← Акыда

Акыда · id 30868

مصباح الظلام في الرد على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (590 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولم يقل حتى" يتبين ". وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا (١) مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] الآية [إبراهيم / ٤] . وقد نص شيخنا رحمه الله تعالى في جوابه لمن سأله عن هذه المسألة, وقال رحمه الله تعالى (٢) (أصل الإشكال: أنكم لم تفرقوا بين بلوغ الحجة, وفهم (٣) الحجة, وبلوغ الحجة لابدَّ منه في الحكم بما تقتضيه الحجة والدليل, وأما فهم الحجة فلا يشترط. قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] [الفرقان / ٤٤] ) . اهـ بمعناه. (قال الخطابي في "الغريب": الكفر على أربعة) (٤) أنحاء: كفر جحود، (وكفر عناد، وكفر نفاق) (٥) وكفر إعراض. ومثَّل الأول: بكفر فرعون وأمثاله (٦) و (٧) الثاني: بكفر إبليس ممن اعترف وعاند. والثالث: بكفر النفاق. والرابع: بكفر المعرضين عن التزام الإسلام والعمل (٨) به

стр. 492

لغرض غير العناد (١) وقرَّر مثله شمس الدِّين ابن القيم. وقوله: (وهؤلاء الذين (٢) كفَّرهم هذا الرجل لم يصدُّوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول) . إن أراد أن من عبد الصالحين بالحب مع الله، والخضوع، والدعاء، والذبح، والنذر ونحو ذلك من العبادات، لم يصدوا عن سبيل الله، ولم يشاقوا الرسول، مع ما هم فيه من الشرك البواح والكفر البيِّن (٣) ودعوة الناس إلى مذهبهم، وتحسينه للجهال (٤) والغوغاء وإيراد الشبهات على صحته، فهذا [٢٠٧] أكبر دليل، وأوضح برهان على أن هذا المعترض لم يأنس بشيء مما جاءت به الرسل، ولم يفقه مراد الله ورسوله، ولم يدرِ ضروريات الْإِسلام التي يعرفها كل من تصوُّره وعرف حقيقته، فضلًا (٥) عمن قَبِله ودان به. وفيه جهله بمعنى الصد والمشاقة التي يعرفها آحاد الناس، وكون عبَّاد القبور شيَّدوا المنار، وعمَّروا المدارس، واستقبلوا القبلة، فليس هذا هو الْإِسلام حتى يستدل به على إسلام من دعا الأموات والصالحين، وجعلهم أندادًا لله ربِّ العالمين. وفي حديث سؤال جبريل عن الْإِسلام والْإِيمان والْإِحسان ما يستبين (٦)

стр. 493

به ضلال هذا المعترض وجهله (١) بمسمى الدين ومراتبه، فإنَّ النبي ﷺ أجابه عن سؤاله (٢) عن الْإِسلام بجواب كاشف للحقيقة مبيِّن للحد (٣) والماهيَّة، فقال: " «الْإِسلام أن تشهد أن لا إِله إلاَّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا» " (٤) فجعل الْإِسلام هو التزام التوحيد، والبراءة من الشرك، والشهادة لرسوله ﷺ بالرسالة، والإتيان بالمباني الأربعة، ولم يذكر تشييد المنار. وكذلك جعل هذا مسمى الإِيمان في حديث وفد عبد القيس، إلاَّ أنه أبدل الحج بإعطاء الخمس، فمن جعل الْإِسلام هو الْإِتيان بأحد المباني فقط مع ترك التزام توحيد الله والبراءة من الشرك، فهو (٥) أجهل الناس وأضلَّهم، فكيف بمن جعل ذلك هو تشييد المنار، أو عمارة المدارس، أو استقبال القبلة" قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩]] (٦) [التوبة / ١٩] . وقد تقدم هذا المبحث (٧) وانهدم أصل المعترض، وكشفنا عن ضلالته بحمد الله ومنته.

стр. 494

[فصل فيه رد على فهم خاطىء للمعترض لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية] فصل قال المعترض: (ثم قال أبو العباس: "وما يروى أن رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكي إليه الجدب عام الرمادة, فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر وأن يخبره أنهم مسقون، فعليه بالكيس، فمثل هذا يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ ، وأعْرِف من هذا وقائع، وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ أو غيره من أمته حاجة فتقضى، فإن هذا وقع كثيرًا، ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ لهؤلاء السائلين لا (١) تدل على استحباب السؤال، وأكثر هؤلاء السائلين الملحين (٢) لما هم فيه من ضيق الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك ". هذا كلامه والمقصود في هذا أنه قال بعد حكايته عن فعلهم وسؤالهم لرسول الله ﷺ : لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، و (٣) أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك (٤) وأثبت لهم الْإِيمان بذلك، وسوى بين الحياة والممات؛ كما

стр. 495

تراه صريحًا واضحًا (١) . وقد «قال ربيعة بن كعب ﵁ كما في صحيح مسلم: "كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوضوء وحاجة فقال: سلني، فقلت: سألتك مرافقتك في الجنة فقال أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. فقال: "أعني على نفسك بكثرة السجود» " (٢) وهذا الرجل كفَّر من سأل الله تعالى وحده بذات النبي ﷺ ، أو برجل صالح وأخرجه عن (٣) ملة الإِسلام بذلك، كما ترى فيما سبق من (٤) قوله في شبهته، فهو بذلك ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] الآية [الحج / ٨] . وممن قال فيهم النبي ﷺ : " «إنهم يقتلون أهل الْإِيمان ويدعون أهل الأوثان» ") . والجواب أن يقال: إن أبا العباس قرر منع الدعاء عند القبور، وأنه وسيلة إلى دعاء أربابها مع الله، كما يفعله عباد الكواكب والأصنام والصالحين من الآدميين والملائكة، وجزم بالمنع من دعاء الله عندها، وأنها وسيلة إلى هذا الشرك العظيم، وأنه مشاقة لله ورسوله، فإن (٥) الرسول منع من الصلاة عند القبور، ولعن فاعله، وقال: " «لا تتخذوا قبري

стр. 496

عيدًا» " (١) فاستدل واحتج واستظهر، ثم ذكر (٢) سؤالًا يورده القبوريون- يعني عباد القبور- وأجاب عنه، وذكر أنه إنما أورده مع بُعْدِه عن طريق العلم والهدى، لأنه غاية ما يتمسك به القبوريون، وأورد فيه ما يحتجون به، ومنه ما ذكر هذا المعترض أن رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة، والشيخ لم يقصد أنَّ هذا جائز أو أنه مشروع، أو دليل يستدل به على الدعاء عند القبور، أو على دعاء أربابها مع الله، وإنما ذكر أنه يقع، وأن وقوعه لا يُسْتَدَل به، وأنه ذكره في معرض الرد على من دعا عند القبور، فإن كان كلام الشيخ دليلًا فقد رده، وذكر أنه لا يحتج به، وأنه بعيد عن طريق العلم والهدى كما قاله في أول السؤال في كتاب: "اقتضاء الصراط المستقيم ". وقوله: (وأعرف من هذا وقائع، وأن هذا وقع كثيرًا) . يريد به أن الوقائع القدرية في مثل هذا لها أسباب متعددة لا يحيط بها إلاَّ الله، فلا يستدل بها على التشريع والاستحباب أو الجواز. وقوله: (لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم) . ليس فيه أنهم لم يشركوا أو أن هذا مشروع، غاية ما هناك أنه ذكر عنهم أنهم لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، وهذا يدل على أنهم على طرف وحرف، إن أصابهم خير اطمأنُّوا (٣) به، وإن أصابتهم فتنة انقلبوا، كما أن كثيرًا من السائلين

стр. 497

له (١) في الحياة كذلك، وقد ذمهم الله وعابهم بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] (٢) [التوبة / ٥٨] . وهؤلاء من أهل النفاق بنص الآية والشيخ جعلهم مثلهم، فأي دليل يبقى لمبطل لو كانوا يعلمون؟ . ويقال أيضًا: قول الشيخ: (لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم) ، ليس فيه أنهم مؤمنون إيمانًا يمنع من الشرك، غايته أن (٣) يكونوا مؤمنين برسالته ونبوته (٤) الِإيمان بالرسالة والنبوة لا يكفي مع عدم الانقياد لما جاء به من التوحيد، والبراءة من الشرك، أو يراد به الإيمان بتوحيد الربوبية. قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] [يوسف / ١٠٦] . أثبت لهم إيمانًا (٥) مع شركهم (٦) . ويدل على مراد الشيخ: أنه لم يطلق الإيمان، وإنما أتى بإيمان مقيد (٧) بالإضافة إليهم، وهذا يدل على نوع خاص من الإيمان وجزء

стр. 498

منه، فأي حجة تبقى لهذا المعترض الذي هو أجهل وأضل (١) من حمار أهله؟ . قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥] [الجمعة / ٥] . وأما حديث ربيعة بن كعب: فالاستدلال به خروج عن محل النزاع، وأهل العلم لا يمنعون من سؤاله ﷺ في حال حياته، فإن المراد هنا طلب (٢) شفاعته بالدعاء. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] [النساء / ٦٤] . وهذا من جنس سؤال المخلوق ما يقدر عليه، ولهذا كان الإتيان إليه ﷺ لطلب الاستغفار لمن ظلم نفسه مشروعًا في حياته باتفاق الأمة، وأما بعد موته فلم ينقل عن أحد من أصحابه، ولا عن أحد من أئمة العلم والهدى أنَّه فعله، أو استحبه (٣) أو أمر به، حتى أن الحكاية التي تذكر عن العتبي ضعفها أهل العلم بالنقل، ولم يثبتوها وقد بَسط الكلام عليها وكَشف حال ناقليها، الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي رحمه الله تعالى في كتاب: "الصارم المنكي"، وتقدم تلخيص ذلك قريبًا (٤) .

стр. 499

والخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلف، وهذا الرجل من الصم البكم (١) الذين لا يعقلون، والحديث فيه الْإِشارة بقوله: " «أعنِّي على نفسك بكثرة السجود» " إلى ما وقع في حديث أبي هريرة صريحًا لما قال له: " «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلاَّ الله خالصًا من قلبه» " (٢) وكلا (٣) الحديثين خرج من مشكاة واحدة ممن لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحي يوحى، ومن كان له نور يمشي به في الناس ابصر وأدرك (٤) ما يخفي ويتعذر إدراكه على أهل الظلمة والعمى. فسبحان من قسم بين عباده الشقاوة والهدى. ومن هذا: سؤال الناس له ﷺ يوم القيامة أن يشفع لهم إلى ربه، وهو من جنس مسألته في الدنيا ﷺ ، (٥) وقد احتج به المبطلون على سؤاله بعد مماته ودعائه مع الله، وقد كشف شبهتهم وأبدى خزيتهم شيخنا ﵀ في كتابه (٦) "كشف الشبه" (٧) وشيخ الْإِسلام ابن تيمية في كتاب: "الاستغاثة" (٨) وكتاب: "الرد على ابن الأخنائي المالكي "، فليراجع.

стр. 500

وأما قول هذا (١) المعترض: (وهذا الرجل كفَّر من سأل الله تعالى وحده بذات النبي ﷺ ، أو برجل صالح؛ وأخرجه عن ملة الْإِسلام) إلى آخر عبارته. فقد تقدم لك أنه لا يتحاشى من (٢) الكذب، وأنه من أكذب الخلق على الله وعلى عباده المؤمنين، والله يعلم وعباده المؤمنون يعلمون (٣) أن الشيخ إنما كفَّر من دعا مخلوقًا (٤) أعظم من دعاء الله، ومن تضرع وخشع (٥) واستكان، رغبة ورهبة عند قبور الصالحين (٦) أعظم من تضرعه في بيوت الله وخشوعه له في أوقات الْإِجابة، وأوقات (٧) الأسحار، وطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلاَّ الله العزيز الغفار. وأما من سأل الله بذات النبي ﷺ أو بذات غيره: فالكلام فيها معروف مشهور لا يخفى [على] (٨) صغار الطلبة، وقد حكاه شيخنا ﵀ في كثير من رسائله، وقرر ما ذكره شيخ الْإِسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، وحكى الخلاف فيه على عادة أهل العلم، ولم يقل أنه شرك فضلًا عن أن يقول: أنه يخرج عن (٩) الملة، وهذه المسألة ليست

стр. 501

مما (١) نحن فيه من مسائل النزاع، وإنما أدخلها هذا الملحد مغالطة وترويجًا لباطله، ولبسا للحق بالباطل، كما هو الغالب عليه في سائر اعتراضاته. قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ (٢) وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] [البقرة / ٤٢] . وأما قوله: (فهو بذلك ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] [الحج / ٨] ) . فلا تستغرب هذه الجرأة على الله، وعلى كتابه، وعلى عباده المؤمنين، ممن قلَّ حظه ونصيبه من العلم والدين، وعدم العقل المانع عما يهلك ويشين، وكل مبتدع وضال يتأول إذا تهتك وخرج عن قانون الاحتجاج والمناظرة في خصمه، ومخالفة ما يكابر به معاني الآيات والنصوص الظاهرة، فانظر إلى قول الرافضة: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] [الرحمن / ١٩] . علي وفاطمة. ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] [الرحمن / ٢٢] . حسن وحسين. وقولهم: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] بنو أمية، وحَمْلُهم بعض النصوص الواردة في أناس من صناديد المشركين وأعيانهم على أبي بكر وعمر، وقولهم في عائشة - لعنة الله عليهم- يتأولون فيه، فلا عجب من هذا البغي والعدوان، فللرسل وأهل العلم ورثة، وللرافضة والباطنية ورثة، إنَّ الله يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

стр. 502

وقول هذا الجاهل المعترض: (الآية) بعد سياقه لها بتمامها يدل على جهله بكتاب الله، وجهله بقول العلماء إذا أرادوا قراءة الآية واقتصروا على أولها، وبالجملة فمناقشته تطول. [باب الدعاوى مصراعاه من بصرى إلى عدن ولكن لا دعوى بدون بينة] وأما دعواه: (أنَّ شيخنا ﵀ ممن قال فيهم النبي ﷺ : " «إنهم يقتلون أهل الْإِيمان ويدعون أهل الأوثان» ") . فيقال: قد قال هذا قبله كل مشرك وعابد لغير الله، حتى إن قريشًا قالوا للنبي ﷺ : "إنه صابئي" ولقبوه به، والجهمية المعطلة يسمون أهل السنَّة: حشوية ونوابت، والرافضة يسمونهم: نواصب، والقدرية يسمونهم: مجبرة، وبالجملة فقد قال هذا كل مشرك، وباب الدعاوى مصراعاه أوسع من بُصْرى إلى عدن، وهكذا كل من جرَّد التوحيد لله العزيز الحميد نسبه عُبَّاد القبور إلى هذا الإفك المبين، ولعمر الله إن من نهى عن عبادة غير الله، وأمر بتوحيده لهو المؤمن البر الراشد، الداخل في اتباع الرسل وأوليائهم، وإن كان خارجًا عن أهل الشرك بالله وعبادة غيره، متبرئًا منهم، ماقتا لهم (١) وعيَّرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر (٢) عنك عارها وأقرب الناس شبهًا بالخوارج: من خرج عن جماعة المسلمين إلى عبادة الصالحين والشياطين، ولم يلتزم جماعة المسلمين أهل التوحيد والتعظيم لله رب العالمين، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) من لي بشبه خوارج قد كَفَّروا ... بالذنب تأويلًا بلا إحسان

стр. 503

ولهم (١) نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا (٢) من التقصير في العرفان وخصومنا قد كفَّرونا بالذي ... هو غاية التحقيق والْإِيمان وقد أشبعنا الكلام على أمر (٣) الخوارج، وذكر مبدأ أمرهم، وكيف كانت شبهتهم، فيما كتبناه من الرد على (٤) طاغية العراق (٥) ولله الحمد والمنَّة.

стр. 504

[فصل في مناقشة كلام لابن تيمية استدل به المعترض على عدم تكفير أهل الشرك والردة وخلط بينهم وبين أهل البدع والأهواء] فصل قال المعترض: (وقال أبو العباس في موضع آخر: "فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا ومن ممادح أهل العلم: أنهم (١) يخطئون ولا يكفِّرون) . قال: (وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفرًا، وقد يكون كفرًا، لأنه تبيَّن له ذلك أنه تكذيب للرسول ﷺ وسب للخالق (٢) والآخر لم يتبين له ذلك، فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله أن يكفر من لم يعلم بحاله) . قال: (والناس لهم فيما يجعلونه كفرًا طرق، فمنهم من يقول: الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ ، ثم الناس متفاوتون في (٣) العلم الضروري بذلك) ، ثم قال: (وأنا أبعد الناس عن التكفير، وقد ذكرت الذي أمر أن يُحَرَّق بعد موته، ويذر في البحر فرارًا (٤) أن يبعثه الله تعالى خوفًا منه؛ لأنه لم يعمل لله خيرًا قط، وحديثه في البخاري، فَغُفِرَ له) (٥) - إلى أن قال: (فالعلم قبل

стр. 505

[٢١٣] الأمر، والحلم بعد الأمر، فإن لم يكن عالمًا لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم) . اهـ كلامه. والجواب أن يقال: هذا المعترض يتصرَّف في الكلام الذي ينقله، ويحرِّفه عن موضعه (١) ومع ذلك فالكذب غالب عليه، فيطالب أولًا بتصحيح ما نقل، وبعد التصحيح يجاب عما ذكر، ولشيخ الْإِسلام أبي العباس ﵀ في هذا المعنى كلام يعرفه أهل العلم، وقد استدلَّ بهذا الحديث في مواضع على عدم تكفير المعين، حتى تقوم عليه الحجة الرسالية (٢) وبعد ذلك يحكم (٣) بما تقتضيه تكفيرًا أو تفسيقًا، وهذا في المسائل التي قد (٤) تخفى على بعض الناس، كعموم القدرة على جمع أجزاء هذا الميت المحرق من البحر والبر (٥) والريح، لا سيما في أوقات الفترات واستحكام الجهالة والضلالات، وشيخنا ﵀ لم يكفر أحدًا ابتداءً بمجرد فعله وشركه، بل يتوقَّف في ذلك حتى يعلم قيام الحجة التي يكفر (٦) تاركها، وهذا صريح في كلامه في غير موضع، ورسائله في ذلك معروفة، وفي المثل: "الهوى يُعْمِي ويُصِمّ ". ويقال أيضًا: فرض الكلام الذي نقلته عن أبي العباس ومحله في أهل البدع، كما هو صريح كلامه، والمشركون وعبَّاد القبور عند أهل

стр. 506

السنَّة والجماعة معدودون من أهل الشرك والردَّة، والفقهاء فرَّقوا بين القسمين في الأبواب والأحكام (١) فذكروا أهل الشرك والردَّة [في باب الردَّة] ، (٢) وذكروا أهل الأهواء في باب قتال أهل البغي كالخوارج والقدريَّة ونحوهم، وهذا يعرفه صغار الطلاب، وقد خفي على ثور المدار والدولاب، فلبَّس على العامة والجهال، وأدخل أهل الشرك في أهل البدع، وسوَّى بينهم في الأحكام، خلافًا لكتاب الله وسنَّة نبيه وما عليه علماء أهل الْإِسلام، فسحقًا له سحقًا، وبعدًا له بعدًا، حيث جادل بالباطل والمحال. ويقال أيضًا: قد صرَّح أبو العباس أن عدم التكفير قد يقال فيما يخفى على بعض الناس، وأما ما يعلم من الدين بالضرورة كشهادة أن لا إله إلاَّ الله؟ وشهادة (٣) أنَّ محمدًا رسول الله، فهذا لا يتوقف أحد في كفر (٤) من أنكر لفظه أو معناه، ولم ينْقَد لما دلَّت عليه الشهادتان، وهذا متفق عليه في الجملة، فجعله (٥) من المسائل التي خاض فيها أهل البدع والأهواء خروج عن (٦) محل النزاع، وخرقٌ لما صح وثبت من الاتفاق والْإِجماع، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] قال الشيخ رحمه الله تعالى (٧) (وهذا إذا كان في المقالات الخفية

стр. 507

فقد يقال أنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، وذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم المشركون واليهود والنصارى أن محمدًا ﷺ بُعث بها (١) وكفَّر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة وغيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الْإِسلام، ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع، فكانوا مرتدين، وكثير منهم تارة يرتد (٢) عن الِإسلام رِدَّة صريحة، وتارةً يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق، والحكاية عنهم في ذلك مشهورة، وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفًا في أول (٣) "مختلف الحديث"، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنَّف في الردَّة كما صنَّف الرازي في عبادة الكواكب، وهذه ردَّة عن الْإِسلام باتفاق المسلمين) . اهـ. ثم ساق (٤) المعترض ما ذكر الشيخ أبو العباس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من (٥) اشتراط العلم، وطلب الرفق مع الأمر، والحلم بعد الأمر. فذلك من عجيب جهل هذا المعترض، وعدم علمه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وحاصل دعواه: أن من أنكر الشرك، وأغْلَظ في إنكاره، وقاتل عليه عبَّاد القبور والأصنام، فقد ضيَّع العلم والحلم والرفق، وهذه

стр. 508

الدعوى على عمومها تتضمَّن الْإِنكار على رسل (١) الله وخلفائهم وورثتهم، الذين قاموا بجهاد أهل الشرك وقاتلوهم، وسَبَوا نساءهم وأولادهم (٢) وغنموا أموالهم. وهذه الدعوى لو أطلقها القائل الذي وضعها في أهل الْإِسلام المجاهدين على توحيد الله لكانت كفرًا صريحًا: قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] [البقرة / ١٩٣] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣] [التوبة / ٧٣] . والمعترض لم يفهم كلام أبي العباس، فوضعه في غير موضعه، وأزال بهجته، فإن الرفق والحلم يحسن (٣) في محله، وحيث أمر الله بهما (٤) والمعترض أحمق يظن أن العلم مع من لم يُكَفِّر المشركين، وعبَّاد القبور، ومن جعلهم من جملة أهل البدع، واحتج بكلام أهل العلم في أهل [٢١٥] البدع على أهل الشرك والتسوية (٥) بين الله وبين غيره (٦) في خالص حقه، فلا جرم سود الأوراق، وأكثر النقل، وشقشق في عبارته (ولبَّس في مقالته (٧) وتزين بثوب ضلالته وجهالته، ولم يتحاشَ من كشف سوأته

стр. 509

وإظهار خزيته، والحمد لله الذي أظهر دينه وأعلا كلمته، وصدق وعده ونصر عبده. ثم اعلم أن شيخنا ﵀ من أعظم الناس وأكثرهم رفقًا وحلمًا، ووقوفًا مع الحجَّة والدليل، ولم يبدأ أحدًا بقتال حتى بدأوه وكَفَّروه، فالحمد لله الذي ألهمه رشده، وسدَّد أمره، ولم يجعله على طريق هؤلاء الحيارى الضالين، والجهلة الظالمين.

стр. 510

[فصل في بيان أن من كفر الفرق كلها فقد خالف الكتاب والسنة ومن الفرق من خرج عن الملة] فصل قال المعترض: (وقال أبو العباس أيضًا؛ وليس كل من جهل شيئًا من الدين يكفر قال: "ومن (١) كفَّر الثنتين والسبعين الفرقة (٢) كلها، فقد خالف الكتاب والسنَّة، وإجماع الصحابة والتابعين، وسلف الأمة") . اهـ. ثم قال المعترض: (وذلك لقوله ﷺ في حديث " «وستفترق أمتي» " (٣) فأثبت ﷺ أنهم من أمته أمة الإجابة أهل القبلة فكيف ينفون (٤) عنها، وقد أثبتهم ﷺ منها؟) . والجواب أن يقال: هذه عبارته بحروفها، فأما (٥) نقله عن أبي العباس فليس فيه ما يتمسك به بل هو حجة عليه، لأن أبا العباس، إنما أثبت مخالفة الكتاب والسنَّة لمن كفَّر الفرق كلها، فلا يتم الاستدلال بكلامه إلاَّ على من كفَّر الفرق كلها، وما ظننت (٦) هذا يقوله أحد

стр. 511

من (١) علماء الأمة، وأما تكفير بعضها فليس في العبارة التي نقل المعترض ما ينفيه، بل ربَّما يستدل بإثبات المخالفة لمن كفَّر الكل، ومن كفَّر البعض، فليس مخالفًا، وهذا وإن لم يكن صريحًا في كلام الشيخ فالإشارة فيه إليه لا تخفى. ثمَّ إنَّ قول هذا (٢) المعترض: (وذلك لقوله- ﷺ في الحديث [٢١٦] " «وستفترق أمتي» " جهل منه بمدارك الأحكام، فإن المنع من تكفير هذه الفرق ليس لأنهم من (٣) الأمة؛ بل لأن التفرق قد يبقى معه أصل الْإِيمان والتوحيد المانع من الكفر المخرج عن الملة، ولذلك وقع النزاع في كثير من هذه الطوائف، فمن كفَّر بعضهم فهو يحتج بالنصوص المكفرة لهم من كتاب الله وسنَّة نبيِّه؟ ومن لم يُكَفِّر فحجَّته أن أصل (٤) الْإِسلام الثابت لا يحكم بزواله إلاَّ لحصول منافٍ لحقيقته، مناقض لأصله وما بقي معه الإسلام (٥) من (٦) الذنوب والتفرُّق فليس من المكفِّرات، فالعمدة استصحاب الأصل وجودًا وعدمًا. وأمَّا قول هذا المعترض: (فأثبت لهم أنهم من أمته أمة الْإِجابة أهل القبلة) . فدعوى باطلة، ليس كل من وصف بأنه من الأمة يكون من أهل

стр. 512

الْإِجابة والقبلة، وفي الحديث: " «ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن إلاَّ كان من أهل النار» " (١) والحديث في سنن ابن ماجه. وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا - يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤١ - ٤٢] [النساء / ٤١، ٤٢] . فدلَّت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة الذين يشهد عليهم ﷺ . وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] [النحل / ٨٤] . والأمة في مقام المدح والوعد يراد بها أهل القبلة وأهل الْإِجابة، وتطلق (٢) في مقام التفرُّق والذم ويراد بها غيرهم، فلكل مقام مقال. وفي عبارته فساد تركيب وركاكة ظاهرة، فإنه قال: (فكيف ينفون عنها؟) ، وهذا يسمى إخراجًا عن الملة لا نفيًا، وأبلغ منه قوله: (وقد أثبتهم منها) . وإنَّما يقال: (أدخلهم فيها) ، لا أثبتهم منها، فتدبَّر. إذا عرفت هذا: فاعلم أنَّ هذا المعترض يرى (٣) أنَّ عُبَّاد القبور والصالحين الذين (٤) أشركوا بالله ربِّ العالمين، وجعلوا

стр. 513

له (١) أندادًا ونظراء فيما يستحقه على عباده من الحب والخضوع، والتعظيم والدعاء، رغبًا ورهبًا، والتوكُّل والإنابة والاستغاثة، والذبح والنذر والحلف، وغير ذلك من أنواع العبادة هم من الأمة أهل الإجابة والقبلة، وأنهم من هذه الفرق المذكورين في هذا الحديث، والشرك عنده لا وجود له إلاَّ في اليهودية والنصرانية والمجوسية أو من جحد جميع ما جاء به الرسول عنادًا، وما (٢) عداه من المكفرات التي ذكرها أهل العلم في أبواب [٢١٧] ، الردة، بل ذكرها الله في كتابه وقرَّرها هو، وبيَّنها رسوله أتمّ بيان ووضحها أظهر توضيح، لا توجب الكفر عنده ولا الردَّة، ومن بلغت به الجهالة والشلالة إلى هذا الحد والغاية فقد سقط الكلام معه، والأولى به أن يساس بما يساس به القرمطي والسفسطائي ونحوهم، ممن يكابر في اليقينات؛ ويقرمط في السمعيات. فما هو إلاَّ الوحي أو حد مرهف ... تزيل ظباه أخدعي كل مائل فهذا دواء الداء من كل عاقل ... وهذا دواء الداء من كل جاهل ويقال (٣) بهذا الملحد: ما تقول في الغالية الذين (٤) حرَّقهم علي بن أبي طالب ﵁ بمشهد من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، أهم من الثنتين والسبعين فرقة أم لا؟ وما تقول في مانعي الزكاة الذين (٥) قاتلهم

стр. 514

الصدِّيق وأجمعت (١) الصحابة على تكفيرهم، أهم من الثنتين والسبعين فرقة أم لا؟ وكذلك بنو حنيفة، وبنو عبيد القداح ملوك مصر والمغرب، فإن دخلوا في الثنتين والسبعين فرقة بطل تأسيسك وانهدم أصلك الفاسد، وإن لم يدخلوا كما هو الصحيح بطل إدخالك أمثالهم من عُبَّاد القبور في مسمى الأمة في هذا الحديث، وثبت أن من (٢) الفرق من يخرج عن الملة ويرتدّ (٣) بما خالف فيه من نحلته.

стр. 515

[فصل في احتجاج المعترض بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية على أن عباد القبور وغيرهم خطؤهم مغفور لهم] فصل قال المعترض: (وقال أيضًا في "الفرقان" بعد كلام له سبق: "فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلِّل غيره ويكفِّره، فإذا كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين، فليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا ولا عاصيًا؛ بل (١) عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وفي كتاب الله في دعاء الرسول والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] [البقرة / ٢٨٦] . وفي الصحيح: "إنَّ الله تعالى قال قد فعلت") . اهـ. والجواب أن يقال: هذه الطامة أكبر من أختها، فإنها تقتضي أن عبَّاد القبور والأوثان الذين كفَّرهم شيخنا ﵀ مسلمون مؤمنون، مغفور لهم خطؤهم ونسيانهم، هذا معتقد المعترض، ولذلك ساق كلام أبي العباس محتجَّا به على ضلالته. وهذا في الحقيقة تسجيل منه على أن كل من كَفَّر عُبَّاد القبور والصالحين بعبادتهم غير الله، وإشراكهم في خالص حقه، فقد كَفَّر مسلمًا

стр. 516

على خطأ مغفور له والمكفرون بمثل هذه الأشياء كافة أهل العلم من أهل الْإِسلام؛ بل وجميع الرسل يكفرون بهذا، وقد حكى الْإِجماع غير واحد [٢١٨] على كُفْرِ هذا الصنف. قال شيخ الْإِسلام أبو العباس، فيما نقله عنه أكابر أصحابه وأعيان أهل مذهبه (١) (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكَّل عليهم كفر إجماعًا) . قال شارحه: لأنه فعل عابدي (٢) الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر / ٣] . وذكره ابن حجر الشافعي في "الإعلام بقواطع الإسلام" راضيًا به مقررًا له. وأبواب الردَّة يستفتحها الفقهاء بذكر الشرك في الربوبية والإلهية. إذا عرفت هذا: عرفت أن هذا المعترض خرج عن إجماع المسلمين بحكمه بإسلام هؤلاء المشركين، وأنه خطَّأ أهل الْإِسلام كافة، بل لازمه أنه خطَّأ من كفَّرهم من سائر رسل الله الكرام، والنزاع بيننا وبين هذا وأمثاله إنما هو في عبادة الأولياء والصالحين الذي عدلوا بربهم وسووا به غيره (٣) في خالص حقه، وشبهوا عباده به (٤) في استحقاق الِإلهية

стр. 517

والعبادة، وكل هذه العبارات التي يحتج بها من كلام أهل العلم خارجة عن محل النزاع، أجنبية عنه، وهذا الشيخ الذي يشير إليه (١) هذا بالردّ قد شرح كتابه بزعمه، وأثنى عليه ومدَحَه (٢) ؛ ليروج بذلك باطله، ويتمكَّن من الْإِقامة بين أظهر المسلمين، فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين الذنوب.

стр. 518

[فصل في احتجاج المعترض لكلام لابن القيم فهم منه منع التكفير بدعاء غير الله والشرك به] فصل قال المعترض: (وقال شمس الدِّين (١) ابن القيم، لما أتى على مسألة التكفير: "اعلم أن الكفر والْإِيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خلفه الآخر". قال: "ولما كان الْإيمان أصلًا له شعب متعددة، وكل شعبة فيه تسمى إيمانًا، فالصلاة والزكاة والصيام والحج والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله تعالى والإنابة حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله، كالشهادتين، ومنها ما لا يزول بزواله" إلى أن قال: "وكذلك الكفر ذو أصل وشعب كما أن الْإِيمان أصل الشهادتين، وكما أن (٢) أصل [الكفر] (٣) الجحود لهما؛ فكما أن شعب الْإِيمان إيمان فشعب الكفر كفر" إلى أن قال: "وهاهنا أصل آخر، وهو أنه لا يلزم من قام به شعبة من شعب (٤) الكفر أن يسمى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر". إلى أن قال: "فمن صدر منه خصلة من خصال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الْإِطلاق، لأن معه أصل الْإِيمان،

стр. 519

وهما الشهادتان"، إلى أن قال: "وهاهنا أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن [٢١٩] الرسول ﷺ جاء به من عند الله تعالى، جحودًا وعنادًا (١) منه، فهذا الكفر يضاد الْإِيمان من (كل وجه، وأما كفر العمل: فينقسم إلى ما يضاد الْإِيمان، وإلى ما لا (٢) (٣) يضاد الْإِيمان فالسجود للصنم؛ والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه، يضاد الْإِيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعًا، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ﷺ ؛ لكن كفر عمل لا كفر اعتقاد وعناد، وقد نفى النبي ﷺ الْإِيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر، وعمن لم يأمن جاره بوائقه، فهو كافر من جهة العمل، وإن انتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد، وكذا قوله ﷺ : " «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» " (٤) ٠ اهـ. فقد نص ﵀ أن الكفر لا يكون إلاَّ جحودًا أو عنادًا، فهذا الذي يخرج عن الملة، فمتى يكون هذا في الأمة؟ وما سوى ذلك له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير تكفير وقتال، كما يفعل هذا الرجل بالأمة) . والجواب أن يقال: هذا المعترض له حظ وافر من تحريف النصوص

стр. 520

والكذب فيها، وكلام شمس الدين ﵀ في هذه المسألة معروف مشهور، جار على مذهب السلف، وأهل العلم في التكفير بكثير من الأقوال والأفعال الباطنة والظاهرة، ولا ينازع في تكفير من عبد غير الله وأشرك بربه، وكلامه في هذه العبارة صريح في ذلك، وقد ساقها مستدلًا بها على كفر تارك الصلاة، والمعترض حرَّف العبارة، وأسقط منها ما هو حجة عليه، وما لا يستقيم الكلام بدونه، فأسقط من أول العبارة قوله: (ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب (١) متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، ومنه ما (٢) يلحق شعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب) فأسقط هذا لأنه صريح في التكفير بدعاء غير الله والشرك به، وأن ما قارب هذا الأصل يكون كفرًا، ويلحق به، وهذا عين (٣) كلام الشيخ؛ بل شيخنا ﵀ لم يُكَفِّر إلاَّ بترك العمل بشهادة أن لا إله إلا الله، وباتخاذ الآلهة والأنداد مع الله، وقد نص في هذه العبارة المنقولة أن هذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله كالشهادتين، وهذه هي مسألة النزاع، فإن من شهد (٤) لله بالوحدانية، ولم يلتزم ذلك ولم ينقد لمقتضاه، لا يكون مؤمنًا (٥) وكذلك شهادة أن محمدًا رسول الله لا بد فيها من التزام ما جاء به: من الْإِيمان بالله وتوحيده، وإلاَّ فلا تنفعه هذه الشهادة، ولا يسمى شاهدا.

стр. 521

[٢٢٠] قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] [المنافقون / ١] . فأكذبهم في زعمهم، لأنهم لم يعملوا (١) بمقتضى الشهادة، بل خالفوها بالعمل والاعتقاد، فلو تفطن فيما نقله هذا المعترض لعرف أنه عليه لا له، وأن شيخنا أسعد بكلام أهل العلم والإيمان ممن أجاز دعاء الأموات والغائبين، والالتجاء إليهم من دون الله رب العالمين. وكذلك قوله: (الكفر (٢) ذو أصل وشعب) فهذا حق، وشيخنا لم يكفِّر إلاَّ بأصل الكفر لا بشعبه، مع أن هذا الكلام من المعترض نفاق ومغالطة، وإلا فقد صرَّح في مواضع مما مر بأن أهل هذا الشرك هم خير أمة أُخرجت للناس، وهم أهل (٣) المساجد والمنار، وهم الذين أُمِرنا أن نسأل الله الهداية إلى صراطهم، فكيف يرجع هنا إلى عبارة لابن القيم فيها التفصيل بين أصول (٤) الكفر وسائر شعبه؟ وهل هذا إلاَّ محض التناقض والتدافع؟ . وقد أسقط من كلام شمس الدِّين قوله رحمه الله تعالى: (وكذلك من شعب الإيمان (٥) الفعلية ما يوجب زوالها زوال (٦) الإيمان، وكذلك

стр. 522

شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بالْإِتيان بكلمة (١) الكفر اختيارًا، وهي شعبة من شعب الكفر، كذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه، كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف) وهذا صريح في مسألة النزاع، لكن حذفه المعترض المُحَرِّف، لبسًا للحق بالباطل، وترويجًا لباطله، وليًّا بلسانه. وقال ﵀ (٢) في هذا الأصل: (فالكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق (٣) فسقان، والجهل جهلان، والشرك شركان: شرك (٤) ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة، وهو الشرك الأصغر: شرك العمل، كالرياء. قال الله تعالى في الشرك الأكبر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] (٥) [المائدة / ٧٢] . وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] [الحج / ٣١] . وقال: في شرك الرياء ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] [الكهف / ١١٠] . ومن هذا الشرك الأصغر قوله ﷺ " «من حلف بغير الله فقد أشرك» "

стр. 523

رواه أبو داود (١) وغيره؛ ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن (٢) الملة ولا يوجب له حكم الكفار، ومن هذا قوله ﷺ : " «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» ") (٣)) . ثم قال رحمه الله تعالى: (ثم انظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، والى ما لا ينقل عنها، وكذلك النفاق نفاقان، نفاق اعتقاد ونقاق عمل) ، وكل هذا أسقطه المعترض؛ لأنه يدفع في صدره (٤) ويرد باطله وترويجه. ويقال أيضًا: ما نقلته عن شمس الدين ابن القيم حجة لنا عليك، مع [٢٢١] ، ما فيه من التحريف والحذف واللبس. من ذلك قوله: (ولما كان الإيمان أصلًا له شعب) فهذه لنا؟ لأن النزاع في أصل الإيمان الذي هو شهادة أن لا إله إلاَّ الله، والكلام في التزامها والعمل بمقتضاها، وأما بقية الشعب فليس من مسألة النزاع، ولا يُكَفِّر بترك بعض الشعب التي هي دون الأصل وأركانه إلاَّ من يكفر بالذنوب كالخوارج، فهؤلاء يحسن الرد عليهم بمثل هذا النقل، وأما من لم يكفر إلاَّ بترك أصل الإيمان الذي هو مدلول شهادة أن لا إِله إلاَّ الله، فالرد عليهم (٥) بكلام ابن القيم مجرد هوس وخيلاء، خرجت بصاحبها عن موضوع الكلام.

стр. 524

وقد تقدم أنه قال: (وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله كالشهادتين) . (وقد نقله هذا المعترض، ومن المعلوم أن المقصود زوال حقيقة الشهادتين) (١) علمًا وعملًا أو قولًا، لا زوال مجرد القول واللفظ، كما فهمه هذا الغبي. وكذلك قوله: (وهاهنا أصل آخر، وهو أنه لا يلزم من قام به شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر؛ لأن معه أصل الإيمان وهما الشهادتان) وهذه العبارة لنا؛ لأنا لا نكَفِّر إلاَّ (٢) بترك ما دلَّت عليه الشهادتان مطابقة أو تضمنًا، وما عدا ذلك فلم (٣) نُكَفِّر به. فظهر أن شمس الدين ابن القيم ﵀ قد قرر في نقل المعترض، وكرر التكفير وزوال الإيمان بترك الشهادتين، ولكن هذا الجاهل المعترض يظن أن المقصود ترك اللفظ فقط (٤) وهذا من كثافة جهله وعدم علمه، وقلة ممارسته، وبعده عن صناعة العلم، فالحمد لله الذي أخزاه وكبته في مماته ومحياه. وكذلك (٥) في نقله أن الكفر نوعان، كفر عمل، وكفر جحود وعناد، وكفر الجحود: أن يَكْفُر بما علم أن رسول الله ﷺ جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا منه، فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه.

стр. 525

هذا نَقْلُهُ (١) ومن عرف ما جاء به الشيخ (٢) ودعا إليه من توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، والبراءة من كل معبود سواه، وعرف أن هذا أصل الأصول وأكبر القواعد، وأظهر الشعائر، وأن القران "وأن القرآن" (٣) من أوله إلى [٢٢٢] آخره دال عليه، آمر به، مقرر له، محتج عليه، مبين له، وأن الآيات والبراهين على صحته وظهوره أظهر من الشمس في الظهيرة، عرف حينئذ أنَّ مَن رَدَّه وأباه، واستمر على اتخاذ الوسائط والشفعاء والأنداد، يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم، من غير التفات إلى حجج الله وبيناته، من أعظم الناس جحودًا وعنادًا، وأغلظهم كفرًا وفسادًا؟ وأنَّ كُفْر هذا الصنف ملحق بكفر أهل الجحود والعناد، ولكن غلبة الجهل، وكثافة الفهم، وغلظة الطبع، واعتياد الشرك، وظلمة الكفر، حجب كثيفة حالت بين هؤلاء القوم وبين معرفة الكفر والإيمان، والتوحيد والإشراك، فالتبس الأمر عليهم، وصاروا يحتجون على أهل الإسلام بما هو عليهم لا لهم. وفي المثل: "أريها السّهى وتريني القمر". ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآية [الأنبياء / ٩٨] . قال ابن الزّبعرى: "اليوم أخصم محمدًا " (٤) ظنًّا منه أن قياس الأولى يجري هنا، لم يعرف ما بين الأصل والفرع من الفرق في علة الحكم

стр. 526

ومناطه، بل ظن بجهله أن الاشتراك في العبادة هو العلة؛ ولذلك قاس قياس الأولى، والأمر ليس كذلك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ - لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢] [الأنبياء / ١٠٢ ,١٠١] . وروى بعضهم (١) أن النبي ﷺ قال له: "ما أجهلك بلغة قومك: ما: لما لا يعقل" (٢) لكن يُشْكل على (٣) هذا ما قرره العلامة (٤) ابن القيم ﵀ من أن ابن الزبعرى إنما أراد إلحاق الحكم بالنظير، وإجراء العلة مجراها، لا أنه خفي عليه موضوع "ما"، وإن صح الحديث، فهو صريح في ردِّ ما قاله على كلا التقديرين، وتقرير شمس الدِّين ابن القيم ﵀ يشير إلى أن أصل الحديث ثابت عنده، وهو كذلك، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وشمس الدِّين حجة في النقل. والمقصود بهذا: تحقيق المشابهة بين المعترض وأسلافه، ممن يعترض على كتاب الله ورسله وأوليائه، وحجتهم بحمد الله داحضة، لكن: ربما جرَّ شأن شؤونًا. إذا عرفت هذا: فقول المعترض في آخر نقله: (فمتى يكون هذا في الأمة؟) يشير إلى كفر الجحود والعناد، وهذه القولة صريحة في استبعاد

стр. 527

[٢٢٣] ، وقوع هذا وحصوله في الأمة، كما دلَّ عليه حديث ثوبان وغيره، وظاهر هذا: أن ما حدث من بني حنيفة، والأسود العنسي، والمختار ابن أبي عبيد، وسائر أهل الردة، والقرامطة، والعبيديين ملوك مصر، والتتر الذين يتلفظون بالشهادتين، ومنهم من يصلي، وغلاة القدرية والجهمية، والرافضة، والجبرية وأمثالهم، ونظراؤهم وأشباههم ممن يتكلم بالشهادتين، وينتسب إلى الإسلام، لا يقع منهم كفر الجحود والعناد أبدًا، وإنما هو كفر عمل لا يخرج عن الملة، له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من غير تكفير وقتال، على زعم هذا المفتري، وهذه الفضيحة والخزية القبيحة الدالة على محله من العقل والدين كافية في رد أباطيله، ودحض أساجيله (١) فَلْيَهْن من ذكرنا من أعداء الرسل هذا الحكم القاسط الجائر، المخالف لجميع كتب الله، المناقض لسائر رسله. ومن العجب خفاء هذا الجهل على كثير ممن ينتسب إلى الإسلام ممن يخالط هذا (٢) وأمثاله، ويسمع لهم، ومن أعرض عن كتاب الله، ولم يكن له حظ من نور الوحي، وضياء الرسالة، فهو مستعد لقبول (٣) ما (٤) أوحته الشياطين إلى أوليائها من الجهل والعمى، والضلال عن سبيل الرشاد والهدى.

стр. 528

[فصل في احتجاج المعترض بكلام لابن رجب الحنبلي على مقصده من عدم تكفير من أتى بشرك] فصل قال المعترض: (وقال زين الدين ابن رجب رحمه الله تعالى (١) "ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلمًا، وقد أنكر على أسامة قتله لمن شهد أن لا إِله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره". ثم بين ﵀ أنه إذا كان مسلمًا بالشهادتين ألزم حقوق الإسلام، إلى أن قال: "وبهذا الذي قررنا يظهر الجمع بين ألفاظ (٢) الأحاديث في هذا الباب؛ ويتبين أن كلها حق فإن كلمتي الْإِخلاص بمجردها تعصم (٣) من أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا هذا عين كلامه". انتهى. إذ لولا أنه يكون مسلمًا بهما لم يُلزم شرائع الإسلام (٤) ويُجبر عليها، فإن الكافر لا يجبر على شرائع الإسلام، وإن كان على

стр. 529

قولنا (١) مخاطبًا بها، إلا أنها (٢) لا تصح منه لعدم شرطها، لأن من شرط (٣) صحة شرائع الإسلام، تقدم (٤) الشهادتين، ومن جعل شرائع الإسلام مع الشهادتين (٥) شرطًا لدخول الإسلام وصحته، وأنه لا يكون مسلمًا إلا بذلك كهذا الرجل، فقد (٦) أبعد النجعة، وخالف ما عليه سيد البشر ﷺ وأصحابه، وسلفه الصالح، وسلك طريق الابتداع بتكفير الأمة على أصل هذا المذهب الخبيث. وسيأتي من شبه هذا الرجل من كلامه، أنه عَيْن كلامه، كما ستراه عنه بعينه، وبما ذكرنا يعلم اختلاف الخليفتين الراشدين ﵄ في قتال مانعي الزكاة أنه ليس على كفره بالمنع، بل هل يباح دمه بمنعه أم لا؟ فسلَّم بعد ذلك الفاروق للصدِّيق؛ ولهذا اتفق أهل المذاهب الأربعة في كتبهم أنه لا يجوز قتال مانع الزكاة إلا لمن يفعل بإخراجها كفعل الصدِّيق والخلفاء الراشدين، بأن يخرجها في أصنافها الثمانية أو ما وجد منها، ومن لم يفعل ذلك فنصُّوا على تحريم قبضه لها، فضلا عن أن يقاتل عليها، مع أن قبضه لها بهذه الحالة مبرئ لدافعها بطلبه، توفيرًا للسمع والطاعة، واجتماع الكلمة؟ ووزرها (٧) على قابضها، وبهذا يتبين قول أهل

стр. 530

السنَّة والجماعة وأنَّ أعمال الجوارح يزيد بها الإيمان وينقص، حتى لا يبقى في قلب الإنسان إلا أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، كما في صحيح البخاري من حديث أنس ﵁ (١) بشفاعة النبي ﷺ ، حتى يخرج جل وعلا من قال لا إله إلا الله، كما مر ذكره ذكرناه في كتابنا "غسل الدرن". والجواب أن يقال: إن الله تعالى وتقدس وعد رسله (٢) والذين آمنوا أن ينصرهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة (٣) ولهم سوء الدار، ومن نَصْر الله تعالى لأوليائه وعباده المؤمنين ولشيخنا رحمه الله تعالى خذلان أعدائهم، وعدم تسديدهم، وتهافت أقوالهم وما كساها من الظلمة والتناقض والتدافع، والوحشة التي يعرفها من سلمت فطرته؛ وصح إسلامه، فضلًا عن أهل العلم بشرعه ودينه، فلربنا الحمد، لا نحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه. ويقال لهذا: قد حرفت عبارة زين الدين بن رجب وتصرفت فيها، وأخرجتها عن موضوعها، وأزلت بهجتها: من ذلك قولك عنه: إنه يقول: (ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط) . وقد نزه الله العلامة ابن رجب وأمثاله عن (٤) أن يظنوا برسول الله ﷺ أنه يقبل مجرد القول
следующие страницы →