وكذلك أمراء مكة وقد أعلنوا موقفهم العدائي للدعوة وإمامتها ودولتها وأتباعها في وقت مبكر، ومنعوهم من أبسط حقوقهم وهو الحج.
قال محمود فهمي باشا المهندس المصري في الجزء الأول من تاريخه (البحر الزاخر) في سياق الكلام على الدعوة وأهلها التي سماها: الوهابية.
«ومن بعد مدة استمرت في محاربات شديدة، ووقائع عتيدة، دخل جميع بلاد العرب في العقائد الوهابية، أي العقائد الإصلاحية للديانة الإسلامية، وصارت نجد أيضًا في حالة سياسية مدنية جديدة، وبدل أن كانت جهاتها منقسمة إلى عدة عشائر، وشعوب صغيرة منفصلة عن بعضها ومستمرة في حروب وكروب بين بعضها صارت مقر دولة قوية، وسلطنة سياسية، مثال سلطنة الخلفاء القدماء ولرئيس هذه الدولة السلطة في الأعمال الدينية، والدنيوية» .
«ومع ما كان عليه الوهابيون من الحروب والمبارزات في بلاد العرب لم يعتدوا على حقوق الحكومتين المجاورتين لهم، وهما حكومة بغداد والحجاز، وكانت قوافل الحجاج تمر من وسط أراضيهم من غير أن يحصل لأي قافلة ضرر أو انزعاج، وكانوا في أحوال أخوية ودية مع الشريف سرور شريف مكة، وفي سنة (١٧٨١) بعد الميلاد استحصلوا على رخصة منه في أداء حجهم وطوافهم بالكعبة، فتولد من زيادة قوتهم، ونفوذ شوكتهم اشتعال نار الحسد في قلب الشريف غالب، وفي ظرف بضع سنين من تقلده الحكومة وتوظفه شريف مكة بعد الشريف سرور أعلن حربًا على الوهابية وكانت طرائق هذا الحرب مثل طرائق حرب البدو متقطعًا بهدنات صغيرة قصيرة المدة؛ ولما انتظمت مخابرات الشريف غالب مع الدولة التركية العثمانية لم يهمل أدنى طريقة يمكنه إجراؤها في تمكين الدولة العثمانية من دخول عساكرها في بلاد العرب لأجل الوقوع بالوهابيين إلا وأجراها، وأثبت (١) أنهم من الملحدين الكافرين، وأن معاملتهم مع قوافل الحجاج التركية من أقبح الأعمال الفاسدة المضرة بالدين» اهـ.
«ثم قد أعقب هذا الافتراء والإفساد أن أمرت الدولة العثمانية حكومة بغداد قتال الوهابيين ففعلت فلما اشتغل الوهابيون بقتال الدولة، ودخلوا العراق زحف الشريف غالب على نجد، واستولى على قرية فيها فكان هذا هو السبب لزحف الوهابيين على الحجاز وفتحه» (٢) .
стр. 247
وبهذا نعرف أن أمراء مكة هم الظالمون وهم البادءون بالعدوان، فقد منعوا هؤلاء المسلمين من الحج، ولما طال منعهم وحرمانهم من الحج، وهو ركن الإسلام، ثم لما أعلن الأشراف وأعوانهم الحرب والقتال، وغزوهم في مقر دارهم كان مما ليس منه بد من الدفاع أولا لصد العدوان، ثم الاستمرار في قتال المعتدين وكف شرهم، وتأمين سبيل الحج وإبلاغ دعوة التوحيد والسنة، وتخليص المسلمين من أوضار البدع والمحدثات والمظالم التي شاعت في بلاد الحرمين، فكان ما لا بد منه وهو الاستيلاء على مكة.
فدخلتها جحافل الدعوة وفي مقدمهم الإمام الصالح سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود سلمًا وبدون قتال، فأقام شعائر الدين على السنة، وهدم القباب والمشاهد وكل مظاهر البدع.
وجمع المسلمين على إمام واحد، وكانوا يصلون متفرقين أتباع كل مذهب مع إمامهم. وأزال المنكرات الظاهرة.
وشرع في نشر العلم وتفقيه الناس في دينهم، في العقيدة والأحكام، «أما ما أشاعه خصوم الدعوة من أن جيوش الأمير سعود لما دخلوا مكة سالت الدماء أنهارًا فهو محض افتراء.
وهنا أصل شرعي عملت عليه الدعوة لما تمكنت وصار لها كيان ودولة وهو قتال المخالفين إذا وقفوا ضد الحق والدين والسنة والعدل والأمن وانحازوا مع الباطل والشر والبدع والظلم والفوضى والفتنة، فإن قتال المخالفين في هذه الحال نوع من الجهاد ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] [سورة الأنفال، آية: ٣٩] .
ومعلوم أن الدعوة ودولتها لم تقاتل إلا حين كان لها إمام وبيعة وكيان معتبر شرعًا وعرفاً.
وهنا أمور كذلك لا بد من كشفها بهذا الصدد ومنها: ١ - أن خصوم الدعوة كانوا يحمون البدع والشركيات ويدافعون عنها ويقاتلون في سبيل ذلك، إما أصالة، أو تقليداً، أو جهلاً، أو نحو ذلك. وقد يكون بينهم المستضعفون والمسخرون الذين لا حول لهم ولا قوة. فأمرهم إلى الله لكن هؤلاء كلهم في الظاهر وقفوا أمام دعوة الحق.
٢ - أن الدعوة وأهلها ودولتها كانت تحمل مبادئ الدين الحق، ويحق لها أن تدعو إليه وتدافع عنه وتحميه، وأن تدافع عن وجودها وكيانها، وأن تعمل بكل الوسائل المشروعة في ذلك بما فيه القتال عند الضرورة.
٣ - أضف إلى ذلك أن الدعوة وأتباعها ودولتها تعرضت لمظالم كبرى من خصومها
стр. 248
استهدفت الدين والنفس والمال والحقوق الضرورية، فكان لا بد أن تدافع عن حقوقها المشروعة وتحمي كيانها وحدودها ولو أدى ذلك إلى القتال.
٤ - وكان الإمام وعلماء الدعوة، ودعاتها يبدءون دعوتهم بأساليب النصح والإرشاد واللين والتدرج، وبالخطاب والتعليم والمراسلة والكتاب، والمحاورة، والمجادلة بالتي هي أحسن. إلى أن يصل الأمر إلى الحاجة إلى الحزم والقوة، والقتال حين يكون هو الحل الذي لا محيص عنه. لا سيما مع قوة الباطل وعدوانه وتحكمه في نفوس الكثيرين.
والخلاصة:
أن الدعوة لمَّا صار لها كيان وقامت لها دولة مهيبة وجيوش صارت تحارب، وتعاهد وتسالم بمقتضى شرع الله تعالى والعهود المرعية، ومكَّنهم الله تحقيقًا لوعده عن نصر دينه، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] [سورة الحج، آية: ٤٠] .
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وبهذا نقول بأن هذه الدولة حين نصرت الدين وحملت لواء السنة والدعوة، فهي أمكن دولة على الأرض، وأحق أن تسالم وتحارب وتدافع عن الحق بشرع الله ولا تزال ولن تزال كذلك بحول الله وقوته ما دامت على هذا العهد.
هذا وليس بينهم وبين من قاتلوهم معاهدات ولا مواثيق تمنع من القتال في سبيل الله.
كما أنه في تلك الفترة لم تظهر المنظمات الدولية والمواثيق الأمنية التي التزمتها الدول.
ولما ظهرت المعاهدات والمنظمات الدولية الحديثة كانت المملكة العربية السعودية من أكثر الدول التزامًا للعهود والمواثيق والاتفاقيات المشروعة التي كانت هي طرفًا فيها، وحتى الآن وكل منصف يشهد لها بذلك.
ولما كثرت الإشكالات والتساؤلات من الخصوم، وبعض المؤيدين والمحايدين البعيدين عن ساحة الصراع والقتال بين الدعوة وخصومها، حول قتال الممتنعين عن أداء شعائر الدين وأركان الإسلام كالصلاة والزكاة، وقتال الممتنعين عن ترك الشركيات والبدع، وإزالة مظاهرها من القباب والمشاهد والمزارات ونحوها حين حصل هذا: أجاب علماء الدعوة وقادتها وأمراؤها عن شبهات القوم بأدلة القرآن والسنة وعمل السلف الصالح من الصحابة والأئمة الأربعة وغيرهم الموجبة لقتال تارك الصلاة، بل وصرح
стр. 249
الفقهاء بقتال تارك الوضوء وقتال أهل البلد إذا تركوا الأذان أو صلاة العيدين، أو منعوا الزكاة، وذكروا كلام الأئمة المعتبرين في ذلك من المالكية والشافعية والحنابلة، وغيرهم (١) .
يقول الإمام محمد عبد الوهاب موضحًا هذه المسألة: «وأما القتال: فلم نقاتل أحدًا إلاّ دون النفس، والحرمة؛ فإنا نقاتل على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] [سورة الشورى، آية: ٤٠] وكذلك: من جاهر بسبِّ دين الرسول، بعدما عرفه، والسلام» (٢) .
إضافة إلى ما ذكره الإمام وأتباعه في نفي هذه الشبهة فإن الشيخ صرح أن من الكبائر قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، حيث قال: «باب تعظيم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق» (٣) .
وقد أثار عليهم خصومهم وبعض الجهلة أنهم يستحلون الغارات والقتال والأموال بدعوى أنها غنائم، وهذا من التلبيس، فإن الغنائم قد أحلها الله ورسوله بالقتال المشروع. وقد أجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن هذه الشبهة بقوله: «من المعلوم عند الموافق والمخالف، أن أئمة المسلمين، الذين أقام الله بهم هذا الدين، بعدما اشتدت غربته من بين الظلمة والمفسدين، أن الله بفضله ورحمته، أقامهم بالحق المبين، فدعوا إلى التوحيد، وأنكروا كل شرك وشك وتنديد، ونشروا أعلام الجهاد، حتى أدخل الله بدعوتهم، كل حاضر من قومهم وباد.
فأخذوا تلك الأموال من أهل البغي والفساد، بسيف الحق والجهاد، فهو - بحمد الله - من طيب الحلال بلا تردد ولا إشكال، فقد أحل الله لرسوله ﷺ ، ولأمته الغنائم؛ وقد غنم الصحابة ﵁: أموال من ارتد من العرب، أو شك في الحق واضطرب.
وكل ما لا يؤيد بالدليل، فلا التفات إليه، ولا تعويل، على أن الكثير من تلك الأموال، التي أخذت على هذا الوجه الحلال، وصارت من جملة بيت المال، قد تركت في
стр. 250
أيدي الغاصبين لها، حين تبدلت الحال؛ فلما قام هؤلاء الولاة، واجتمع عليهم الناس في هذه الأوقات، لم يبق في أيديهم من أموال الفيء إلا القليل؛ لتغلب أناس عليهم من ظلمة ذلك الجيل» (١) .
ومن المفتريات التي أشاعها خصومهم دعوى أنهم يتعمدون قتل من لا يجوز قتلهم من الشيوخ والنساء والصبيان ونحوهم.
وقد أجاب على ذلك الشيخ: عبد الله بن الإمام: «وأما قولكم: إنه يحكى لنا أنكم تقتلون، ذا الشيبة، والمرأة، والصغير، ورسول الله ﷺ أمر أن لا يقتل من المشركين لا شيبة عاجز، ولا امرأة، ولا قاصر لم يُنبت. فنقول: هذا كذب وزور، وبهتان علينا فلا نأمر بقتل الشيخ الكبير من المشركين، ولا المرأة ولا الصغير الذي لم يُنبت، فإن كان أحد من جهال المسلمين البعيد عنا فعل شيئًا من ذلك، فهو مخطئ مخالف لشرع الله ورسوله، ونحن نبرأ إلى الله من ذلك» (٢) .
كان الشيخ الإمام يعلم، وكان يدور في خلده آنذاك أن الدعوة إلى توحيد الله تعالى نشر الدين والعلم والعمل بشرع الله، ومحاربة البدع والشركيات والجهل، ومحاربة الفساد والظلم والشتات، كل ذلك من الأمور الكبار التي - ولا شك - ستثير أعداء، وأنها سيكون لها كيان وقوة، ويظهر ذلك جليًا من قول له لابن معمر في العيينة «إن هذا الذي أنا قمت به ودعوت إليه كلمة لا إله إلا الله، وأركان الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أنت تمسكتَ به ونصرته، فإن الله سبحانه يُظهرك على أعدائك، فلا يزعجك سليمان ولا يفزعك فإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك بلاده (يعني والي الأحساء) وما وراءها وما دونها» (٣) .
وقوله لمحمد بن سعود عند قدومه إليه بالدرعية: «فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها» (٤) (يعني الضرائب) .
стр. 251
[المبحث السادس قضايا أخرى]
[دعوى أنهم خوارج وأن سيماهم التحليق]
المبحث السادس
قضايا أخرى مناقشة دعوى أنهم خوارج وأن سيماهم التحليق: ومن أعظم المفتريات التي أشاعها خصوم الدعوة والجاهلون بأصولها ومنهجها وواقعها - اتهام إمامها وأتباعها وولاتها بأنهم خوارج.
وألصقوا فيهم ما ورد من صفات الخوارج ونحوها، كالتكفير بالذنوب، واستحلال الدماء، والتحليق، وأنهم قرن الشيطان، وأتباع مسيلمة وقد ناوؤا هذه الدعوة ودولتها بهذه الدعاية، فأوهموا كثيرًا من المسلمين والجنود التي تقاتل في صفوفهم بأنهم يقاتلون الخوارج الذين أمر الرسول ﷺ بقتالهم.
وهذه الدعوى من إحدى الكُبَر والبهتان العظيم.
فإن الناظر لحقيقة الدعوة في عقيدتها ومنهجها وأحكامها ومعاملاتها وما كتبه علماؤها من المصنفات والرسائل والمحاورات والردود، وما كتبه عنها المنصفون والمحايدون من المسلمين وغير المسلمين يجد الحقيقة بينة جلية في أن الدعوة - إمامها وعلماءها ودولتها وأتباعها بريئون من مذهب الخوارج براءة الذئب من دم يوسف.
فإن من يعيرهم الآخرون (بالوهابية) إنما هم - كما أسلفت - يمثلون أهل السنة والجماعة السلف الصالح، فهم على سنة الرسول ﷺ وسبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وأئمة الدين من الأئمة الأربعة، ومن كان على منهاجهم من العلماء المعتبرين.
فمصادرهم: القرآن وما صح عن رسول الله ﷺ .
وقدوتهم: الرسول ﷺ وصحابته ﵁ والسلف الصالح.
وغايتهم: تحقيق التوحيد ومستلزماته، ونفي الشرك وذرائعه، وإقامة فرائض الدين ونشر الفضائل ومكارم الأخلاق.
وشعارهم: الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقبل أن أسوق نبذة من أقوالهم ومواقفهم من بدع الخوارج، أعرض للقارئ مقارنة موجزة بين منهجهم ومناهج الخوارج فمن ذلك: - أن الخوارج (ناصبة) يطعنون في علي ﵁ ولا يَعْتَدُّون بإمامته، وقد خرجوا عليه وعلى جماعة المسلمين. وأهل السنة ومنهم أتباع هذه الدعوة يترضون عن علي ﵁ ويرونه رابع الخلفاء الراشدين، ولا يرون الخروج عليه ولا على غيره من أئمة المسلمين.
стр. 252
- والخوارج يطعنون في كثير من الصحابة كعثمان وعلي ومعاوية وأبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، وطلحة والزبير ﵁ وغيرهم من خيار الصحابة، وأهل السنة ومنهم أتباع هذه الدعوة يوالون كل الصحابة ويترضون عنهم.
- والخوارج يكفرون أهل الكبائر ويستحلون دماءهم، ويعتقدون خلودهم في النار إذا ماتوا على كبائرهم. وأهل السنة على خلاف ذلك ومنهم أتباع هذه الدعوة.
- والخوارج ينكرون الشفاعة والرؤية الثابتة بالنصوص القطعية، وأهل السنة ومنهم أتباع هذه الدعوة على خلاف ذلك.
- والخوارج سيماهم التحليق، وليس هذا من شعارات أتباع الدعوة ولا من سماتهم، وقد تبرءوا من هذا الشعار كما أسلفت.
وهنا أسوق شيئًا من أقوالهم ومواقفهم من مذهب الخوارج وردهم على من اتهمهم به:
لما سئل أبناء الإمام، محمد بن عبد الوهاب، وحمد بن ناصر بن معمر، هل عندكم: أنه ما يلبث موحد في النار، أم لا؟ (أي كما تزعم الخوارج والمعتزلة) :
فأجابوا: «الذي نعتقده ديناً، ونرضاه لإخواننا المسلمين، مذهباً، أن الله ﵎ لا يخلد أحدًا فيها من أهل التوحيد، كما تظاهرت عليه الأدلة، من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية ﵀: تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ «بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الإيمان ما يزن شعيرة» (١) وفي لفظ «ذرة» ولكنها جاءت مقيدة بالقيود الثقال، كقوله: «من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» (٢) وفي رواية «صادقًا من قلبه» انتهى.
وهذا: هو مذهب أهل السنة والجماعة، من أصحاب رسول الله ﷺ ومن اتبعهم بإحسان، من سلف الأمة وأئمتها، ولا يخالف في ذلك إلا الخوارج، والمعتزلة القائلون بتخليد أهل
стр. 253
الكبائر في النار. والجواب: عن الآيات التي احتجوا بها: تحتاج إلى بسط طويل» (١) .
فالقول بتخليد أهل الكبائر في النار من الأصول المميزة للخوارج وتتفق عليها فرقهم. وردُّ أهل السنة - ومنهم الإمام محمد وأتباعه - على الخوارج في هذه المسألة وغيرها مشهور مستفيض. وبذلك كانوا ينفون تهمة أنهم خوارج.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الإمام محمد بن عبد الوهاب: «وأما أهل هذه الدعوة الإسلامية (٢) التي أظهرها الله بنجد، وانتشرت واعترف بصحتها كثير من العلماء والعقلاء، وأدحض الله حجة من نازعهم بالشهادة، فهم بحمد الله أبعد الناس عن مشابهة الخوارج وغيرهم من أهل البدع، ودينهم هو الحق، يدعون إلى ما بعث الله به رسله، من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وينهون عن دعوة الأموات والغائبين، وطلب الشفاعة منهم» .
وقال: «ولم يكفروا أحدًا من الصحابة ﵁ بل أحبوهم ووالوهم، وأعرضوا عما شجر بينهم، وعلموا أن لهم حسنات عظيمة، يمحو الله بها السيئات، وتضاعف بها الحسنات» (٣) .
وهم يحذِّرون من الخوارج ومن بدعهم ويعلنون مخالفتهم كما جاء في رسالة الإمام فيصل بن تركي إلى راشد بن عيسى في البحرين كتبها الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن قال: «وأما أهل البدع، فمنهم: الخوارج، الذين خرجوا على أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب ﵁ وقاتلوه؛ واستباحوا دماء المسلمين، وأموالهم متأولين في ذلك، وأشهر أقوالهم: تكفيرهم بما دون الشرك من الذنوب، فهم: يكفرون أهل الكبائر، والمذنبين من هذه الأمة؛ وقد قاتلهم: علي بن أبي طالب ﵁ ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ .
وصحت فيهم الأحاديث» (٤) .
стр. 254
وقد أنكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن على بعض الغلاة المنتسبين للدعوة فقال: «وقد بلغنا: عنكم، نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعادة، والمصالحة والمكاتبة، وبذل الأموال والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله، والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومَن رزق الفهم عن الله، وأوتي الحكمة وفصل الخطاب» (١) .
قال: «وأما: التكفير بهذه الأمور، التي ظننتموها، من مكفرات أهل الإسلام فهذا: مذهب، الحرورية، المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة» (٢) .
أما فرية أن سيماهم التحليق كما هي سمة الخوارج: فقد أشاع خصوم الدعوة أن أتباعها يتعبدون بحلق شعر الرأس وأنهم يجعلون ذلك سمة لهم، وأنهم بذلك يكونون من الخوارج الذين أخبر النبي ﷺ أن سيماهم التحليق (٣) وهذا من البهتان، فإن أقوالهم وفتاويهم، وحالهم تكذِّب هذا البهتان أما ما ينسب لبعض الجهلة والأعراب في ذلك من التشدد والقتال على هذا، فإن ذلك من الخطأ الذي لا يُقَرّ بل كانوا يؤدبون عليه.
قال الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب رادًّا لهذه الفرية: «وأما البحث عن حلق شعر الرأس، وأن بعض البوادي الذين دخلوا في ديننا، قاتلوا من لم يحلق رأسه، وقتلوا بسبب الحلق خاصة، وأن من لم يحلق رأسه صار مرتدًّا؟
فالجواب:
أن هذا كذب وافتراء علينا، ولا يفعل هذا من يؤمن بالله واليوم الآخر، فإن الكفر والردة لا تكون إلا بإنكار ما علم بالضرورة من دين الإسلام، وأنواع الكفر والردة من الأقوال والأفعال، معلومة عند أهل العلم، وليس عدم الحلق منها، بل ولم نقل: إن الحلق مسنون، فضلاً عن أن يكون واجبًا عن أن يكون تركه ردة عن الإسلام.
стр. 255
والذي وردت السنة بالنهي عنه، هو القزع، وهو: حلق بعض الرأس، وترك بعضه، وهذا هو الذي نُهينا عنه ونؤدب فاعله، ولكن الجُهال القادمون إليكم لا يميزون أنواع الكفر والردة، وكثير منهم غرضه نهب الأموال، ونحن لم نأمر أحدًا من الأمراء بقتال من لم يحلق رأسه.
بل نأمرهم بقتال من أشرك بالله، وأبى عن توحيد الله، والتزام شرائع الإسلام وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، فإذا فعلوا خلاف ذلك وبلغنا ذلك من فعلهم لم نُقِرهم على ذلك، بل نبرأ إلى الله من فعلهم، ونؤدبهم على قدر جرائمهم، بحول الله وقوته» (١) .
ويقول عبد الكريم بن فخر الدين: «وأما ما ورد في الخوارج سيماهم التحليق، فلا ينطبق على ما ادعاه فإن ترك الشعر واللّمة سنة عند محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، فإن كان صحيحًا يحمل أمره ذلك، فيمن كان جديد الإسلام كما قال رسول الله ﷺ : «ألق عنك شعر الكفر» (٢)) » (٣) .
ويقول الشوكاني لما بلغته بعض المفتريات والشائعات عن الإمام عبد العزيز بن سعود وعن الإمام محمد بن عبد الوهاب: «وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن ذلك صحيحاً، فإن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبد الوهاب» (٤) .
وخلاصة القول أن السلف الصالح أهل السنة والجماعة، ومنهم الإمام وأتباعه لا يتعبدون بالتحليق ولا يجعلون شعارًا لهم، ولا يُلزمون -على جهة التعبد- أحدًا بذلك.
أما ما قد يحدث من أن بعضهم يرغب التحليق عادة، أو يأمر غيره به أحيانًا من غير إلزام، ومن غير براء ممن لم يفعل، أو يحلقه ويأمر بحلقه على جهة النظافة، والتخفف من مشقة صيانة الشعر وتعهده بالدهن والغسل والفرق ونحو ذلك، فهذا مما لا نزاع فيه، وليس مما يُثَرَّب فيه على أحد.
стр. 256
[دعوى أن منشأ الدعوة نجد هي قرن الشيطان]
دعوى أن منشأ الدعوة قرن الشيطان:
مما أثاره خصوم الدعوة من أهل الأهواء والبدع والافتراق دعوى أن نجد هي قرن الشيطان استنادًا للحديث الذي ورد فيه أن نجد والمشرق قرن الشيطان.
مع أن العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة السلف وغيرهم من أهل اللغة والمعاجم ذكروا أن المقصود بالمشرق ونجد في الحديث هي نجد العراق.
وبيَّنوا كذلك أن الذم ليس لكل من سكن نجدًا والمشرق.
كما لا يلزم من ذم مكان الذم المطلق في كل الأحوال والأزمنة.
والعراق نفسه وهو الذي ورد فيه الذم، لا يعني ذلك أنه لا خير فيه مطلقاً، ولا أن أهله مذمومون، وأن ما خرج منه من العلم والصلاح والخير مردود، إنما تخرج منه الفتن أكثر من غير، من قِبَل أهل الأهواء والفساد لا أهل الصلاح فكثيرون من أهل العراق هم من أئمة الإسلام وقادته، وعلمائه وخرج منه خير كثير للإسلام والمسلمين في دينهم ودنياهم.
وخرجت من العراق دعوات إصلاحية كبرى ودعاة مهتدون كالإمام أبي حنيفة والإمام أحمد.
فهل نَرُدّ مذهب كل من هذين الإمامين وأمثالهما لمجرد أنها صدرت من موطن الفتن وقرن الشيطان.
فخبر النبي ﷺ هذا وأمثاله لا يتضمن رد الحق الذي يأتي من جهة ما ورد شيء من أحوالها.
وكذلك نجد وسط شبه الجزيرة - لو فرضنا جدلًا أنها مَعْنية بالحديث - فلا يعني ذلك أنها لا يصدر عنها ولا عن أهلها خير ولا صلاح، وأنها لا تنصر التوحيد والسنة، فمكة والمدينة وهما أفضل البقاع لم تسلم من ظهور الشركيات والبدع، حول القباب والأضرحة والمزارات والمشاهد التي أزالتها الدولة السعودية المباركة، فهل يجوز أن يكون مناط الذم لنجد ظهور التوحيد والسنة فيها؟ وهل يكون مناط المدح لمكة والمدينة - آنذاك - ظهور البدع والمنكرات فيها؟ لا يقول ذلك عاقل فضلًا عن المؤمن.
وهذا كله على سبيل التنزُّل في الحوار.
ونرجع إلى تقرير أن نجد المقصودة في أحاديث النبي ﷺ تلك هي نجد العراق، وهي المقصودة بالمشرق بالنسبة للمدينة النبوية.
стр. 257
وقد بيّن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن أن المراد بالمشرق ونجد الذي ورد ذمه في الحديث هو العراق فقال: «إن المراد بالمشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله هو العراق؛ لأنه يحاذي المدينة من جهة الشرق، يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث: «وأشار إلى العراق» قال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة، كان نجده بادية الشام ونواحيها فهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها، وقال الداودي: إن نجدًا من ناحية العراق، ذكر هذا الحافظ ابن حجر، ويشهد له ما في مسلم عن ابن عمر قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أن الفتنة تجيء من هاهنا، وأومئ بيده إلى المشرق» (١) فظهر أن هذا الحديث خاص لأهل العراق؛ لأن النبي ﷺ فسَّر المراد بالإشارة الحسية وقد جاء صريحًا في «المعجم الكبير» (٢) . للطبراني النص على أنها العراق. وقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال كل هذا يعين المراد. . .» (٣) .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن كذلك مبينًا أن الذم لا يلزم أن يقع على المحل إنما على الحال: «الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل، والأحاديث التي وردت في ذم نجد كقوله ﷺ : «اللهم بارك لنا في يمننا. اللهم بارك لنا في شامنا» قالوا وفي نجدنا
стр. 258
قال: «هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان» (١) . . . قيل أنه أراد نجد العراق؛ لأن في بعض ألفاظه: ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نجد الحجاز، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث، فقد جرى على العراق من الملاحم والفتن، ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير والتاريخ، كخروج الخوارج بها، وكمقتل الحسين، وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار وقد ادعى النبوة، وقتال بني أمية لمصعب وقتله، وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال، وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عده.
وعلى كل حال فالذم إنما يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل. وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس» (٢) .
ويرد الشيخ عبد اللطيف كذلك على من طعن في نجد اليمامة؛ لأنها - على حد زعمه - بلد نجدة الحروري والقرمطي، فيقول: «كون نجدة الحروري والقرمطي من هذه البلاد، كلام كذب وزور على عادته، فإن نجدة ابتلي ببدعته ومروقه بالعراق، وبما استقر وهي وطنه، وأيضًا فقد ثبت أنه تاب لما ناظره ابن عباس، والقرمطي بلاده القطيف والخط، وليس من حدود اليمامة، بل ولا من حدود نجد. ثم لو فُرض أنه من نجد، ومن اليمامة ومن بلدة الشيخ أيّ ضرر في ذلك؟ وهل عاب الله ورسوله أحدًا من المسلمين أو غيرهم ببلده ووطنه، وكونه فارسيًّا أو زنجيًا أو مصريًّا من بلاد فرعون، ومحل كفره وسلطته؟ وعكرمة بن أبي جهل من أفاضل الصحابة، وأبوه فرعون هذه الأمة» (٣) .
وقال الشيخ السهسواني في كتاب «صيانة الإنسان» عند ذكره الروايات في شأن نجد قرن الشيطان، وساق أقوال العلماء في ذلك، ومرادهم بنجد هاهنا، ثم قال:
стр. 259
«ولا يخفى عليك أن لفظًا من ألفاظ هذا الحديث، لا يقتضي أن كل من يولد في المشرق يكون مصداقًا لهذا الحديث حتى يثبت ما ادعاه المؤلف» .
ثم قال: «ومجرد وقوع الفتنة لا يستلزم ذم كل من يسكنه، بدليل ما رواه الشيخان عن أسامة بن زيد قال: أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة، فقال: « «هل ترون ما أرى؟» قالوا: لا قال: «فإني لأرى الفتن تقع من خلال بيتكم كوقع المطر» » (١)(٢) .
وذكر المؤلف أحاديث أخرى، ثم قال: «وهذه الأحاديث وغيرها مما ورد في هذا الباب دالة على وقوع الفتن في المدينة النبوية، فلو كان وقوع الفتن في موضع مستلزمًا لذم ساكنيه لزم ذم سكان المدينة كلهم أجمعين، وهذا لا يقول به أحد، على أن مكة والمدينة كانتا في زمن موضع الشرك والكفر، وأي فتنة أكبر منهما؟ بل وما من بلدٍ أو قريةٍ إلا وقد كانت في زمن أو ستصير في زمان موضع الفتنة، فكيف يجترئ مؤمن على ذم جميع مسلمي الدنيا؟ وإنما مناط ذم شخص معين كونه مصدرًا للفتن من الكفر والشرك والبدع» .
ثم ذكر السهسواني الروايات التي تثبت أن العراق هو المراد في أحاديث الفتن في نجد، وأنه المشرق بالنسبة للمدينة المنورة (٣) .
ويقول محمود شكري الآلوسي عن بلده العراق- والتي هي في الحقيقة نجد قرن الشيطان -: «ولا بدع فبلاد العراق معدن كل محنة وبليّة، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزيّة، فأهل الحروراء وما جرى منهم على الإسلام لا يخفى، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام إنما خرجت ونبغت بالعراق، والمعتزلة وما قالوه
стр. 260
للحسن البصري وتواترت النقل به. . . إنما نبغوا وظهروا بالبصرة، ثم الرافضة والشيعة وما حصل فيهم من الغلو في أهل البيت، والقول الشنيع في الإمام وسائر الأئمة ومسبّة أكابر الصحابة. . .، كل هذا معروف مستفيض» (١) .
ويرد الشيخ ابن سحمان على من وصف أهل نجد بأنهم من ذرية مسيلمة الكذّاب، وبين أن العراق هي موطن الفتن؛ لأنها مشرق المدينة وليست اليمامة، يقول: «وآباء أصحاب رسول الله ﷺ وأسلافهم كانوا على جاهلية، وشرك، وعبادة للأصنام والأحجار وغيرها. ولا يتوجه عيب أحد منهم بأسلافه وقد يُخرج الله من أصلاب المشركين، والكفّار من هو من خواص أوليائه وأصفيائه. . .» (٢) .
ويقول: «وقد كان بلد الشيخ اليمامة، ولم تكن اليمامة مشرق المدينة، بل مشرق المدينة العراق ونواحيه، فاليمامة ليست مشرق المدينة، ولا هي وسط المشرق بين المدينة والعراق، بل اليمامة شرق مكة المشرفة. . .» (٣) .
ويوضح الشيخ حمود التويجري في كتابه «إيضاح المحجة» : «أن الروايات الواردة في طلوع قرن الشيطان في المشرق كلها عن عبد الله بن عمر ﵄ وقد صرح في بعضها أن المراد بالمشرق أرض العراق فبطل بذلك كل ما يتعلق به الملاحدة على أهل الجزيرة العربية» (٤) .
ويقول الشيخ ناصر الدين الألباني في تعليقه على حديث «اللهم بارك لنا في شامنا. . .» بعد أن ساق طرقه ومروياته: «فيستفاد من مجموع طرق الحديث أن المراد من نجد في رواية البخاري ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما هو العراق، وبذلك فسّره الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني وتجد كلامهما في ذلك في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري
стр. 261
للحافظ، وقد تحقق ما أنبأ به ﵇ فإن كثيرًا من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق كالقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ. فالحديث من معجزاته وأعلام نبوته ﷺ » (١) .
[لمزهم أنهم من بلاد مسيلمة الكذاب]
لمزهم في أنهم من بلاد مسيلمة الكذاب: وفي لمزهم للإمام وأتباعه من أهل نجد بأنها (ديار مسيلمة) يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «وقد أفنى الله كل من حضر مسيلمة في القرن الأول ولم يبق بنجد من يصدق مسيلمة الكذاب، بل من كان في أواخر عهد الصحابة ﵁ ومن بعدهم بنجد يُكَفِّرون مسيلمة ويكذِّبُونه فلم يبق بنجد من فتنة مسيلمة لا عين ولا أثر. فلو ذُمَّ نجدٌ بمسيلمة بعد زواله وزوال من يصده لذُم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة.
وما ضر المدينة سكنى اليهود فيها، وقد صارت مُهَاجر رسول الله ﷺ وأصحابه، ومعقل الإسلام، وما ذمت مكة بتكذيب أهلها الرسول ﷺ وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه، فإذا كان الأمر كذلك فأرض اليمامة لم تَعْص الله وإنما ضرت المعصية ساكنيها، [آنذاك] بتصديقهم كذابهم، وما طالت مدتهم على ذلك الكفر بحمد الله، فطهَّر الله تلك البلاد منهم، ومن سلم منهم من القتل دخل في الإسلام، فصارت بلادهم بلاد إسلام، بُنيت فيها المساجد، وأقيمت فيها الشرائع، وعُبد الله فيها في عهد الصحابة ﵁ وبعدهم، ونفَر كثيرٌ منهم مع خالد بن الوليد لقتال العجم، فقاتلوا مع المسلمين، فنال تلك البلاد من الفضل ما نال غيرها من بلاد أهل الإسلام، على أنها تفضل على كثير من البلاد بالحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال وهو بمكة لأصحابه «أُريت دار هجرتكم» فوصفها ثم قال: «فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو يثرب» (٢) ورؤيا النبي ﷺ وحي حق، وكفى بهذا فضلًا لليمامة وشرفًا لها على غيرها، فإن ذهاب وهله ﷺ في
стр. 262
رؤياه إليها لا بد أن يكون له أثر في الخير يظهر» (١) .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ردًّا على من عيَّر الشيخ بأنه من ديار مسيلمة الكذاب: «ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين، وطرد هذا القول جرأة على النبيين وأكابر المؤمنين، وهذا المعترض كعنز السوء يبحث عن حتفه بظلفه ولا يدري» (٢) .
ثم لا ننسى أنه ما في بلد من بلاد المسلمين إلا وخرج فيها متنبئ كذاب، ففي اليمن خرج الأسود العنسي، وفي عمان خرج لقيط الأزدي، وفي شرق جزيرة العرب خرجت سجاح، وفي شمالها ووسطها خرج طليحة الأسدي.
وفي الهند خرج الميرزا غلام أحمد القادياني، وفي فارس خرج البهاء، وفي خراسان سيخرج الدجال الأكبر. . . وهكذا بقية البلاد الإسلامية فهل يُذم المسلمون وتذم ديارهم مطلقًا بهذا؟!
[فرية منع الحج ونهْب خزائن الحجرة النبوية وانتهاك حرمة المقدسات]
فرية منع الحج ونهب خزائن الحجرة النَّبوية وانتهاك حرمة المقدسات: لما تمكنت الدولة السعودية الأولى من دخول مكة زعم خصوم الدعوة أنها منعت الحج، والحق أن الحج لم يُمنع إنما مُنعت ممارسة المنكرات والبدع كالمحمل ومُنعت البدع والمحدثات الأخرى في الدين كالمزارات والمشاهد والقباب، وأكثر الحجاج جُهَّال أو أهل بدع قد يتعلقون بها، ولما مُنعت هذه البدع من قِبَل الدولة السعودية أكثر من مرة قالوا: مُنِعَ الحجّ؛ لأنها عندهم هي الحج فلا رغبة عندهم لقصد الحج بدون تلكم البدع التي نشأوا عليها، وغُذي هذا الشعور لديهم من قبل علماء السوء والكبراء المنتفعين من هذه الأوضاع البدعية.
والحق: أن الدولة السعودية كلما تمكنت في الحرمين يسرت طرق الحج، وأشاعت الأمن، ووفرت المؤن للحجاج ورفعت المظالم وأسقطت الضرائب، وما أشيع خلاف ذلك فهو من المفتريات والدعايات المغرضة التي لا أصل لها أو من التجاوزات القليلة التي ربما حدثت من مغرضين أو جهلة ونحوهم ممن ليسوا على النهج الذي سلكته الدعوة ودولتها (الدولة السعودية) في منهجها القائم على الشرع والسنة.
стр. 263
لقد أشاع خصوم الدعوة أن الوهابيين يمنعون الحجاج من دخول الديار المقدسة وأداء شعائر الحج والعمرة.
وكان لهذه الدعاية المضادة والإشاعات الكاذبة أثره في نفوس المسلمين البعيدين عن رؤية الحقيقة مما جعل كثيرين من الحجاج في أكثر البلاد الإسلامية يُحجمون عن الحج والذهاب إلى مكة والمدينة.
ولكن عندما ندرس هذه القضية بموضوعية، ونتفحص الملابسات العقدية والسياسية والتاريخية وغيرها نتوصل إلى الحقائق التالية:
١ - أن الدولة السعودية حين حكمت الحجاز في أدوارها الثلاثة وحتى الآن لم تمنع الناس من الحج ولم تضيق عليهم، بل العكس هو الصحيح، فقد قامت بجد وحزم بتأمين السبل وتخفيف المظالم والضرائب التي تُثقل كاهل أهل الحجاز، ووفرت المؤن والخدمات للحجاج بشكل لم يسبق له مثيل في العصور المتأخرة.
٢ - أنه في تلك الأثناء التي انقطع فيها بعض الحجاج عن الحج بسبب الدعاية المغرضة، حج آخرون جماعات (كالمغاربة) وأفرادًا من سائر البلاد الإسلامية وشهدوا بأنهم لم يحصل لهم من المضايقات أو ما يمنع من إقدام الناس على الحج، بل العكس فقد رأوا استتباب الأمن وظهور السنة، واحترام مشاعر الحج وشعائره، ورفع الضرائب. وبهذه الأمور تنقطع مصالح المنتفعين من ظهور البدع ومن سوء الأحوال، وهم الذين أشاعوا أن الدولة السعودية منعت الحج.
٣ - أن الذين أوقفوا مسيرات الحج هم رؤوس القوم وشيوخ البدع، والساسة وقادة قوافل الحج الذين لهم مصالح في استمرار البدع والمظالم والضرائب المصاحبة للحجيج غالباً.
وأعرض شهادة مؤرخ محايد بهذا الصدد وهو الجبرتي؛ إذ قال: «وفي هذه الأيام (١) أيضًا وصلت الأخبار من الديار الحجازية بمسالمة الشريف غالب للوهابيين؛ وذلك لشدة ما حصل لهم من المضايقة الشديدة وقطع الجالب عنهم من كل ناحية حتى وصل ثمن الأردب المصري من الأرز خمسمائة ريال والأردب البر ثلثمائة
стр. 264
وعشرة، وقس على ذلك السمن والعسل وغير ذلك، فلم يسع الشريف إلا مسالمتهم، والدخول في طاعتهم، وسلوك طريقتهم، وأخذ العهد على دعاتهم وكبيرهم بداخل الكعبة، وأمر بمنع المنكرات والتجاهر بها، وشرب الأراجيل بالتنباك في المسعى وبين الصفا والمروة، وبالملازمة على الصلوات في الجماعة، ودفع الزكاة، وترك لبس الحرير والمقصبات، وإبطال المكوس والمظالم، وكانوا خرجوا عن الحدود في ذلك حتى إن الميت يأخذون عليه خمسة فرانسة وعشرة بحسب حاله، وإن لم يدفع أهله القدر الذي يتقرر عليه فلا يقدرون على رفعه ودفنه، ولا يتقرب إليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الإذن، وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي أحدثوها على المبيعات والمشتروات على البائع والمشتري، ومصادرات الناس في أموالهم ودورهم.
فيكون الشخص من سائر الناس جالسا بداره فما يشعر على حين غفلة منه إلا والأعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها، ويقولون: إن سيد الجميع محتاج إليها، فإما أن يخرج منها جملة وتصير من أملاك الشريف، وإما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها أو أقل أو أكثر فعاهده (١) على ترك ذلك كله، واتباع ما أمر الله تعالى به في كتابه العزيز من إخلاص التوحيد لله وحده، واتباع سنة الرسول ﵊، وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون إلى آخر القرن الثالث، وترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخارف، وتقبيل الأعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف، والنذور والذبح والقربان وعمل الأعياد والمواسم لها، واجتماع أصناف الخلائق، واختلاط النساء بالرجال، وباقي الأشياء التي فيها شركة المخلوقين مع الخالق في توحيد الألوهية التي بعثت الرسل إلى مقاتلة من خالفها ليكون الدين كله لله.
فعاهده على منع ذلك كله، وعلى هدم القباب المبنية على القبور والأضرحة؛ لأنها من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهده بعد المناظرة مع علماء تلك الناحية، وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة وإذعانهم لذلك، فعند ذلك
стр. 265
أمنت السبل، وسلكت الطرق بين مكة والمدينة، وبين مكة وجدة والطائف، وانحلت الأسعار، وكثر وجود المطعومات، وما يجلبه عربان الشرق إلى الحرمين من الغلال والأغنام والأسمان والأعسال، حتى بيع الأردب من الحنطة بأربع ريالات، واستمر الشريف غالب يأخذ العشور من التجار، وإذا نوقش في ذلك يقول: هؤلاء مشركون، وأنا آخذ من المشركين، لا من الموحدين (١) " (٢) .
إذن فالمشكلة في أن أكثر أهل البدع لا يستغنون في حجهم وعمرتهم وزيارتهم للديار المقدسة عن ممارسة البدع، من زيارة القباب والقبور والمشاهد والآثار والأشجار والأحجار التي يقدسونها، ويتبركون بها بزعمهم.
٤ - فالدعوة والدولة السعودية عملت بوصية النبي ﷺ بإزالة كل آثار البدع من هذه القباب والمشاهد والمزارات، وحلق الصوفية وسماعاتها، وإزالة مظاهر الفرقة من تعدد الجماعات في المسجد الحرام وغيره.
وأهل البدع لا يرون للحج معنى ولا قيمة بدون هذه البدع، فلما علموا أنهم سيمنعون منها وأن مشاهدها أزيلت عدلوا عن الحج، وقد شهد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي أيضا - وهو محايد - كما ذكرت بهذه الحقيقة، وعبر عنها بوضوح قائلا:
" وفيه (٣) ورد الخبر بأن ركب الحاج الشامي رجع من منزلة هدية ولم يحج في هذا العام؛ وذلك أنه لما وصل إلى المنزلة المذكورة أرسل الوهابي إلى عبد الله باشا أمير الحاج يقول إنه لا تأت إلا على الشرط الذي شرطناه عليك في العام الماضي، وهو أن يأتي بدون المحمل، وما يصحبهم من الطبل والزمر والأسلحة، وكل ما كان مخالفا للشرع، فلما سمعوا ذلك رجعوا من غير حج، ولم يتركوا مناكيرهم " (٤) .
стр. 266
٥ - وعلى هذا فإن الإمام سعودا لم يمنع أحدا من المسلمين من الحج، إنما منع إهانة البلاد المقدسة بالبدع والمنكرات التي تصحب المحمل وقوافل الحج، إذن فالمشكلة تكمن في أن أكثر المسلمين المتعلقين بالبدع لا يستغنون في حجهم وعمرتهم وزيارتهم للديار المقدسة عن ممارسة البدع، من زيارة القباب والقبور والمشاهد والآثار والأشجار والأحجار التي يقدسونها ويتبركون بها بزعمهم، كما أسلفت.
٦ - كما أن الدولة السعودية لما مكنها الله تعالى من حكم إمارة مكة منعت بدعة المحمل، وما يصاحبها من بدع ومنكرات لا تليق، وتتنافى مع تعظيم شعائر الله والمشاعر المقدسة، وأهل البدع أصروا على اصطحاب المحمل وهم قادمون من عدد من البلاد الإسلامية المجاورة وغير المجاورة أو لا يحجون، فانقطع كثير منهم عن الحج لهذا السبب.
وقد ذكر الجبرتي مرة أخرى - وهو مؤرخ محايد - ذلك، وبين أن ابن سعود لم يمنع الحج لكنه منع البدع، قال في حوادث سنة (١٢٢٣ هـ) : " ومنها انقطاع الحج الشامي والمصري معتلين بمنع الوهابي (١) الناس عن الحج، والحال ليس كذلك، فإنه لم يمنع أحدا يأتي الحج على الطريق المشروعة، وإنما يمنع من يأتي بخلاف ذلك من البدع التي لا يجيزها الشرع مثل المحمل والطبل والزمر وحمل الأسلحة، وقد وصل طائفة من حجاج المغاربة وحجوا ورجعوا في هذا العام وما قبله، ولم يتعرض لهم أحد بشيء " (٢) .
يقول الدكتور عجيل النشمي:
" والحق الذي ينبغي أن يكشف أن الأمير سعودا لم يمنع أحدا من حج بيت الله الحرام، وكل ما حدث من ذلك إنما هي ملابسات اقتضتها الظروف السياسية والعسكرية، وكان لها ما يبررها فعلا، ولنثبت ذلك بتتبع هذا المنع كما أوردته ثقات المصادر "، ثم ذكر ذلك وقال:
" ويلاحظ هنا أنه منذ أن دخل سعود مكة في حجته الرابعة عام (١٢٢٢ هـ) لم يحج
стр. 267
أحد من عواصم البلاد الإسلامية الكبيرة من إستانبول أو الشام أو مصر أو العراق، والتعبير بأنه لم يحج أحد يشير إلى أنه لم ترسل تلك الدولة حملات الحج الرسمية المعتادة، وظل هذا الإحجام عن أداء فريضة الحج حتى (١٢٢٦ هـ) وهي السنة التي جهزت فيها دولة الخلافة محمد علي باشا لحرب الحركة الوهابية، وهذا يعني أن خمس سنوات مرت دون أن يحج أحد من تلك الأقطار.
وليس هناك ما يشير إلى أن الأمير سعودا هو الذي حظر على تلك العواصم من أن تحج، بل إن السبل في أيامه كانت أكثر أمنا من أي وقت مضى، وليس شرط الأمان الذي كان يأخذه أهالي المغرب كما ذكرنا شرطا أو بندا على الحج يمنع تلك الأقطار من الحج، فإن الذي يحتاجه - على ما نرجح - هم الحجاج الشراذم أو الجماعات الصغيرة، فإعطاؤه الأمان حينئذ زيادة في تمكينها من أداء الحج والعودة سالمة عبر تلك المسافات الشاسعة التي كان مرورها فيه قبل ذلك يحمل المخاطر الجسام، فالأمان والحال هذه ميزة لا قيد.
بل إن الأمير سعودا نفسه تعرض لهذه القضية لحساسيتها - وهذا من بعد نظره - فذكرها في رسالته إلى السلطان سليم، وبين أنه سيمنع الحاج القادم من الشام أو مصر إذا كان مصطحبا مظاهر الإخلال بمشاعر الحج وحرمتها، من اصطحاب الطبول والمزامير وما أشبهها، وعلل ذلك بأنه ليس من الدين في شيء، ولم يقل إنه سيمنعهم لمجرد المنع.
وهذا تلمسه ساطعا جليا في رسالته - آنفة الذكر - حين قال موجها الخطاب إلى السلطان سليم: " فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والزمور، فإن ذلك ليس من الدين من شيء ".
إلا أن النتيجة التي انبنت على هذا الإحجام عن الحج طوال هذه المدة أن انبنى في أذهان الناس عموما في شتى الأقطار نوع عداء للحركة الوهابية، نابع من أنها هي التي منعت الحج، وأن سبله تحوطها المخاطر الذي تتحمل مسئوليتها الحركة الوهابية، ولقد نجح - كما يبدو - استغلال هذا الواقع لتشويه وتجسيم عداء الأمير سعود أو الحركة الوهابية ككل لدولة الخلافة، ولقد قام بهذا الدور الشريف غالب وغيره فيما كان يرسل من رسائل إلى دولة الخلافة يوهمها بأن الأمير سعودا يمنع حجاج الأستانة أو غيرها، بل إن الشريف غالبا كان يزور الرسائل على لسان الأمير سعود، ويضمنها مثل تلك المعاني، كما سنكشفه فيما بعد " (١) .
стр. 268
ويقول الدكتور محمد بن سليمان الخضيري: " ومن الأساليب الأخرى التي اتبعتها لهذا الغرض إشاعة منع السعوديين للناس من الحج، والحقيقة كما قررها المؤرخون المنصفون أن الدولة السعودية لم تمنع أحدا أتى إلى الحج على الطريقة الإسلامية المشروعة، أما من يصر على أن يأتي بالبدع مثل: الطبل والزمر وحمل السلاح فالواجب تنبيهه أن ذلك يخالف الإسلام، فإن رضي فقد أعتق نفسه من مخالفة شرع الله، وإن رفض فلا مكان له بين حجاج المسلمين الملتزمين بالعقيدة الإسلامية " (١) .
[دعوى التضييق على أهل الحرمين في أرزاقهم]
دعوى التضييق على أهل الحرمين في أرزاقهم: الذين يعيشون ويرتزقون على موارد البدع كثيرون في مكة والمدينة وغيرهما، من سدنة القباب والمشاهد والمزارات، وحجابها وخدامها ومزوريها، وجيرانها والقائمين على أوقافها ومراسمها، وغيرهم كثير من المنتفعين من قيام هذه البدع ومنكراتها، كل هؤلاء تنقطع مواردهم بإزالة هذه البدع والمحدثات، وقد حصل شيء من ذلك عندما قامت الدولة السعودية وأتباع الدعوة السلفية بهدم القباب والمشاهد وإزالة البدع؛ مما تسبب كذلك في امتناع أهل البدع من القدوم للحجاز كما أسلفت، يقول الجبرتي في ذلك:
" ولما امتنعت قوافل الحج المصري والشامي، وانقطع عن أهل المدينة ومكة ما كان يصل إليهم من الصدقات والعلائف والصرر التي كانوا يتعيشون منها، خرجوا من أوطانهم بأولادهم ونسائهم، ولم يمكث إلا الذي ليس له إيراد من ذلك، وأتوا إلى مصر والشام، ومنهم من ذهب إلى إسلامبول يتشكون من الوهابي، ويستغيثون بالدولة في خلاص الحرمين؛ لتعود لهم الحالة التي كانوا عليها من إجراء الأرزاق واتصال الصلات " (٢) .
أما دعوى نهب خزائن الحجرة النبوية:
فإنه حينما تمكنت الدولة السعودية الأولى من المدينة أزالت المنكرات والبدع
стр. 269
والمحدثات، ومنها ما يفعله الجهلة وأهل البدع من إلقاء النفائس في الحجرة، فأخذها الإمام سعود بن عبد العزيز وعرض أمرها على العلماء، فأفتوه بصرفها في مصالح المسلمين، وهذا مما يجب أن يحمد له، لكن أهل البدع صوروا ذلك على أنه من الكبائر العظيمة.
يقول الجبرتي في ذلك: " ويذكرون أن الوهابي استولى على ما كان بالحجرة الشريفة من الذخائر والجواهر، ونقلها وأخذها، فيرون أن أخذه لذلك من الكبائر العظام ".
ثم قال الجبرتي مبينا أن أصل وجود الذخائر في الحجرة من البدع والخرافات: " وهذه الأشياء أرسلها ووضعها خساف العقول من الأغنياء والملوك والسلاطين الأعاجم وغيرهم، إما حرصا على الدنيا وكراهة أن يأخذها من يأتي بعدهم أو لنوائب الزمان، فتكون مدخرة ومحفوظة لوقت الاحتياج إليها، فيستعان بها على الجهاد ودفع الأعداء، فلما تقادمت عليها الأزمنة وتوالت عليها السنين والأعوام الكثيرة وهي في الزيادة، فارتدت معنى لا حقيقة، وارتسم في الأذهان حرمة تناولها، وأنها صارت مالا للنبي ﷺ ، فلا يجوز لأحد أخذها ولا إنفاقها، والنبي ﵊ منزه عن ذلك، ولم يدخر شيئا من عرض الدنيا في حياته، وقد أعطاه الله الشرف الأعلى، وهو الدعوة إلى الله تعالى والنبوة والكتاب، واختار أن يكون نبيا عبدا، ولم يختر أن يكون نبيا ملكا.
وثبت في الصحيحين وغيرهما أنه قال: " «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» " (١) وروى الترمذي بسنده عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، أو قال ثلاثا أو نحو ذلك، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» " (٢) ثم إن كانوا وضعوا هذه الذخائر والجواهر صدقة على الرسول ومحبة فيه فهو فاسد [فهو] (٣) لقول النبي ﷺ : " «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» " (٤)
стр. 270
ومنع بني هاشم من تناول الصدقة وحرمها عليهم، والمراد الانتفاع في حال الحياة لا بعدها " (١) .
ثم قال: " وكنز المال بحجرته وحرمان مستحقيه من الفقراء والمساكين وباقي الأصناف الثمانية، وإن قال المدخر: أكنزها لنوائب الزمان ليستعان بها على مجاهدة الكفار والمشركين عند الحاجة إليها، قلنا: قد رأينا شدة احتياج ملوك زماننا واضطرارهم في مصالحات المتغلبين عليهم من قرانات الإفرنج وخلو خزائنهم من الأموال التي أفنوها بسوء تدبيرهم وتفاخرهم ورفاهيتهم، فيصالحون المتغلبين بالمقادير العظيمة بكفالة إحدى الفرق من الإفرنج المسالمين لهم، واحتالوا على تحصيل المال من رعاياهم بزيادة المكوس والمصادرات والطلبات، والاستيلاء على الأموال بغير حق، حتى أفقروا تجارهم ورعاياهم، ولم يأخذوا من هذه المدخرات شيئا، بل ربما كان عندهم أو عند خونداتهم جوهر نفيس من بقايا المدخرات فيرسلونه هدية إلى الحجرة، ولا ينتفعون به في مهماتهم، فضلا عن إعطائه لمستحقه من المحتاجين، وإذا صار في ذلك المكان لا ينتفع به أحد إلا ما يختلسه العبيد الخصيون الذين يقال لهم أغوات الحرم، والفقراء من أولاد الرسول وأهل العلم والمحتاجون وأبناء السبيل يموتون جوعا، وهذه الذخائر محجور عليها وممنوعون منها إلى أن حضر الوهابي، واستولى على المدينة، وأخذ تلك الذخائر " (٢) .
ويكفي السعوديين فخرا أنهم جعلوا هذه الأموال تحت تصرف العلماء، وأنهم صرفوها في مصارفها الشرعية، وقد زعم بعض الخصوم أن أهل نجد حين تولوا بلاد الحرمين انتهكوا حرمات الحرم، وأهانوا أهله، وكل ذلك من البهتان، بل الصحيح عكس ذلك، والعجيب أن غير المسلمين كان بعضهم أكثر إنصافا في ذلك.
يقول الراهب هيوجس: لم يصب المواطنين أي أذى لأجل قداسة الحرم، وبعد أن تولى الإمارة أهل نجد
стр. 271
عمرت المساجد حتى إن هذا المنظر من الزهد والطاعة لم ير له مثيل في هذا البلد الأمين بعد عهد النبوة " (١) .
وكتب معاصر أوروبي آخر وهو برك هارت:
" ما زال أهل مكة يذكرون اسم سعود بالشكر والرضى حتى الآن، وما زالت معاملة الجنود الطيبة تذكر بثناء ومدح بالخصوص معاملتهم في أيام الحج والزيارات، ولم يستطيعوا أن ينسوا تلك المعاملة العادلة التي شاهدوها من جيوشه (٢) .
وزيادة على هذا أجبر الناس كلهم على الصلاة مع الجماعة، ودمرت آلات التنباك والملابس الحريرية، وألغيت المكوس والرسوم التي لا يقرها الشرع الإسلامي (٣) وقضى على تعدد الجماعات في الصلوات، وبدأ الناس يصلون وراء إمام واحد، وبدأ علماء المذاهب المختلفة يصلون بالناس في أوقات مختلفة " (٤) .
[دعوى أن دعوة الإمام مذهب خامس]
دعوى أن دعوة الإمام مذهب خامس: ساد عند كثير من خصوم الدعوة والجاهلين بحقيقتها أن الإمام محمد بن عبد الوهاب جاء بمذهب خامس، أي أنه خرج عن مذاهب أهل السنة الأربعة، ويقصدون بذلك التعريض بل والتصريح بأنه جاء بمذهب مبتدع في الدين.
هذه الفرية لا يقولها إلا جاهل أو مغرض؛ لأن واقع الحال أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة صرحوا بأنهم على مذهب الإمام أحمد في الفروع، ويحترمون المذاهب الثلاثة الباقية الحنفي والمالكي والشافعي، بل كثيرا ما يرجحون غير قول الحنابلة إذا كان الدليل مع أحد المذاهب الأخرى.
هذا من حيث الفروع والاجتهاديات.
стр. 272
أما في العقيدة وأصول الدين فإنهم - أعني الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه - هم السائرون على منهج الأئمة الأربعة، وعقيدتهم تطابق ما كانوا عليه؛ لأنها السنة التي كان عليها رسول الله ﷺ وصحابته والتابعون والسلف الصالح، وقد بينت هذا في عرض عقيدة الإمام وأتباعه، وعلى ذلك فيعلم بالضرورة أنهم أولى بالأئمة الأربعة وسائر السلف الصالح، ومن التكلف وتحصيل الحاصل طلب إثبات ذلك.
إذن فالإمام محمد بن عبد الوهاب متبع لا مبتدع، وخصومه الذين لم يقبلوا ما دعا إليه من الحق والسنة، وترك البدع والمحدثات، هم الذين على غير المذاهب الأربعة، وعلى غير نهج السلف الصالح، وهذه حقيقة لا مراء فيها لمن عدل وأنصف واستقرأ الحال.
فهذه دعوة الإمام وكتبه ورسائله، وواقع حاله يشهد بذلك، وكذلك واقع علماء الدعوة وأتباعها إلى اليوم يشهد بذلك، فهم في العقيدة والأصول على مذهب السلف بما فيهم الأئمة الأربعة، وهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فلماذا يصنع لهم الخصوم الأوهام والمفتريات؟
ولذلك لما زعم خصوم الإمام محمد بن عبد الوهاب وذكروا عنه بعض المفتريات التي منها: أنه جاء بمذهب خامس، وأنه أبطل المذاهب الأربعة، أنكر ذلك ونفاه، وقال: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] (١) " (٢) .
وأكد التزامه بما عليه الأئمة الأربعة، فقال مخاطبا عامة المسلمين، مفندا المزاعم التي أثارها أهل البدع ضده: " عقيدتي وديني الذي أدين به مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة " (٣) وكذلك قال للسويدي: " أخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع. . . " ثم ذكر الكلام السابق (٤) .
стр. 273
ثم قال مبينا السبب في إثارة هذه المفتريات من قبل خصوم الدعوة: " ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرت الفتنة جدا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله " (١) .
[دعوى الخروج على الخلافة]
دعوى الخروج على الخلافة: إن الدارس لحال نجد يلحظ أنها منذ القرن الثالث الهجري كانت تتنازعها سلطات مختلفة فصلتها عن التبعية المباشرة لدولة الخلافة العباسية ثم العثمانية، فمنذ سنة (٢٥١ هـ) تقريبا استقلت دولة بني الأخيضر (شيعية زيدية) بالحجاز عن الخلافة العباسية، وضمت إليها نجدا واليمامة، ثم خضعت نجد واليمامة لنفوذ القرامطة الباطنية إلى منتصف القرن الخامس الهجري.
وبعدها بقيت هذه الديار مهملة تتنازع عليها الدويلات، وفيها زعامات ورئاسات محلية إلى أن جاء الأتراك إلى الأحساء واليمن والحجاز، فكانت نجد تحت إشراف الولاة الأتراك في الأحساء أو الحجاز، وفي كل الأحوال كان هذا الإشراف غير مباشر، بل هو إلى الشكلي والرمزي أقرب منه إلى الفعلي، ومع ذلك فقد انقطع هذا الإشراف كلية حين استقل زعيم بني خالد براك بن غرير بالأحساء منذ عام (١٠٨٠ هـ) .
وحين بدأ الإمام بدعوته المباركة قبيل منتصف القرن الثاني عشر كانت نجد كلها (ومنها اليمامة) تحكمها إمارات ومشيخات صغيرة متنازعة، ليست لها تبعية لآخرين إلا التبعية الرمزية لحاكم الأحساء - وهو مستقل عن الخلافة عمليا -، وكان كل أمير وشيخ في نجد يشعر بالاستقلالية المطلقة.
وكانت هذه الإمارات والولايات المستقلة في نجد ضعيفة، وأهل الحل والعقد في كل بلدة هم الذين ينظمون شئونهم الداخلية، وعلاقاتهم الخارجية في الحرب والسلم، وفي القضاء والحسبة، وإن كان قد يوجد في نفوس بعض الناس شيء من الولاء الرمزي للخلافة كالدعاء للسلطان في المنابر ونحو ذلك.
стр. 274
وكانت الدولة التركية لا ترى نجدا وأهلها شيئا يستحق الاهتمام، ولذلك لما قسمت البلاد الإسلامية التي تحت نفوذها إلى ولايات (إيالات) لم يكن لنجد أي ذكر، ثم لما قامت الدعوة وفي أول عهدها لم تأبه بها الدولة العثمانية، مع العلم أن خصوم الدعوة كانوا يراسلون دولة الخلافة ويستعدونها عليها، ويشوهون سمعتها لديها، وقد بلغ تشويه صورة الدعوة لدى الدولة العثمانية أقصى ما يمكن تصوره من الكذب والبهتان والاستعداء عن طريق الرسائل والتقارير الرسمية وغير الرسمية، والبعوث وسائر الوسائل التي لا تملك الدعوة معشارها.
والمتأمل لكلام الإمام في هذه المسألة يدرك أنه لم يتقصد الخروج على الخلافة، ولا معارضتها، بل كان يرى أن ما يقوم به من الدعوة أمر واجب شرعا لا علاقة له برضى الخلافة، وأنه لم يفتت على الخلافة في ذلك، وأن أمير بلده (العيينة) وحاكمها (ابن معمر) ثم ابن سعود في (الدرعية) كان يعاونه ويؤيده وهو واليه وأميره المباشر، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار أن الإمام يعتقد بأصول أهل السنة والجماعة في وجوب طاعة الإمام بالمعروف، وأنه لا يجوز الخروج عليه برا كان أو فاجرا، وقد قرر هذا الأصل وبينه في رسائل مؤلفاته، وذكرنا طرفا منه في هذا الكتاب.
ثم إن الدولة التركية آنذاك في عهد الإمام وإلى أن سقطت كانت واقعة تحت طائلة البدع والتصوف، فكانت تتبنى البدع، وتؤيد الطرق الصوفية، وتنشرها وتحميها، وتسخر لها الإمكانات والإدارات والأوقاف، ويتسابق ولاتها وأمراؤها إلى ذلك.
فأسهمت في ترسيخ بدع الأضرحة والقباب والمزارات والمشاهد البدعية، ووقع خلفاؤها المتأخرون تحت تأثير شيوخ الطرق البدعية، فانصرفت قلوبهم لغير الله، فانهزمت نفوسهم، وانحرفت عقيدتهم، واتجهت إلى طلب النفع ودفع الضر من غير الله، وأصيبت عباداتهم وأعمالهم بداء التصوف، وأصدق مثال على ذلك الرسالة التي وجدت حول قبر النبي ﷺ من الخليفة العثماني سليم يتضرع فيها إلى الرسول ﷺ من دون الله وفيها: " من عبيدك السلطان سليم وبعد، يا رسول الله قد نالنا الضر، ونزل بنا من المكروه ما لا نقدر على دفعه، واستولى عباد الصلبان على عباد الرحمن، نسألك النصر عليهم، والعون عليهم، وأن تكسرهم عنا. . . " (١) إلخ من العبارات الشركية
стр. 275
الصريحة التي تضاد دين الله ورسوله ﷺ ، والتي هي أعظم سبب لاستيلاء عباد الصليب على بلاد المسلمين، فهو يدعو رسول الله ﷺ ، ويسأله النصر والعون من دون الله، وهذا هو السبب الأول في هوان الدولة التركية وسقوطها، بل وهوان المسلمين عموما، ومع ذلك فإن الإمام وأتباعه لم يعلنوا الخروج على الخلافة، ولم يواجهوها ابتداء بأي شيء يدل على الخروج، ولما صارت لهم دولة وكيان وسلطان لم يعلنوا الخروج على الدولة العثمانية كذلك، لكنهم تعرضوا لعدوان مسلح وبكل الوسائل، ومتكرر من المجاورين لهم من أمراء الأحساء والحجاز ونجران وغيرهم، فكان من المشروع والطبيعي أن يصدوا العدوان بالجيوش والقتال.
وحين حدثت المواجهة الفعلية بين دولة الدعوة (الدولة السعودية الأولى) وبين أشراف مكة بعد وفاة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦) ، فلم تكن هذه المواجهة تقصد الخروج على الخلافة، إنما كانت لصد عدوان أشراف مكة وغيرهم في هجومهم المسلح مرات عديدة على الدولة السعودية ورعاياها والأقاليم التابعة لها.
ولرفع الظلم الذي تعرض له النجديون من منعهم من الحج سنين طويلة، وتعرضهم لصنوف العدوان، وما يستتبع ذلك من إزالة مظاهر الشرك والبدع ونشر التوحيد والعدل والأمن الذي هو هدف شرعي للدعوة، فزحفت جيوش الدعوة إلى الحجاز حتى دخلت مكة سلما بلا حرب.
فكان دخول مكة من قبل الأمير سعود بن عبد العزيز سنة (١٢١٨ هـ) صلحا بغير قتال، بل بأمان لأهل مكة، وبإقرار شريف مكة (عبد المعين) على إمارة مكة بعدما هرب منها الشريف (غالب) إلى جدة، وإقرار قاضيها المعين من الدولة العثمانية.
وقد أرسل الأمير سعود إلى السلطان سليم، واعترف له بلقب السلطان وأخبره بما حدث من هدم أشباه الوثنية، وإلغاء الضرائب، ونشر التوحيد والسنة والأمن والعدل.
وطلب منه أن يمنع " والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والزمور، فإن ذلك ليس من الدين في شيء " (١) ولم يمنعهم من الحج كما يزعم الخصوم.
стр. 276
ولما توفي الأمير سعود بن عبد العزيز وتولى ابنه عبد الله بن سعود أكد للخليفة العثماني أنه يعلن الولاء للسلطان، لكن الشريف غالب كان يحول بين السلطان وبين تأكيد هذه الحقيقة، فقد ثبت أنه يزور رسائل ومكاتبات باسم الأمير السعودي تتضمن خلاف الواقع، بل ثبت أن أباه " سعود بن عبد العزيز كان يرسل رسائل للخليفة فيها النصح والولاء، وكان الشريف غالب يمنع وصولها.
ولما شعرت الدولة التركية بالخطر على سلطانها، لا سيما حين دخلت الدولة السعودية الحجاز وهيمنت على الأمور بجدارة، وأزالت مظاهر البدع والشركيات، ونشرت الأمن، ثارت ثائرة الأتراك وولاتهم في مصر والشام والعراق وغيرها.
ومن ثم حدثت المواجهة مع الأتراك وأتباعهم، وصارت الدولة التركية تحارب الدعوة علنا في سبيل نصرة البدع والمحدثات والمظاهر الشركية، وقصدت القضاء على دولة التوحيد والسنة، وحشدت كل ما تملك لذلك، فأرسلت إبراهيم باشا لهذا الغرض العدواني حتى قضى على الدولة السعودية الأولى ظاهرا، لكنها في الحقيقة بقيت حية في قلوب الناس وعواطفهم، ولذلك نهضت سريعا مرة أخرى.
وفي هذه الحال كان هذا مبررا كافيا لبعض علماء الدعوة - بعد وفاة الإمام - أن يعدوا ذلك نوعا من المحادة لله تعالى ولرسوله ﷺ ، والصد عن دينه، الذي قد يكون كفرا، وعليه فإن الإمام محمد بن عبد الوهاب لم يكن ينزع إلى الخروج على الدولة التركية أصلا، ولم يستبح القتال إلى أن كان القتال ضرورة.
وكذلك حين قامت الدولة السعودية الثالثة - الحالية حرسها الله - على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، كانت الأمور سائرة على هذا الأصل، فقد أعلن الملك عبد العزيز أنه مقر لدولة الخلافة، ناصح لها، فقد أكد ولاءه للدولة العلية في رسالته للسلطان عبد الحميد المؤرخة في ١/٩\١٣٢٢ هـ، وقد أقرت الدولة العلية للملك عبد العزيز بسلطته على ما تحت يده (١) وبذلك تنتفي الشبهة ويزول الإشكال.
على أي حال فقد قامت في نجد دولة ذات سيادة مستقلة وكيان شرعي في بلد
стр. 277
ليس للخلافة عليه سلطان فعلي، يقول الإمام في ذلك: " والأمر الثاني: أن هذا الأمر الذي أنكروا علي، وأبغضوني وعادوني من أجله، إذا سألوا عنه كل عالم في الشام واليمن أو غيرهم يقول: هذا هو الحق، وهو دين الله ورسوله، ولكن ما أقدر أظهره في مكاني لأجل أن الدولة (العثمانية) ما يرضون، وابن عبد الوهاب أظهره لأن الحاكم في بلده ما أنكره، بل لما عرف الحق اتبعه، هذا كلام العلماء، وأظنه وصلك كلامهم " (١) .
فنجد أنه هنا ربط المسألة بحاكم بلده، ويبين ذلك قوله: " والذي يصدق كلامي هذا أن العالم ما يقدر يظهره، حتى من علماء الشام من يقول: هذا هو الحق، ولكن لا يظهره إلا من يحارب الدولة " (٢) وفي هذا دلالة على أنه يرى أنه في حل مما كان يخشاه بعض علماء الشام حين اعترفوا أن ما جاء به حق، لكنهم كانوا في بلد للدولة العثمانية عليه سلطان مباشر، وليس عندهم حاكم تمتنع به الدعوة.
وبالجملة فإن الدعوة كانت ترعى حق الدولة العثمانية إلى أن بدأ العدوان من الولاة التابعين للدولة العثمانية في الأحساء والحجاز، وإلى أن تورطت الدولة العثمانية في الانحياز مع خصوم الدعوة، وأعلنت حماية الشركيات والبدع بالقوة، وقد ناقش الدكتور عجيل النشمي هذه المسألة مناقشة وافية ومستفيضة، أقتطف منها ما يلي:
" لم تكن بلاد نجد والجزيرة العربية - موطن نشأة الحركة الوهابية - أسعد حالا من بقية البلاد الإسلامية خصوصا في القرن الثامن عشر، حين ضعفت دولة الخلافة الإسلامية، وانشغلت بأوضاعها الداخلية ومشاكلها عن كثير من البلاد الإسلامية، الأمر الذي أضعف سلطتها في تلك البقاع، وقعد بها دون ملاحقة ما يدور فيها من خلافات ومشاكل، وأدت إلى كثير من الحروب الطاحنة.
ولعل من سوء حظ بلاد نجد وعلى الخصوص أنها لم تلق العناية الكافية، بل لم تلق
стр. 278
أي عناية من الدولة العثمانية، فإقليم نجد لم يخضع للدولة العثمانية، أو بمعنى أصح لم تسع الدولة العثمانية لإخضاعه إخضاعا تاما، فلم يظهر ضمن قائمة التقسيمات الإدارية التي وضعت في أوائل القرن السابع عشر، وظل معمولا بها حتى القرن التاسع عشر، فلم يشهد الإقليم ولاة عثمانيين يأتون إليه، ولا حماية تركية تجوب خلال دياره ".
وموقف الدولة العثمانية لا غبار عليه إذا أخذنا بالاعتبار ضعف الدولة عموما، وعدم أهمية بلاد نجد بشكل عام إذا قيست بأقطار أخرى أكثر أهمية منها، ولذلك حرصت دولة الخلافة أن تكون لها صوت مع أطراف نجد، وعلى الخصوص في الأحساء والحجاز، والأحساء لموقعها الإستراتيجي العسكري، والحجاز لموقعها الديني في ضمها لأقدس البقاع وقبلة المسلمين ومسجد النبي ﷺ ، فهو ملتقى المسلمين في حجهم أو عمرتهم.
وكانت نجد عبارة عن دويلات أو إمارات صغيرة، يستقل بكل إمارة أسرة أو قبيلة، وكانت العلاقات بين تلك الإمارات تقوم على حب السيطرة وانتهاز الفرص لتوسيع رقعة الإمارة، فكانت الثارات والحروب مستمرة مستعرة بينهم، وكانت أشهر تلك الأسر النجدية أسرة آل سعود في الدرعية، وآل زامل في الخرج، وآل معمر في العيينة، وأسرة دهام بن دواس في الرياض.
وتتبع كل أسرة أو بلد عدة من القرى، وكانت النزاعات والحروب تثور أيضا بين تلك القرى والبلدة ذاتها، وهذا الوضع السياسي ابتداء بموقف الدولة العثمانية، وانتهاء بالدويلات النجدية القبلية، سبب بلا شك ظهور قطاع الطرق، واضطراب الحياة، وانتشار الفوضى والظلم، ولم يسلم من الفتك حتى الوعاظ والعلماء، بل لم يكن نصيبهم إلا الإهانة والقتل " (١) .
ويقول الدكتور عجيل جاسم النشمي في مقالته: (دولة الخلافة والحركة الوهابية) :
" ولم يكن أحد من المسلمين الغيارى الواعين يرى أن علاج دولة الخلافة بإعلان الحرب عليها وتقطيع أوصالها ".
стр. 279
" فما هو موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب أول حركة إسلامية معاصرة لمرحلة السقوط؟ هل كان يرى عداءها والخروج عليها؟ هل كان مجتهدا مخطئا، أم كان يرى بقاءها، وقام بحركته لإسنادها وتجديد وجهها، وإعادتها إلى صفاء العقيدة وسلامتها؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذه الحلقة والحلقات القادمة " (١) .
ثم قال: " بعد الاستقصاء نستطيع القول باطمئنان إن كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس فيها تصريح بموقف عدائي ضد دولة الخلافة، وغاية ما يمكن أن يقع عليه نظر الباحث تلميحات في هذا الخصوص لا ترقى إلى تكوين رأي معاد لدولة الخلافة " (٢) ثم ذكر الأدلة على ذلك وقال: " وهكذا كانت سياسة الشيخ وموقفه تجاه بلاد الحجاز مكة والمدينة طوال حياته، ولم يؤثر عنه تحريض واستعداء أو دعوة لحربها أو الاستيلاء عليها؛ لشعوره أن ذلك الفعل قد يفسر على أنه خروج على دولة الخلافة، وكان يكفيه بإزائها الوعظ وتوصيل الدعوة وإنكار المنكر. . " (٣) .
وقال: " وهكذا كانت مواقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب العملية في القتال ونشر الدعوة، وبالقوة على البلدان المجاورة داخل الجزيرة، فلم يكن يقصد حرب دولة الخلافة، فلم يتطاول على بلاد الحجاز إطلاقا، وظلت سياسته على هذا طوال حياته " (٤) .
قلت (٥) وكذلك بعد وفاته سارت الدعوة ودولتها على هذا المنهاج، إلى أن تتابع عليهم العدوان المسلح من قبل أمراء الحجاز، وغزوهم في ديارهم وقاتلوهم، ومنعوهم حقهم المشروع، وهو أداء فريضة الحج، واستعدوا عليهم الأتراك وغيرهم، بل شنوا عليهم حملة إعلامية نكراء في سائر بلاد المسلمين، فكان لا بد مما ليس منه بد.
стр. 280
[الفصل الرابع شهادات الناس للدعوة قديما وحديثا]
[المبحث الأول وقفة مع الشهادات]
الفصل الرابع
شهادات الناس للدعوة قديما وحديثا
المبحث الأول
وقفة مع الشهادات إن من أقوى الوسائل لفصل النزاع بين المختلفين بعد التحاكم إلى الأصول الشرعية، والبراهين العقلية، شهادات الآخرين، وقد شهد لهذه الدعوة المباركة، وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها، كثيرون من أهل العلم والفكر والفضل والإنصاف، من العلماء والأدباء والمفكرين والساسة والدعاة وغيرهم من المؤيدين والمعارضين والمحايدين، من المسلمين وغير المسلمين، ومن كل بلاد العالم، ومنذ نشأة الدعوة إلى يومنا هذا.
وكل الذين شهدوا لهذه الدعوة وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها كانوا يستندون في شهادتهم لها إلى البراهين والدلائل القاطعة، التي لا يمكن أن يتجاوزها المنصف إلا معترفا بها، ولا ينكرها إلا مكابر، وهذه الدلائل بحمد الله شرعية وعلمية وواقعية، وأول هذه الدلائل واقع الحال الذي عليه هذه الدعوة ودعاتها وعلماؤها وحكامها ودولتها وأتباعها في العقيدة والأحكام، والسلوك والتعامل.
فإن فيما قاله أهلها وكتبوه وفعلوه، وفي آثار هذه الدعوة الدينية والدنيوية، العلمية والعملية، في العقيدة والنظام والسياسة، وسائر مناحي الحياة ومناشطها، ما يشهد بالحق، ويدحض الشبهات والمزاعم والتخرصات والاتهامات، علما بأن الدعوة ودولتها لا تملك من وسائل الدعاية والإغراء المادي ما يملكه خصومها، كالأتراك وأشراف مكة والبلاد المجاورة وغير المجاورة.
نعم إن سائر الذين شهدوا لهذه الدعوة قد برهنوا على ما ذهبوا إليه بالحجة والبرهان، بعيدا عن العصبية والهوى والتعسف، وبعيدا عن المؤثرات أيا كان نوعها، ولو اقتصرنا في الدفاع عن الدعوة على أقوال المحايدين وكثير من الخصوم في إنصافها والدفاع عنها، لكان ذلك كافيا في تقرير الحق ودفع الباطل، وفي بيان الحقيقة ورد الشبهات، وإقناع من كان قصده الحق والتجرد من الهوى.
أما من كان دافعه الهوى والحسد أو العصبية أو المذهبية أو نحو ذلك من الدوافع الصارفة
стр. 281
عن الحق فلا حيلة فيه، كما قال الله تعالى في هذه الأصناف وأمثالهم من أسلافهم: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ - فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٤ - ٥] [سورة الأنعام، الآيات: ٤، ٥] .
فإذا كانت أحوال الدعوة وأقوالها ومؤلفاتها ومواقفها وشهادات عقلاء الناس تشهد لها، فهل بعد هذا البيان من بيان؟ ومن يضلل الله فلا هادي له من بعده، والله حسبنا ونعم الوكيل.
وإنه لمن المفيد بهذا الصدد التأكيد على أن الشهادات التي شهد بها كثيرون لهذه الدعوة المباركة كانت صادقة وطواعية، ونابعة من الضمير، فلم تكن نتيجة إغراءات ولا تطلعات، ولا تضليل إعلامي ولا دعاية، ولا ضغط سياسي، ولا إرجاف ولا تهديد ووعيد (لا رغبة ولا رهبة) ؛ لأن أتباع الدعوة ورجالها لم يكونوا يملكون شيئا من ذلك إلا الحجة والبرهان (الدليل الشرعي والعقلي) لكل من ألقى السمع وهو شهيد، ولذلك جاءت شهادة المنصفين مفعمة بالصدق والشفافية والحماس البريء، وخالية من أساليب المجاملات وأي من أشكال التكلف أو دوافع الرغبة أو الرهبة.
والمتأمل للتزكيات والشهادات والأحكام والانطباعات الكثيرة في حق الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة ودولتها وأتباعها يجد منها ما هو شامل، ومنها ما هو جزئي، لكنها كلها تتفق على أن الدعوة ليست كما رماها الجاهلون، وبهتها الخصوم.
ونتائج التزكيات والشهادات التي شهد بها الناس من المحايدين والمنصفين من المسلمين وغير المسلمين تتلخص بما يلي:
١ - لقد شهدوا أن هذه الدعوة المباركة تمثل الإسلام الحق، فقد جددت السنة كما جاء بها النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة، وحاربت البدع بكل صورها وأشكالها ومظاهرها، وهذه الحقيقة هي أكثر الحقائق وضوحا أمام الشهود، وأكثرها تنويها.
٢ - وشهدوا أنها جاءت بالعلاج الناجع لأدواء الأمة الإسلامية اليوم في العقيدة والعبادات والمعاملات علاجا شاملا، وأكثر الذين شهدوا بهذه الحقيقة كانوا يستندون إلى الواقع الذي تعيشه في مجتمعها ودولتها، لا سيما من البلاد التي تشملها الدولة السعودية المعاصرة، التي تميزت بحمد الله بصفاء العقيدة وظهور شعائر الدين، واختفاء البدع ومظاهرها.
٣ - أنها تميزت بالأصالة والنقاء، حيث تمثل الإسلام في شموله، والسنة في صفائها، كما تميزت بإظهار خصائص الدين الإسلامي من التوحيد والشمولية والعدل ونحو ذلك.
стр. 282
٤ - وشهدوا أنها حققت الغايات التي جاء بها الإسلام، من تعبيد الناس لله وحده لا شريك له، وطاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ ، وإقامة فرائض الدين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتطبيق الحدود، وتحكيم الشريعة الإسلامية في كل شئون الحياة، وابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة.
٥ - وشهدوا أنها رفعت المظالم والمكوس والضرائب التي تثقل كواهل الناس، وسعت إلى تحقيق العدل بالتحاكم إلى شرع الله، وتطبيق نظام القضاء بمقتضى الشريعة الإلهية.
٦ - وشهدوا أنها حررت العقول والنفوس من التعلق بغير الله، من التعلق بالبدع والأوهام، والدجل والشعوذة ونحو ذلك.
٧ - وشهدوا أنها هي الرائد الأول في أسباب النهضة العلمية والفكرية والأدبية الحديثة في جزيرة العرب وما حولها، وسائر البلاد العربية والإسلامية.
٨ - وشهدوا أنها الرائد الأول لحركات الإصلاح والتحرير الحديثة في العالم الإسلامي، وأنها تمثل الأنموذج الصحيح في الدعوة في العصر الحديث، إذ تواترت الشهادات بأن هذه الدعوة المباركة قد تميزت عن الحركات الإصلاحية والدعوات المعاصرة بأنها مثلت الدين الحق، ومنهج الدعوة السليم من حيث الشمولية، مع التركيز على الأهم، وترتيب الأولويات، وإصلاح العقائد والقلوب، وتحرير العقول، وإصلاح الأفراد والمجتمعات، وتخليص الأمة من البدع والأهواء والفرقة والإعراض والتقليد والعصبية، والتزام منهج السلف الصالح في الدعوة ووسائلها وأهدافها وغاياتها.
٩ - كما شهد كثير منهم بأن هذه الدعوة بأصولها ومناهجها وتجاربها هي المؤهلة بأن تنهض بالأمة الإسلامية اليوم، وتعيدها إلى سابق مجدها، وتجمع شملها على الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح.
стр. 283
[المبحث الثاني سرد لأسماء بعض الشهود من العلماء والمفكرين والباحثين العرب المسلمين وغير المسلمين]
المبحث الثاني
سرد لأسماء بعض الشهود من العلماء
والمفكرين والباحثين العرب المسلمين (١) وغير المسلمين (٢) ما حظيت دعوة من الدعوات الإصلاحية الحديثة بالتأييد والاعتراف والإنصاف والإشادة والإعجاب من عقلاء الناس من المسلمين وغير المسلمين كما حظيت هذه الدعوة، رغم كثرة خصومها وأعدائها الألداء، فقد شهد لها عدد لا يكاد يحصى من سائر الأقاليم والبلاد العربية والإسلامية والأجنبية من المسلمين وغير المسلمين.
من العلماء والمفكرين والأدباء العرب: أبو السمح عبد الظاهر المصري (مصر) . أبو راس الناصر المغربي (المغرب) . أحمد أمين (مصر) . أحمد السباعي (الحجاز) . أحمد العسة. أحمد بن مشرف الأحسائي (الأحساء) . أحمد حسين (مصر) . أحمد سعيد البغدادي (العراق) . أحمد شلبي (مصر) . أحمد عبد الغفور عطار (الحجاز) . أمين سعيد (الشام) . جمال الدين القاسمي (الشام) . حافظ وهبة (مصر) . حسين بن غنام الأحسائي (الأحساء) . حسين بن مهدي النعيمي (اليمن) . خير الدين الزركلي (الشام) . صالح بن دحيل الجار الله (العراق) . طاهر الجزائري (الشام) . طه حسين (مصر) . عباس محمود العقاد (مصر) . عبد الرحمن الجبرتي (مصر) . عبد الرحمن راتب عميرة (مصر) . عبد الرزاق البيطار (الشام) . عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم. عبد الفتاح الغنيمي (اليمن) . عبد العزيز بن عبد الله الشاوي (العراق) .
стр. 284
عبد الكريم الخطيب (مصر) . عبد القادر التلمساني. عبد المتعال الصعيدي (مصر) . عبد الكريم بن فخر الدين الهندي (الهند) . علي السويدي (العراق) . عثمان البصري الوائلي (العراق) . علي عبد الحليم محمود (مصر) . علي طنطاوي (الشام) . الغزالي خليل عبد (مصر) . عمر أبو النصر (مصر) . فؤاد حمزة. محب الدين الخطيب (مصر) . محمد أبو زهرة (مصر) . محمد بن أحمد الحفظي (اليمن) . محمد بن إسماعيل الصنعاني (اليمن) . محمد بن علي السنوسي (الحجاز) . محمد بن علي الشوكاني (اليمن) . محمد بن ناصر الشريف التهامي (الحجاز) . محمد بهجة الأثري (العراق) . محمد تقي الدين الهلالي (المغرب) . محمد جميل بيهم (العراق) . محمد جلال كشك. محمد حامد الفقي (مصر) . محمد جميل غازي (مصر) . محمد رشيد رضا (الشام ومصر) . محمد خليل هراس (مصر) . محمد ضياء الدين الريس (العراق) . محمد شويل المدني. محمد عبده (مصر) . محمد عبد الله ماضي (العراق) . محمد فتحي عثمان (مصر) . محمد عبده ناشر (اليمن) . محمد محمد حسين (مصر) . محمد كامل القصاب (الشام) . محمود شكري الألوسي (العراق) . محمد ناصر الدين الألباني (الشام) . محمد كامل ضاهر. محمود مهدي الإستانبولي (الشام) . مصطفى الحفناوي. مناع القطان (مصر) . منير العجلاني (الشام) . وهبة الزحيلي (الشام) .
ومن المفكرين والأدباء غير العرب: الأمير شكيب أرسلان (الشام) . جودت باشا تركي (تركيا) . الشاه ولي الله الدهلوي صديق خان (الهند) . عثمان بن فودي الأفريقي (أفريقيا) . عمران بن علي بن رضوان الفارسي. غلام رسول مهر (الهند) . محمد إقبال (الهند) . محمد بشير السهسواني الهندي (الهند) .
стр. 285
محمد كرد علي (الشام) . محمد يوسف (الهند) . مسعود الندوي (الهند) . منح هارون (الهند) . ومن المفكرين والأدباء من غير المسلمين (١)
المؤرخ الألماني داكوبرت فون ميكوس. لوثروب ستودارد. المستشرق الألماني كارل بروكلمان. الأستاذ ويلفرد كانتول. المستشرق النمساوي جولد زيهر. المستشرق البريطاني جب. البروفسور ألبرت حوراني. ودائرة المعارف البريطانية. فيليب حتي. الكاتب الألماني ف. و. فرنو. المؤرخ الفرنسي مانجان. بلغريف. المستشرق الدانمركي كارستل نيبوهر. الكاتب الفرنسي أوليفييه كورانسيز. البروفسور الفرنسي برنارد لويس. المؤرخ السوفييتي فلادميير لوتكس. جواهر لال نهرو. البجيكي دوزي. بركارت. ويلمز. برانجس. باديا. هنري لاوست. روسو.