويتبين أن كلها حق فإن كلمتي الْإِخلاص بمجردها تعصم (٣) من أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا هذا عين كلامه". انتهى. إذ لولا أنه يكون مسلمًا بهما لم يُلزم شرائع الإسلام (٤) ويُجبر عليها، فإن الكافر لا يجبر على شرائع الإسلام، وإن كان على

стр. 529

قولنا (١) مخاطبًا بها، إلا أنها (٢) لا تصح منه لعدم شرطها، لأن من شرط (٣) صحة شرائع الإسلام، تقدم (٤) الشهادتين، ومن جعل شرائع الإسلام مع الشهادتين (٥) شرطًا لدخول الإسلام وصحته، وأنه لا يكون مسلمًا إلا بذلك كهذا الرجل، فقد (٦) أبعد النجعة، وخالف ما عليه سيد البشر ﷺ وأصحابه، وسلفه الصالح، وسلك طريق الابتداع بتكفير الأمة على أصل هذا المذهب الخبيث. وسيأتي من شبه هذا الرجل من كلامه، أنه عَيْن كلامه، كما ستراه عنه بعينه، وبما ذكرنا يعلم اختلاف الخليفتين الراشدين ﵄ في قتال مانعي الزكاة أنه ليس على كفره بالمنع، بل هل يباح دمه بمنعه أم لا؟ فسلَّم بعد ذلك الفاروق للصدِّيق؛ ولهذا اتفق أهل المذاهب الأربعة في كتبهم أنه لا يجوز قتال مانع الزكاة إلا لمن يفعل بإخراجها كفعل الصدِّيق والخلفاء الراشدين، بأن يخرجها في أصنافها الثمانية أو ما وجد منها، ومن لم يفعل ذلك فنصُّوا على تحريم قبضه لها، فضلا عن أن يقاتل عليها، مع أن قبضه لها بهذه الحالة مبرئ لدافعها بطلبه، توفيرًا للسمع والطاعة، واجتماع الكلمة؟ ووزرها (٧) على قابضها، وبهذا يتبين قول أهل

стр. 530

السنَّة والجماعة وأنَّ أعمال الجوارح يزيد بها الإيمان وينقص، حتى لا يبقى في قلب الإنسان إلا أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، كما في صحيح البخاري من حديث أنس ﵁ (١) بشفاعة النبي ﷺ ، حتى يخرج جل وعلا من قال لا إله إلا الله، كما مر ذكره ذكرناه في كتابنا "غسل الدرن". والجواب أن يقال: إن الله تعالى وتقدس وعد رسله (٢) والذين آمنوا أن ينصرهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة (٣) ولهم سوء الدار، ومن نَصْر الله تعالى لأوليائه وعباده المؤمنين ولشيخنا رحمه الله تعالى خذلان أعدائهم، وعدم تسديدهم، وتهافت أقوالهم وما كساها من الظلمة والتناقض والتدافع، والوحشة التي يعرفها من سلمت فطرته؛ وصح إسلامه، فضلًا عن أهل العلم بشرعه ودينه، فلربنا الحمد، لا نحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه. ويقال لهذا: قد حرفت عبارة زين الدين بن رجب وتصرفت فيها، وأخرجتها عن موضوعها، وأزلت بهجتها: من ذلك قولك عنه: إنه يقول: (ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط) . وقد نزه الله العلامة ابن رجب وأمثاله عن (٤) أن يظنوا برسول الله ﷺ أنه يقبل مجرد القول

стр. 531

، من غير التزام لحقيقته، ولا عمل بمدلوله، وعبارة ابن رجب تدل على أنه يبدأ بالتوحيد في الدعوة والطلب، ولا يقبل قبله عمل من الأعمال، والمقصود من الشهادتين ما دلتا عليه من (١) البراءة من كل معبود سوى الله؛ وأنه هو المعبود وحده لا شريك له، والإيمان بالرسل، والتزام متابعتهم، هذا هو مدلول الشهادتين (٢) وهو الذي دلَّت عليه عبارة ابن رجب، وشيخنا ﵀ أصْل دعوته وجهاده على هذا، وعلى ترك عبادة الصالحين من الأموات والغائبين، ودعائهم مع الله رغبًا ورهبًا، والتوجه إليه والاستغاثة (٣) بهم في الشدائد والملمات، كما كانت تفعله الجاهلية، فهذا الذي جاهد شيخنا عليه، ودعا الناس إلى تركه، وأخبرهم أن الإيمان بالله يناقض هذا ويبطله، فعبارة ابن رجب تشهد لهذا الشيخ بالعلم والمتابعة، خلافًا لما توهمه بعض الجهال والضلال من أن الرسول ﷺ يقبل مجرد القول واللفظ، مع ارتكاب ما ينافيه ويناقضه. ومراد ابن رجب: أنَّ مَن أظهر الإسلام، وتكلم بالشهادتين، ولم يأت منه ما ينافيهما يحكم بإسلامه، ويؤمر ببقية الشرائع، وقد ذكر ابن رجب بعد عبارته: (أنَّ مِن شرائع الإسلام ما يقاتل عليه ويكفر تاركه) . فدل كلامه على أن التزام أركان الإسلام باعتقاد وجوبها (٤) شرط لصحة الإسلام وقبوله في الدار الآخرة، وأما الأحكام الدنيوية فتجري على من أظهر الإسلام ظاهرًا، فإن ظهر منه ما ينافي ذلك حكم عليه بما يقتضيه هذا

стр. 532

المنافي من تكفير أو قتال، وهذا هو الذي دل عليه حديث أسامة وغيره من الأحاديث الدالة على الكف عمن أتى بالشهادتين. ودعواك أنَّ ابن رجب قال: (يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط) دعوى كاذبة، وآحاد العقلاء يتنزه عن هذه العبارة؛ لأنَّ معنى "فقط " لا غير، وحينئذ فمدلولها أنه لا يقبل بقية الشرائع من الأركان الإسلامية والشعب الإيمانية، ولا يظن هذا برسول الله ﷺ من له عقل يميز به ولو كافرًا، فضلًا عن أهل العلم والإيمان. وأما قولك: (ومن جعل شرائع الإسلام مع الشهادتين شرطًا لدخول الإسلام (١) وصحته، وأنه لا يكون مسلمًا إلا بذلك - كهذا الرجل - فقد أبعد النجعة، وخالف ما عليه سيد البشر ﷺ وأصحابه وسلفه الصالح) إلى آخر ما قلت. فهذا القول منك صريح في مخالفة عبارة ابن رجب التي هي مرتبطة بما نقلته (٢) وشرط التزام الشرائع والمباني الإسلامية مجمع على اعتباره في الإسلام المنجي في الدار الآخرة، وكلام ابن رجب الذي ساقه بعد العبارة التي ذكرها المعترض صريح في هذا؛ فإنه قرر ما يقاتل عليه من الشرائع وما يقتل به الفرد المعين، وذكر شيئًا مما يكفر به، وذكر الخلاف في تكفير من ترك أحد المباني، وأما من ترك التوحيد الذي دلَّت عليه شهادة أن لا إِله إلا الله، فقد اتفق العلماء على كُفْرِه ووجوب قتله إن أصر وعاند.

стр. 533

وقال شيخ الإسلام تقيّ الدِّين، لما سئل عن قتال التتر مع تمسكهم بالشهادتين، ولِمَا زعموا من اتباع أصل الإسلام (١) (كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة: المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم؛ فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن (٢) كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، ملتزمين بعض شرائعه (٣) كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر ﵃، فاتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام، عملًا بالكتاب والسنَّة، وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم "شر الخلق والخليقة" (٤) مع قوله: " «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم» "، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب، فأيما (٥) طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات (٦) أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال، أو الخمر، أو الزنا، أو الميسر، أو نكاح

стр. 534

ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها، أو تركها التي يكفر الواحد بجحودها؛ فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذ أصرت على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر، أو الأذان أو الْإِقامة؛ عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر (١) فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها (٢) أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها، وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام (أو الخارجين عن طاعته؛ كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ما بين القوسين (٣) فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين أو خارجون عليه لِإِزالة ولايته؛ وأما المذكورون فهم خارجون عن الْإِسلام بمنزلة مانعي الزكاة؛ وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي ﵁، ولهذا افترقت سيرته ﵁ في قتاله لأهل البصرة وأهل (٤) الشام، وفي قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع البصريين والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت (٥)

стр. 535

النصوص (١) عن النبي ﷺ بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق ﵁ لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج) . انتهى كلامه ﵀. وقال أيضًا في "الرسالة السنية" (٢) (فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه من مرق عن الإسلام مع انتسابه إلى الإسلام والسنَّة، ففي هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام، وذلك بأسباب. منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] الآية [النساء / ١٧١] . وعليّ بن أبي طالب ﵁ حرَّق الغالية من الرافضة، وأمر بأخاديد خُدَّت لهم عند باب كندة وقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس ﵁ مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو (٣) قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة، وكذا الغلو في بعض المشايخ؛ بل الغلو في علي بن أبي طالب بل الغلو في الشيخ عدي ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الْإِلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، وأغثني (٤) وارزقني، واجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب (٥) ". ليعبد

стр. 536

وحده لا يجعل معه إله آخر؛ والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات؛ وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم، يقولون: إنما نَعْبُدُهُمْ (١) لِيُقَربُونَا إلى الله زُلفَى ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ (٢) شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [يونس / ١٨] . فبَعث (٣) الله رسوله (٤) ينهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء (٥) استعانة) وذكر آيات في المعنى تبين هذه القاعدة العظيمة التي ضلَّ بالجهل بها من ضل، وشقي (٦) بإهمالها من شقي. وأما ما زعمه من مخالفة شيخنا لرسول الله ﷺ وأصحابه وسلفه الصالح. فلو كان لهذا المعترض عقل يميز به، وعلم يدري به ما كان عليه (٧) رسول الله ﷺ من تكفير من عبد غير الله، واتخذ معه الآلهة (٨) والأنداد، وسوى بينهم وبينه تعالى وتقدس في الحب والتعظيم، والْإِنابة والتوكل

стр. 537

والدعاء؛ لعرف أنه هو المخالف لما كان عليه سائر رسل الله وأتباعهم إلى يوم القيامة، وأنة يجادل ويناضل عن عاد وثمود وقوم نوح وقوم فرعون وجاهلية العرب، وأمثالهم من الأمم الذين كذَّبوا الرسل ولم يستجيبوا لهم، ولم يلتفتوا إلى ما خلقوا في (١) له، وهذا الصنف من الناس هم أول من اخترع الشرك وابتدع في دين الله؛ وهم الذين أصَّلوا الأصول الخبيثة التي مقتضاها العدل بربهم وتسوية غيره به، ومعاداة أوليائه وحزبه، ونسبتهم إلى ما لا يليق بهم، وهذا هو حقيقة الخبث والرجس والفساد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (٢) [التوبة / ٢٨] . وزعيمهم الذي يناضل عنهم ويجادل (٣) دونهم هو أخبثهم على الإطلاق. قال تعالى: (٤) ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] [غافر ٣٥] . وأما جعله شيخنا ﵀ ممن (٥) يشترط الشرائعَ الإسلامية في الدخول فيه: فهذا باطل، إنما تشترط (٦) المباني ونحوها في صحة الإسلام،

стр. 538

لا في الدخول فيه، وشيخنا ﵀ لم يقل هذا الذي زعمه هذا المعترض، بل هو من جهله وإفكه (١) وضلاله وبهته، والنزاع إنما هو في (٢) شهادة أن لا إِله إلاَّ الله، ولم يمتنع أحد ممن (٣) التزم الإسلام في زمن الشيخ محمد ﵀ عن شيء من شعائر الإسلام وأركانه، حتى يقال: إنه لم يقبل منه (٤) الدخول في الإسلام. فهو ﵀ وإن قاتل على ترك أحد المباني فلم يقل: لا نقبل الإسلام ابتداءً إلاَّ بها؛ ولكن هذا البهت لا يستغرب مع جهالة هذا الرجل، وعدم شعوره بشيء من الحقائق الدينية. وأما قول المعترض: (وبما ذكرنا يعلم اختلاف الخليفتين في قتال مانع (٥) الزكاة أنه ليس على كفره بالمنع؛ بل هل يباح دمه بمنعه أم لا؟ فسلم بعد ذلك الفاروق للصدِّيق) . فيقال لهذا الغبي الجاهل: ما وقع من عمر ﵁ من التوقف في قتال مانعي الزكاة واستدلاله بالحديث على ترك القتال لا يدل (٦) على أنه يرى إسلام تارك الزكاة، وقد ثبت عنه أنه صرح بتكفير تارك الحج ولم يقتله، فمسألة القتال لا تستلزم تكفيرًا، والتكفير لا يستلزم

стр. 539

القتال (١) هذا باعتبار (٢) أصل الخلاف، وقد سلَّم الفاروق للصدِّيق والتزم ما ذهب إليه الصديق من وجوب القتال، وصارت المسألة إجماعية، وإذا أجمعوا على القتال فما المانع من التكفير؟ وقد تقدم كلام شيخ الإسلام في تكفير مانع (٣) الزكاة، وأن الصحابة لم يفرقوا في التكفير والقتال بين من جحد الوجوب، وبين من منعها ولم يؤدها، مع اعترافه بالوجوب. وقال أبو العباس ﵀ أيضًا في الكلام على كفر مانع الزكاة (٤) (والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة؛ بل قال الصدِّيق لعمر ﵄: "والله لو منعوني عَنَاقًا (٥) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب. وقد روي أن طوائف كانوا يقرون (٦) بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة، وهي قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة، وكان من أعظم فضائل الصدِّيق عندهم (٧) أن ثبَّته الله

стр. 540

عند قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله، وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم) . انتهى. وأما قوله: (ولهذا اتفق أهل المذاهب الأربع (١) في كتبهم أنه لا يجوز قتال مانع (٢) الزكاة إلاَّ لمن يفعل بإخراجها كفعل الصدِّيق) . فيقال: من عَرَف جهل هذا الرجل (٣) وعدم أمانته فيما ينقله ويحكيه عن الآحاد فضلًا عن الاتفاق والإجماع لم يلتفت إلى قوله، ولم يصغ له ولا يعتد به إلاَّ جاهل لا يدري ما الناس فيه، وهذه العبارة كذب بحت لم يتفقوا ولم يجمعوا؛ بل اتفقوا على خلافها، وأنَّ أئمة الإسلام يجب عليهم قتال مانع الزكاة حتى يؤديها، وعليهم في ذلك أن يفعلوا (٤) بالمشروع، وهذا مجمع عليه، وقد حكى الإجماع عليه ابن حزم وابن هبيرة في كتابيهما في الإجماع، ومذهب الحنابلة الذي ينتسب إليه هذا المعترض: صريح في وجوب القتال على ذلك، كما يعلمه من وقف على كلامهم، فدعوى هذا الرجل كاذبة خاطئة مع ما في هذه العبارة (٥) من اللحن. فإن المذاهب والاتفاق عليها يعزى (٦) إلى الرجال والقائلين بها

стр. 541

لا إلى الكتب، وباب العدد من الثلاثة (١) إلى العشرة تلزم (٢) مذكرة التاء، وقد حذفها هذا الغبي الذي يترشح (٣) لمعرفة العربية. وقوله: (فنصّوا على تحريم قبضه لها فضلًا عن أن يقاتل عليها) . تقدَّم جوابه (٤)

стр. 542

[فصل في الشفاعة وأنها لمن كان من أهل التوحيد] فصل قال المعترض: (وروى الإمام أحمد بسندٍ صحيح عن ابن عمر وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (١) " «خُيِّرت بين الشفاعة لأمتي وبين أن يدخل شطر أمَّتي الجنة فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفى، ترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للمذنبين المتلوثين (٢) الخطائين» " (٣) وهل هذا الحديث إلاَّ يفيد أنه ﷺ أعطى الشفاعة لقوله: " خيرت فاخترت " وعنه ﷺ أنه قال: " «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» "، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم عن أنس (٤) والجواب أن يقال: ساق هذا المعترض ما ساقه من أحاديث الشفاعة، ومراده أن النبي ﷺ يدعا ويرجى، وتطلب منه الشفاعة (٥) بعد

стр. 543

موته ﷺ ، ويريد أن من منع ذلك فقد أخطأ وضلَّل الأمة، وخطأهم بغير حق، هذا مراده، فسبحان من طبع على قلبه حتى انعكس عليه الأمر، وصار يفهم من النصوص والألفاظ النبوية خلاف ما دلت عليه، فإن من دعا غير الله وأشرك به، وتعلق على الأنبياء والملائكة والصالحين، وجعلهم منتهى طلبه وغاية قصده، أو سوى بينهم وبين الله في خالص حقِّه ليس داخلًا في الحديث، وليس مرادًا به؛ لأن لفظ الأمة في مقام المدح والوعد لا يدخل فيهم أهل الشرك بالله الذين سووا (١) بينه وبين غيره، وعدلوا بربهم، وأنابوا إلى سواه، واعتمدوا على غيره، كحال عبَّاد القبور الذين هم محل النزاع بيننا وبين هؤلاء الضُّلاَّل، وكونه ﷺ اختار الشفاعة أو أعطى الشفاعة لا يدلُّ على أنه يقصد لها ويدعى لها (٢) بعد موته، فإنَّ أصل الشرك هو دعاء الأموات والاستغاثة بهم، وفَرْقٌ بين حال الحياة وحال (٣) الممات. يوضِّح هذا: أنَّ أعلم الخلق به وبدينه وهديه ﷺ لم يطلب أحد، منهم بعد موت النبي (٤) ﷺ منه شيئًا لا شفاعة ولا غيرها، بل نهوا عن استقبال القبر حال الدعاء، فكيف بدعائه ﷺ ؟ ومنعوا المسلم أن يصلي إلى القبر خشية الفتنة، فأحاطوا قبره الشريف بجدار مثلث لئلا يصل أحد إليه، وسيرتهم في قبور أصحابه وصالحي أمته كذلك ينهون عن الدعاء عندها والصلاة وعن قصدها لشيء من ذلك، وعن رفعها واعتياد المجيء

стр. 544

إليها بحيث تكون كالعيد الذي يعتاد في وقت معين هذه سيرتهم. وعُبَّاد القبور ومن نصرهم وحمل لواءهم- كهذا المعترض الضال (١) يحرف أحاديث رسول الله ﷺ ، ويلحد (٢) في معانيها، ويقودها إلى مذهب أهل الشرك والضُّلاَّل، وقد صانها الله عن أن تدل على دعاء غيره (٣) وعبادة سواه، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون. والشفاعة قد صحت أحاديثها وتواترت، ولكنها لا تدل بحمد الله على ما ذهب إليه الغالون المخالفون المبدلون لدين الله، الداعون للأموات والغائبين، السالكون سبيل سلفهم من الجاهلية المشركين من الكتابيين والأميين، فإنهم تعلَّقوا على أندادهم ودعوهم مع الله لأجل الجاه والشفاعة، وأنهم (٤) قد أعطوا الشفاعة. كما حكى الله عنهم ذلك (٥) بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [يونس / ١٨] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر / ٣] . ولهذا نطق القرآن بإبطال هذه الشفاعة التي ظنها المشركون وتعلقوا بها.

стр. 545

قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤] الآية [الزمر / ٤٤ ,٤٣] . وقال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] [الزخرف / ٨٦] . وأصح الأقوال في هذه الآية: أنَّ الاستثناء يرجع إلى المشفوع فيهم، وأن الشفاعة لا تكون إلاَّ لمن كان من أهل التوحيد، ومن معه أصل الإيمان المنافي للشرك (١) ودعاء غير الله، ويُستدل على هذا بحديث أبي هريرة ﵁: قال: " «قلت: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلاَّ الله خالصًا من قلبه» ) (٢) فدعاء الله وحده وإسلام الوجه (٣) له، هو السبب الأعظم في نيل الشفاعة وحصولها، ولو كان المشفوع فيه متلوِّثًا بالذنوب والخطايا، فإنَّ حسنة التوحيد لا يقاومها ما دون الشرك من السيِّئات، وسيِّئة (٤) الشرك لا يبقى [معها] (٥) شيء من الحسنات. وأمَّا قوله: (وهل هذا الحديث إلاَّ يفيد أنه ﷺ قد أعطي الشفاعة (٦)

стр. 546

وملكها كما يملك سائر الخلق ما أعطوا من النعم الدنيوية والأملاك الآدمية.) . فهذا من أعظم الجهل وأقبحه، فإنَّ معنى الإعطاء ليس كما يظنه هؤلاء الضُّلاَّل، بل معناه: أنَّ الله (١) يأذن له في الشفاعة؛ ويعين له من يشفع فيهم؛ ويحد له حدًّا معينًا، هذا ما دلَّت عليه الأحاديث، وهذا مما يدل المؤمن على كمال ربوبية فاطر السماوات والأرض، وأن ما توهَّمه المشركون من الشفاعة لا وجود له، ولا يعلم سبحانه له وجودًا أصلًا، وما لا يعلم تعالى وجوده فهو منتفٍ مستحيل الوجود، وجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل (٢) وملك الأرحام وأمثالهم من أكابر رسل الله وأوليائه قد أعطوا ما أعطوا من الأمور المهمَّة والتدابير العظيمة، أفيقال: إنَّ الله ملَّكهم فنسألهم ما ملَّكهم الله، كما هو لازم قول هذا الضال وإخوانه من المشركين؟ وهذا عين الشرك بالله والكفر برسله، وردّ ما جاءوا به من توحيده وعبادته. والمعترض وإخوانه من أبعد الخلق عن معرفة الله، ومعرفة دينه، وما جاءت به رسله، ولذلك سرى إليهم الشرك وزيَّنه الشيطان، لخلو أذهانهم (٣) من معرفة دين الله وشرعه. أتاني هواها (٤) قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا

стр. 547

[فصل في رد المعترض فيما حده للشفاعة من حد] فصل قال المعترض في حدّ أنواع الشفاعة قال: (حتى تنال (١) أهل المعروف عليه والحماية من الكفار، الذين استحقوا الخلود في النار على التأبيد، بالتخفيف عنهم من العذاب ﷺ (٢) وإنَّما قصدنا بما ذكرنا التنبيه على الاغترار (٣) وحماية الأمة وعلمائهم (٤) عما يقول هذا الرجل وينتحله فيها (٥) من تكفيرها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) . وجوابه أن يقال: قوله: (حتى تنال (٦) أهل المعروف عليه والحماية) . عبارةً جاهلية عامية صدرت عن أحمق لا يدري شيئا من حقوق المصطفى عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والسلام. وما ذكره (٧) من التخفيف إنَّما ثبت في حق أبي طالب؛ لأنه كان

стр. 548

يحوطه ويحميه ﷺ (١) ولكن لا ينبغي أن يقال: له معروف عليه. ومما فعل (٢) معه ﷺ من إيمان به وتصديق له أو حياطة ونصرة، فالمن (٣) فيه لله ورسوله. قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] [الحجرات / ١٧] . وكذلك من نصره (٤) ﷺ ولم يؤمن به كأبي طالب، فانَّ الله تعالى لا يضيع عمل عامل، ولو بمجازاته في الدنيا، فالمعروف حينئذٍ والمن (٥) لله ورسوله، خلافًا لما قاله هذا الغبي الجاهل بحق الله وحق رسله. وأمَّا قوله: (وإنَّما قصدنا بما ذكرنا التنبيه عن الاغترار وحماية الأمة وعلمائها) إلى آخر ما قال. فيقال في جوابه: قصد التنبيه لا يمنع خطأ من أتى به وادَّعاه، فقد يقصد التنبيه عن الاغترار أكفر الخلق وأضلهم، كفرعون الذي قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] (٦) [غافر / ٢٦] .

стр. 549

وقال تعالى عن أهل مسجد الضرار: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] [التوبة / ١٠٧] . وأمَّا قوله: (وحماية الأمة وعلمائها من تكفيرها بغير علم) . فقد تقدَّم لك أنه حمى (١) عُبَّاد القبور الداعين للأموات والغائبين، الذين يعدلون بربهم؛ ويسوون بينه وبين غيره، ويشبِّهون الأنداد والمخلوقين بالله ربِّ العالمين وهم في اصطلاح هذا الرجل علماء الأمة وخيارها، كما أنَّ الرافضة يرون أن من كفَّرهم ومقتهم وعاب دينهم، فقد عاب خيار الأمة، وطعن على أهل البيت، وتبرَّأ منهم، ويسمون (٢) أهل السنَّة الناصبة. وهذا المعترض من هذا الضرب من الناس، ما عرف الأمة، ولا عرف العلم والعلماء؛ بل هو في ضلالة عمياء؛ وجهالة صمَّاء، لم (٣) يستفد من نور الوحي ما يستضيء به في حنادس الظلمات، عياذًا بالله من هذه الجهالات والضلالات، والأمة في عرفه: كل من دعا الأنبياء والملائكة والصالحين، وجعلهم واسطة بينه وبين ربِّ العالمين، لحاجاته الدنيويَّة والأخرويَّة.

стр. 550

[فصل في مناقشة ورد دعوى المعترض أنه لا يكفر إلا من عرف وعلم واختار الكفر] فصل قال المعترض: (وقد قال القرطبي المالكي (١) ﵀: "ليس قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] [الحجرات / ٢] بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنًا إلاَّ باختياره الإيمان كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد للكفر ولا يختاره بالإجماع". انتهى كلامه. وهذا معنى ما ذكره مُغْلطاي في كتاب الإيمان من شرح البخاري؛ ولهذا عبارة جميع الفقهاء في باب حكم المرتد يقولون: "وكل مسلم ارتدَّ وهو مكلَّف مختار". وذكر العلماء من أصحابنا في باب إخراج الزكاة في "زاد المسافر" وشرحه للشيخ منصور: "فإن منعها؛ أي: الزكاة، جحدًا لوجوبها. كفر عارف بالحكم، وكذا جاهل عرف فعلم وأصر". انتهى. وقد ذكر لي من يُسْتَرشد عمن يدعى من أعيان هؤلاء القوم ممن أتحاشى عن تسميته: أنه خطَّأ الشيخ منصور وصاحب المتن الذي أصله مقنع موفق الدين بن قدامة العمري العدوى القرشي من شجرة مباركة؛ بل هو حامل لواء المذهب، فالحكم لله العليّ الكبير.

стр. 551

فالجواب أن يقال: كلما أبدى هذا المعترض حجة من جهلياته وضلالاته، أنسانا ما قبلها من خزعبلاته وخرافاته. وحاصل دعواه في هذا الفصل: أنه لا يَكْفُر إلاَّ من عرف وعلم، واختار الكفر على الإيمان، ومن دعا الأموات والغائبين وجعلهم وسائط بينه وبين الله في حاجاته وملماته لا يكفر بذلك؛ لأنه لا يعلم أنه كفر ولا يختار الكفر. فيقال لهذا: قد رجعت عن قولك الأول، فإنك جعلتهم خير أمة أُخرجت للناس ومن أهل العلم والدين، وأن الرسول قد أعطى الشفاعة، وأن من سأله - كالبوصيري - مثاب مصيب، وأن عُبَّاد القبور هم أهل لا إله إلاَّ الله، وأنها تنفعهم وتعصم دماءهم وأموالهم، وإن عبدوا (١) القبور، فكيف ترجع هنا وتحتج بأنهم لا يعلمون؟ . ثم هو احتجاج فاسد في نفسه، ما عرف مورده (٢) معناه، وما أريد منه، فإن المقصود أن يعلم مراد المعلم والمنبِّه والمرشد، ويعرف ذلك، وليس المقصود أن يتبين له الصواب في نفس الأمر، فإن كثيرًا من أهل النار ما عرفوا (٣) الحق في الدنيا ولا تبين لهم. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] [الكهف / ١٠٤ ,١٠٣] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]

стр. 552

﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] [الزخرف / ٣٦، ٣٧] . وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] [فاطر / ٨] . وقال: وَكَذَلِكَ (١) ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية (٢) [الأنعام / ١٠٨] . وغير ذلك من الآيات الدالة على أنهم لم يعرفوا الكفر ولم يتصوروه؛ والذين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] [البقرة / ١١١] ، لم يعرفوا كفرهم وضلالهم. وأما كلام القرطبي: فهو في رفع الصوت عند رسول الله ﷺ ، فهو وأمثاله من السيِّئات التي تحبط الأعمال وصاحبها لا يشعر، وأما من أتى بمكفر (٣) وقامت الحجة عليه، فلا شك في كفره، وترك الانقياد للحجة والدليل وداعي الحق يقتضي إيثار الكفر واختياره وقصده، لا أنه (٤) لا يكون مختارًا قاصدًا إلاَّ إذا علم أنه كفر، وارتكبه مع العلم بأنه كفر، هذا لا تقتضيه عبارة القرطبي ولا تدلّ عليه، ولو دلَّت (٥) عليه فلا حجة (٦) فيها، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية تدل على أنَّ من قامت عليه الحجَّة حكم عليه بمقتضاها من كفر أو فسق، وفي الحديث: " «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يلقى لها بالًا لا يظن أن تبلغ

стр. 553

ما بلغت، يكتب الله له بها (رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يلقى لها بالًا ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها) (١) سخطه إلى يوم يلقاه» " (٢) وحديث الذين قالوا: "ما رأينا مثل قرائنًا هؤلاء: أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء" (٣) نزل فيهم قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] [التوبة / ٦٦] . والحجة ليست في كلام القرطبي وإجماع المسلمين، وإنَّما يحتج بالكتاب والسنَّة والِإجماع. ثم (٤) القرطبي قد قال في شرح أسماء الله الحسنى ما لا يستجيزه من عَقَل عن الله وعن رسوله، وعرف ما كان عليه سلف الأمة في ذلك الباب، ولا يَبْعُد أن المعترض حرَّف عبارة القرطبي على عادته في التحريف، وكذلك ما ذكره المعترض عن مُغُلْطاي هو من هذا الباب؛ إن صحَّ نقله. ثمَّ ما معنى العدول عن كلام الله وكلام رسوله، مع أن هذه المسألة في الكتاب والسنَّة وكلام الأئمة أشهر من أن تذكر، فأي حجة والحالة هذه في كلام آحاد الناس، مع أنه عليه لا له؟ وآفته الفهم السقيم. وقوله: (عبارة جميع الفقهاء في باب حكم المرتد يقولون: وكل مسلم ارتدَّ، وهو مكلَّف، مختار) .

стр. 554

فمرادهم: أنَّ أفعاله تقع عن (١) اختيار وقصد، لا أنه يختار أن يكفر مع العلم بأن ما فعله كفر، هذا سوء فهم وعدم فقه. وأمَّا من فعل مكفرًا وهو غير مكلف ولا مختار، كالصغير والمجنون ونحوهما، أو لم تبلغه الحجة الرسالية، فهذا لا يحكم عليه بالردَّة. ثم لو سلم (٢) له هذا الزعم تسليمًا جدليًّا، فشيخنا لا يُكَفِّر إلاَّ بعد التعريف بالحكم الشرعي وقيام الحجة، فكلام المعترض ساقط، هالك (٣) على كل تقدير. وعبارة "زاد المسافر"، هي من هذا الباب: (إذا جحد الوجوب عارف بالحكم، أي حكم الوجوب. يكفر بذلك؛ وكذا (٤) الجاهل) يعني بوجوبها إذا بلغه الوجوب وأصرَّ بعده، وليس المقصود أن يعرف أنه كفر، ولم يقصد الشيخ (٥) منصور: أن من جحد الوجوب للزكاة أو غيرها من الأركان لا يكفر إلاَّ إذا عَرَف أنه كفر، هذا لا تقتضيه عبارته؛ بل المقصود أن يعرف الوجوب. وأمَّا ما نقله عن بعض الأعيان أنه خطَّأ الشيخ منصور، وصاحب المتن. فيقال: قد تقدَّم بيان كذب المعترض في النقل، وقرَّرنا أنه من أهل

стр. 555

الوضع والافتراء، فنُقُولُه (١) موقوفة حتى يأتي بشاهدي عدل يشهدان له. ثم لو خَطَّأ منصورًا (٢) أو غيره ممن لم تثبت له العصمة، وهو متأوِّل في ذلك قاصد للحق، ماذا يعاب عليه؟ . ولعلَّ التخطئة وقعت في مفهوم هذا المعترض وأمثاله من الضُّلاَّل الذين يقولون: (لا بدَّ أن يعلم أنَّ ما فعله كفر وردَّة) ، وهذا لم يقصده منصور، ولو قصده لتوجه منعه. وأما استعظامه الخطأ على منصور (٣) البهوتي وصاحب "المقنع". فهذا من جهله، فإن الفضل لا يقتضي العصمة ولا يوجبها، قد يقع الخطأ من الفاضل، كما يقع من المفضول، وقد قال مالك بن أنس ﵀: "ما منا إلاَّ راد ومردود عليه، إلاِّ صاحب هذا القبر"، يعني رسول الله ﷺ ، وما زال العلماء ينتقد بعضهم على بعض؛ وينكرون الخطأ على قائله كائنًا من كان، وهذا واضح بحمد الله. ولازم هذا القول عيب أهل العلم برد ما خالف الدليل من أقوال أهل الفضل والعلم، ففي الحقيقة هذا المعترض هو الذي طعن على أهل العلم من عهد النبوَّة إلى عصرنا هذا، ولكنه لا يشعر ولا يدري ما تضمنه كلامه الغث.

стр. 556

[فصل فيه جواب المعترض بأن الشيخ لم يكفر بلازم قوله أو مذهبه] فصل قال المعترض: (قال أبو الوفاء بن عقيل: "نعوذ بالله أن نلزم إنسانًا بلازم قول وهو يفر منه". انتهى. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] [النساء / ١١٥] وقال في الآية الأخرى (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا (٢) الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ (٣) الْهُدَى﴾ [محمد: ٣٢] [محمد / ٣٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥] [محمد / ٢٥] وقد مر التنبيه على ذلك. فهذا كتاب الله (٤) ينطق بالحق وكلام علماء الأمة أمة رسول الله ﷺ . والجواب أن يقال: هذا الكلام معناه: أنَّ الشيخ كفَّر باللازم، وهذا تناقض منه، فقد تقدم

стр. 557

له أنَّ الشيخ كفَّر بنفس الأفعال الصادرة ممن يدعو الصالحين، ويستغيث بهم ويسألهم (١) فزعمه أنه يكفِّر باللازم نقض (٢) لما تقدَّم. ويقال: أي إنسان كفَّره الشيخ بلازم مذهبه؟ وفي أي مسألة؟ هذا لا يعرف عن الشيخ، ولا صدر منه قط في حق واحد، فإيراده عبارة ابن عقيل هنا تكثُّر بما لا يجدي، وتشبع بما ليس له، وهو كلابس ثوبي زور (٣) . وأما قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] [النساء / ١١٥] وما بعدها من الآيات، فهو الحق الذي لا ريب فيه، والهدى الذي لا ضلال يعتريه، والشأن كل الشأن في فهم خطابه وما دل عليه، وما انطوى عليه من الأحكام والدلالات، ليس المعنى ما زعمه هذا من أنه لا يكفر أحد حتى يتبين له الإيمان ويختار الكفر، بل المراد عند أهل العلم بالتأويل أن من تبين له ما جاء به الرسول من الحجة والبيان، ثم عاند وأصر وشاق الرسول، ولو ظنَّ إصابة نفسه، كالخوارج، متوعد بهذا الوعيد العظيم في هذه الآيات الكريمات، وليس المراد أنه لا يكفر إلا هذا الصنف من الناس، وقد تقدم من الآيات الدالة على تكفير من زين له سوء عمله فراه حسنًا، ومن ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه محسن. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] الآية [الزخرف / ٣٦] .

стр. 558

وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره حال المقلدين لرؤساء الكفر من عامتهم وضعفائهم وجزموا بكفرهم، كما دلَّت عليه الآيات المحكمات. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] الآيات [سبأ / ٣١] . وكذلك آية الحجر (١) وغيرها من الآيات الدالة على تكفير الأتباع على ما هم فيه من الكفريات والضلالات. (وتقدم أن أكثر النصارى وجمهورهم والمجوس ونحوهم لم يتبين لهم كفرهم؛ لكن تبين (٢) لهم أن محمدًا ﷺ جاء بخلافه؛ وأنه كفَّرهم واستباح دماءهم وأموالهم وذراريهم. وعلى زعم هذا الرجل ليسوا بكفار؛ لأنه حصر الكفر في صنف واحد) (٣) . وقد تقدم هذا ولكنه يكرر فنكرر الجواب، (ولولا ظهور هذه المسألة لذكرت من الآيات والأحاديث، وكلام المفسرين) (٤) وكلام الفقهاء في تقسيم الكفار إلى أقسام -ما يثلج الصدر (٥) وتقر به العين،

стр. 559

ولكن أردت الاختصار في النقل، وأرشدت الطالب، فمن أراد الوقوف على ذلك فهو سهل بحمد الله تعالى. وفي كلام شمس الدِّين ابن القيم، الذي قرره في طبقات المكلفين (١) وما ذكره في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية (٢) على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] (٣) الآيتين [النور / ٣٩] . ما يكفي المؤمن المسترشد، والله الهادي والموفق. وبهذا تعلم أن هذا المعترض من أبعد الناس عن فهم كلام الله ورسوله وكلام أهل العلم.

стр. 560

[فصل في رد دعوى المعترض التسهيل بقبول الشهادتين ممن دعا غير الله واستغاث بهم] فصل قال المعترض: (قال أبو الوفاء بن عقيل في "الفنون "، فيما نقله عنه ابن مفلح: تال معتزليّ: لا مسلم إلا من اعتقد وجود الله وصفاته على ما يليق. فقلت له: إن رسول الله ﷺ سَهَّل ما صعَّبتَ (١) فقنع من الناس بدون ذلك. «ويقول للأَمَة: "أين الله "؟ فتشير إلى السماء. فيقول: "إنها مؤمنة» " (٢) فتركهم ﷺ على أصل الإثبات- إلى أن قال: إن من (٣) مذهب المعتزلة أن من خرج عن معتقدهم فليس بؤمن، وأن هذا ينعطف على السلف الصالح بالتكفير، وإنا نتحقق أنَّ أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ﵃ لم يكن إيمانهم على ما اعتقده أبو علي الجبائي وأبو هاشم، فخجل المعتزلي. انتهى. ولهذا لما قال الأعرابي للنبي ﷺ : " «إنه رأى هلال رمضان " كما عند الإمام أحمد وغيره، قال له (٤) رسول الله ﷺ : "تشهد أن لا إِله إلا الله

стр. 561

وأني رسول الله؟ قال: نعم. فأمر ﷺ مناديًا ينادي بالصيام» " (١) فاكتفى منه بالشهادتين، ولم يكلِّفه غيرهما لقبول قوله، فأخذ الإمام أحمد ﵀ بهذا الحديث في دخول رمضان لخبر الواحد) . والجواب أن يقال: مراد المعترض بنقل كلام ابن عقيل على ما فيه من التحريف: أنه ينبغي التسهيل للعامة وغيرهم، ممَّن دعا الصالحين وصرف لهم ما يستحقه الله رب العالمين من العبادات والدين، لأن النزاع في هذه المسألة، فاستدلَّ عليها بقول ابن عقيل: (إن رسول الله ﷺ سهل ما صعبت (٢) إلى آخره. وهذا صريح في أن من كفَّر المشركين وقاتلهم، وشدد في توحيد الله، والنهي عن الشرك به -مخالف مخطئ؛ قد شدَّد في السهل، وصعب اللين، هكذا زعم هذا المعترض واستدلَّ، والتشديد على المشرك وتكفيره وقتاله إذا أصرَّ وعاند ليس من خواص الشيخ الذي اعترض عليه هذا بل هو دين الرسل وطريقتهم ونحلتهم، وهم ومن اتبعهم إلى يوم القيامة؛ فعلى هذا يطرد الاعتراض، ويقال: شدَّدوا وصعبوا فيما ينبغي السهولة فيه. فالاعتراض ليس خاصًّا بالشيخ بل طرده يفضي إلى ما ترى، وهل بعد هذا الجهل والضلال غاية ينتهي إليها الملحدون! اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة. ثم يقال لهذا الجاهل (٣) المركب: إنما كلام ابن عقيل مع معتزلي

стр. 562

يعتقد ما اعتقدته المعتزلة في صفات الله على ما هو مقرَّر في معتقدهم، فأخبرهم ابن عقيل بأن من كلَّف العامة طريقة المعتزلة وما فيها من النفي المفصل، فقد صعب السهل؛ لأن رسول الله ﷺ اكتفى بالإيمان المطلق لما سأل الجارية، هذا ما قصد ابن عقيل. وأما المعترض فأراد أن المشرك الذي يسوي بين الله وبين غيره في خالص العبادة يُسَهَّل عليه ولا يشدّد، فسحقًا للقوم الظالمين. قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] [التوبة / ٣٦] . وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء: ٩١] الآية [النساء / ٩١] . وقال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]- إلى قوله: - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] [التوبة / ١ و ١١] . وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] [التحريم / ٩] . وقال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] [محمد / ٤] . والآيات في المعنى كثيرة، فسبحان من ختم على قلوب هؤلاء الضُّلاَّل، حتى كابروا بالمُجُون والمُحال. وكذلك ما ذكره بعد ذلك من الاستدلال بشهادة الأعرابي، يقال

стр. 563

له: من ردَّ شهادة الأعراب؟ ومن الذي أفسد عقائد العامة؟ والكلام فيمن أشرك بالله وسوى بينه وبين غيره، فأين هذه المسألة من شهادة الأعرابي؟ وأي جامعة بينهما لو كانوا يعلمون؟ . ثم في هذا الكلام بحث لا يعقله هذا الجاهل، وذلك أن ابن عقيل أجابه بحسب ما عنده، وإلا فعقيدة المعتزلة أفسد العقائد في هذا الباب وأضلها، والواجب هو الإثبات الذي أقرت به الجارية، واعتقده أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وليس فوق ذلك غاية ينتهي إليها المؤمنون (١) في هذا الباب، والنبي ﷺ لا يقنع (٢) من أحد إلا بما (٣) يليق بجلال الله وعظمته، وربوبيته وإلهيته. ومعلوم أنا لو جارينا هذا الكلام وسلمنا للمعتزلة ما هم عليه من الإلحاد والتعطيل للزم القدح في السلف، فالحق الذي لا ريب فيه ما تلقاه أصحاب رسول الله ﷺ عن نبيِّهم؛ واعتقدوه في ربِّهم، وما عداه فهو محض ضلال وجهل ومحال، ومن اعتقد أن رسول الله ﷺ قنع من العامة في هذا الباب وغيره بما لا يحصل به الإيمان والسعادة والفلاح؛ وأن الغاية العليا عند غيرهم من الخلوف (٤) والمتكلمين، فهذا من أضلَّ الناس وأبعدهم عن طريق الهدى، وأسوأهم ظنًّا بربِّه وبنبيِّه ﷺ ، وبسط هذا يطول، وبهذا تعلم حال المعترض وأنه لا يدري ما يقول.

стр. 564

وأما قوله: (إن من (١) مذهب المعتزلة أن (٢) من خرج عن معتقدهم فليس بمؤمن) . يقال له: وعند الرسل أيضا أن من خرج عن معتقدهم فليس بمؤمن، فإن ردَّ مذهب الرسل لموافقة المعتزلة في تكفير المخالف، فهذا الكلام إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان.

стр. 565

[فصب في رد استدلال المعترض بكلام لابن عقيل مع المتكلمين على رد قول علماء الإسلام] فصل قال المعترض: (قال ابن عقيل: يا علماء السوء ما (١) نقنع منكم بما أنتم عليه من تصاريفكم، فإن طبيبًا به مثل مرضي يضيق على الأغذية ولا يحتمي، مشكوك في صدقه عندي، فالحظوا حال من أنتم ورثته يا سباع يا قطاع الطريق، لا ترون إلا على مطارح الجيف، نبيّكم ﷺ قنع من المرأة (٢) بإشارتها إلى السماء؟ وأنتم تشككون الناس في العقائد، انفتح بكلامكم البثق العظيم (٣) انتهى. وقد قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى - لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦] [الليل / ١٤ -١٦] . قال المفسرون: البغوي والجلال المحلي: كذَّب الرسول ﷺ وتولى عن الإيمان. انتهى، وهذا الاستثناء عند العلماء رحمهم الله تعالى من استثناء الحصر، والصلي هنا إنما هو المؤبد) . والجواب أن يقال: كلام ابن عقيل إنما هو مع المتكلمين الذين أحدثوا بدعة الكلام
следующие страницы →