← Акыда

Акыда · id 30888

إسلامية لا وهابية

ناصر العقل

Полный текст (421 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ونهى عن اتخاذها أعياداً، وهؤلاء يتخذونها مناسك وأعيادًا يجتمعون لها كاجتماعها للعيد أو أكثر. ونهى عن العَقْر والذبح لها، وهؤلاء يعقرون عليها وينذرون لها ويدعونها. وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي واسمه حيان بن حصين قال: «قال لي علي بن أبي طالب ﵁ ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (١) وفي صحيحه أيضًا عن ثمامة بن شفي الهمداني قال «كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها» (٢) وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين فيرفعونها من الأرض كالبيت ويعقدون عليها القباب ويضعون عليها التوابيت ويكسونها كما يُكسى بيت الله الحرام. ويفعلون عندها الموالد العظام ويجعلون لها السوائب من بهيمة الأنعام. ويكثر لديها رفع الأصوات والضجيج واختلاط الرجال بالنساء كالحجيج. ومن ذلك ما يفعله عباد الشيطان عند قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث خارج مكة، وخديجة في المُعَلَّى كل سنة ثلاثة أيام مولد يحصل فيه من الضجيج وارتفاع الأصوات والدعاء بالاستغاثات واختلاط النساء مع الرجال في تلك الساحات. وكذلك عند قبر عبد الرحمن المحجوب بالدفوف ذوات الصنوج والطبول والبيارق والنحائر داعين مستغيثين به راجينه بذلك ليكون عليهم ناظرًا ولهم حافظًا؛ لأنه المحب المحبوب. وهكذا عند قبر أبي طالب، وهم يعلمون ظاهر حاله، وما هو عليه قبل الممات فالحكم لعلام الغيوب. ولو تعلق مظلوم بأستار الكعبة جذبوه من تحتها وفعلوا به ما أرادوا، ولو دخل ظالم بسرقة أو قتل أو نهب مال على قبر أحد هذين الرجلين اللذين الله أعلم بهما من خلقه

стр. 212

وهم فقراء إليه لم يقدموا ليأخذوه منه، ولم يقدموا حدود الله عليه، بل عندهم من فعل ذلك فقد تعدى وظلم ومآله إلى الندم، ومن نهى عن فعل ما تقدم وأمر بما أرسل الله به الرسل إلى سائر الأمم والعمل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي هي نص على توحيده خرّجوه وبدّعوه وكفّروه ونسبوه إلينا وإن كان لا يعرفنا. وما ذنبنا إلا أن أمرنا بما أمر الله به رسله، ونهينا عما نهى الله ورسوله، فبسبب ذلك عادونا وجلبوا بخيلهم ورجالهم ومدافعهم علينا، وعن حج بيت الله الحرام الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] [سورة الحج، آية: ٢٥] صدونا ومنعونا، وهدي النبي ﷺ صار شعارنا واتباع سنته علمًا علينا. فهم بذلك يعابوننا ويوبخوننا ويسبوننا ويجاهدوننا وما ذاك منهم علينا إلا اتباع الأهواء وعموم البلوى والطعن في الدين والعناد في اليقين. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] [سورة الجاثية، آية: ٢٣] ، وهم يفعلون المنكرات ويجعلونها قربات ونتيجتها صدقات زيادة على الشرك الأكبر في تلك المعتقدات. وذلك كله موجود في حرم الله وغيره من الساحات. وهل هذا كله إلا لفقد الإسلام وجهله والاستهانة به عند هؤلاء الخاص منهم والعام، حيث جعلوا المنكر دينًا ونتيجة حسنة يقيناً. ولكن مصيبة فقد الدين تهوِّن ما هو فعل الظالمين المعاندين. ونهى عن الكتابة عليها كما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر وأن يُقْعَد عليه وأن يبنى عليه» (١) وروى أبو داود في سننه عن جابر ﵁ «أن رسول الله ﷺ : «نهى أن تجصص القبور وأن يكتب

стр. 213

عليها» قال الترمذي حديث حسن صحيح (١) . وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن والأشعار ويعلقون عليها بيض النعام وقناديل الفضة والرخام، فهؤلاء المعظمون للقبور المتخذونها أعياداً، الموقدون عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب، مناقضون لما أمر به رسول الله ﷺ ، محادُّون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر. ومن يزعم أنا نُكَفِّر بمجردها فهو كاذب جائر، إنما نُكَفِّر بالشرك الذي لا يُغْفَر، وهو دعاؤها ورجاؤها والاستغاثة بها وذبح القربان والنذر لها لتدفع سوءًا أو تجلب خيرًا، أو تكون واسطة في ذلك. نعم نحن نهدم القباب التي على القبور، ونأمر بهدمها كما هدم النبي ﷺ قبة اللات في الطائف، وأمر علي ﵁ بهدمها وخفض القبور المشرفة مطلقًا وتسويتها، وقد أمر به وفعله الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون. قال الشافعي في الأم ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى على القبور (٢) . ويؤيد الهدم قوله: «ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» ، وحديث جابر المتقدم ذكره الذي في صحيح مسلم؛ ولأنها أسست على معصية لنهيه، فبناءٌ أُسِّس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعا، وأولى من هدم مسجد الضرار المأمور بهدمه شرعاً؛ إذ المفسدة هنا أعظم حماية للتوحيد. وأما هذه الكبائر فقد صرح الفقهاء من أصحاب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم من الصحابة والتابعين على تحريمها، وأنها بدعة نهى رسول الله ﷺ عنها، قال أبو محمد المقدسي: لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله؛ ولأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام، هذا وبيوت الله ظلمات لا يوقد فيها نور، بل يرون أن الفضل عليها في ذلك القبور، وقد آل الأمر بهؤلاء المعتقدين تعظيم القبور تعظيم عبادة للاحترام في الصدور إلى أن شرعوا لها حجًّا ووضعوا له وقتًا

стр. 214

وجعلوه أضعاف حج بيت الله الحرام سبعاً. هذا قبر ابن علي الذي في مرباط في بلاد اليمن قد شاع عند الخاص منهم والعام أن زيارته والتبتل إليه في رجب تعدل سبع حجات (١) . وكذا الزيلعي الذي في اللحية قد شاع عندهم وذاع أن من مات فيها ودفن حوله في تلك البلاد أنه في لحيته ليس عليه حساب ولا عذاب. وكذا قبر العيدروس الذي في عدن. وكذا قبر الشاذلي في المخا؛ فإن أهل البر والبحر ليس لهم لهجة في الشدة والرخاء إلا بذكره زاعمين أنهم في أمانه وتحت نظره، وأنه يُغيث من دعاه في الشدة نائيًا كان، أو قريبًا في البر أو في البحر. حتى صنَّف بعض غلاتهم في ذلك كتابًا سماه «مناسك حج مشاهد الأبرار لمن عني إليهم من المقيمين والزوّار» ، وصنف بعضهم كتابًا سماه «روضة الأبرار في دعوة الأولياء الأخيار عند الشدائد المدلهمة الغزار» ، ولا يخفى أن هذا بعينه مفارق دين الإسلام والدخول في عبادة الأصنام. ومن نظر منصفًا بإخلاص إلى هذا التباين العظيم في هؤلاء المعتقدين من الناس عن الدين القويم والصراط المستقيم ماز وفرّق بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور والاعتقاد وجاهد عليه وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه واعتقدوا فيه ودعوه ودعوا إليه، وحينئذ يحق أنَّا إنما ندعو إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور، ويحقق تلك المفاسد الناشئة من خبث العقائد التي يعجز العادّون عن حصرها، وتشمئز قلوب العارفين لذكرها. فمنها: تعظيمها الموقع في الافتتان بها من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور، والألواح وبيض النعام وقناديل الفضة والرخام عليها، وسدنتها وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند البيت والمسجد الحرام، ويرون أن سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لِقَيِّمِهَا ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها.

стр. 215

ومنها: بذل النذور لها ولسدنتها لجلب الخير، ودفع الشرور. ومنها: اعتقاد المشركين فيها أن بها يُكشف البلاء، ويُنصر على الأعداء، وينزل غيث السماء، وتُفرج الكروب، وتُقضى الحوائج، ويُنصر المظلوم، ويُجار الخائف، ويأمن الحوادث، إلى غير ذلك من الشرك الأكبر الذي يُفعل عندها. ومنها: الدخول في اللعنة، لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السُّرُج والقناديل فيها ووقفه عليها. ومنها: اجتماع الرجال مع النساء واختلاطهم وضجيجهم ودعاؤهم إياهم. ومنها: جعل المنكرات قربات. ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يُفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما تفعله النصارى عند قبره إذا وجد في الأرض، وما يعتقدونه في قلوبهم من الإفراط والتفريط في الحب، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله المعتقدون أشباه النصارى وأشكالهم عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرءون منهم كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٧ - ١٨] [سورة الفرقان، آية: ١٧، ١٨] قال الله للمشركين ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] [سورة الفرقان، آية: ١٩] ، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١] [سورة سبأ، آية: ٤٠، ٤١] . ومنها: مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها. ومنها: محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها. ومنها: التعب والنصب بالبناء والتشييد ووضع الأبواب ونقشها والجدران والاعتقاد، والتعظيم مع الوزر الكثير والإثم العظيم. ومنها: إن هذا الاعتقاد يؤول إلى حبط العمل والخسران. ومنها: إماتة السنن وإحياء البدع.

стр. 216

ومنها: جعل البدعة واجبًا وسنة، والواجب والمسنون بدعة وإثماً، وهم في ذلك لا يعون ولا يتذكرون، بل لمن خالفهم فيه ونهاهم عنه يبدّعون ويخرّجون ويكفّرون. ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله، فإن عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة والعزم على الموتى بما لا يفعلون في المساجد ربع عشره ويحصل لهم فيها نظيره ولا قريب من مثيله. ومنها: أن ذلك تضمن عمارة القبب والمشاهد وتنويرها وتعطيل المساجد من بيوت الله وعدم توقيرها، ودين الله الذي بعث به رسله وأنزل كتبه بضد ذلك كله. ومنها: أن الذي شرعه الرسول ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكار الآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وسؤاله العافية للزائر وله، فيكون الزائر محسنًا إلى الميت وإلى نفسه حتى لو كان نبيًا أو وليًّا، فالدعاء له مطلوب وهو إليه محبوب، وقد أمرنا ﷺ أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده وذلك له محقق ولكن تنويهًا بذكره ورفعًا لقدره وليعود ثواب الدعاء إلى الداعي، والكامل يقبل الكمال، فقلب هؤلاء المشركون الأمر وعكسوا الدين، وكانوا من الفريقين المغضوب عليهم والضالين بقصدهم زيارة الشرك الأموات يدعونهم ويدعون بهم. . .» (١) . ولذلك لما وصلت جيوش الدعوة إلى كربلاء هدمت القبة المبتدعة والمشهد على قبر الحسين، وهي من أكبر الفتن المضلِّة التي تعمل تحت ستار حب سبط رسول الله ﷺ ورضي عن الحسين وهو منها براء. وقد حدثت هذه القبة بعد القرون الفاضلة، أحدثها أهل البدع، فكان هدمها نصرًا للإسلام والسنة وتكريمًا لرسول الله ﷺ وآله، وتكريم لسبط رسول الله ﷺ الذي تؤذيه القبة والمشهد وما يقع حولها من البدع والشركيات والمنكرات. يقول الدكتور محمد بن سليمان الخضيري: «وللحقيقة نقول: إن الدولة السعودية قامت بهدم القبة الموضوعة على قبر الحسين؛ لأن ذلك يتنافى مع العقيدة الإسلامية أولاً، وبالتالي فهو يتنافى مع مبادئ الدعوة الإصلاحية السلفية. وقد سبق أن بيّنا مراسلات حكّام الدولة السعودية مع ولاة العراق في النهي عن أمثال هذه البدع،

стр. 217

ولم تتجه الدولة السعودية إلى إنكار هذه البدع إلا بعد أن طهّرت نجد أولًا والحجاز ثانيًا من هذه البدع المتمثلة في القباب والأشجار وغيرها مما يتبرك بها الناس تقربًا إلى الله. ومن هنا نرى أن تهويل ما وقع في كربلاء لا يعدو كونه أسلوبًا من أساليب الدولة العثمانية في تنفير الناس من الدعوة الإصلاحية السلفية» (١) . [ثانيا مسألة التكفير والتشدد والقتال وما يلحق بها] [حقائق لا بد من ذكرها] ثانياً: مسألة التكفير والتشدد والقتال وما يلحق بها. حقائق لا بد من ذكرها: مسألة التكفير والتشدد والقتال من أهم وأخطر المسائل التي أثارها خصوم الدعوة من أهل البدع والأهواء والافتراق عليها، بل وبعض المحايدين وبعض المؤيدين البعيدين عن الساحة الداخلية للدعوة أو الذين لم تتهيأ لهم الفرصة الكافية للتعرف على حقيقة الدعوة منهجًا وواقعاً، أثاروا دعوى أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يكفرون المسلمين ويستحلون قتالهم، وقد تفرع عن هذه الدعوى القول بأنهم خوارج ومتشددون ونحو ذلك. والحق أن المتأمل لحال الدعوة يجد الحقائق التالية: ١ - أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وحكامها آل سعود الملتزمين بمنهج الدعوة كانوا على مذهب السلف في عدم استحلال دم المسلم وقتاله إلا بدليل شرعي، ولم يُعرف من منهجهم الخروج عن هذا الأصل في الجملة إلا حالات نادرة ليست على المنهج المتبع لديهم، وكانوا يصرحون بهذا الأصل الشرعي العظيم في كتبهم وخطبهم ويلتزمونه في منهجهم كما بينا وسنبين بعد. ٢ - أن خصومهم هم البادئون بالقتال بإعلان الحرب المسلحة وغير المسلحة على الدعوة ودولتها وأتباعها بل أعلنت قوى الشر استعمال القوة والقتال للشيخ وأتباعه قبل وصوله الدرعية، وقبل أن يكون لهم كيان حيث هدده سليمان بن محمد الحيدي في الأحساء (من بني خالد) وأنذر عثمان بن معمر - أمير العيينة - إن لم يتخذ موقفًا حازمًا

стр. 218

ضد الشيخ الإمام وكذلك فعل ابن شامس العنزي (١) . ثم لما استقرت الدعوة في الدرعية بدأها بالحرب دهام بن دوَّاس أمير الرياض آنذاك. ٣ - أن الخصوم كانوا كثيرًا ما يغدرون بأتباع الدعوة من الدعاة القضاة والعلماء وطلاب العلم والمعلمين الذين كان يبعثهم الشيخ محمد والولاة والمشايخ - المؤيدين للدعوة - للقرى والبادية والأقاليم لتعليم الناس دينهم وإجراء الأحكام الشرعية بينهم، بل كثيرًا ما يعلنون العصيان على الحاكم الإمام محمد بن سعود، وينقضون البيعة والعهد، ويخرجون على الجماعة والإمام، وهذا ما يحرمه الإسلام، ويأمر بتأديب من يفعله. ٤ - وكان حكام الحجاز غالبًا يعلنون العداء لدعوة التوحيد وأتباعها وكانت عداوتهم متنوعة عقديةً وسياسية وإعلامية ثم عسكرية، وأحيانًا يقتلون بعض العلماء والدعاة بل والرسل الذين يبعثهم أهل الدعوة إليهم. ٥ - وكانوا يمنعونهم من حقوقهم المشروعة كإبلاغ الدعوة، وكأداء فريضة الحج، فقد منعوهم منه سنين طويلة ثم أذنوا فيه سنة (١١٩٧هـ) ، ثم الشريف غالب منعهم من الحج مرة أخرى منذ سنة (١٢٠٣هـ) وما بعدها ثم غزا معتدياً، فقد بدأ الشريف غالب وغيره من حكام الحجاز الحرب على الدعوة وأتباعها قبل أن يبدؤوهم. وأعلن الحرب المسلحة ضدهم، وقد اعترف خصوم الدعوة بذلك وذكره مؤرخوهم معتزين به (٢) . وعلى هذا فإنه عند التحقيق العلمي المتجرد يثبت قطعًا أن ما يقال عن الإمام وعلماء الدعوة وحكامها (آل سعود) وأتباعها حول التكفير واستحلال قتال المسلمين ودمائهم كلها مما لا يصح أو مما قد يكون له وجه شرعي معتبر قام عليه الدليل الشرعي، ذلك أن تكفير من يستحق التكفير شرعًا وسب من يستحق السب شرعًا ليس من التكفير والسب المذموم ولا القسوة، بل مما هو مطلوب شرعًا في الدين الإسلامي بشروطه وضوابطه التي يعرفها الراسخون في العلم.

стр. 219

إذن فقد ثبت أنهم لم يبدءوا القتال ولم يقاتلوا ابتداء إنما بدأ القتالَ خصومُهم. ثم إنه من الطبيعي أن اختيار منهج القوة والحزم والقتال عند الضرورة هو الحل الأمثل في كثير من الأحوال ومنها الحال التي وصلت إليها الدعوة مع خصومها. ونظرًا لقوة الباطل والهوى وتمكنه من قلوب كثير من الناس وحياتهم لم تقبل نفوسهم الحق ولم تذعن لأهله. كما أن الناظر لحال كثيرين من الذين أقاموا الدنيا ولم يُقعدوها تشنيعًا على الدعوة وأتباعها في شبهة التكفير يجد العجب من تحيُّزهم ضد السنة وأهلها في هذه المسألة (وغيرها) وإغفالهم لأهل البدع الخُلَّص الذين يكفِّرون خيار الأمة؛ فيكفِّرون صحابة رسول الله ﷺ وأزواجه أمهات المؤمنين، ويكفِّرون السلف الصالح. بل إن أكثر مزاعم التكفير والتشدد التي ألصقت بالدعوة وإمامها حدثت من أولئك الذين يكفّرون خيار الأمة ويستنقصونهم، ومن أشياعهم الذين يشاركونهم في بدع المقابرية والقباب والمشاهد والمزارات البدعية، والطرق الصوفية والموالد والأذكار المحدثة، ومن المعلوم لدى كل باحث ومحقق: أن أصل هذه البدع ومنشأها كان من مكفِّرة الصحابة والسلف الصالح، فأين العدل والإنصاف والتحقيق الذي يدَّعونه؟ ، وأين الغيرة على الحق والدين وعلى الأولياء والصالحين التي يزعمونها؟ وهم يهينون الصالحين ببدعهم. وأين النُّصح للمسلمين الذي يتظاهرون به؟! وهم يروجون البدع وينصرونها. [مسألة التشدد وحقيقتها] وكذلك مسألة التشدد: فالتشدد الذي يدعي بعضهم أنه من سمات الدعوة وأهلها ليس تشددًا مذمومًا حسب المعايير الشرعية والعلمية. بل هو إن وقع أحيانًا فهو نوع من الحزم والصلابة في الحق وهو ما تقتضيه البيئة والظروف، والحاجة والمصلحة في عهدهم، فهو المناسب للبيئة البدوية والقروية التي يعيشها المجتمع النجدي، وما عليه العرب في سجيتهم التي تتسم بالصراحة والصرامة والإباء، فالحزم هنا هو الحل المناسب والأمثل أمام تمرد الأعراب والجهال والسفهاء، وتجاه قوة الشر، والخصوم، وأمام قوة الباطل وأهله وتمكنهم، والإسلام كما أنه دين الحق والرحمة واليسر فهو كذلك لا يلغي مبدأ الحزم والصرامة في تثبيت الحق ورد

стр. 220

الباطل، فالوضع المتردي من كل الجوانب اقتضى هذا المنهج الحازم أحيانًا لا سيما في جزيرة العرب التي هي درع الإسلام ولما تتميز به من خصائص دينية وبيئية وقبلية. وكذلك دعوى إلزام الناس بمذهبهم دعوى زائفة، فلم يعرف عن الإمام وأتباعه ولا عن أحد من حكام هذه الدعوة المباركة أنه قال للناس كونوا حنابلة أو شافعية أو غير ذلك؛ لكنهم عملوا ما هو مشروع من تحكيم شرع الله وإظهار شعائر الدين، وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحدود. والجدير بالذكر أن كثيرين من أهل الأهواء والبدع والجهلة بأحكام الشرع يصفون أحكام الشرع من التكفير والتفسيق وتطبيق الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة شعائر الدين وفرائضه - تشددًا وقسوة وعنفاً، والأمر ليس كذلك. وأما ما يوجد من تجاوزات واجتهادات خاطئة في التعجل في الحكم على الناس بالكفر فليست من المنهج كما أسلفت ثم كثيرًا مما قيل عن الدعوة وأتباعها ومما اتهموه به من التكفير إنما هو من اللوازم، ليس قولهم الصريح، - ولازم المذهب ليس بلازم - كما هو مقرر في القاعدة الأصولية كما لا ننسى أن كثيرًا من الناقدين والخصوم يعدون الأصول المشروعة التي عملها الإمام وأتباعه كالحزم والقوة عند مقتضاها وكإقامة الحدود وإلزام الناس بالفرائض ونشر العلم الشرعي الضروري إلزامًا غير مشروع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الحسبة) : من التشدد والتكفير، وهي في الحقيقة متطلبات الدين ومسلماته التي لا يمكن أن يحيد عنها المسلم التقي المتمسك بدينه، فإن الأعمال التي نفر منها أهل الأهواء، والجاهلون والمعرضون عن الدين والتي نفذها إمام الدعوة بموجب الشرع «مثل رجم الزانية وهدم القباب والأبنية على القبور» ونحو ذلك من الأعمال المشروعة أثارت في نفوس أهل الفسق والفجور وأهل البدع الرعب، والخوف على شهواتهم ومصالحهم، فأجلبوا على الدعوة وإمامها وحكامها بخيلهم ورجلهم وزعموا أن هذه الأعمال الشرعية من التشدد والعنف. وليس الأمر كذلك بل هو مما أوجبه الشرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله لمصالح العباد. كما أنه من المقرر شرعًا أن قتال المخالفين أسلوب من أساليب الجهاد يلجأ إليه بشروطه عند استنفاذ الوسائل الأخرى.

стр. 221

وقد ذكرنا قبلُ أنه قد يحدث من بعض الأعراب وصغار طلاب العلم والجهلة من الأتباع تكفير أو تشدُّد أو قتال غير مشروع لكنه غير محسوب على المنهج، وكان إمام الدعوة وعلماؤها وحكامها يتبرءون من هذه التصرفات ويؤدبون من يفعلها. - ونجد أنه في حين أن الشيخ وأتباعه لا يكفرون إلا بدليل -وهو المذهب الحق مذهب السلف- نجد خصومهم أهل الأهواء والبدع يكفرونهم بلا بينات! ولا يتورعون عن إطلاق الكفر والخروج والعبارات الشنيعة على إمام الدعوة وأتباعها كما فعل صاحب (خلاصة الكلام) حين أطلق عليهم وصف (الكفار والخوارج) (١) . كما في وصفهم بأنهم: «ضحكة ومسخرة كحمر مستنفرة فرت من قسورة» و «تطاير شررهم» وأنهم «يفسدون عقائد علماء الحرمين ويدخلون عليهم الكذب والمين» ووصفهم بـ «الملاحدة الأنذال» وأنهم «لا يدينون إلا بدين الزنادقة» ووصف الإمام محمد بن عبد الوهاب بـ «الخبيث» و «خلف أولادًا أخبث منه» وأن مشايخه «يتفرسون فيه الإلحاد والضلال» وأن «والده كان يتفرس فيه الإلحاد» وأنه «يضمر في نفسه دعوى النبوة» وبأنه «المغرور» واتهام الإمام وأتباعه بأنهم «خوارج» وأنه «من عَقِب ذي الخويصرة» وقالوا عنه «هذا الخارجي» . وأن عقيدتهم «مشتملة على كثير من المكفرات» وسماها أحدهم «العقيدة الزائفة» و «إفساد عقائدهم» ، وأن «فتنتهم من أعظم الفتن» (٢) . ونحو ذلك مما كان يُشَنِّع به الخصوم على الدعوة وإمامها وأهلها مما هم منه أبرياء في حين أن أكثر هؤلاء الخصوم كانوا يحمون الشركيات والبدع ويدافعون عنها ويقاتلون على ذلك. والخلاصة: أنه قد تعرضتْ الدعوة وأهلها ودولتها - الدولة السعودية في جميع مراحلها - لمظالم كبرى من خصومها استوجبت ضرورة الدفاع وحماية الحدود والحقوق والأموال والأنفس والأعراض.

стр. 222

أما دعاوى إكراه الناس على شعائر الدين فهي راجعة إلى أن بعض الناس لا يريدون الأمر والنهي مطلقاً؛ لأن قلوبهم المريضة تميل للشهوات والبدع. [بطلان دعوى أن الدعوة الوهابية مصدر العنف] بطلان دعوى أن الدعوة (الوهابية) مصدر العنف (١) ودعوى أن هذه الدعوة السلفية ويسمونها (الوهابية) مصدر العنف والتكفير والتشدد وأن الحركات المتشددة امتداد لها كل ذلك من البهتان، فهي تقوم على المنهج السلفي المعتدل وتنبذ العنف وتحاربه، وها هو منهجها الشرعي العلمي والرسمي إلى الآن، ومنهج علمائها المعتبرين معلن واضح، لكن الدعوة ابتُليت أحيانًا ببعض الأعراب والمتعجلين والغوغاء والمتحمسين من المنتسبين لطلاب العلم الذين قد يسيئون؛ لأن الدعوة فطرية سهلة واضحة فتؤثر عاطفيًا على بعض المبتدئين ونحوهم وإذا لم تضبط بالعقل والفقه والعلم الشرعي قد تفهم خطأ كسائر المذاهب والمبادئ. وافتيات بعض منسوبي الدعوة عليها وأخطاؤهم في فهمها وتطبيقها قد يتذرع به الخصوم حينما لا يرجعون إلى المنهج العلمي الذي يقوم على التثبت والإنصاف. فالمنهج الذي تقوم عليه الدعوة ودولتها يقوم على الوسطية والعدل والاعتدال، ولا يرضى الظلم والعدوان والتشدد في الدين. [وقفة مع شبهة] وقفة مع شبهة: إن من أكثر ما يتذرع به الخصوم في أن الإمام وأتباعه يطلقون على خصومهم عبارات (المشركين والكفار) ونحوها من العبارات القاسية في نظر البعض. وهذه الشبهة لها جواب بيِّن أُوجزه بما يلي: ١ - أن إطلاق عبارة المشركين والكفار على الخصوم إنما كانوا يقولونها في وصف رؤوس الخصوم والمعاندين وجيوشهم المقاتلة؛ لأنهم كانوا يحملون راية رفض دعوة التوحيد والدفاع عن الشركيات والبدع بعد إقامة الحجة عليهم.

стр. 223

ومن قاتل معهم من العوام والغوغاء لا اعتبار له في الحكم أصلًا؛ فالحكم على الراية التي تقاتل في سبيل البدع والشركيات وتصد عن دين الله. ٢ - أن الذين استعملوا هذه العبارات من المؤرخين كابن غنام وابن بشر وبعض الشعراء، والمناصرين للدعوة، كانت تغلب عليهم روح الحماس والعاطفة والأسلوب الإعلامي أكثر من التأصيل الشرعي. فليس كل ما أطلقوه من الأحكام والأوصاف يعبّر عن المنهج أو يعتد به ولذلك نجد الإمام نفسه والعلماء لا يطلقون هذه الأحكام (الشرك والكفر) على الخصوم إلا نادرًا وعلى زعماء البدع الشركية والكفرية، والمدافعين عن الشركيات الذي قامت عليهم الحجة. ٣ - أن إمام الدعوة وعلماءها حين يتكلمون عن عموم المسلمين من المخالفين من عوام أهل البدع، يبرءون إلى الله من تكفيرهم، ومن وصفهم بالمشركين، ومن استحلال دمائهم، وقد سقت في هذا البحث الكثير مما يثبت هذا المبدأ. أما من كان من المعاندين والمقاتلين ومن كان في صفوفهم فحكمه حكمهم من حيث التعامل في الظاهر، والله أعلم بالسرائر. ٤ - أن أغلب هذه الأوصاف والأحكام كانت عامة لا تنصرف للأعيان. ٥ - ثم لا ننسى أن ما رمى به خصوم الدعوة إمامها وأتباعها من الأوصاف والمطاعن أكثر وأشد وأبعد عن الحق والشرع والدليل؛ من وصفهم بأنهم كفار وملاحدة وزنادقة وخوارج وأنذال (١) . ولم أر من القادحين أو العاتبين والشانئين على الدعوة التفاتًا إلى الموازنة والعدل. والله حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 224

[موقف الإمام وأتباعه من دعوى التكفير وقتال المسلمين] موقف الإمام وأتباعه من دعوى التكفير وقتال المسلمين: ذكرتُ أن من أعظم المفتريات والشبهات التي أثيرت حول الإمام ودعوته وأتباعه ودولة التوحيد (الدولة السعودية) وأخطرها ما يتعلق بالتكفير والقتال (وهي في الأهمية والخطورة تلي قضية التوحيد) . والحق أن الإمام وعلماء الدعوة وأتباعهم أولوا هذه المزاعم ما تستحقها من الأهمية مستقلة أو من خلال حديثهم عن التوحيد وما ينافيه وهو الشرك، وما ينقصه من البدع والمحدثات؛ لأن ذلك مظنة التكفير. وقد بسطت هذه الأمور في بواعث قيام الدعوة ومواضع أخرى كثيرة من هذا البحث. ولا شك أن هذا المنهج - وهو منهج الأنبياء والسلف الصالح - صادم بقوة الواقع الذي يعيشه كثيرون لا سيما أصحاب بدع القبور والقباب والمشاهد والمزارات، والطرق الصوفية والسماعات البدعية وغيرهم من أصناف المبتدعة، ومن في حكمهم من أصحاب المصالح والفئات التي تعيش على هذا الواقع الأليم وهي فئات كثيرة ومصالح كبيرة: سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها. وكان الدفاع والمقاومة بالحق من حماة الدعوة وأتباعها من القوة والضخامة بقدر هذا الهجوم العنيف والظالم. ولا شك أن الكلام في تصحيح العقائد وتحقيق المصالح العظمى - وإن كان بالحق والدليل - يثير ردود أفعال سريعة وقوية وطائشة. وهذا قد استوجب من كل من الطرفين الحكم على الآخر، فكان القتال من خصوم الدعوة وكان الدفاع من حملتها وأتباعها، والقتال لا يدفع إلا بالقتال، والبادئ هو الظالم. وفي قضية التكفير والقتال اشتباه ولبس كبير، ولذلك استغلها الخصوم ضد الدعوة ولا يزالون. وهذا اللبس والاشتباه جعل بعض المؤيدين للدعوة البعيدين عن ساحتها قد يتحفظون أو يأخذون على الدعوة وأهلها أنهم متشددون.

стр. 225

كما فعل محمد صديق خان حين اتهمهم بإراقة الدماء. والعجيب أنه ذكر أن مصدره في هذه المعلومة كتب العلماء المسيحيين (١) ! كما تأثر بهذه الشبهات كل من الشوكاني، ومحمد بن ناصر الحازمي - وذلك على سبيل الاستدراك - في معرض ثناء كل منهما على الدعوة وإمامها (٢) . والمتتبع لمواقف الناس تجاه الدعوة وإمامها يجد أن هذه المسألة ظاهرة ومتميزة؛ أعني: أن كثيرين من الذين يوافقون الإمام وأتباعه على أهمية بيان التوحيد والدعوة إليه، وكشف الشرك ومظاهره والتحذير من البدع، وسد الذرائع المفضية إلى هذه الشركيات والبدع. كثيرون من الذين وافقوه على هذه الأصول العظيمة خالفوه في قضيتي: التكفير والقتال (٣) . فمن الذي مع الحق والدليل؟ لما احتدم الخلاف بين الدعوة وخصومها في هذه القضية الخطيرة، كان الدليل والبرهان والحجة الشرعية الواضحة وكلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة مع أئمة الدعوة، ولم يكن عند خصومهم أهل البدع والأهواء إلا التأويلات والهوى والظنون والقيل والقال واتباع ما تشابه من الأدلة، والأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات والحكايات والمنامات. كما قال الله عنهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] [سورة آل عمران، آية: ٧] . وكُتب الفريقين ورسائلهم ومناظرتهم وردودهم منشورة ومشهورة وعلى من يطلب الحق النظر في حجج هؤلاء وحجج هؤلاء وليحكم بالعدل. فما يقال عن الإمام وعلماء الدعوة وأتباعها حول التكفير واستحلال قتال المسلمين ودمائهم ونحو ذلك من الاتهامات، كلها مما لا يصح، أو مما له وجه شرعي معتبر قام عليه الدليل الشرعي. أما تكفير من يستحق التكفير وسب من يستحق السب شرعًا فليس من التكفير والقسوة، بل هو مشروع عند مقتضاه، وكثيرون من أهل الأهواء والبدع والجهلة بأحكام

стр. 226

الشرع يصفون أحكام الشرع من التكفير والتفسيق والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة شعائر الدين وفرائضه: تشددًا وقسوة، وهذا جهل بأحكام الشرع أو تلبيس وتضليل. وكذلك يمكن القول بأنهم كفّروا بالدليل؛ لكنهم لم يكفروا عموم المسلمين، ولا أكثرهم كما يزعم الخصوم لكنهم كفروا من قام الدليل على كفرهم. ووصفوا الأقوال والأفعال والعقائد الكفرية، أما تكفير الأعيان فهو نادر جدًّا فلم يخرجوا فيه عن نهج النصوص ونهج السلف الصالح من التورع عن تكفير الأعيان، والكف عن ذلك وعدم إطلاق التكفير إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ولذلك كان تكفير الأعيان عندهم قليلاً، بل نادرًا كما أسلفت. [التزام الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه لقواعد التكفير المعتبرة] التزام الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه لقواعد التكفير المعتبرة عند علماء الأمة: ومما ينفي شبهة التكفير عن الإمام محمد بن عبد الوهاب أنه بيَّن القواعد والشروط والموانع في التكفير بما يؤكد أنه على أصول أهل السنة والجماعة ومنهاج السلف الصالح، ومن ذلك. أولاً: أنه كثير النصح للمسلمين حريص على هدايتهم، والدعاء لهم، والتماس المعاذير لهم (١) . ثانياً: لا يكفر بالذنوب: استفاض تأكيده على البراءة من التكفير بالذنوب - كما تفعل الخوارج - كقوله: «ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب ولا أخرجه من دائرة الإسلام» (٢) . وقوله في رده على بعض الذين يتهمونه وأتباعه بتكفير المسلمين: «وقولكم إنا نكفر المسلمين. . .، فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين» (٣) .

стр. 227

وقال في رسالته إلى عالم العراق ابن السويدي في سياق ذكر ما أشيع عن الشيخ من البهتان: «ومنها ما ذكرتم: أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل. . .» (١) . ثالثاً: لا يكفر بالعموم: فقد ثبت نفيه المتكرر وما يتهم به وأتباعه من أنهم يكفرون المسلمين بالعموم وأنهم يكفرون كل من خالفهم، وكل من لم يدخل في مذهبهم! ونحو ذلك من المزاعم. قال: «وأما القول: أنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم» (٢) . رابعاً: معاملة الناس على ظواهرهم: وكان يعامل الناس على ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى الله، قال في أهل البدع: «وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله تعالى» (٣) . خامساً: لا يحكم على أحد بالكفر بمجرد الموالاة. سادساً: لا يحكم على أحد بمجرد الظن. سابعاً: يعذر الجاهل بجهله. ثامناً: لا يكون التكفير عنده إلا بعد إقامة الحجة والبرهان. قال مقررًا هذه القواعد: «وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله ﷺ » (٤) . تاسعاً: لم يكن الإمام وعلماء الدعوة - التزامًا لمنهج السلف الصالح - يطلقون أحكام التكفير

стр. 228

إلا ببينات وبعد التثبت ومعرفة الحال. وعلى سبيل المثال كان الشيخ الإمام وأتباعه أحيانًا يطلقون على بعض خصومهم الكفر أو الشرك؛ لأنه تثبت لديهم أن هؤلاء الخصوم واقعون في ذلك فعلاً، وقد قامت عليهم الحجة وبانت لهم الدلائل من خلال ما أقامه الشيخ الإمام وتلاميذه وأشهروه في ذلك. وكانت البوادي والأعراب في نجد وما حولها - وهم كثيرون آنذاك - لا يكادون يفقهون في دين الله شيئاً، ولا يقيم أكثرهم شعائر الإسلام، وكثيرون منهم لا يؤمنون بالبعث ولا يعرفون ذلك، وقد بين الشيخ الإمام هذه المسألة غاية البيان (١) . كما كانت مظاهر الشرك والبدع ظاهرة عند البادية والحاضرة من خلال ما يمارسه الكثيرون حول الأضرحة والقباب والمشاهد، والأشجار والأحجار، والأشخاص والآثار ونحو ذلك. وكانت النزعة الصوفية الغالية لها وجود بينهم (وإن كان فيما يظهر ليس بالكثير) ، كمذهب ابن عربي وابن الفارض (٢) . ولم تكن بقية جزيرة العرب، في الحجاز واليمن بأسعد حظًّا من نجد وبواديها بل كان كثيرون منهم يمارسون البدع والشركيات عن عمد وإصرار. ومع ذلك كله كان الإمام وأتباعه لا يكفرون الأعيان ولا يكفرون العموم إلا بعد التثبت والبيان. وقد كفانا الشيخ الإمام وعلماء الدعوة مهمة الدفاع عن الحق، ورد المفتريات من الخصوم، وكشف بهتانهم. فقال الإمام في إحدى رسائله بعدما ذكر أن عقيدته هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه لا يكفر المسلمين: «ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه عن دائرة الإسلام» (٣) .

стр. 229

ثم قال في الرسالة نفسها مبينًا أن بعض ما قيل عنه صحيح وهو الحق بالدليل: «وأما المسائل الأخرى، وهي: أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله، وأني أُعَرِّف من يأتيني بمعناها، وأني أُكَفِّر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله، وأخذ النذر لأجل ذلك، وأن الذبح لغير الله كفر، والذبيحة حرام؛ فهذه المسائل حق، وأنا قائل بها؛ ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله، ومن أقوال العلماء المتبعين، كالأئمة الأربعة؛ وإذا سهَّل الله تعالى: بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة، إن شاء الله تعالى» (١) . ثم قال طالبًا من الذين ترد إليهم تلك الشبهات والأقاويل والمفتريات عنه وعن دعوته: «ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] » [سورة الحجرات، آية: ٦] (٢) . وأرسل أحد علماء اليمن (٣) الرسالة التالية، يسأله فيها عن حقيقة من يُشاع عنه من المفتريات جاء فيها: «أما بعد: بلغني على ألسن الناس عنك، ممن أصدق علمه وما لا أصدق، والناس اقتسموا فيكم بين قادح ومادح فالذي سرني عنك: الإقامة على الشريعة في آخر هذا الزمان، وفي غربة الإسلام، أنك تدعو به وتقوم أركانه، فوالله الذي لا إله غيره مع ما نحن فيه عند قومنا، ما نقدر على ما تقدر عليه، من بيان الحق، والإعلان بالدعوة. وأما قول من لا أصدق: أنك تكفر بالعموم، ولا تبغي الصالحين، ولا تعمل بكتب المتأخرين، فأنت: أخبِرْنِي، واصدقني بما أنت عليه، وما تدعو الناس إليه، ليستقر عندنا خبرك ومحبتك؟» (٤) .

стр. 230

فكان جوابه: «أما بعد: فما تسأل عنه، فنحمد الله الذي لا إله غيره، ولا رب لنا سواه، فلنا أسوة، وهم: الرسل، عليهم الصلاة والسلام أجمعين، وأما ما جرى لهم مع قومهم، وما جرى لقومهم معهم، فهم قدوة وأسوة لمن اتبعهم. فما تسأل عنه، من الاستقامة على الإسلام؟ فالفضل لله، وقال رسول الله ﷺ : «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريبًا كما بدأ» (١) . وأما القول: أنا نُكَفِّر بالعموم؟ فذلك من بهتان الأعداء، الذين يصدون به عن هذا الدين؛ ونقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] [سورة النور، آية: ١٦] . وأما الصالحون؟ فهم على صلاحهم ﵁ ولكن نقول: ليس لهم شيء من الدعوة، قال الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨] . وأما المتأخرون ﵏، فكتبهم عندنا، فنعمل بما وافق النص منها، وما لا يوافق النص، لا نعمل به» (٢) . وسئل الإمام: محمد بن عبد الوهاب، عما يقاتل عليه وعما يكفر الرجل به؟ فأجاب: «وأركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعة: إذا أقر بها، وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها؛ والعلماء: اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود؛ ولا نكفر إلاّ ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو: الشهادتان. وأيضاً: نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر» (٣) . ثم ذكر أنواع الذي يكفرون بمقتضى الدليل من نصوص الشرع إلى أن قال: «وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على

стр. 231

إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا: لا نكفر من عبد الصنم، الذي على [قبر] عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله؟! إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] » [سورة النور، آية: ١٦] (١) . وقال فيما يُنسب إليه من التكفير، مبينًا أنه لا يُكَفِّر إلا بمقتضى الدليل: «وأما التكفير: فأنا أكفِّر من عرف دليل الرسول ﷺ ، ثم بعدما عرف، سبَّه ونهى الناس عنه، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة - ولله الحمد - ليسوا كذلك. وأما القتال: فلم نقاتل أحدًا إلاّ دون النفس، والحرمة؛ فإنا نقاتل على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] [سورة الشورى، آية: ٤٠] وكذلك من جاهر بسبِّ دين الرسول، بعدما عرفه، والسلام» (٢) . وهو هنا نفى الكفر عن أكثر الأمة بصريح العبارة، وهذا يُبطل دعوى الخصوم أنه يكفر المسلمين أو أكثرهم. وقال الإمام في رده لمزاعم بعضهم: «وكذلك تمويهه على الطغام: بأن ابن عبد الوهاب، يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نُشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا، بأن من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في أي زمان، وأي مكان. وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته، بعدما نبين له الحجة، على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسَّنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه، دون هذه المشاهد، التي يُشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها، وسعى في إزالتها، والله

стр. 232

المستعان، والسلام» (١) . وفي رده على فرية الخصوم في زعمهم بأن الشيخ وأتباعه يكفِّرون بالذنوب كما يفعل الخوارج قال: «والمسألة الأخرى: يذكر لنا من أعداء الإسلام، من يذكر أنا نكفر بالذنوب، مثل التتن، وشرب الخمر، والزنا أو غير ذلك من كبائر الذنوب؛ فنبرأ إلى الله من هذه المقالة، بل الذي نحن نقول: الذنوب فيها الحدود، ومعلقة بالمشيئة، إن شاء الله عفا، وإن شاء عذب عليها. وأما الذي نكفر به: فالشرك بالله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] [سورة النساء، آية: ٤٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ - بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦] [سورة الزمر، آية: ٦٥ - ٦٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] [سورة المائدة، آية: ٧٢] . ونكفر أيضاً: المستهزئين بالدين، مثل ما قال الله في الصحابي، الذي غزا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] [سورة التوبة، آية: ٦ ٥ - ٦٦] وغيرهم مثل ما حكى الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] وفي الآية الأخرى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] [سورة النساء، آية: ١٤٠] » (٢) . وقال كذلك في رسالة له إلى عامة المسلمين: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الوهاب: إلى من يصل إليه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 233

وبعد: ما ذكر لكم عني: أني أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم: إني أقول من تبع دين الله ورسوله، وهو ساكن في بلده، أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضًا من البهتان، إنما المراد اتباع دين الله ورسوله، في أي أرض كانت. ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله، ثم عاداه وصد الناس عنه؛ وكذلك من عبد الأوثان، بعدما عرف أنها دين المشركين، وزيَّنه للناس، فهذا الذي أكفره وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء، إلا رجل معاند، أو جاهل، والله أعلم والسلام» . وسئل أبناء الشيخ وحمد بن ناصر بن معمر: هل تعتقدون كفر أهل الأرض على الإطلاق؟ أم لا؟ فأجابوا: «الذي نعتقده ديناً، ونرضاه لإخواننا مذهباً، أن من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقامت عليه الحجة، فإنه يكفر بذلك، ولو ادَّعى الإسلام، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء» (١) . وقال الإمام -أيضًا-: في رده على (خصم الدعوة) : سليمان بن سحيم، مبينًا أنه لا يكفِّر إلا حسب الأدلة الشرعية، وآثار السلف الصالح: «وأما المسألة الثالثة، وهي من أكبر تلبيسك الذي تُلبِّس به على العوام: «أن أهل العلم قالوا: لا يجوز تكفير المسلم بالذنب» وهذا حق، ولكن ليس هذا ما نحن فيه، وذلك أن الخوارج يكفِّرون من زنى، أو من سرق، أو سفك الدم، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر. وأما أهل السنة فمذهبهم أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك؛ ونحن ما كفّرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك» (٢) . ويقول الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب: «ونحن نقول فيمن مات: تلك أمة قد خلت؛ ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرًا معانداً، كغالب من نقاتلهم اليوم، يصرون على ذلك

стр. 234

الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات، وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله، ورضاه به ولتكثير سواد من ذكر، والتأليب معه فله حينئذ حكمه في قتاله، ونعتذر عمن مضى: بأنهم مخطئون معذورون؛ لعدم عصمتهم من الخطأ والإجماع في ذلك ممنوع قطعًا» (١) . إلى أن قال: «ونحن كذلك: لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة، والتآليف فيها وإن كان مخطئًا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم، ولا ننكر سعة علمه ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين، والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل؛ لأنه من جملة علماء المسلمين. هذا ما نحن عليه، مخاطبين من له عقل وعلم، وهو متصف بالإنصاف، خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف، ينظر إلى ما يقال، لا إلى من قال» (٢) . وقال الإمام سعود بن عبد العزيز في رسالته إلى سليمان باشا والي العراق: «فنقول: نحن بحمد الله، لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، وإنما نكفر لهم، بما نص الله ورسوله، وأجمع عليه علماء الأمة المحمدية، الذين هم لسان صدق في الأمة: أنه كفر كالشرك في عبادة الله غيره، من دعاء ونذر، وذبح وكبغض الدين وأهله، والاستهزاء به، وأما الذنوب كالزنا والسرقة وقتل النفس، وشرب الخمر والظلم، ونحو ذلك فلا نكفر من فعله، إذا كان مؤمنًا بالله ورسوله إلا من فعله مستحلاً له فما كان من ذلك فيه حد شرعي أقمناه على من فعله وإلا عزرنا الفاعل بما يردعه، وأمثاله عن ارتكاب المحرمات. وقد: جرت المعاصي والكبائر، في زمن رسول الله ﷺ وأصحابه، ولم يكفروا بها، وهذا مما رد به أهل السنة والجماعة، على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وعلى المعتزلة الذين يحكمون بتخليده في النار، وإن لم يسموه كافراً، ويقولون: ننزله منزلة بين المنزلتين، فلا نسميه كافرًا ولا مؤمناً، بل فاسقًا وينكرون شفاعة رسول الله ﷺ يوم القيامة، ويقولون: لا يخرج من النار أحد دخلها بشفاعة ولا غيرها.

стр. 235

ونحن: بحمد الله برآء من هذين المذهبين، مذهب الخوارج والمعتزلة، ونثبت شفاعة رسول الله ﷺ وغيره من الأنبياء والصالحين، ولكنها: لا تكون إلا لأهل التوحيد خاصة، ولا تكون إلا بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [سورة الأنبياء، آية: ٢٨] وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [سورة البقرة، آية: ٢٥٥] » (١) . وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن كلام مفصَّل يرد تهمة التكفير عن إمام الدعوة وأتباعها، في رسالته لبعض المتشددين ينكر عليهم هذا المسلك الخطير (التكفير) ويتبرأ من هذا المنهج: قال: «وقد رأيت: سنة أربع وستين (٢) رجلين من أشباهكم، المارقين بالأحساء قد اعتزلا الجمعة، والجماعة وكفَّرا مَن في تلك البلاد من المسلمين، وحجتهم من جنس حجتكم يقولون: أهل الأحساء يجالسون ابن فيروز، ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت ولم يصرح بتكفير جده، الذي رد دعوة الشيخ محمد ولم يقبلها وعاداها. قالا: ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله، لم يكفر بالطاغوت ومن جالسه فهو مثله؛ ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام حتى تركوا رد السلام، فرفع إلي أمرهم، فأحضرتهم وتهددتهم وأغلظت لهم القول؛ فزعموا أولاً: أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن رسائله عندهم فكشفت شبهتهم وأدحضت ضلالتهم بما حضرني في المجلس. وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله، من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسوله، أو بشيء منها، بعد قيام الحجة، وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبَد الصالحين، ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادًا له، فيما يستحقه على خلقه، من العبادات والإلهية، وهذا مجمع عليه أهل العلم والإيمان، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة، يفردون هذه المسألة بباب عظيم، يذكرون

стр. 236

فيه حكمها وما يوجب الردة ويقتضيها وينصون على الشرك، وقد أفرد ابن حجر، هذه المسألة بكتاب سماه: الإعلام بقواطع الإسلام» (١) . وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: «فإن الشيخ محمدًا ﵀ لم يكفر الناس ابتداء، إلا بعد قيام الحجة والدعوة؛ لأنهم إذ ذاك في زمن فترة، وعدم علم بآثار الرسالة؛ ولذلك قال: لجهلهم وعدم من ينبههم، فأما إذا قامت الحجة فلا مانع من تكفيرهم وإن لم يفهموها» (٢) . [دعوى إتلاف الكتب] رد دعوى إتلاف الكتب: وفي دفع تهمة إتلاف الكتب التي ليست على مذهبهم، قال الشيخ عبد الله بن الإمام محمد: «ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلاً، إلاّ ما اشتمل على ما يُوقع الناس في الشرك، كروض الرياحين أو يحصل بسببه خلل في العقائد، كعلم المنطق (٣) فإنه قد حرمه جمع من العلماء على أنا لا نفحص عن مثل ذلك، وكالدلائل، إلاّ إن تظاهر به صاحبه معانداً، أتلف عليه وما اتفق لبعض البدو في إتلاف بعض كتب أهل الطائف، إنما صدر منه لجهله، وقد زجر هو وغيره عن مثل ذلك» (٤) . [رد دعوى أنهم يكفرون بالذنوب كشرب الدخان] رد دعوى أنهم يكفرون بالذنوب كشرب الدخان: زعم بعض الخصوم وغيرهم أن علماء الدعوة وأتباعها يكفرون بالذنوب والمعاصي كشرب الدخان، والمسكرات وسماع الأغاني، وقد أجاب الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب عن هذه الفرية قائلاً:

стр. 237

«وأما البحث عن التنباك، وقولكم: بلغنا أنكم أفتيتم فيه، بأنه من المسكرات اعتمدنا على قولكم فعارض بعض الراحلين من عندكم، فقالوا: من شربه بعدما تاب منه، فقد ارتد وحل دمه وماله. فالجواب: أن من نسب إلينا القول بهذا، فقد كذب وافترى، بل من قال هذا القول استحق التعزير البليغ الذي يردعه وأمثاله، فإن هذا مُخالف للكتاب والسنة، بل لو تاب منه، ثم عاد إلى شربه لم يحكم بكفره وردته، ولو أصر على ذلك، إذا لم يستحله، والتكفير بالذنوب مذهب الخوارج، الذين مرقوا من الإسلام، واستحلوا دماء المسلمين بالذنوب والمعاصي» (١) . وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «وهم يقولون بما يذهب إليه السلف الصالح وعامة أهل السنة والجماعة من أن الكفر أنواع وشعب، كما أن الإيمان شعب، وأنه ليس كل كفر يُخرج عن الملة، وأن بعض الذنوب والمعاصي التي تُوصف بأنها كفر، تعني كفرًا دون كفر كما جاءت بذلك السنة، وقد فصَّل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (أحد أحفاد الإمام محمد بن عبد الوهاب) هذه الأحكام حين بيَّن أن الإيمان شعب، وقال: «وكذلك الكفر: أيضًا ذو أصل وشعب فكما أن شعب الإيمان: إيمان، فشعب الكفر: كفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان؛ ولا يسوى بينهما في الأسماء والأحكام؛ وفرق بين من ترك الصلاة، أو الزكاة أو الصيام أو أشرك بالله، أو استهان بالمصحف؛ وبين من يسرق ويزني أو يشرب أو ينهب، أو صدر منه نوع موالاة كما جرى لحاطب؛ فمن سوَّى بين شعب الإيمان في الأسماء والأحكام، أو سوى بين شعب الكفر في ذلك، فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف الأمة، داخل في عموم: أهل البدع، والأهواء» (٢) . إلى أن قال: «الأصل الرابع: أن الكفر نوعان، كفر عمل؛ وكفر جحود وعناد، وهو: أن يكفر بما علم، أن الرسول ﷺ جاء به من عند الله، جحودًا وعنادًا من أسماء الرب،

стр. 238

وصفاته، وأفعاله، وأحكامه التي أصلها: توحيده وعبادته وحده لا شريك له، وهذا: مضاد للإيمان من كل وجه. وأما: كفر العمل، فمنه ما يضاد الإيمان، كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي ﷺ ، وسبه وأما: الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، فهذا كفر عمل لا كفر اعتقاد وكذلك قوله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض» (١) وقوله: «من أتى كاهناً، فصدقه أو امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (٢) فهذا: من الكفر العملي؛ وليس كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي ﷺ وسَبّه، وإن كان الكل يطلق عليه الكفر. وقد سمى الله سبحانه: من عمل ببعض كتابه، وترك العمل ببعضه، مؤمنًا بما عمل به، وكافرًا بما ترك العمل به، قال تعالى: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] إلى قوله ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] [سورة البقرة، آية: ٨٤ - ٨٥] فأخبر تعالى: أنهم أقروا بميثاقه، الذي أمرهم به والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به، وأخبر: أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقًا آخرين، وأخرجوهم من ديارهم، وهذا: كفر بما أخذ عليهم، ثم أخبر أنهم يفدون من أُسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أُخذ عليهم في الكتاب، وكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه. فالإيمان العملي: يضاده الكفر العملي؛ والإيمان الاعتقادي: يضاده الكفر الاعتقادي؛ وفي الحديث الصحيح: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٣) ففرق بين سبابه، وقتاله، وجعل أحدهما فسوقاً، لا يكفر به، والآخر كفرًا، ومعلوم: أنه إنما أراد الكفر العملي، لا الاعتقادي، وهذا الكفر: لا يُخرجه من الدائرة الإسلامية، والملة الكلية، كما لم يخرج الزاني، والسارق، والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان.

стр. 239

وهذا: التفصيل قول الصحابة، الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر، ولوازمهما فلا تُتَلقى هذه المسائل إلا عنهم؛ والمتأخرون: لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين؛ فريق أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار؛ وفريق: جعلوهم مؤمنين، كاملي الإيمان؛ فأولئك غلوا وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط، الذي هو في المذاهب، كالإسلام في الملل، فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم؛ فعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] [سورة المائدة، آية: ٤٤] قال: ليس هو الكفر الذي تذهبون إليه، رواه عنه سفيان، وعبد الرزاق؛ وفي رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة؛ وعن عطاء كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق» (١) . ثم قال: «الأصل الخامس: أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد، أن يسمى مؤمناً، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر، أن يسمى كافراً، وإن كان ما قام به كفر، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يسمى عالماً، أو طبيباً، أو فقيهاً، وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها اسم الكفر، كما في الحديث: «اثنان في أمتي هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (٢) وحديث: «من حلف بغير الله فقد كفر» (٣) ولكنه لا يستحق اسم الكفر على الإطلاق. فمن عرف هذا: عرف فقه السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم، قال ابن مسعود: من كان متأسياً، فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ فإنهم أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً؛ قوم: اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم؛ وقد كاد الشيطان بني آدم، بمكيدتين، عظيمتين، لا يبالي بأيهما ظفر؛ أحدهما: الغلو ومجاوزة الحد، والإفراط. والثاني: هو الإعراض، والترك والتفريط» (٤) .

стр. 240

[رد دعوى أنهم يكفرون من لم يوافقهم] دعوى أنهم يرون أن من لم يدخل في دائرتهم فهو كافر، وأن داره دار حرب. وقد أجابوا على هذه الفرية، وأعلنوا براءتهم من هذه المقولة، فقد سئل أبناء الإمام: محمد بن عبد الوهاب، من لم تشمله دائرة إمامتكم، ويتسم بسمة دولتكم، هل داره دار كفر وحرب على العموم؟ فأجابوا: «الذي نعتقده وندين الله به، أن من دان بالإسلام، وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم، كما دل على ذلك الكتاب والسنّة وإجماع الأمة، ولم نكفر أحدًا دان بدين الإسلام؛ لكونه لم يدخل في دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفر الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده، فقد كذب وافترى» (١) . وهم كذلك لا يحكمون على بلاد غيرهم من المسلمين بأنها دار كفر كما يزعم خصومهم: فقد أجاب الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: البلدة التي فيها شيء من مشاهد الشرك، والشرك فيها ظاهر، مع كونهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، مع عدم القيام بحقيقتها، ويؤذنون، ويصلون الجمعة والجماعة، مع التقصير في ذلك، هل تُسمى دار كفر، أو دار إسلام؟ قال: «فهذه المسألة: يؤخذ جوابها مما ذكره الفقهاء، في بلدة كل أهلها يهود، أو نصارى، أنهم إذا بذلوا الجزية، صارت بلادهم بلاد إسلام؛ وتسمى دار إسلام، فإذا كان أهل بلدة نصارى، يقولون في المسيح أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، أنهم إذا بذلوا الجزية سُميت بلادهم بلاد إسلام، فبالأولى فيما أرى: أن البلاد التي سألتم عنها، وذكرتم حال أهلها، أولى بهذا الاسم، ومع هذا يُقاتلون لإزالة مشاهد الشرك، والإقرار بالتوحيد والعمل به. بل لو أن طائفة امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام، قوتلوا وإن لم يكونوا كفارًا ولا مشركين، ودارهم دار إسلام؛ قال الشيخ تقي الدين: أجمع العلماء على أن كل طائفة

стр. 241

امتنعت من شريعة، من شرائع الإسلام الظاهرة، تقاتل حتى يكون الدين كله لله، كالمحاربين وأولى؛ انتهى؛ وما ذكرناه عن العلماء؛ من أنهم يسمون البلدة التي أهلها يهود، أو نصارى، دار إسلام، يذكرون ذلك في باب اللقيط وغيره» (١) . [رد دعوى التشدد] رد دعوى التشدد: وفي مسألة التشدد فإنهم كما أسلفت ليسوا كذلك لكنهم كانوا يلتزمون أحكام الإسلام، ويسيرون مع الدليل الشرعي في ذلك، وقد يسمي المتساهلون ذلك تشدداً. يقول الأستاذ حافظ وهبة في ذلك: «والنجديون يحرصون أشد الحرص على تنفيذ أحكام الشريعة في تحريم لبس الحرير للرجال وتحليهم بالذهب، كما يحرمون التدخين، ويجلدون المدخن أربعين جلدة. ومما لا شك فيه: أن حكومتهم الأولى كانت أصرم في هذا من الحكومة الحالية. ولقد كانت مسألة الدخان من المسائل التي دار البحث فيها بين الحكومة المصرية والحكومة السعودية سنة ١٩٢٦م، ومال مفتي مصر فيها إلى الكراهة، كما أنه أورد رأي فريق من العلماء ممن يرى التحريم. لقد روى بَالْجَرِيف في رحلته إلى نجد سنة ١٨٦٢م أنه سمع من بعض النجديين: أنهم يرون أن شرب الدخان أشد لديهم من الخمر والزنا وبعض المحرمات المنصوص عليها، ولا شك أن هذه الرواية قد سمعها من جاهل. فقد سمعت شيئًا قريبًا من هذا من بعض النجديين المقيمين بالكويت، ولكنهم لم يكونوا من العلماء. ولا يعبرون على رأي علماء نجد الذين يعدون مثل هذا القول جرأة على الدين. إن علماء نجد - وإن أجمعوا على تحريم الدخان (٢) - فلم أسمع أحدًا منهم يقول مثل هذا

стр. 242

القول، كما أني لم أقف على شيء مثل هذا فيما كتبه متقدموهم أو متأخروهم. وعلماء نجد يحرمون التصوير ويكرهون الموسيقى، ولا يقبلون أي تأويل في ذلك» . وقال: تحت عنوان: (ما يُنسب إلى النجديين وهم أبرياء منه) . «لا شك أن الحرب النجدية المصرية في القرن الماضي وما أعقب ذلك من خلاف بين آل سعود والأتراك قد صحبه كثير من الدعايات السيئة ضد النجديين. وكثير من الأشياء التي نسبت إليهم مكذوبة. ١ - لقد نُسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب والآخذين بدعوته كراهية النبي ﷺ ، والحطّ من شأنه وشأن سائر الأنبياء والأولياء الصالحين. لقد نُسب هذا إلى الإمام ابن تيمية وإلى تلاميذه، كما لا يزال يُنسب إلى كثير من العقلاء والمصلحين في الهند وغيرها حتى ممن ليست لهم أي صلة بنجد وأهلها. إن منشأ هذه النسبة: هو أن النجديين استنادًا إلى حديث «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (١) يرون أن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يعملها أحد من الصحابة أو التابعين. ولم يأمر بها النبي ﷺ ، وقد سبق ابن تيمية وابن عبد الوهاب طوائف كثيرة من العلماء المتقدمين بهذا الرأي. ٢ - إن النجديين يمنعون استقبال قبر الرسول ﷺ عند الدعاء، كما يمنعون السجود عند قبره وقبر غيره، ويمنعون التمسح والتمرغ عند القبر، كما يمنعون كل ما من شأنه الاستغاثة أو الطلب مما شاع عمله عند قبر النبي ﷺ وقبور الصالحين في مصر وبغداد والهند وكثير من الأمصار. ٣ - هدم القباب والأبنية المقامة على القبور وإبطالهم لسائر الأوقاف التي رصدت على القبور والأضرحة. ٤ - إنكارهم على البوصيري قوله في البردة: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم وقوله: ومن علومك علم اللوح والقلم

стр. 243

وقوله: إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي ... فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم فإن هذا القول مجازفة وغلو، وفيه مخالفة صريحة لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة؛ وهم - فوق هذا - يعتقدون أن من اعتقد هذا على ظاهره فهو مشرك كافر. فاتهمهم خصومهم بكراهية النبي. ونسبوا إليهم أقوالًا هم أبرياء منها، نسبوا إليهم القول بأن العصا خير من النبي، إلى غير ذلك من التُّهَم الباطلة. ولقد سمعت في نجد أن حكاية نجد الشمالية أثناء خصومتهم مع آل سعود كانوا يكتبون إلى الأتراك أن آل سعود اتخذوا راية شعارها: لا إله إلا الله مَحَدّ رسول (بحذف ميم محمد) أي لا أحد رسول الله، وهذا كله تنفير للأتراك من خصومهم، وهم يعلمون حق العلم أن هذا كذب. ولقد حضر إلى مكة أثناء الحرب الحجازية النجدية في سنة ١٩٢٥م بعض أفاضل السنغاليين وَتِطْوَان، وكانوا أثناء حديثهم يبكون لشدة تأثرهم؛ لقد أخبرونا أنهم سمعوا في الإسكندرية أشياء كثيرة تنسب إلى النجديين، لم يجدوا لها أثرًا في الحجاز، لقد سمعوا من بعض الناس: أن الوهابيين هدموا الكعبة؛ لأنها حجر، وسمعوا أنهم في الأذان يقولون: «أشهد أن لا إله إلا الله» فقط ولا يقولون: «أشهد أن محمدًا رسول الله» . إن النجديين أحرص الناس على محبة الرسول ﷺ ، ولكنهم يكرهون الغلو، ويقاومون البدع مهما كان نوعها، ومهما كان الدافع لها، ويقولون: إن المحبة للرسول ﷺ هي الاهتداء بهدى الرسول ﷺ وأتباعه، أما الابتداع وتعطيل الشريعة وتقديم الأهواء فهو كراهة لا محبة. وفي القرآن الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] [سورة آل عمران، آية: ٣١] . ومما ينسب إلى أهل نجد: تكفيرهم من عداهم؛ وهو بلا شك تزوير من خصومهم، وإن وقعت بعض أشياء من بعض جفاة الأعراب والجهال فليس من الإنصاف أن ينسب ذلك إلى أهل نجد. أما الشيخ ابن عبد الوهاب وتلاميذه: فإنهم لا يكفرون من صحت ديانته، واشتهر صلاحه، وحسنت سيرته، وإن أخطأ في بعض المسائل. ولكنهم يكفرون من بلغته دعوة الحق ووضحت له الحجة وقامت عليه وأصر مستكبراً، هذا في الأفراد» (١) .

стр. 244

[مسألة القتال] مسألة القتال لما استقر الإمام في الدرعية ١١٥٧هـ تقريبًا شرع في توسيع نطاق وسائل الدعوة، وزاد من إرسال الرسائل والمكاتبات، والنشاط العلمي فراسل العلماء والقضاة وطلاب العلم وأئمة المساجد وشيوخ القبائل (١) وأمراء البلدان، وكان يدعوهم إلى أمرين أولهما: مبادئ الدعوة التي تمثل الرجوع إلى الدين الحق بتحقيق التوحيد، وإقامة الفرائض، والسنن وأحكام الشرع في كل شؤون الحياة، ونبذ الشركيات والبدع وترك المنكرات. وثانيهما: الدعوة إلى الجماعة ونبذ الفُرْقَة، والانضمام إلى الكيان الجديد في الدرعية وقد استجابت غالب البلدان المجاورة طواعية مثل العمارية وعرقة ومنفوحة والعيينة وحريملاء. فأعلنت ولاءها لدعوة التوحيد وإمارتها في الجملة مع ما شاب ذلك من الاضطراب والتذبذب؛ لأن كثيرين من أهل الرئاسة والجاه وأصحاب المصالح (٢) . المستفيدين من الفرقة والشتات وشيوع البدع عَزَّ عليهم أن يفقدوا مصالحهم التي ستنتهي بتوحيد البلاد وتطهيرها من مظاهر الفرقة والبدع. وبذلك أصبحت الدرعية بمثابة العاصمة للدولة الناشئة. وكان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب آنذاك يطمح إلى أن تتحد نجد كلها على دعوة التوحيد، وأن تكون تحت راية واحدة وإمارة واحدة، وتكون على ما أمر الله به من الجماعة ونبذ الفرقة وظهور الدين. فقد صرح الشيخ الإمام بهذا الهدف السامي بقوله لابن معمَّر حين قدم إليه بالعيينة: «إني لأرجو إن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يُظهرك الله وتملك نجدًا وأعرابها» (٣) . فكان يؤمل أن تكون نجد مملكة واحدة.

стр. 245

ولذا فإن موقف الدعوة من القتال تدرج حسب المراحل الطبيعية والموقف الشرعي في نمو الدعوة ودولتها. ففي أول الدعوة لم تَشْرَع في القتال، ولم تستحله أصلاً؛ لأنها لم تتمكن، ولم يكن لها سلطان ومن ثم لم يكن لها مبرر شرعي يجيز لها أن تستعمل القوة. فلما اشتهرت الدعوة، وشرع الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وأنصاره بالصدع بالحق، ظهرت ردود الأفعال من الخصوم والمخالفين والمعارضين قوية وعنيفة، وصارت تعتدي وتستعدي الدول والحكام والأمراء وشيوخ القبائل والرؤساء وسائر الناس كذلك. فنتج عن هذه الجهود المضادة أنواع من العنف ضد الدعوة ومؤيديها بشتى أصنافه من الطرد والحبس والقتل، وقبله التشهير والبهتان. وفي الوقت نفسه تجذرت الأصول الشرعية لإمارة محمد بن سعود حامل لواء الدعوة، وكثر أنصاره وقويت شوكته، وبايعته كثير من الأقاليم المجاورة، وبدأت مواجهة خصوم الدعوة، من قِبَل جيرانها أمثال (دهام بن دوَّاس) وغيره. ومن هنا نشأت بالضرورة شرعية القتال للدفاع عن النفس والكيان فصارت إمارة آل سعود (الأمير محمد بن سعود) بتوجيه من الإمام محمد بن عبد الوهاب هي القوة المدافعة عن الدعوة وبلادها، مما جعل مركزها السياسي والعسكري والاقتصادي يتنامى ويتقوى بسرعة مذهلة. وتكون ذات كيان معتبر في المنطقة وما حولها. وأتاحت لها هذه الظروف بتوفيق الله تعالى، أن تكون دولة ذات رسالة وحاملة لواء التوحيد والسنة، وهذا مما سوغ لها أن تقوم بواجب الجهاد لنشر الدين، ونصرة الحق وأهله، وبعد توافر الشروط الشرعية للجهاد: من الدولة والإمارة والبيعة والأنصار والجيوش، والمركز السياسي والاجتماعي، وعليه فإن الدعوة ودولتها لم تبدأ القتال ولم تتجاوز موقف الدفاع إلا حينما تقوَّت، واشتد ساعدها في حلبة الصراع، وصارت لها إمامة شرعية وبيعة وكيان. فإن الخصوم من رؤساء بعض الأقاليم المجاورة، وأمراء الأحساء، وأمراء نجران قد بدءوا بالهجوم المسلح على الدرعية.

стр. 246

وكذلك أمراء مكة وقد أعلنوا موقفهم العدائي للدعوة وإمامتها ودولتها وأتباعها في وقت مبكر، ومنعوهم من أبسط حقوقهم وهو الحج. قال محمود فهمي باشا المهندس المصري في الجزء الأول من تاريخه (البحر الزاخر) في سياق الكلام على الدعوة وأهلها التي سماها: الوهابية. «ومن بعد مدة استمرت في محاربات شديدة، ووقائع عتيدة، دخل جميع بلاد العرب في العقائد الوهابية، أي العقائد الإصلاحية للديانة الإسلامية، وصارت نجد أيضًا في حالة سياسية مدنية جديدة، وبدل أن كانت جهاتها منقسمة إلى عدة عشائر، وشعوب صغيرة منفصلة عن بعضها ومستمرة في حروب وكروب بين بعضها صارت مقر دولة قوية، وسلطنة سياسية، مثال سلطنة الخلفاء القدماء ولرئيس هذه الدولة السلطة في الأعمال الدينية، والدنيوية» . «ومع ما كان عليه الوهابيون من الحروب والمبارزات في بلاد العرب لم يعتدوا على حقوق الحكومتين المجاورتين لهم، وهما حكومة بغداد والحجاز، وكانت قوافل الحجاج تمر من وسط أراضيهم من غير أن يحصل لأي قافلة ضرر أو انزعاج، وكانوا في أحوال أخوية ودية مع الشريف سرور شريف مكة، وفي سنة (١٧٨١) بعد الميلاد استحصلوا على رخصة منه في أداء حجهم وطوافهم بالكعبة، فتولد من زيادة قوتهم، ونفوذ شوكتهم اشتعال نار الحسد في قلب الشريف غالب، وفي ظرف بضع سنين من تقلده الحكومة وتوظفه شريف مكة بعد الشريف سرور أعلن حربًا على الوهابية وكانت طرائق هذا الحرب مثل طرائق حرب البدو متقطعًا بهدنات صغيرة قصيرة المدة؛ ولما انتظمت مخابرات الشريف غالب مع الدولة التركية العثمانية لم يهمل أدنى طريقة يمكنه إجراؤها في تمكين الدولة العثمانية من دخول عساكرها في بلاد العرب لأجل الوقوع بالوهابيين إلا وأجراها، وأثبت (١) أنهم من الملحدين الكافرين، وأن معاملتهم مع قوافل الحجاج التركية من أقبح الأعمال الفاسدة المضرة بالدين» اهـ. «ثم قد أعقب هذا الافتراء والإفساد أن أمرت الدولة العثمانية حكومة بغداد قتال الوهابيين ففعلت فلما اشتغل الوهابيون بقتال الدولة، ودخلوا العراق زحف الشريف غالب على نجد، واستولى على قرية فيها فكان هذا هو السبب لزحف الوهابيين على الحجاز وفتحه» (٢) .

стр. 247

وبهذا نعرف أن أمراء مكة هم الظالمون وهم البادءون بالعدوان، فقد منعوا هؤلاء المسلمين من الحج، ولما طال منعهم وحرمانهم من الحج، وهو ركن الإسلام، ثم لما أعلن الأشراف وأعوانهم الحرب والقتال، وغزوهم في مقر دارهم كان مما ليس منه بد من الدفاع أولا لصد العدوان، ثم الاستمرار في قتال المعتدين وكف شرهم، وتأمين سبيل الحج وإبلاغ دعوة التوحيد والسنة، وتخليص المسلمين من أوضار البدع والمحدثات والمظالم التي شاعت في بلاد الحرمين، فكان ما لا بد منه وهو الاستيلاء على مكة. فدخلتها جحافل الدعوة وفي مقدمهم الإمام الصالح سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود سلمًا وبدون قتال، فأقام شعائر الدين على السنة، وهدم القباب والمشاهد وكل مظاهر البدع. وجمع المسلمين على إمام واحد، وكانوا يصلون متفرقين أتباع كل مذهب مع إمامهم. وأزال المنكرات الظاهرة. وشرع في نشر العلم وتفقيه الناس في دينهم، في العقيدة والأحكام، «أما ما أشاعه خصوم الدعوة من أن جيوش الأمير سعود لما دخلوا مكة سالت الدماء أنهارًا فهو محض افتراء. وهنا أصل شرعي عملت عليه الدعوة لما تمكنت وصار لها كيان ودولة وهو قتال المخالفين إذا وقفوا ضد الحق والدين والسنة والعدل والأمن وانحازوا مع الباطل والشر والبدع والظلم والفوضى والفتنة، فإن قتال المخالفين في هذه الحال نوع من الجهاد ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] [سورة الأنفال، آية: ٣٩] . ومعلوم أن الدعوة ودولتها لم تقاتل إلا حين كان لها إمام وبيعة وكيان معتبر شرعًا وعرفاً. وهنا أمور كذلك لا بد من كشفها بهذا الصدد ومنها: ١ - أن خصوم الدعوة كانوا يحمون البدع والشركيات ويدافعون عنها ويقاتلون في سبيل ذلك، إما أصالة، أو تقليداً، أو جهلاً، أو نحو ذلك. وقد يكون بينهم المستضعفون والمسخرون الذين لا حول لهم ولا قوة. فأمرهم إلى الله لكن هؤلاء كلهم في الظاهر وقفوا أمام دعوة الحق. ٢ - أن الدعوة وأهلها ودولتها كانت تحمل مبادئ الدين الحق، ويحق لها أن تدعو إليه وتدافع عنه وتحميه، وأن تدافع عن وجودها وكيانها، وأن تعمل بكل الوسائل المشروعة في ذلك بما فيه القتال عند الضرورة. ٣ - أضف إلى ذلك أن الدعوة وأتباعها ودولتها تعرضت لمظالم كبرى من خصومها

стр. 248

استهدفت الدين والنفس والمال والحقوق الضرورية، فكان لا بد أن تدافع عن حقوقها المشروعة وتحمي كيانها وحدودها ولو أدى ذلك إلى القتال. ٤ - وكان الإمام وعلماء الدعوة، ودعاتها يبدءون دعوتهم بأساليب النصح والإرشاد واللين والتدرج، وبالخطاب والتعليم والمراسلة والكتاب، والمحاورة، والمجادلة بالتي هي أحسن. إلى أن يصل الأمر إلى الحاجة إلى الحزم والقوة، والقتال حين يكون هو الحل الذي لا محيص عنه. لا سيما مع قوة الباطل وعدوانه وتحكمه في نفوس الكثيرين. والخلاصة: أن الدعوة لمَّا صار لها كيان وقامت لها دولة مهيبة وجيوش صارت تحارب، وتعاهد وتسالم بمقتضى شرع الله تعالى والعهود المرعية، ومكَّنهم الله تحقيقًا لوعده عن نصر دينه، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] [سورة الحج، آية: ٤٠] . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وبهذا نقول بأن هذه الدولة حين نصرت الدين وحملت لواء السنة والدعوة، فهي أمكن دولة على الأرض، وأحق أن تسالم وتحارب وتدافع عن الحق بشرع الله ولا تزال ولن تزال كذلك بحول الله وقوته ما دامت على هذا العهد. هذا وليس بينهم وبين من قاتلوهم معاهدات ولا مواثيق تمنع من القتال في سبيل الله. كما أنه في تلك الفترة لم تظهر المنظمات الدولية والمواثيق الأمنية التي التزمتها الدول. ولما ظهرت المعاهدات والمنظمات الدولية الحديثة كانت المملكة العربية السعودية من أكثر الدول التزامًا للعهود والمواثيق والاتفاقيات المشروعة التي كانت هي طرفًا فيها، وحتى الآن وكل منصف يشهد لها بذلك. ولما كثرت الإشكالات والتساؤلات من الخصوم، وبعض المؤيدين والمحايدين البعيدين عن ساحة الصراع والقتال بين الدعوة وخصومها، حول قتال الممتنعين عن أداء شعائر الدين وأركان الإسلام كالصلاة والزكاة، وقتال الممتنعين عن ترك الشركيات والبدع، وإزالة مظاهرها من القباب والمشاهد والمزارات ونحوها حين حصل هذا: أجاب علماء الدعوة وقادتها وأمراؤها عن شبهات القوم بأدلة القرآن والسنة وعمل السلف الصالح من الصحابة والأئمة الأربعة وغيرهم الموجبة لقتال تارك الصلاة، بل وصرح

стр. 249

الفقهاء بقتال تارك الوضوء وقتال أهل البلد إذا تركوا الأذان أو صلاة العيدين، أو منعوا الزكاة، وذكروا كلام الأئمة المعتبرين في ذلك من المالكية والشافعية والحنابلة، وغيرهم (١) . يقول الإمام محمد عبد الوهاب موضحًا هذه المسألة: «وأما القتال: فلم نقاتل أحدًا إلاّ دون النفس، والحرمة؛ فإنا نقاتل على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] [سورة الشورى، آية: ٤٠] وكذلك: من جاهر بسبِّ دين الرسول، بعدما عرفه، والسلام» (٢) . إضافة إلى ما ذكره الإمام وأتباعه في نفي هذه الشبهة فإن الشيخ صرح أن من الكبائر قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، حيث قال: «باب تعظيم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق» (٣) . وقد أثار عليهم خصومهم وبعض الجهلة أنهم يستحلون الغارات والقتال والأموال بدعوى أنها غنائم، وهذا من التلبيس، فإن الغنائم قد أحلها الله ورسوله بالقتال المشروع. وقد أجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن هذه الشبهة بقوله: «من المعلوم عند الموافق والمخالف، أن أئمة المسلمين، الذين أقام الله بهم هذا الدين، بعدما اشتدت غربته من بين الظلمة والمفسدين، أن الله بفضله ورحمته، أقامهم بالحق المبين، فدعوا إلى التوحيد، وأنكروا كل شرك وشك وتنديد، ونشروا أعلام الجهاد، حتى أدخل الله بدعوتهم، كل حاضر من قومهم وباد. فأخذوا تلك الأموال من أهل البغي والفساد، بسيف الحق والجهاد، فهو - بحمد الله - من طيب الحلال بلا تردد ولا إشكال، فقد أحل الله لرسوله ﷺ ، ولأمته الغنائم؛ وقد غنم الصحابة ﵁: أموال من ارتد من العرب، أو شك في الحق واضطرب. وكل ما لا يؤيد بالدليل، فلا التفات إليه، ولا تعويل، على أن الكثير من تلك الأموال، التي أخذت على هذا الوجه الحلال، وصارت من جملة بيت المال، قد تركت في

стр. 250

أيدي الغاصبين لها، حين تبدلت الحال؛ فلما قام هؤلاء الولاة، واجتمع عليهم الناس في هذه الأوقات، لم يبق في أيديهم من أموال الفيء إلا القليل؛ لتغلب أناس عليهم من ظلمة ذلك الجيل» (١) . ومن المفتريات التي أشاعها خصومهم دعوى أنهم يتعمدون قتل من لا يجوز قتلهم من الشيوخ والنساء والصبيان ونحوهم. وقد أجاب على ذلك الشيخ: عبد الله بن الإمام: «وأما قولكم: إنه يحكى لنا أنكم تقتلون، ذا الشيبة، والمرأة، والصغير، ورسول الله ﷺ أمر أن لا يقتل من المشركين لا شيبة عاجز، ولا امرأة، ولا قاصر لم يُنبت. فنقول: هذا كذب وزور، وبهتان علينا فلا نأمر بقتل الشيخ الكبير من المشركين، ولا المرأة ولا الصغير الذي لم يُنبت، فإن كان أحد من جهال المسلمين البعيد عنا فعل شيئًا من ذلك، فهو مخطئ مخالف لشرع الله ورسوله، ونحن نبرأ إلى الله من ذلك» (٢) . كان الشيخ الإمام يعلم، وكان يدور في خلده آنذاك أن الدعوة إلى توحيد الله تعالى نشر الدين والعلم والعمل بشرع الله، ومحاربة البدع والشركيات والجهل، ومحاربة الفساد والظلم والشتات، كل ذلك من الأمور الكبار التي - ولا شك - ستثير أعداء، وأنها سيكون لها كيان وقوة، ويظهر ذلك جليًا من قول له لابن معمر في العيينة «إن هذا الذي أنا قمت به ودعوت إليه كلمة لا إله إلا الله، وأركان الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أنت تمسكتَ به ونصرته، فإن الله سبحانه يُظهرك على أعدائك، فلا يزعجك سليمان ولا يفزعك فإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك بلاده (يعني والي الأحساء) وما وراءها وما دونها» (٣) . وقوله لمحمد بن سعود عند قدومه إليه بالدرعية: «فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها» (٤) (يعني الضرائب) .
следующие страницы →