← Акыда

Акыда · id 30888

إسلامية لا وهابية

ناصر العقل

Полный текст (421 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الوهابيين كانوا يحاولون أن يوجدوا ديانة جديدة تماما، وأنهم يعاملون الأتراك بقسوة متناهية لأنهم مسلمون، وهو اعتقاد لا ينفيه تصرف كثير من الوهابيين (١) على أن أصحاب هذا التصرف من البدو الذين كانوا جهلاء تماما بالإسلام قبل أن يعرفوا الوهابية، والذين لا تزال معرفتهم به غير صحيحة، ولذلك فإن المبادئ الجديدة بدت لهم ديانة جديدة، خاصة بعد أن عرفوا عادات الحجاج الأتراك وسكان المدن العرب ومبادئهم المختلفة، وقارنوها بمبادئهم الخاصة، ولم تسمح لهم روح التعصب التي غذاها رئيسهم بكل ما وسعه أن يفرقوا بين أمور لا يعرفون عنها إلا معرفة غير صحيحة، وهذا يفسر بوضوح كيف حدث أنهم كانوا يتهمون الأتراك بالكفر، وأن الأتراك بدورهم كانوا يتهمونهم بذلك، على أن قليلا من السوريين الأذكياء الذي قاموا بأداء الحج وجدوا فرصا للتحدث مع المطلعين من الوهابيين، واقتنعوا - على الأرجح - أن عقيدة البدو كانت هي عقيدة الإسلام (٢) ومع أن آراءهم قد لا تتفق مع آراء الوهابيين في كل النقاط فقد شعروا أنه من غير الإنصاف تسميتهم كفارا، لكن شهادة مثل هؤلاء إن جسروا على أدائها دون تعريض أنفسهم لتهمة سوء إسلامهم، كانت غير مجدية أمام الصيحة العامة خاصة بعد سنة ١٨٠٣ م حين ردت قوافل الحج، وتكون رأي عام بأن الوهابيين كانوا أعداء لدودين للديانة الإسلامية " (٣) . " ومنذ أن وطد جيش محمد علي مكانته في الحجاز ولم تعد مكائد الشريف غالب ذات جدوى، وبدأت الاتصالات المباشرة مع زعماء الوهابيين وقادتهم الصغار، وعادت قوافل الحج تسير في طرقها القديمة، عرفت حقيقة الوهابيين أحسن من ذي قبل حتى في الأجزاء البعيدة من المناطق التركية، ومن المرجح أن الاحترام الذي عبر عنه أهل مكة تجاه

стр. 317

حكمهم القصير قد أثر بمعظمه على كل حاج استفسر عن تلك الفرقة الجديدة. وإذا تطلب الأمر دليلا آخر على أن الوهابيين مسلمون محافظون فإن كتبهم توضح ذلك، فحينما استولى سعود على مكة وزع نسخا من تلك الكتب على السكان (١) وأمر أن يحفظها التلاميذ في المدارس العامة، وليس فيما احتوته إلا ما لا بد لكل تركي من أن يعترف بأنه الحق، وكانت لدى سعود فكرة سيئة مؤداها أن سكان تلك المدينة نشئوا على جهل تام بدينهم، ولذلك رغب في أن يعلمهم أصوله الأولى " (٢) . إلى أن قال: " ولا يوجد في النظام الوهابي أي مبدأ أخلاقي جديد، فقد اتخذ محمد بن عبد الوهاب القرآن والسنة دليله الوحيد، والخلاف بين فرقته وبين الأتراك السنة مهما قيل عنه هو أن الوهابيين يتبعون بدقة نفس الأحكام التي أهملها الآخرون، أو توقفوا عن مزاولتها كلية، ولهذا فإن وصف الديانة الوهابية ما هو إلا تلخيص للعقيدة الإسلامية، ولإيضاح النقاط التي تختلف فيها هذه الفرقة عن الأتراك لا بد من إعطاء قائمة بكل المفاسد التي يدان بها هؤلاء الأخيرون، ويؤيد هذا القول بقوة رأي علماء أجلاء من القاهرة، ففي خريف عام ١٨١٥م أرسل الزعيم الوهابي مندوبين إلى هذه المدينة أحدهما عالم وهابي جليل (٣) . وقد طلب محمد علي باشا منهما أن يشرحا عقيدتهما لعلماء القاهرة الكبار، فتقابل العالم الوهابي معهم عدة مرات، وأحرز قصب السبق عليهم لأنه كان يبرهن على كل مسألة عن ظهر قلب بآية من القرآن أو حديث من السنة، وهما مما لا يمكن رده بطبيعة الحال، فأعلن أولئك العلماء أنهم لم

стр. 318

يجدوا أية بدع لدى الوهابيين، وبما أن هذا الإقرار قد صدر من العلماء المذكورين فإنه لا يرقى إليه أدنى شك، وقد وصل إلى القاهرة أيضا كتاب يشتمل على رسائل مختلفة عن موضوعات دينية كتبها محمد بن عبد الوهاب نفسه، وقرأ كثير من العلماء ذلك الكتاب، فأقروا بالإجماع أنه إذا كانت هذه هي عقيدة الوهابيين فإنهم أنفسهم يؤمنون بتلك العقيدة. ولأن العامة من المتحمسين في أية فرقة جديدة يندر أن يتشبعوا بروح مؤسسها الحقيقية فقد حدث أن كثيرا من أتباع ابن عبد الوهاب عدوا أمورا ثانوية من الأمور الأساسية في العقيدة، وهذا ما جعل أعداءهم يكونون فكرة خاطئة عما يفترضون أنها ديانة جديدة، وقد انصب هجوم الوهابيين الشديد بعد حربهم للأولياء (١) بصفة رئيسية على الملابس وتدخين التبغ، فملابس الأتراك الأغنياء لا تتفق إلا قليلا مع تعاليم السنة التي تحرم لبس الحرير والذهب، كما تحرم لبس الفضة إلا بكمية قليلة، وقد نظر الوهابيون إلى أثواب الأتراك المزركشة بازدراء، ولأنهم علموا أن النبي ﷺ قد لبس عباءة مثلهم، وحرم الملابس الفخمة، عدوا من الضروري أن يتبعوا طريقته في اللباس كاتباعهم لمبادئه الأخلاقية، وكان يمكن معرفة الوهابيين في جزيرة العرب فورا بملابسهم، فالعربي الذي لم يعتنق دعوتهم من المؤكد أن يكون جزء من ملابسه من الحرير، إما أن يحلي به الغطاء الذي يلفه على رأسه، أو يطرز به بردته. أما تدخين التبغ فمن المعروف أن كثيرا من العلماء الأتراك قد ذكروا مرارا في كتاباتهم أنه عمل محرم، وهو مكروه في المذهب المالكي، أحد المذاهب السنية الأربعة، وكثير من العلماء في كل جزء في تركيا يمتنعون عن تدخينه على أساس ديني، وقد رغب الزعيم الوهابي أيضا في أن يمنع تدخين النباتات المسكرة المستعملة كثيرا في الشرق لمعارضة ذلك للقرآن، لكنه لم يستطع أن ينجح في هذا الأمر تماما، ولا بد أن ابن عبد الوهاب كان يعلم في الوقت نفسه أن أتباعه في تضحيتهم الكبيرة بامتناعهم عن التدخين سيصبحون بطبيعة الحال أشد أعداء لكل أولئك الذين لا زالوا منغمسين في ذلك الترف، ولم يعتنقوا دعوته بعد (٢)

стр. 319

وكان تحريم التدخين إحدى الوسائل الرئيسية لإثارة أذهان الوهابيين ضد الأتراك، فلقد أصبح كلمة لامة لشمل المعتنقين الجدد للدعوة، لكنه ظل أصعب شيء على نفوس العرب من بين كل المبادئ التي نادى بها المصلح، وقد حرم الوهابيون الدعاء بالمسبحة، وهو أمر شائع لدى المسلمين مع أن الشرع لم ينص عليه، ومنعوا استعماله (١) ويقال أيضا إنهم حرموا شرب القهوة، ولكن ذلك غير صحيح إذ إنهم دائما يشربونها بقدر كبير. ومن المشكوك فيه ما إذا كانت لدى ابن عبد الوهاب حين دعا إلى الإصلاح في الدرعية أية فكرة في إنشاء حكم جديد يستظل بظله أتباعه من جزيرة العرب (٢) فقوة أسرته وأسر أقاربه لم تكن تمكنه من اتخاذ تلك الخطوة التي يبدو أنها لم تنجح إلا في عهد عبد العزيز بن محمد بن سعود، ولا ينكر أنه كان لابن عبد الوهاب فضل كبير على العرب بدعوتهم إلى مبادئه الجديدة، كما لا يمكن أن يقال: إن شكل الحكومة التي قامت على أساس دعوته غير مفيد لمصالح الأمة العربية جميعها ورفاهيتها، أما أن العقيدة السائدة والتي يقال: إنها محافظة هي الديانة المحمدية الصحيحة أم الوهابية فأمر غير مهم، لكنه أصبح مهما أن يقضى على الشرك الذي انتشر في كل جزيرة العرب، وفي جزء كبير من تركيا، والذي ترك أثرا أكثر ضررا على أخلاق الأمة من الاعتراف المحدد بديانة خاطئة (٣) ولهذا فإن فضيلة الوهابيين ليست أنهم طهروا الديانة الموجودة، لكن

стр. 320

لأنهم جعلوا العرب يزاولون بدقة الأخلاق الإيجابية لدين واحد، ذلك أنه بالرغم من أن البدو في كل زمان عبدوا الله بإخلاص فإن المبادئ الإلهية وحدها لم يكن من المعتقد أن تكفي لتعليم أمة جافة صعبة المراس مزاولة الفضيلة والعدل. ولقد دفعت رغبة ابن عبد الوهاب وخلفائه في إعادة العرب إلى الحالة التي كانوا عليها عند ظهور مؤسس ديانتهم إلى تغيير وضعهم السياسي بمجرد أن رأوا أتباعهم في ازدياد، وكان محمد ﷺ وخلفاؤه القادة السياسيين والدينيين لأمتهم، وتوضح كتب الفقه الإسلامي في كل صفحة من صفحاتها كيف أنه من الضروري وجود زعيم أعلى في الشئون الدينية والدنيوية، وكانت نجد التي أصبحت المركز الرئيسي للقوة الوهابية مقسمة إلى عدد من المناطق والبلدان والقرى الصغيرة المستقل بعضها عن البعض الآخر، وكانت في حالة حرب مستمرة، ولم يكن يعترف فيها خلا بقانون القوي سواء في البادية أو داخل أسوار البلدان، وكان الأمان الشخصي دائما لا يتحقق إلا على حساب الملكية الفردية (١) . وبالإضافة إلى ذلك كانت الحرية غير المحدودة للقبائل البدوية، وحروبها التي لا تنتهي، وغزواتها ذات السلب والنهب، قد جعلت نجدا وما حولها مسرحا للفوضى الدائمة وسفك الدماء، ولم يبسط عبد العزيز بن محمد ديانته على كل نجد إلا بعد كثير من الصراع الشديد، ولأنه لم يعد زعيم قبيلة، بل رئيس منطقة، تولى السلطة العليا، وجعل حكمه مشابها لذلك الذي زاوله الأوائل من أتباع محمد ﷺ . وقد رأى عبد العزيز من العبث أن يحاول استرقاق بني جلدته، ولذلك تركهم ينعمون بحريتهم، لكنه أجبرهم على أن يعيشوا بسلام، وأن يحترموا الملكيات الخاصة، ويطيعوا قرارات النظام " (٢) . ويقول أحد الرحالة الغربيين الذي سمى نفسه (علي بك العباسي) وقد حضر موسم حج سنة ١٨٠٧ م، وكانت الحجاز تحت سلطة الدولة السعودية الأولى:

стр. 321

" لم يلبث الجبل (١) حتى اكتسى وما حوله من الأرض بجموع الوهابيين، وكان مشهدهم يملأ النفوس ذعرا (٢) ولكن إذا ما تغلب الإنسان على هذا الانطباع الأول وجد لديهم خصالا حميدة، فهم لا يسرقون قط، لا عن طريق القوة، ولا عن طريقة الحيلة، إلا إذا اعتقدوا أن المتاع يخص عدوا أو كافرا، وهم يؤدون أثمان كل ما يشترونه، وأجور كل الخدمات التي تقدم إليهم، بالعملة التي لديهم، يطيعون زعماءهم طاعة عمياء، ويتحملون صامتين كل أنواع المشاق، وهم على استعداد لأن يتبعوا قادتهم إلى أقصى أنحاء المعمورة. " إن الحقيقة تفرض علي أن أعترف أنني وجدت جميع الوهابيين الذين تحدثت إليهم على جانب من التعقل والاعتدال (٣) وقد استقيت منهم كل المعلومات التي أوردوها عن مذهبهم، ولكن على الرغم من اعتدالهم لا يستطيع السكان والحجاج سماع مجرد اسمهم دون أن تتملك الرجفة قلوبهم، ولا يتلفظون به إلا همسا، لذا فإن الناس يهربون منهم، ويتجنبون التحدث إليهم قدر الإمكان، وكلما أردت التحدث إليهم كان علي أن أتغلب على كثير من الصعوبات التي يخلقها لي من يحيطون بي ". والسبب الأول في هذه العداوة أن الناس لم يفهموا للوهلة الأولى المعنى الإصلاحي لهدم المزارات وتقويض أضرحة الأولياء التي كان المؤمنون يؤدون لها واجب الإجلال، وقد كاد هذا الإجلال يتحول إلى نوع من العبادة التي لا تجب إلا لله وحده، وألغيت بعض العادات التي كان يتبعها الحجاج، كالإبقاء على خصلة من الشعر عند حلاقة الرأس وفقا للتقاليد، وحظرت زيارة بعض الأماكن المقدسة التي دخلت من قبل في تقاليد الحج، وهكذا هدم مزار جبل النور الذي تقول التقاليد إن الملاك جبرائيل أملى فيه على النبي أول سورة من القرآن، وأقيم حاجز كبير في أسفل الجبل للحيلولة دون صعود الحجاج إليه لأداء الصلاة فيه، وكذلك هدم مزار جبل عرفات نفسه. وقد طبق الوهابيون على عكس ذلك نصوص الشريعة كما وردت في القرآن الكريم تطبيقا مشددا بحماسة كلية، حتى إن أحدا من الحجاج لم يجرؤ على التدخين، وأرسل

стр. 322

سعود قاضيا وهابيا ليحل محل الحاكم الزنجي الذي كان قد عينه الشريف في مكة، ومنذ ذلك الحين ساد المدينة نظام جديد، فقد عهد إلى الشرطة الخاصة بالمحافظة على مواعيد الصلاة أن تجوب المدينة لحمل الناس على حضور الصلاة العامة خمس مرات في اليوم، وكان الصناعيون والتجار يجدون أنفسهم مضطرين إلى ترك مشاغلهم وحوانيتهم لأداء تلك الفريضة " (١) . ويقول ر. ب. ويندر في كتابه: " العربية السعودية في القرن التاسع عشر ": " ونحن لا نعرف إن كانت الوهابية تستطيع مواجهة عصر الذرة والفضاء، ولكن أحدا لا ينكر قيمتها وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث، وأنها استطاعت الانتقال من " الواقعية " إلى " المثالية "، ومما كان عليه الإسلام إلى ما يجب أن يكون عليه، وبقيت محتفظة " بحيويتها " وفكرتها التحريرية. ويقول المستشرق الفرنسي هنري لاوست بعد أن ذكر حركة الأفغاني ومحمد عبده: " ويطلق لقب السلفية أيضا على الحركة الوهابية؛ لأنها أرادت إعادة الإسلام إلى صفائه الأول في عهد السلف الصالح، ولكن كلمة السلفية ليست خاصة بالوهابيين أو الحنابلة، ففي كل المذاهب السنية سلفيون " (٢) . وكتبت (معلمة الإسلام) في نسختها الإنكليزية، تحت عنوان " الوهابية " ما يلي: " غاية الوهابية تطهير الإسلام، وتجريده من البدع التي أدخلت عليه بعد القرن الثالث الهجري، ولذلك نراهم يعترفون بالمذاهب الأربعة وبكتب الحديث الستة " (٣) . ويقول الكاتب الأمريكي لوثروب ستودارد في كتابه (حاضر العالم الإسلامي) : " في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والانحطاط أعمق درجة، فاربد جوه، وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه ورجا من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب، وتلاشى ما كان باقيا من آثار التهذيب العربي، واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات، وماتت الفضيلة في الناس، وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة ".

стр. 323

إلى أن قال: " وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفا من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور، وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل، وهتكت ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء، ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرها من سائر مدن الإسلام، فصار الحج المقدس الذي فرضه النبي على من استطاعه ضربا من المستهزآت، وعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطا بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهى الإسلام لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين، كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان (١) . وفيما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته ومدلج في ظلمته إذ بصوت قد يدوي من قلب صحراء شبه الجزيرة مهد الإسلام، يوقظ المؤمنين ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم، فكان الصارخ هذا الصوت إنما هو المصلح المشهور (محمد بن عبد الوهاب) الذي أشعل نار الوهابية، فاشتعلت واتقدت واندلعت ألسنتها إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي، ثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم والعز التليد، فتبدت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدأت اليقظة الكبرى في عالم الإسلام. إلى أن قال: " فالدعوة الوهابية إنما هي دعوة إصلاحية خالصة بحتة، غرضها إصلاح الخرق، ونسخ الشبهات، وإبطال الأوهام، ونقض التفاسير المختلفة والتعاليق المتضاربة التي وضعها أربابها في عصور الإسلام الوسطى، ودحض البدع وعبادة الأولياء، وعلى الجملة هي الرجوع على الإسلام، والأخذ به على أوله وأصله، ولبابه وجوهره، أي أنها الاستمساك بالوحدانية التي أوحى الله بها إلى صاحب الرسالة صافية ساذجة، والاهتداء والائتمام بالقرآن المنزل مجردا، وأما ما سوى ذلك فباطل وليس في شيء من الإسلام، ويقتضي ذلك الاعتصام كل

стр. 324

الاعتصام بأركان الدين وفروضه وقواعد الآداب كالصلاة والصوم وغير ذلك " (١) . ويقول المستشرق الهولندي كرستيان سنوك هود خرونيه: " لقد ظهر على أرض شرق الجزيرة العربية مصلح للإسلام (٢) كسب إلى جانبه أمراء (٣) الدرعية، الذين ساندوه في دعوته، ثم تدريجيا منت بدعوته كل مراكز الجزيرة العربية، لقد كان هذا المصلح ينوي أن يعيد الحياة للإسلام بكل ما لديه من قوله، ليس في الجزيرة وحدها، بل في كل مكان يستطيع الوصول إليه " (٤) . إلى أن قال: " لقد كانت السمة التي تميز بها محمد بن عبد الوهاب كونه عالما تثقف بالعلوم الإسلامية، وفهم مقاصدها وأسرارها، واستطاع بجدارة تامة أن يبرز الإسلام بالصورة الصالبة النقية، كما جاء به الرسول ﷺ ". وقال: " لقد أدرك محمد بن عبد الوهاب الاختلاف بين الإسلام كما جاء به الرسول ﷺ ، والإسلام الذي يمارسه الناس في عصره " (٥) . ثم قال: " لقد التزم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الإصلاح، وجعله هدف دعوته، وكان رائده الإخلاص في القول والعمل، وقد سخر لذلك لسانه وقلمه بجانب قوة ابن سعود وسيفه الذي تبنى هذه الحركة الإصلاحية ودعمها، لقد كانت مدرسة الإمام أحمد بن حنبل هي التي رفع لواءها الشيخ، وجعلها أساسا فكريا للإصلاح، وربما تكون هذه المدرسة أكثر المدارس بساطة وقربا من قلوب السكان، الذين يعيش معظمهم في جهل مطبق، مماثل للجهل الذي كان سائدا في عهد الرسول ﷺ ، غير أن هؤلاء السكان لم يكونوا أقل انفتاحا من ذي قبل أمام تأثير دين بسيط ميسر، يثبت كل يوم وعن طريق الوسائل المادية أنه يعمل بصفته قوة مؤثرة وحافزة. لقد كانت العدالة البسيطة المصحوبة بالقوة عند أمراء آل سعود - حماة الدعوة السلفية -، وأيضا النجاح الباهر الذي أحرزوه، والغنائم الوفيرة التي كانت توزع على الأتباع، قد أثارت الميل إليهم في مواقع معينة، والخوف منهم في مواقع أخرى، وفي غضون سنوات قلائل نمت

стр. 325

الدولة السعودية لتصبح القوة الرئيسة في جزيرة العرب. لقد قدر العالم فرصة قليلة لنجاح الدعوة السلفية، وربما كان تقدير سكان المدينتين المقدستين لنجاح هذه الحركة أقل من غيرهم؛ لأن ما كانت الدعوة الإصلاحية تقوم عليه وتطالب بإلغائه كان من بين متطلبات الحياة عند سكان المدينتين المقدستين، فالقبور والأضرحة والبيوت المقدسة كانت تجلب الأموال والفوائد للأدلاء والسدنة، والرسول ﷺ الذي كان يتغنى باسمه في كل عيد بأغاني المديح تعد زيارة قبره في المدينة من أكبر الحظوظ، إن كل هذه الأمور تبدو على عكس ما يراه زعماء الإصلاح الجدد، الذين كانوا يرون أن معظم الجاليات الإسلامية في مكة والجنود وكذلك الرعاع تنتاب حياتهم الكثير من البدع، وأن بعض العلماء هنا يتساهل في قبول مثل هذه الأمور البدعية " (١) . يقول المستشرق الأسباني " أرمانو " الذي طاف عام (١٩٢١) في أنحاء نجد: " إن كل ما ألصق بالوهابية من سفاسف وأكاذيب لا صحة له على الإطلاق، فالوهابيون قوم يريدون الرجوع بالإسلام إلى عصر صحابة " محمد " ﷺ ، وإنما ينقصهم للوصول إلى أهدافهم المقدسة رجال متنورون مثقفون، وهم ويا للأسف قلائل في هذه الديار، كما تنقصهم أيضا الدعاية لأجل إظهارهم على حقيقتهم البريئة الشريفة " (٢) . ويقول أحد المعاصرين المحايدين، وهو ولي العهد لولاية برليس بماليزيا: حيث قرأ ترجمة كتاب " مجموع رسائل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب " فقال: " وقرأت تلك الترجمة ووجدت أن ما فيها كله مستدل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، ووجدت أن محمد بن عبد الوهاب في كتابه دعانا إلى توحيد الله والابتعاد عن الشرك والخرافات، وهل مثل هذه التعاليم خطأ ويؤدي إلى الخلاف والتفرقة؟ وأنا أرى أن من قرأ الكتاب سيجد الشيخ أراد أن نفرق بين الحق والباطل وبين الهداية والضلالة " (٣) .

стр. 326

[المبحث الخامس استطلاع آراء نخبة من طلاب العلم والخريجين من شتى بلاد العالم] المبحث الخامس استطلاع آراء نخبة من طلاب العلم والخريجين من شتى بلاد العالم من خلال هذا البحث وفي أثنائه قمت باستطلاع آراء عدد من طلاب العلم والباحثين وخريجي الجامعات وحملة الماجستير والدكتوراه بطرح عدد من الأسئلة المتنوعة حول هذه الدعوة وتسميتها بالوهابية، والأصول التي قامت عليها، وعن واقعها وأثرها في العالم كله، وعن الشبهات التي تثار حولها وجوابها، وعن الملاحظات التي يراها المشارك في هذه الاستبانة على الدعوة وأتباعها وعما لديه من نصائح واقتراحات ووصايا. وقد قمت بتوزيع الاستبانة عشوائيا دون انتقاء للأسماء والأشخاص ولا البلدان ولا الفئات ولا المؤسسات ولا الجامعات، كما أن أكثر هذه النخبة هم من طلاب المنح في الجامعات السعودية وكثيرون من غيرهم. وكان حرصي على استطلاع آراء هذه النوعية لأنهم تتوافر فيهم صفات مطمئنة من الثقافة الشرعية والبحث العلمي، واستقلالية الرأي، والنضج الفكري والعقلي، وأقرب إلى التجرد والإنصاف، وأقدر على معرفة حقيقة الدعوة. ونظرا لما قد يشعر به البعض من الحرج أو العوائق التي قد تمنع من كشف كامل الحقيقة التي يراها من يجيب على هذه الاستبانة، كان ذكر الاسم اختياريا، ولذلك وردت عدة إجابات دون ذكر الأسماء. وقبل أن أعرض نتائج الاستبانة في الملحق ينبغي أن أشير إلى خلاصة نتائجها بإجمال: ١ - كانت الإجابات عن السؤال الأول: ماذا تعرف عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو ما يسمى (الوهابية) كلها تجمع على معرفة الشيخ ودعوته، وتختلف فيما بعد ذلك، فأكثر الإجابات ركزت على أوصاف الدعوة، أو أصولها، أو أهدافها، أو بعض ذلك. ٢ - وكان السؤال الثاني عن الرأي بهذه التسمية: (الوهابية) ، وكانت أغلب الإجابة على أن وصف الدعوة بالوهابية غير مرغوب فيه وليس صحيحا، وأنها جاءت من الخصوم على سبيل اللمز والسخرية، وعدد قليل قال بأنه لا يمانع من إطلاقها لأنها أصبحت علما على دعوة الإسلام والسنة، ولا عبرة بالمصطلحات والألفاظ ما دامت المضامين صحيحة.

стр. 327

٣ - والسؤال الثالث كان: هل هذه الدعوة معروفة ببلدك؟ وبماذا تسمى؟ وكانت سائر الإجابات تذكر أنها معروفة في كل بلد من البلاد التي ينتمي إليها المشاركون، وعددها (٣٤) بلدا عدا (بنين ويوربا) لا تعرف فيها الدعوة، حسب إفادة كاتبي الاستبانة، وهما واحد من كل بلد من هذين البلدين. وتذكر الإجابات أن الدعوة تسمى بالوهابية، والسنة، والسلفية، وأهل الحديث، وأهل السنة، وتطلق على كل من يتمسك بالسنن، ويحارب البدع ويتجنبها، أو يدعو لذلك، وتسمى بالخامسية، ونحو ذلك مما سيأتي تفصيله بعد قليل، وأغلب الإجابات تذكر أنها تقال على سبيل السخرية والسب واللمز. ٤ - وكان السؤال الرابع: (هل ترضى أن تنسب لهذه الدعوة، أو أن يقال عنك: (وهابي) ؟) . فكانت أكثر الإجابات على أن الانتساب لهذه الدعوة مرغوب فيه وشرف؛ لأنها دعوة الإسلام والسنة، لكن دون الارتباط بوصف (الوهابية) فهذا غير مرغوب فيه؛ لأنه سب ولمز يحمل مفاهيم خاطئة عن الدعوة في أذهان الناس. وبعضهم قال: لا مانع من الانتساب (للوهابية) بهذا الوصف؛ لأن العبرة بالمضامين، ولأنها اشتهرت وصفا لهذه الدعوة السلفية، ولا مشاحة في الاصطلاح. ٥ - والسؤال الخامس عن (أهم الأصول التي قامت عليها الدعوة في نظرك) . وقد اتفقت غالب الإجابات على أن الدعوة هي الدين الحق الإسلام، وأنها تعتمد على القرآن والسنة، ونهج السلف الصالح، وأنها تمثل أهل السنة والجماعة ونحو ذلك، وما عدا ذلك تفاوتت الإجابات في تعداد أصول الدعوة، وكان أهمها أنها سلفية إصلاحية تجديدية، تدعو للتوحيد ومحاربة الشركيات، ونحو ذلك مما سيأتي ذكره تفصيلا خلال الصفحات التالية. ٦ - والسؤال السادس: عن (أهم المزاعم والشبهات والمفتريات التي يقولها الناس عن هذه الدعوة أو " الوهابية ") . وكانت أكثر الإجابات تقول بأن الناس يشيعون أن الوهابية مجسمة، وأنهم لا يحبون الرسول ﷺ ، ولا يحبون الأولياء، ويحرمون التبرك بهم وزيارتهم، وأنها خارجة عن المذاهب الأربعة المعتبرة عند المسلمين، أو (مذهب خامس) وأن أتباعها فيهم غلو وتشدد ونحو ذلك،

стр. 328

والملاحظ أن الاستبانات تبين أن ما يثار عن الاتهامات والشبهات كان يوجه لأتباع الدعوة غالبا وليس للدعوة نفسها. ٧ - وكان السؤال السابع عن رأي المشارك في هذه المزاعم. فكانت الإجابات كلها تعتبر التهم التي قيلت حول الدعوة غير صحيحة، ثم تفاوتت التعابير حول وصفها، ومن ذلك: أنها أباطيل ولا تستند إلى دليل، وكذب وبهتان، وبعضهم علل هذه الاتهامات بأنها بسبب الجهل بالدعوة وسوء الفهم أبعد الناس عن دينهم، أو بسبب سوء تصرفات بعض المنتسبين والمؤيدين للدعوة الخاطئة، ونحو ذلك. ٨ - وكان السؤال الثامن عمن تأثروا بهذه الدعوة. وكانت الإجابات يتفق الكثير منها على أن أبرز الفئات التي تأثرت بهذه الدعوة في العصر الحاضر الشباب، والطبقات الفقيرة والمتوسطة، والمتعلمون، وخريجو الجامعات، وكذلك من المؤسسات والجامعات كأنصار السنة، وجماعات أهل الحديث، وأهل السنة، والسلفية، ومحاربو البدع. وقد اتفقت غالب الإجابات على أن هذه الدعوة لا تزال متنامية ويزداد قبولها، وأنها لو سلمت من تجاوزات وأخطاء بعض المنتسبين إليها لكان لها شأن أعظم وأثر أكبر. ٩ - وكان السؤال التاسع عن مدى تأثير هذه الدعوة في بلاد المجيب عن الاستبانة، أو غيرها. فقد اتفقت سائر الإجابات على وجود الأثر الإيجابي للدعوة، وعلى بعض الأصول الكبرى والغايات العامة التي تحققت بسبب هذه الدعوة، ومن ذلك الاعتصام بالكتاب والسنة، ونشر العلوم الشرعية، وتصحيح العقائد والشعائر، واضمحلال البدع، والاعتزاز بالأحكام والشعائر الإسلامية، وانتشار الحجاب، وكثرة المدارس والمساجد والمراكز والمؤسسات الدعوية والتعليمية، وغير ذلك مما سيأتي تفصيله. ١٠ - وكان السؤال العاشر عن المخالفين لهذه الدعوة من الأفراد والمؤسسات والهيئات ونحوها. وكانت الإجابات صريحة غالبا، وغير دقيقة في بعض الأحيان، وحدث فيها شيء من الخلط أو سوء الفهم أحيانا كذلك، ونظرا لأن الإجابة تضمنت ذكر أشخاص وهيئات ومذاهب وجماعات وفرق وطوائف قائمة، رأيت أنه ليس من الحكمة نشرها لأنها تحتاج إلى تثبت، وتنطلق من آراء شخصية يختلف الناس

стр. 329

عليها كثيرا، فآثرت الاحتفاظ بالمعلومات وعدم نشرها. ١١ - والسؤال الحادي عشر كان عن (الاقتراحات والوصايا) التي يراها المجيبون عن هذه الأسئلة. وقد تضمنت الإجابات اقتراحات ووصايا قيمة ومتنوعة ومفيدة جدا، واتفق كثير منها على أهمية وصية أتباع الدعوة ودعاتها بالرفق والحكمة والحلم والصبر والحوار، والمجادلة بالتي هي أحسن، والتعاون والإحسان، والابتعاد عن أساليب الشدة والجفاء والتسرع. ونعرض تفاصيل الإجابات في ملحق قبل الفهارس.

стр. 330

[الفصل الخامس في آثار الدعوة ما يرد على الخصوم] [المبحث الأول كلمة حول آثار الدعوة الإصلاحية وثمارها إجمالا] الفصل الخامس في آثار الدعوة ما يرد على الخصوم المبحث الأول كلمة حول آثار الدعوة الإصلاحية وثمارها إجمالا حين قامت هذه الدعوة المباركة على أسس الدين الحق، وقواعد الملة الحنيفية، واعتمدت على الوحي المعصوم (كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وسلكت سبيل المؤمنين - السلف الصالح أهل السنة والجماعة -، فأعلنت راية التوحيد، ورسخته في القلوب، وأزالت مظاهر الشرك والبدعة، وحكمت بشرع الله تعالى، شاع بذلك الأمن والعدل والألفة، وانتشر العلم، واختفت مظاهر الظلم والشتات والجهل والبدعة والخرافة. نعم لقد آتت هذه الدعوة المباركة أكلها طيبة يانعة، وتحقق فيها وعد الله تعالى حين ارتكزت على الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ - تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥] [سورة إبراهيم، آية: ٢٤، ٢٥] . وتحقق لأهلها ما وعد الله تعالى به عباده المتقين كما قال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] [سورة الحج، آية: ٤٠، ٤١] . وإن عناية هذه الدعوة وأتباعها ودولتها بإعلاء كلمة التوحيد، ونفي الشركيات والبدع، وبإقامة الصلاة، وصوم رمضان، وإيتاء الزكاة، وحج البيت الحرام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هي أعظم سماتها التي تتسم بها إلى اليوم، وهي أعظم ما ينقمه عليها الخصوم وأهل الأهواء والشهوات ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] [سورة البروج، آية: ٨] . لقد كانت لهذه الدعوة المباركة آثار عظيمة وكبيرة غيرت معالم التاريخ، وعدلت مسار الحياة في الأمة الإسلامية كلها في جميع نواحي الحياة الدينية والعلمية والسياسية والاجتماعية وغيرها. ولم يقتصر أثرها الطيب على جزيرة العرب (ونجد بخاصة) التي ارتفعت في

стр. 331

ربوعها راية التوحيد خفاقة، وعلت فيها معالم السنة، وزالت آثار البدعة والفرقة والجهل، وساد فيها الأمن والوفاق، بل تجاوز أثرها إلى بقية أقاليم الجزيرة العربية وإلى سائر أقطار المسلمين، فقام علماء ومصلحون، وقامت دعوات وحركات تسير على نهج هذه الدعوة السلفية النقية الصافية في الحجاز وعسير واليمن والشام والعراق ومصر والمغرب والسودان، وكثير من البلاد الأفريقية، وفي باكستان وأفغانستان والهند والبنغال وجاوة وسومطرة، وسائر الجزر الإندونيسية وغيرها. وكان من أبرز ثمار هذه الدعوة قيام دولة إسلامية قوية مهيبة احتلت موقعا مرموقا بين دول العالم كله والعالم الإسلامي بخاصة، هي (دولة آل سعود) منذ أن ناصر مؤسسها إمام الدعوة وآزره على إعلاء كلمة الله، فقد كتب الله لها التمكين، وأعلنت التوحيد، وحكمت بشرع الله تعالى، ومع ما تعرضت له هذه الدعوة والدولة من تحديات كبيرة وخصوم أشداء إلا أنها كانت تنتصر في النهاية. لقد تعرضت الدعوة والدولة (السعودية) في مراحلها الأولى لضربات موجعة، لكنها كانت - حين قامت على التوحيد والدين والعدل والسنة - لا تلبث أن تنهض قوية فتية لأنها كانت تسكن القلوب، وقد ذاق الناس في حكمها طعم الإيمان والأمن والعلم والاجتماع. ولا يزال الأنموذج الحي للدعوة ودولتها قائما - بحمد الله - تحتله هذه البلاد المباركة (المملكة العربية السعودية) التي أرسى قواعدها الملك عبد العزيز طيب الله ثراه على الأسس المتينة التوحيد والشرع والعلم، وبناء دولة حديثة تجمع بين الأصالة في تحكيم شرع الله وحمايته والدعوة إليه وتعظيم شعائره وخدمة مشاعره، وبين المعاصرة بالأخذ بأسباب القوة والنهضة والرقي من غير إخلال بالدين والفضيلة. ونسأل الله لهذه الدعوة وهذه الدولة المزيد من التمكين والنصر والتوفيق، وأن يجمع بها كلمة المسلمين على الحق والسنة. وهذه الآثار الطيبة والثمار البالغة الممتدة طيلة قرنين ونصف هي الرد العملي والعلمي، الشرعي والمنطقي والواقعي على مفتريات الخصوم، ففي الحال ما يغني عن المقال، لكن حين عميت أبصار أهل الأهواء وبصائرهم عن إدراك الحقيقة والاعتراف بها، وحين حجبت الحقائق عن الجاهلين، كان لا بد من تجلية الحقيقة، والله المستعان.

стр. 332

[المبحث الثاني أبرز الآثار المباركة والثمار الطيبة للدعوة تفصيلا] [تحقيق العبودية لله تعالى وحده] المبحث الثاني أبرز الآثار المباركة والثمار الطيبة للدعوة تفصيلا أشرت في أول هذا الكتاب إلى شيء من ذلك في بواعث قيام الدعوة وأهدافها الكبرى، فإن البواعث والغايات والأهداف إذا تحققت صارت ثمارا وآثارا، ومن ذلك: ١ - تحقيق العبودية لله تعالى وحده: تحرير العبادة لله تعالى وحده، وتحصيل الغاية العظمى من خلق الخلق، ومن بعث الرسل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [سورة النحل، آية: ٣٦] . فقد نجحت هذه الدعوة المباركة في تحقيق هذه الغاية العظيمة والمطلب السامي في كل من تأثر بها، وفي كل بلاد وصلت إليها، من توجيه قلوب العباد وأعمالهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، وتعظيم الله تعالى بأسمائه وصفاته، وأن لا يعبد الله تعالى إلا بما شرعه الله، وبما سنه رسوله ﷺ . [نشر السنن ومحاربة البدع] ٢ - نشر السنن ومحاربة البدع: لقد استطاعت هذه الدعوة المباركة أن تعلي السنن وتنشرها اعتقادا وقولا وعملا، وأن تحارب البدع والشركيات وتحذر منها ومن وسائلها، كما تمكنت من إزالة مظاهر البدع والشركيات في كل بلد وصلت إليه دولتها، من المشاهد والمزارات والقباب وبدع المقابرية والصوفية والتشيع والبدع الكلامية والفلسفية، وسلمت من أوضار الشعارات القومية والفكرية والسياسية ونحوها. [التزام نهج السلف الصالح وإظهاره] ٣ - التزام نهج السلف الصالح وإظهاره: لقد نجحت هذه الدعوة في التزام سنة النبي ﷺ ونهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان كالأئمة الأربعة وأهل الحديث وسائر علماء الأمة المهتدين، والاقتداء بسيرتهم، والاهتداء بهديهم، واقتفاء آثارهم، دون غلو ولا تفريط. [تحرير مصادر الدين] ٤ - تحرير مصادر الدين: وذلك بالعودة إلى مصادر الدين الحق، والمعين الصافي (القرآن والسنة) ، ونهج السلف الصالح، وتنقية مصادر التلقي مما أحدثه أهل البدع والأهواء والافتراق من المحدثات،

стр. 333

والاعتماد على أوهام العقول، وآراء الرجال، والأحلام، والكشوف، والأذواق، والأحاديث الموضوعة، والحكايات، ودعاوى العصمة لغير الرسول ﷺ ، والتقليد الأعمى، ونحو ذلك مما جعله أهل البدع وسائل وذرائع ومصادر لمبتدعاتهم. فقد أعادت هذه الدعوة المباركة الأمة إلى الاعتماد على الوحي المعصوم، بعيدا عن الفلسفات والكلاميات والخرافات والتخرصات والأهواء. [تحرير منهج الاستدلال] ٥ - تحرير منهج الاستدلال: كما أعادت هذه الدعوة إلى الأمة المنهج السليم في الاستدلال، منهج السلف الصالح المتمثل بالاستدلال بالقرآن والسنة الثابتة، ورد النصوص بعضها إلى بعض، واعتماد فهم الصحابة وأئمة السلف وآثارهم علما وعملا، واعتماد قواعد الاستدلال المعتبرة عند العلماء الراسخين، ومجانبة مناهج أهل الأهواء والافتراق والبدع التي تقوم على الاستدلال حسب الأهواء والأوهام والظنون، والتخرصات والفلسفات وتحريف النصوص، والكذب والوضع، والتقليد الأعمى، والتأويلات الفلسفية والباطنية، ونحو ذلك. [نشر العلم ومحاربة الجهل] ٦ - نشر العلم ومحاربة الجهل: قامت أسس الدعوة على تعليم كتاب الله تعالى، وسنة الرسول ﷺ ، وآثار السلف الصالح، وتعليم جميع المسلمين (رجالا ونساء) ضروريات الدين، وتشجيع طلاب العلم على التعمق في العلوم الشرعية والفقه في الدين، في التفسير والحديث والعقيدة، والفقه وأصوله، والعربية وعلومها، والفرائض، وغيرها من العلوم النافعة. [الإسهام في النهضة العلمية الحديثة] ٧ - الإسهام في النهضة العلمية الحديثة: لقد حركت هذه الدعوة المباركة الساكن، وأسهمت في تنشيط العلوم النافعة، وتحريك النهضة العلمية، والمؤلفات والرسائل والردود والمناظرات، والشعر والخطابة، وسائر العلوم والفنون المشروعة. [إظهار شعائر الدين والفضائل وحمايتها] ٨ - إظهار شعائر الدين والفضائل وحمايتها: أظهرت الدعوة الاعتزاز بالدين، وإعلان شعائره من البراءة من الشرك والبدع، وإظهار التوحيد والسنن، وفي إقامة الصلاة وسائر أركان الإسلام على السنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإعلان الفضائل، وكبت الرذائل والفواحش، والقيام بواجب الدعوة والجهاد، والعدل والإحسان، وإقامة الحدود.

стр. 334

[إقامة دولة مسلمة ومجتمع مسلم] ٩ - إقامة دولة مسلمة ومجتمع مسلم: تحقق على يد هذه الدعوة ما كان يراه كثير من الناس من الأحلام والمثاليات التي لا يمكن تحقيقها بعد القرون الفاضلة، وهو إقامة دولة مسلمة، ومجتمع مسلم يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وقد تحقق هذا الحلم، فقد قامت دولة إسلامية ومجتمع مسلم على التوحيد والسنة، يطبق شرع الله ويقيم حدوده في سائر نواحي الحياة الفردية والجماعية، يسوده الدين والفضيلة والأمن والعدل، وذلك في كل المراحل التي كان للدعوة فيها كيان ودولة منذ عهد الإمامين المؤسسين (محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود) إلى يومنا هذا. [تحقيق الجماعة الشرعية والطاعة] ١٠ - تحقيق الجماعة الشرعية والطاعة: أقامت الدعوة ما أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ من الجماعة والطاعة، وهو إقامة أمة مسلمة تجتمع على السنة، ويجتمع أفرادها ومجموعاتها على أهل الحل والعقد من العلماء والأمراء، ومن لهم حق الطاعة والرأي والمشورة منهم، وعلى الولاة الذين ولاهم الله أمرهم، وبيعتهم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والسمع والطاعة لهم بالمعروف في غير معصية الله، وتحريم الخروج على الوالي وعدم منازعته ما لم يروا كفرا بواحا عندهم عليه من الله برهان، وبهذا المنهج الشرعي السلفي الأصيل تحقق جمع الشمل وتوحيد الكلمة، والتناصح بين الراعي والرعية. [تثبيت الأمن] ١١ - تثبيت الأمن: لقد شهد الواقع (بحمد الله) أنه كلما تمكنت الدعوة في بلاد وصار لها سلطان عليها نشرت الأمن والاستقرار، والأمن شرط لحفظ الضرورات الخمس التي جاء الدين برعايتها وهي: الدين، والعقل، والنفس، والنسل، والمال، وأكبر عوامل الأمن في بلاد الدعوة (المملكة العربية السعودية) غرس التدين في قلوب الناس على نهج سليم، وتطبيق الشريعة، لا سيما الحدود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة العدل بالقضاء الشرعي، ونحو ذلك مما هو من ركائز هذه الدعوة المباركة. [تحرير العقول والقلوب والنفوس] ١٢ - تحرير العقول والقلوب والنفوس: إن الدعوة نشرت الدين والسنة، والدين والسنة يحرران العقول من الأوهام

стр. 335

والظنون والتيه والخرافة والضلالة، ويحرران القلوب من العبودية لغير الله، ومن التعلق بغير الله، ويحرران النفوس من الشقاء والقلق والتعاسة. [تحكيم شرع الله حتى كان الدين كله لله] ١٣ - تحكيم شرع الله حتى كان الدين كله لله: كلما تمكنت الدعوة من بلد عملت فيه بشرع الله تعالى في سائر أمور الحياة، وعملت على هيمنة الدين الحق على جميع أحوال الناس، وجميع مناحي الحياة دون التفريق المبتدع بين الدين والدولة، أو بين الدين والسياسة، أو بين الدين والحياة الدنيا. [إقامة الحجة على الناس] ١٤ - إقامة الحجة على الناس: بالأنموذج الذي عرضته هذه الدعوة من خلال علمائها وأتباعها ودولتها، ومن خلال مؤلفاتها ومحاورتها ورسائلها وإعلامها، ومن خلال تجربتها الحية في الدين والمجتمع والدولة وبسائر أحوالها، بهذا الأنموذج قامت الحجة على الخلق كلهم، على المسلمين المجانبين للسنة والمعرضين عن شرع الله، وعلى غير المسلمين، فقد تحقق فيهم وعد الله وخبر رسوله ﷺ : " «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين. . .» " الحديث (١) وإعلان شعيرة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله. [إلغاء مظاهر الجاهلية وأعمالها] ١٥ - إلغاء مظاهر الجاهلية وأعمالها: حين تمكنت الدعوة في أغلب جزيرة العرب، وصار لها كيان في مراحل الدولة السعودية، والتي استقرت فيما يسمى الآن (المملكة العربية السعودية) ، ألغت ومحت بالسنة والشريعة السمحة كل مظاهر الجاهلية التي سادت بعد القرون الفاضلة، من العصبية القبلية، والأعراف والتقاليد العشائرية، والحروب والمنازعات، والفرقة والشتات، والظلم والعدوان وقطع الطريق، والإعراض عن الدين والعلم.

стр. 336

[المبحث الثالث استعراض بعض النقول والشهادات عن آثار الدعوة] المبحث الثالث استعراض بعض النقول والشهادات عن آثار الدعوة حين أردت عرض نتائج الدعوة وآثارها وثمارها الطيبة على جميع المستويات وجدت أن أغلب فصول هذا الكتاب ومباحثه تؤكد على هذه الحقيقة، أعني أنه من خلال بيان غايات الدعوة ومنهجها، وعرض أقوال إمامها وعلمائها ومواقفهم، وعرض شهادات النخبة من العلماء والمفكرين من المسلمين وغير المسلمين، وتزكيتهم لهذه الدعوة، من خلال ذلك وغيره مما ورد في ثنايا الكتاب تتجلى الثمار الطيبة والآثار المباركة للدعوة، لذا اقتصرت في هذا الفصل على ذكر آثار الدعوة مجملة، وذكر نماذج من وصف هذه الآثار من أئمة الدعوة ومن غيرهم. وأول ذلك وصف أحد علماء الدعوة وهو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن مذكرا أتباع هذه الدعوة، وما أنعم الله عليهم به في الدين والدنيا: " وقد من الله عليكم - رحمكم الله - في هذا الزمان الذي غلبت فيه الجهالات، وفشت بين أهله الضلالات، من يجدد لكم أمر هذا الدين، ويدعو إلى ما جاء به الرسول الأمين، من الهدى الواضح المستبين، وهو شيخ الإسلام والمسلمين، ومجدد ما اندرس من معالم الملة والدين، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فبصر الله به من العماية، وهدى بما دعا إليه من الضلالة، وأغنى بما فتح عليكم وعليه من العالة، وحصل من العلم ما يستبعد على أمثالكم في العادة حتى ظهرت المحجة البيضاء، التي كان عليها صدر هذه الأمة وأئمتها في باب توحيد الله، بإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، والإيمان بقدره وحكمه في أفعاله، فإنه قرر ذلك. وتصدى ﵀ للرد على من نكب عن هذا السبيل على اختلاف نحلهم وبدعهم، متبعا ﵀ ما مضى عليه السلف الصالح من أهل الإيمان، وما درج عليه القرون المفضلة بنص الحديث، ولم يلتفت ﵀ إلى ما عدا ذلك، فوضح معتقد السلف الصالح بعدما سفت عليه السوافي، وذرت عليه الذواري، وندر من يعرفه من أهل القرى والبوادي، إلا ما كان مع العامة من أصل الفطرة، فإنه قد يبقى ولو في زمن الغربة والفترة، وتصدى أيضا للدعوة

стр. 337

إلى ما يقتضيه هذا التوحيد ويستلزمه، وهو وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة، والبراءة من عبادة كل ما عبد من دون الله. وقد عمت في زمنه البلوى بعبادة الأولياء والصالحين وغيرهم، وفي كل مصر من الأمصار، وبلد من البلدان، وجهة من الجهات، من الآلهة والأنداد لرب العالمين ما لا يحصيه إلا الله على اختلاف معبوداتهم، وتباين اعتقاداتهم، فمنهم من يعبد الكواكب، ويخاطبها بالحوائج، ويبخر لها التبخيرات، ويرى أنها تفيض عليه، أو على العالم، وتقضي لهم الحاجات، وتدفع عنهم البليات. ومنهم من لا يرى ذلك، ويكفر أهله، ويتبرأ منهم، لكنه قد وقع في عبادة الأنبياء والصالحين، فاعتقد أنه يستغاث بهم في الشدائد والملمات، وأنهم هم الواسطة في إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، فتراه يصرف وجهه إليهم، ويسوي بينهم وبين الله في الحب والتعظيم والتوكل والاعتماد والدعاء والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادات، وهذا هو دين جاهلية العرب الأميين، كما أن الأول هو دين الصابئة الكنعانيين، وقد بعث الله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ". وقد بلغ الشيطان مراده من أكثر الخلق، وصدق عليهم إبليس ظنه، فاتبعه الأكثرون، وتركوا ما جاءت به الرسل من دين الله الذي ارتضاه لنفسه. " فأتاح الله بمنه في هذه البلاد النجدية والجهات العربية من أحبار الإسلام وعلمائه الأعلام من يكشف الشبهة، وينصح الأمة، ويدعو إلى محض الحق وصريح الدين، فنافح عن دين الله ودعا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، وصنف الكتب والرسائل، وانتصب للرد على كل مبطل، واجتمع له من عصابة الإسلام والإيمان طائفة يأخذون عنه، وينتفعون بعلمه، وينصرون الله ورسوله، حتى ظهر واستنار ما دعا إليه، وعلت كلمة الله، حتى أعشى إشراقها وضوؤها كل مبطل ومماحل، وذل لها كل منافق مجادل. وحقق الله وعده لأوليائه وجنده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] [سورة غافر، آية: ٥١] ، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] الآية [سورة النور، آية: ٥٥] ، فزال بحمد الله ما كان بنجد وما يليها

стр. 338

من القباب والمشاهد والمزارات والمغارات وقطع الأشجار التي يتبرك بها العامة، وبعث السعاة لمحو آثار البدع الجاهلية من الأوتار والتعاليق والشركيات. وألزم بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت، وسائر الواجبات، وحث من لديه من القضاة والمفتين على تجريد المتابعة لما صح وثبت عن سيد المرسلين، مع الاقتداء في ذلك بأئمة الدين والسلف الصالح المهديين، وينهاهم عن ابتداع قول لم يسبقهم إليه إمام يقتدى به، أو علم يهتدى به. وأنكر ما كان عليه الناس في تلك البلاد وغيرها من تعظيم الموالد والأعياد الجاهلية التي لم ينزل في تعظيمها سلطان، ولم يرد به حجة شرعية ولا برهان؛ لأن ذلك فيه من مشابهة النصارى الضالين في أعيادهم الزمانية والمكانية، ما هو باطل مردود في شرع سيد المرسلين. وكذلك أنكر ما أحدثه جهلة المتصوفة وضلال المبتدعة من التدين والتعبد، والمكاء والتصدية والأغاني التي صدهم بها الشيطان عن سماع آيات القرآن، وصاروا بها من أشباه عباد الأوثان الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] [سورة الأنفال، آية: ٣٥] ، وكل من عرف ما جاء به الرسول ﷺ تبين له أن هؤلاء من أضل الفرق، وأخبثهم نحلة وطريقة، والغالب على كثير منهم النفاق وكراهة سماع كلام الله ورسوله. وأنكر ﵀ ما أحدثته العوام والطغام من اعتقاد البركة والصلاح في أناس من الفجار والطواغيت، الذين يترشحون لتأله العباد بهم، وصرف قلوبهم إليهم باسم الولاية والصلاح، وأن لهم كرامات ومقامات ونحو هذا من الجهالات، فإن هؤلاء من أضر الناس على أديان العامة، وأنكر ﵀ ما يعتقده العامة في البله والمجاذيب وأشباههم، الذين أحسن أحوال أحدهم أن يرفع عنه القلم، ويلحق بالمجانين. وأرشد ﵀ إلى ما دل عليه الكتاب وسنة رسول الله ﷺ من الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وساق الأدلة الشرعية التي يتميز بها كل فريق، ويعتمدها أهل الإيمان والتحقيق، فإن الله جل ذكره وصف الأبرار ونعتهم بما يمتازون به، ويعرفون بحيث لا يخفى حالهم، ولا يلتبس أمرهم، وكذلك وصف تعالى أولياء الشيطان

стр. 339

من الكفار والفجار، ونعتهم بما لا يخفى معه حالهم، ولا يلتبس أمرهم على من له أدنى نظر في العلم، وحظ من الإيمان. وكذلك قام بالنكير على أجلاف البوادي وأمراء القرى والنواحي فيما يتجاسرون عليه ويفعلونه من قطع السبيل، وسفك الدماء، ونهب الأموال المعصومة، حتى ظهر العدل واستقر، وفشا الدين واستمر، والتزمه كل من كانت عليه الولاية من البلاد النجدية وغيرها، والحمد لله على ذلك، والتذكير بهذا يدخل فيما امتن الله به على المؤمنين، وذكرهم به من بعث الأنبياء والرسل. وكل خير حصل في الأرض من ذلك فأصله مأخوذ من الرسل والأنبياء؛ إذ هم الأئمة الدعاة الأمناء وأهل العلم، عليهم البلاغ ونقل ذلك إلى الأمة، فإنهم واسطة في إبلاغ العلم ونقله. ولذلك صار لشيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ولطائفة من أنصاره من الملك والظهور والنصر بحسب نصيبهم وحظهم من متابعة نبيهم ﷺ ، والتمسك بدينه، فقهروا جمهور العرب من الشام إلى عمان، ومن الحيرة إلى اليمن، وكلما كان أتباعهم وأنصارهم أقوى تمسكا كانوا أعز وأظهر، وربما نال منهم العدو وحصل عليهم من المصائب ما تقتضيه الذنوب والمخالفة، والخروج عن متابعة نبيهم، وما يعفو الله عنه من ذلك أكثر وأعظم. والمقصود أن كل خير ونصر وعز وسرور حصل فهو بسبب متابعة الرسول ﷺ ، وتقديم أمره في الفروع والأصول، وقد من الله عليكم في هذه الأوقات بما لم يعطه سواكم في غالب البلاد والجهات من النعم الدينية والدنيوية والأمن في الأوطان، فاذكروا الله يذكركم، واشكروا نعمه يزدكم، و ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] [سورة التحريم، آية: ٦] بمعرفة الله، ومحبته وطاعته، وتعظيمه وتعليم أصول الدين، والمحافظة على توحيد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وترك الفواحش الباطنة والظاهرة، وسد الوسائل التي توقع في المحذور، وتفضي إلى ارتكاب الآثام والشرور " (١) .

стр. 340

ويقول الشيخ أحمد بن حجر آل أبو طامي تحت عنوان: " أثر الدعوة في البلاد النجدية ": " ١ - قضت هذه الدعوة المباركة قضاء تاما على ما كان شائعا في " نجد " من الخرافات، وما كان شائعا من تعظيم القبور والنذر لها، والاعتقاد في بعض الأشجار، وأحيت معالم الشريعة بعد اندثارها. ٢ - إن أهل نجد قد رجعوا إلى التوحيد الخالص من شوائب الشرك والوثنية، كما رجعوا إلى الكتاب والسنة المطهرة، وحكموها في جليل الأمور وحقيرها. ٣ - كانوا متفرقين، لا تجمعهم رابطة، ولا يجمعهم حكم شرعي، ولا قانوني، بل كانوا مختلفين ومتفرقين في المشارب والنزعات، فوحدت هذه الدعوة كلمتهم، وجمعت شملهم، وجعلتهم تحت راية واحدة، وأخضعتهم لسلطان واحد، يسوسهم بكتاب الله المجيد وسنة رسوله. ٤ - كانوا في نهاية من الجهل والغباوة إلى حد أن اعتقدوا في الأشجار والغيران، فنشرت الدعوة فيهم علوم الشريعة المطهرة وآلاتها من التفسير والحديث والتوحيد، والفقه والسير والتواريخ، والنحو، وما إلى ذلك من العلوم. وأصبحت الدرعية كعبة العلوم والمعارف، يفد إليها طلاب العلوم من سائر النواحي من أرجاء نجد واليمن والحجاز والخليج العربي، وانتشر العلم في جميع الطبقات حتى قال المؤرخون: أصبح الراعي يرعى المواشي في الفيافي ولوح التعليم في عنقه، حتى من قوة انتشار العلم وسريانه ظهر العلماء الراسخون، وألفوا الكتب القيمة في مختلف العلوم، بعد ذلك الجهل العظيم الذي خيم على أرجاء نجد، وتركها تتخبط في دياجير الظلمات والأوهام. ٥ - انتشر الأمن في جميع أرجاء نجد حتى إن الماشي والراكب يمشي المسافات الطويلة، ذات الليالي والأيام، لا يخاف إلا الله، ولو كان عنده من الأموال ما تنوء بحملها عصبة من الرجال. ٦ - لم تكن نجد معروفة لدى الأمم، وكانت حقيرة، وليس لها حساب، ولا ميزان، ولا قيمة، ولم يكن لها ملك، ولا حاكم معروف، ما عدا بعض الأمراء الصغار الذين كانوا يحكمون قرية أو قريتين، فأصبحت نجد ببركة هذه الدعوة مملكة موحدة طار صيتها في الآفاق، ووضعت في صف الأمم.

стр. 341

وكانت الدولة إذ ذاك الدولة العثمانية حسبت لها ألف حساب وحساب، وخافت على سلطتها وسيطرتها من هذه الدولة السعودية المباركة، حتى جرت الجيوش الجرارة لمحاربتها وإماتتها. ٧ - إنه بقي من آثارها هذه الدولة السعودية الحاضرة الممتد سلطانها من الخليج العربي شرقا إلى البحر الأحمر غربا، دولة الكتاب والسنة والتوحيد النقي، دولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دولة نشرت العدل والأمن والسلام، دولة عززت من مركز العلم، وقامت بنشره بين جميع أفراد الرعية، وكل من يفد إليها، فأسست المعاهد العلمية والكليات والمدارس، وأنفقت الأموال الطائلة للمدرسين والدارسين، سواء كانوا من الوطنيين أو من غيرهم. دولة تمثل الصدر الأول والسلف الصالح في أحكامها، وهيمنتها على الأخلاق، وتحكيمها للكتاب والسنة، دولة تسهر على مصالح الرعية، وتعمل لرفاهية الشعب ومحاربة الفقر، ورفع مستوى المعيشة، كما تسهر على راحة الحجاج، وبذل جميع الوسائل لرفاهية الحجاج، وتذليل جميع العقبات أمامهم، وترغيبهم في العودة المرة بعد المرة إلى حج بيت الله الحرام، وزيارة المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام. وبالجملة فهي أحسن الدول العربية في تحكيم الشرع، ونشر الأمن والعدل والعلم، ومحاربة أهل البدع والضلال، والأخذ على أيدي السفهاء والعابثين بالأخلاق، والمنتهكين الحرمات، أيدها الله، ووفقها للخير والنفع العام " (١) . ثم تحدث عن: " انتشارها في الخارج " قائلا: " انتشرت دعوة الشيخ في خارج نجد من أجل استيلاء الدولة السعودية على مكة المكرمة سنة ١٢١٨ هـ، وأصبح حجاج البلاد الإسلامية يفدون إلى مكة المكرمة، ويشاهدون علماء هذه الدعوة الحقة، ويستمعون خطبهم ومواعظهم، وإرشاداتهم السديدة، وتوجيهاتهم

стр. 342

القيمة، كما شاهدوا سيرة الدولة السعودية إذ ذاك، وما هي عليه من الاعتصام بالكتاب والسنة، ونشر الأمن والعدل والإنصاف. فتأثر بعض الحجاج بدعوة الشيخ، فأخذ ينشر في بلاده التوحيد، ويحارب الخرافات الشائعات في بلاده، كما قام بصد القبوريين والداعين إلى تقديس القبور، وبناء القباب عليها، فانتقلت هذه المبادئ الإصلاحية إلى السودان في إفريقيا، وسومطرة في آسيا والهند، كما انتشرت في العراق والشام ومصر والجزائر وجاوة وعمان وفارس، وكان هدف رعاتها في كل مكان تحل به هو محاربة الفساد، والقضاء على البدع والخرافات، وتصحيح العقيدة الدينية " (١) . ويقول الأستاذ أمين سعيد في وصف الأثر الطيب للدعوة: " وحققت الدعوة لنجد آمالها، وقد بدأت في محيطها أول ما بدأت، فأنشأت لها مجتمعا إسلاميا سليما، يؤمن بالتوحيد، ويعظم شأنه، ويسير على هداه، ولا يدعو مع الله أحدا، ولا يزال هذا حاله، لم يتبدل ولم يتغير منذ عهد الشيخ حتى يومنا هذا، فهو يصدع بالحق ويؤمن به. وانبثق عن هذا المجتمع دولة عربية كريمة، نشأت في ظل الدعوة وآمنت بها، فكانت أول دولة عربية كبرى يؤسسها العرب في داخل جزيرتهم بعد دولة الخلفاء الراشدين، فاتبعت طريقهم، وترسمت خطاهم، فسادت وشادت ووسعت حدودها، وضمت إليها قطر الحجاز وبلاد عسير وتهامة، ودقت أبواب العراق واكتسحت حدوده، وبلغت مشارف الشام وامتلكت بعض أجزائه، ووضعت يدها على الضفة الغربية للخليج (الخليج العربي) ، وتمتد من المحيط الهندي جنوبا إلى شط العرب شمالا، ولا يقل طولها عن ألف ميل، فزينت راية التوحيد شطآنها، ورفرفت على ربوعها. وانتشرت الدعوة في بلاد العرب وبلاد الشام، وسرى نورها في أرجائها، فأقبل عليها الكثيرون، وأخذوا بها، وتفاعلوا معها، واستجابوا لها، فكانت الأم الكبرى لهذه النهضات التي تعم بلاد العرب وبلاد المسلمين، وتعم الشعوب العربية والشعوب الإسلامية، فأحيت ميت الهمم، وأيقظت خامد النفوس.

стр. 343

وضرب الشيخ صاحب الدعوة الوهابية الأمثال على تجرده ونزاهته، وعلى أنه لم يرد من دعوته سوى وجه الله وحده، وإصلاح حال أمته، والنهوض بها، وإنقاذها من ظلمات الجهالة التي كانت تغمرها، وتقيمها وتقعدها، فاعتزل السياسة سنة ١١٨٧ بعدما استقرت الدعوة واستقام عودها، وزال كل خطر يهددها، وتضاعف عدد أنصارها المؤمنين بها، وعكف على عبادة ربه، يشكره على نصره وتأييده، وابتعد عن الدنيا وزخارفها، لا يبغي حكما ولا سلطانا ولا مالا ولا نسبا، وظل هذا شأنه يصوم النهار ويقوم الليل عابدا مجتهدا، خالصا لله مخلصا، حتى وافته منيته سنة ١٢٠٦، فذهب إلى لقاء ربه راضيا مرضيا بما قدم وأسلف. على أن هذا لا يمنعنا من القول بأن الدعوة الوهابية نفسها لم تلق من عناية علماء نجد وأدبائها وكتابها ما كان يجب أن تلقاه، ولعل مصدر ذلك انزواء نجد في قلب الجزيرة سحابة القرنين الماضيين، وصعوبة الاتصال بها، وقلة وسائل النشر لديها، على أن هذا كله زال الآن، فتيسرت الأسباب، وفتحت الأبواب، وازدهرت رياض العلم، مما نرجو أن يضاعف اهتمامهم، ويشحذ عزائمهم، فسيرة الشيخ محمد من أحفل السير بالعظات، ومن أجدرها بالدرس، لها جوانبها المحددة، ومصادرها الكثيرة، يضاف إلى ذلك كله أن الشيخ خلف ثروة عظيمة وكنوزا حافلة من الكتب والمؤلفات في حاجة إلى إعادة الطبع والترجمة إلى اللغات الأجنبية ليعم نفعها، ويستفيد الناس منها، ويغترفوا من بحر فضلها " (١) . ثم قال مبينا أثر التمسك بالشريعة الإسلامية في الحياة العامة، وأثر الانصراف عنها: " إن العقيدة الراسخة عند النجديين - أمرائهم وعلمائهم - أن الله مكنهم في جزيرة العرب، وأن سلطانهم في تلك الجزيرة لإحياء معالم الشريعة، وإظهار دين الله، وجعل سلطان التوحيد في الجزيرة هو السلطان الأول، وإزالة كل أثر من آثار الشرك، ولقد قال الإمام سعود في خطبته بعد دخول مكة سنة ١٢١٨ هـ " إنا كنا من أضعف العرب، ولما أراد الله ظهور هذا الدين دعونا إليه، وكل يهزأ بنا ويقاتلنا ". وكان الملك عبد العزيز ﵀ في كل مناسبة يشير إلى هذا، ذاكرا فضل الله

стр. 344

عليه وعلى أجداده من قبل، وأن ما وقع على آل سعود في أيامهم الأولى لم يكن إلا عقوبة لهم من الله لتهاونهم في أمر المحافظة على الدين، والانصراف إلى أمور الدنيا، وكذلك جلالة الملك سعود مد الله في عمره. ولذا فإن المشايخ - من وقت لآخر - ما زالوا يقدمون النصيحة لإمامهم، ويوصونه بالمحافظة على الدين، والأخذ على أيدي المتهاونين به، إذا رأوا شيئا من التراخي والتهاون من ذوي النفوذ والسلطان، ففي أيام الإمام فيصل كان الشيخ عبد الرحمن بن حسن وولده الشيخ عبد اللطيف لا يتوانيان عن النصيحة، ولفت نظر الإمام إلى عماله ورعاياه، وتذكيره بعاقبة التفريط، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " (١) . وسبق ذكر ما قاله الدكتور طه حسين مبينا أثر الدعوة على الحركة الدينية والأدبية والعلمية والفكرية والعقلية وسائر نواحي الحياة (في الفصل السابق) (٢) . ويقول محمد جلال كشك: " إذا كان محمد بن عبد الوهاب من ناحية العقيدة ليس بمبتدع، فهو من الناحية السياسية مجدد ومبتدع ومبدع، ولقد استطاع أن يوقف حركة التاريخ، ويلوي عنق الأحداث التي كانت تدفع العالم الإسلامي دفعا إلى التغريب، فمع الهزيمة الشاملة التي أصابت العالم الإسلامي أمام الغزو الأوربي الذي كاد أن يشبه القدر المحتوم، كان الظن أو اتجاه الأحداث هو خضوع العالم الإسلامي للقانون الحضاري العام، وهو فناء المهزوم بالاندماج في حضارة المنتصر. فجاء الشيخ من أعماق نجد يعلن أن الإسلام هو الطريق، وأن المشكلة ليست في العقيدة، بل في الانحراف عنها، وأن العودة إلى جوهرها الصافي كفيل بإعطاء المسلمين القدرة على مواجهة التحدي الأوروبي وقهره، صحيح أنه لم يواجه قوة أوروبية بشكل مباشر وشامل، لا هو ولا خلفاؤه، فقد شغلتهم حروبهم مع الرافضين المسلمين والعرب، إلا أن انتصاراتهم على التخلف، وقدرتهم على خلق المحارب الذي يكاد ألا يقهر، عززت حجة

стр. 345

الرافضين لمنطق الهزيمة، وأبقت الفرضية مطروحة إلى اليوم، وهي اكتساب القوة المادية بنفس الأسلوب الذي اكتسبها به أجدادنا المسلمون الأوائل. وتلك هي أهمية الدعوة الوهابية في المرحلتين الأولى في عهد عبد العزيز بن سعود، والثانية في النصف الأول من عهد عبد العزيز، فقد جرت المحاولتان في مناخ الهزيمة الشاملة للعالم الإسلامي، فضربتا المثل على إمكانية النصر بالإسلام، وإمكانية أن يكون الحل الشامل لمشكلة العالم الإسلامي مستمدا ومطابقا للحل الجزئي الذي جرب ونجح في أشد مناطق هذا العالم تخلفا وفقرا في الإمكانيات المادية، وفي نفس الوقت عجزت المحاولتان عن تقديم الحل الشامل والجذري للمشكلة، ومن ثم فقد أبقتا الجدل مستمرا، إذ منعتا التاريخ من أن يحسمه في اتجاه رفض الحل الإسلامي، ولكنهما لم تعطيا أنصار هذا الحل الحجة الحاسمة ولا المنهاج، فقد فشلت التجربتان في إجبار التاريخ على الاستجابة لهذا الاختيار، وما زلنا في نفس الوضع. فحركة البعث الإسلامي، والجامعة الإسلامية، ودعاة الإصلاح الديني، وانتفاضات المهديين والسنوسيين، ليست كلها إلا استجابة متفاوتة الفهم والوضوح لذلك الجواب الذي طرحه السعوديون: العودة للإسلام تحرر المسلمين من الهزيمة المطبقة، وساعد الحل السعودي على البقاء في الساحة " (١) . ويقول أيضا في موضع آخر في سياق كشف اعتراف خصوم الدعوة: " بتلك " الدرة السنية "، بل أثمن الدرر، وهي تحويل البدوي أو الشرقي المتخلف إلى نموذج فريد في تفوقه، ونقطة أخرى تثير إعجاب المراقبين بالإجماع، مهما اختلف موقفهم من التجربة السعودية، وهي الأمن، ومن محاسن الوهابية أنهم أماتوا البدع ومحوها، ومن محاسنهم أنهم أمنوا البلاد التي ملكوها، وصار كل ما كان تحت حكمهم من هذه البراري والقفار يسلكها الرجل وحده على حمار بلا خفر، خصوصا بين الحرمين الشريفين، ومنعوا غزو الأعراب بعضهم لبعض، وصار جميع العرب على اختلاف قبائلهم من حضرموت إلى الشام كأنهم إخوان

стр. 346

أولاد رجل واحد، إلى أن عدم الشر في زمان ابن سعود، وانتقلت أخلاق الأعراب من التوحش إلى الإنسانية، وتجد في بعض الأراضي المخصبة هذا بيت عنزي، وبجانبه بيت عتيبي، وبقربه بيت حربي، وكلهم يرتعون كأنهم إخوان، ورأيت لهم عقيدة منظومة يحفظها حتى رعاة غنمهم، منها: وما الدين إلا أن تقام شعائر ... وتأمن سبل بيننا وشعاب فكأنهم جعلوا تأمين الطرقات ركنا من أركان الدين ". ويبدو أن الشيخ قد اكتشف القانون الحضاري الذي يبدأ بتوفير الأمن، فيقول: إن " تحقيق الأمن يدفع الناس للاشتغال بالزراعة والتجارة وتربية الماشية للتكسب، فإذا اشتغلوا بالكسب الحلال فلا ينهبون ولا يسرقون ولا يقتلون "، ثم يلخص لنا اكتشافه: " فكأن المسألة أشبه بالدورية (١) أي: أنه متى وجد الأمان ارتفع السارق والقاتل لاشتغالهم بمعاشهم الحلال، ومتى اشتغلوا بالمعاش الحلال وجد الأمان ". أفادكم الله. وصاحب هذه الشهادة هو الشيخ عثمان بن سند البصري الفيلكاوي، فهو أقرب أن يكون كويتيا، وإن كان يصنف كمؤرخ عراقي، وهو من خصوم الوهابيين، وقد زعم أن هذا الأمن الذي حققه الحكم السعودي " كان دسيسة خدعوا بها العوام "، يبدو أن الدولة العثمانية ووالي البصرة لم يكونا بحاجة إلى دسيسة من هذا النوع " فذهب الأمن، وبطلت المعايش، وتدهور الوطن الإسلامي إلى ما هو معروف ". وقد انتشى ابن بشر في وصف حالة الأمن في ظل الحكم السعودي حتى قال برعي الذئب مع الغنم، بل بما هو أخطر: ترك الملكية بلا حراسة من الإنسان، فقال: " فسماها الأعراب سنين الكما؛ لأنهم كموا عليهم عن جميع المظالم الصغار والجسام، فلا يلقى بعضهم في المفازات والمخوفات إلا بالسلام عليكم، وعليكم السلام، والرجل يجلس ويأكل مع قاتل أبيه وأخيه كالإخوان، وزالت سنين الجاهلية، وزال البغي والعدوان، وسيبت الخيل والجياد والبقر وجميع المواشي في الفلوات، فكانت تلقح وتلد وهي

стр. 347

في مواضعها آمنات مطمئنات، وليس عندها من يرعاها ويحميها إلا من يأتيها غبا ويسقيها ". لقد أثبتت التجربة السعودية في جميع عصورها أنه بتطبيق الشريعة، ولو جزئيا، وفي حدود الإمكانيات المتاحة لكل مجتمع، أي بتطبيق قانون العقوبات، يمكن أن يتحقق أول شرط من شروط المجتمع الإنساني، وهو الأمن الفردي، الأمن على النفس والمال والعرض، بل أول شرط يجب توفره للحديث عن تطور اجتماعي أو حضاري، وهو ما كان الشرق يفتقر إليه، وما كان الغرب يستغله للتشهير بالشرقيين، وتبرير حملاته وغزواته واسترقاقه للشرق بحجة توفير الأمن بين الشعوب المتوحشة الهمجية، وما كانت بعض القطاعات - ولا تزال إلى اليوم - تحمده للاستعمار الأوروبي، فأثبتت الوهابية في تألقها في الدولة الأولى، وفي عهد عبد العزيز، بل حتى في فترات انكماشها، أن الشريعة الإسلامية، بما تخلقه من حس بالعدل في نفوس المؤمنين بها، وما تفرضه من سيادة للقانون بقوة السلطة، يمكن أن تحقق أمنا يفوق قدرة أي مجتمع وأية حضارة عرفها التاريخ، وكتب الغربيين حافلة بالنوادر المدهشة المذهلة للمواطن الأوروبي الأمريكي، ليس في عصرنا هذا حيث اختل الأمن، وتحولت مدن الغرب إلى غابات مفزعة، يخشى السير فيها بعد غروب الشمس، وتزود غرف فنادقها بالسلاسل، بل والأقفال الإلكترونية التي تتغير كل ٢٤ ساعة، بل كان الأمن السعودي مثيرا لدهشة الغربيين حتى في العصر الذي كان يضرب به المثل على قوة الردع الكامنة في عصا رجل الشرطة البريطاني، المحظور عليه - وقتها - حمل السلاح مكتفيا بهيبة أو رعب القانون المتمثل في عصا رجل الشرطة. حتى في هذا الوقت استطاع السعوديون أن يقولوا: " نظامنا أفضل، ولسنا بحاجة إلى قوانين الغرب وأنظمته، عندنا الحل الأفضل ". " وقد شهد بوركهارت للوهابيين ضد الأتراك فقال: " وما الوهابية إن شئنا أن نصفها إلا الإسلام في طهارته الأولى، وإذا ما أردنا أن نبين الفرق بين الوهابيين والترك فما علينا إلا أن نحصي الخبائث التي اشتهر بها الترك ". صدقت! وقال: " لكي نصف الدين " الوهابي فإن ذلك يعني وصف العقيدة الإسلامية، ولذا فإن علماء القاهرة أعلنوا أنهم لم يجدوا أية هرطقة (بدعة أو خروج عن الدين) في الوهابية، وحتى بعد سقوط الدولة السعودية فإن ظاهرة الانفجار الإسلامي ستظل تجذب المستكشفين، وسيأتي جورج

стр. 348

والين ١٨٤٥ - ١٨٤٨ ليقول عن السعوديين: " إنهم لا يدعون أنفسهم وهابيين أبدا، فهذا الوصف استخدمه خصومهم، أما هم فيصفون أنفسهم ببساطة بأنهم " المسلمون أو الموحدون ". وقال: " إن بعض الكتاب المعاصرين يزعم أن الوهابيين أنشئوا مذهبا خاصا بهم، وهو زعم خاطئ، فالوهابيون مجرد إصلاحيين، يتبعون المذهب الحنبلي ". " ثم المقيم السياسي في الخليج، بل الذي سيشهد الأيام الأخيرة في حياة فيصل بن تركي، والليدي بلنت (١٨٧٩ - ١٢٩٧) التي ستشاهد بقايا الوهابية في جبل شمر وبلاط ابن الرشيد، وسيستمر التدفق حتى شكسبير وفيلبي، وما زال " (١) . ولم يكن تأثير الدعوة الإصلاحي قاصرا على البلاد التي حكمتها دولة الدعوة، بل تعداه إلى سائر البلاد الإسلامية وبلاد الأقليات المسلمة في كل أنحاء العالم، ومن أكثر البلاد المجاورة تأثرا بالدعوة (اليمن) ، وقد عرض الدكتور عبد الله بن محمد أبو داهش هذا الأمر عرضا جيدا إذ قال: " ومن الواضح أن الناس في اليمن عندئذ قد طلبوا الاستغاثة من غير الله في مجال معاشهم في البر والبحر (٢) ورفعوا الرايات فوق مشاهد الموتى بعبارات الاستجارة بهم من النار (٣) وربما غشيت تلك القبور طوائف كثيرة من الناس، قد يضاهي بها لديهم الحجاج في عرفات (٤) هذا إلى جانب أن الناس في اليمن قد اعتادوا في بعض الأحيان " السجود للمعتقد " (٥) وتخصيص شيء من أموالهم له (٦) وكانوا " يوقدون السرج على القبور، ويرحلون بنسائهم (٧) " لزياراتها، وقد أنكر عليهم بعض العلماء في اليمن إهمال بيوت الله،

стр. 349

وترك العناية بها في وقت كانت مشاهد الأموات تزدان بالحرير والسجاد الفاخر وغيرها (١) . ورغم ذلك وجد من علماء اليمن في القرن الثاني عشر الهجري من يحارب مثل هذه الضلالات، ويتخذ منها موقفا معاديا، ولعل من أشهر أولئك العلماء: الشيخ محمد بن إسماعيل الأمير (١٠٩٩ - ١١٨٢ هـ) ، والشيخ حسين بن مهدي النعمي (١١٨٧ هـ) ، إذ برز موقف الأمير جليا تجاه هذه الأمور المحدثة منذ عام ١١٦١ هـ \ ١٧٤٨ م حينما أرشد إمام اليمن حينذاك إلى هدم صنم المخا، وألف من أجله رسالة (٢) وقد قال فيه صديق بن حسن القنوجي بأن " له صولة في الصدع بالحق، واتباع السنة، وترك البدع " (٣) أما النعمي فقد اشتهر برفضه لهذه المعتقدات الباطلة منذ ألف في هذا الجانب وكتب فيه (٤) . وربما كان نشوء هذين الموقفين عند النعمي والأمير بسبب تأثرهما بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبخاصة إذا أدرك موقف محمد بن إسماعيل الأمير من هذه الدعوة حينما قال: " ما زالت تبلغنا الأخبار من سنة ١١٦٠ هـ بأنه ظهر في نجد رجل يدعو إلى اتباع السنة النبوية وينهى عن الابتداع، والاعتقاد في العباد من الأحياء والأموات، وينهى عما نهى عنه رسول الله ﷺ من العمارة على القبور المشاهد والقباب (٥) "، كذلك يدل على تأثر حسين بن مهدي النعمي بالدعوة السلفية قوله بأن سبب تأليفه لكتابه معارج الألباب يعود إلى أنه وقف في عام (١١٧٧ هـ \ ١٧٦٣ م) على سؤال حول هدم بعض المشاهد والقباب، وأنه كان من قبل هذا التاريخ قد ألقي إليه كتاب من مكة المكرمة ورد فيه: " أنه وصل إلى هنالك سؤال

стр. 350

في هذه المسألة، وأنه أجاب عليه مفتو الأربعة المذاهب بما يتضمن التشنيع على من دل على هدم القباب والمشاهد (١) "، وربما أوحى قول الأمير من قبل وكذلك النعمي إلى أنهما قد تأثرا بهذه الدعوة، وأنها وافقت ما عندهما كما قال الأمير في شعره. وإذا كان هذا حال هذين العالمين، ومدى تأثرهما بالدعوة السلفية في القرن الثاني عشر الهجري، فإن من أكثر علماء اليمن تأثرا بمنهج الدعوة السلفية في مجال تطهير الاعتقاد فيما بعد إبراهيم بن محمد الأمير (١١٤١ - ١٢١٣ هـ) ، ومحمد بن علي الشوكاني (١١٧٣ - ١٢٥٠ هـ) ، إذ عرف إبراهيم الأمير بمواقفه تجاه القبوريين (٢) وكان الشوكاني ينكر على المعتقدين في غير الله أفعالهم، ويرى أنهم قد خالفوا بذلك مقتضى إفراد العبادة لله وحده (٣) . أما الأثر الفعلي لهذه الدعوة السلفية في اليمن فقد ظهر منذ العقد الثاني من القرن الثالث عشر الهجري، عندما بدأ العلماء يدركون حقيقة هذه الدعوة، وما تدعو إليه من إخلاص التوحيد لله تعالى، بالإضافة إلى ارتياد نفر من علمائها ودعاتها لكثير من بلدان اليمن خلال تلك الفترة، كما أن وفرة الرسائل التي كان يتبادلها العلماء في اليمن وأمثالها في نجد ورجال ألمع (٤) قد ساعد على إيجاد أثر فعلي لهذه الدعوة، إذ بدأ الناس في اليمن يلمسون إلحاح علمائها وأمرائها في نشر هذه المبادئ وحقيقتها بتلك الأنحاء. ولعل من أهم آثار الدعوة السلفية في ميدان تطهير الاعتقاد وذم البدع باليمن اقتناع الأئمة بتلك الأنحاء وعلمائهم بهدم القباب وإزالتها، فقد دلت المصادر على أن الإمام المنصور هدم قبة عابدين المشهورة بصنعاء عام ١٢٢٠ هـ \ ١٨٠٧ م (٥) وأنه قبل عام ١٢٢٤ هـ " وقع الهدم للقباب والقبور المشيدة في صنعاء، وفي كثير من الأمكنة المجاورة لها، وفي جهة ذمار

стр. 351

وما يتصل بها " (١) وكان هذا الأمر فيما يبدو قد شجع إمام اليمن المتوكل فيما بعد، وجعله يفضي إلى علماء اليمن برغبته في هدم القباب وإزالتها، وذلك على إثر وصول نفر من علماء الدعوة السلفية إلى صنعاء عام (١٢٢٩ هـ \ ١٨١٣ م) (٢) وقد كان موقف علماء صنعاء عندئذ موجبا لهدم تلك القباب، إذ يبدو أن أثر الدعوة قد وقع في قلوبهم مما جعل الإمام المتوكل حينذاك يباشر هدم معظم القباب المشهورة بصنعاء، ويأمر بإبلاغ أمره بهدم القباب بعامة إلى بقية بلدان اليمن (٣) ويؤيد هذا قول عبد الرحمن بن عبد الله الزميلي بأن شيخه القاضي أحمد العنسي ذكر له، وهو يتلقى العلم على يديه بمدينة إب عام (١٣٥٩ هـ \ ١٩٤٠ م) أن بمدينتهم تلك آثارا لقباب مهدمة وأماكن محرقة من عهد الإمام سعود بن عبد العزيز (٤) (١٢٢٩ - ١٢١٨هـ) ، وإذا صح هذا فإن معظم بلدان اليمن إذن قد أدركت شيئا من أثر الدعوة السلفية، وأن ذلك الأثر قد كان في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري. وبمثلما أثرت الدعوة السلفية في صنعاء وما حولها أثرت كذلك في تهامة اليمن وفي حضرموت، أما تهامة اليمن فبعد أن تمادى أهلها في تعظيم القبور وأقر علماؤها " ما يحدث من أنواع الشرك بمرأى ومسمع (٥) " أصبحت بعد ذلك في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري " صافية عن تلك الأمور التي كان يتلوث بها أهلها، فلا يقدر أحد

стр. 352

منهم يستغيث بغير الله سبحانه أو ينادي ميتا من الأموات " (١) ورغم أن الشوكاني حينما أخبر بذلك لم يذكر سببا مباشرا لتأثرهم غير إعمال السيف فيهم (٢) فهل كان ذلك العمل من قبل أمراء الدعوة في تلك الأنحاء (٣) أم هو عمل أئمة صنعاء الذين تأثروا بالدعوة من قبل، وباشروا إزالة ما يمس العقيدة وينافي التوحيد في بلدانهم؟ والحق أن لكل من الاحتمالين السابقين أثرا فعالا في دفع تلك المعتقدات ونزعها، وبخاصة إذا أدرك قبول تلك الأجزاء من تهامة اليمن للدعوة السلفية من قبل، وأحيط بجهود أئمة اليمن في سبيل إزالة تلك المنكرات ونبذها. أما حضرموت فقد ذكرت المصادر أن دعاة هذه الدعوة حينما وفدوا إلى تلك الأنحاء عام ١٢٢٤ هـ هدموا " القباب، وحطموا التوابيت، ومنعوا الرواتب، واعتقلوا المناصب " (٤) وذلك لما وجد عليه الناس بحضرموت من الضلال والجهل العميق، وقد ذكرت بعض المصادر أن أولئك الدعاة السلفيين كانوا يهدمون رءوس القباب (٥) إشعارا بخرابها وإقلالا من شأنها (٦) وذلك ربما لكثرتها وسعة انتشارها، ولم يكتف أولئك الدعاة في تلك الفترة بهدم القباب فحسب، بل أوجدوا من الدعاة بحضرموت من يبث الدعوة ويدعو إليها (٧) وذلك يشير إلى مدى اتساع أثر هذه الدعوة السلفية بحضرموت وما حولها في تلك الفترة في مجال تطهير الاعتقاد ونبذ البدع، ولعل ذلك ما دعا أحد علماء حضرموت أن يقول مشيرا إلى أولئك الدعاة السلفيين: " لو لم يقيض الله أولئك القوم لتلك النهضة لعكف الناس على القبور " (٨) .

стр. 353

ويبدو أن اهتمام أمراء الدعوة السلفية ودعاتها بهدم القباب وإزالتها في جنوبي الجزيرة العربية، قد عم بلدان اليمن، وأصبح من الأعمال المحببة عند أولئك الدعاة، فقد أثبتت المصادر أن أمراء عسير عندما دخلوا تهامة اليمن عام ١٢٢١ هـ باشروا هدم قبة جامع بيت الفقيه (١) كذلك دلت هذه المصادر على رغبة أولئك الأمراء في تطهير المعتقدات وتنقيتها، إذ إنهم ظلوا حريصين على تثقيف الناس وإصلاح معتقداتهم بتلك الأنحاء، فقد عمد الأمير علي بن مجثل المغيدي عام ١٢٤٧ هـ إلى هدم عدد من المشاهد والمزارات بضواحي مور (٢) كما اتضح من بعد ذلك هدم بعض القباب خارج مدينة تعز عام ١٢٥٠ هـ \ ١٨٣٤م (٣) وكان أثر الدعوة السلفية في مجال البدع الأخرى واضحا من قبل، إذ كان محمد بن إسماعيل الأمير يؤيد قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بإحراق كتاب دلائل الخيرات (٤) كما برز موقف محمد بن علي الشوكاني من الصوفية وطرقهم حين ذم أفعالهم المبتدعة، وألف فيهم رسالته الموسومة بـ " الصوارم الحداد " (٥) وكل ذلك يدل على استمرار أثر هذه الدعوة بتلك النواحي من جزيرة العرب خلال تلك الحقبة. وربما كان لقضاء الترك والمصريين على أمراء الدعوة السلفية في نجد أثر في إضعاف نشاطها بهذه الجهات، إذ دلت المصادر اليمنية على غبطة نفر من علماء اليمن حيال ذلك المصير، حيث بدأت منذ ذلك الحين تظهر مواقفهم تجاه هدم القباب ونحوها، فقد زعم أحد أولئك العلماء أن الدافع وراء هدمها من قبل السلفيين يكمن في الرغبة " لما فيها من الفضة والذهب " (٦) ودلل على ذلك بآيات من القرآن الكريم (٧) وكان هذا التعصب والتمادي في الباطل سببا في تعطيل نشاط هذه الدعوة وإضعاف تأثيرها فيما بعد، فالواقع أن إقامة القباب

стр. 354

على القبور وجعلها مكانًا للعبادة ينافي حقيقة الشريعة الإسلامية (١) بما يجعلها «من علامات الكفر» (٢) وأن من استغاث بالصالحين أو دعاهم لكشف ضر أو نحوه فقد أشرك (٣) . وذلك ما جعل أثر الدعوة السلفية في اليمن يقل ويضمحل إلى حد كبير، إذ لم يكد هذا الأثر يظهر مرة أخرى بوضوح إلا في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري وما بعده» . إلى أن قال: «ويبدو أن الأثر الحقيقي لهذه الدعوة السلفية في مجال تطهير الاعتقاد وذم البدع بنواحي اليمن قد كان في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، ذلك لتبصر أهل اليمن عندئذ في أمور دينهم، واتصال العلماء منهم بغيرهم من علماء نجد، ورغبة طلبة العلم عندهم في الرحيل إلى خارج بلدانهم في سبيل العلم. ولعل ما يُشاهد الآن من انتشار كتب السنة وتدريسها في جامع صنعاء الكبير (٤) ووفرة المساجد السلفية بصنعاء (٥) يدل بوضوح على أثر هذه الدعوة المحمود. وقد كان من أثر الدعوة السلفية في اليمن أن وجدت الرغبة الأكيدة لدى كثير من أبناء اليمن في النزوح إلى نجد، وطلب العلم فيها، فقد وفد من أولئك الرجال على سبيل المثال: أحمد بن سنان اليماني (١٣٣٩هـ) عام ١٣٣٥هـ في نفر من أهل بلدته قَهْلان (٦) إذ بلغ عدد المهاجرين في سبيل العلم من بعد ذلك إلى نجد ما يقارب خمسمائة رجل معظمهم من قبيلة الحداء بمخلاف الكُمَيم، وقد كانت نتائج تلك الرحلات مثمرة ناجحة، إذ استجاب أهلها لتعاليم هذه الدعوة وأصبحت قراها خالية من المشاهد والمزارات، حيث نبذ رجالها المعتقدات الباطلة، وهدموا ما يثير الشبه حول تقديس القبور من القباب ونحوها (٧) .

стр. 355

كذلك نجم عن أثر هذه الدعوة السلفية في اليمن أن أقبل الناس في بلدان مختلفة بتلك الأنحاء على تطهير معتقداتهم، والتخلص مما علق بأذهانهم من شوائب الشرك والاعتقاد في غير الله، فقد سعى صالح بن حسين أبو حيدر في أوائل النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري إلى نهي الناس عن التبرك ببعض القبور بهمدان، والاعتقاد فيها، كما أن رجالًا من غيل همدان نفسه قد خلعوا التابوت الذي كان موجودًا بمسجد عبيد ببلدتهم، إذ فتن الناس به من أهل همدان وغيرها، وكانوا ينادونه يا عبيدة (١) ونحوه، وتلك الأعمال دون شك من آثار الدعوة السلفية باليمن في مجال تطهير الاعتقاد ونبذ البدع، إذ إن بروز هذا الجانب في نشاط الدعوة السلفية بتلك الأنحاء يدل على اهتمام دعاتها والقائمين عليها بدفع هذا الباطل من أن يمس العقيدة ووحدانية الله، مما أوجد أثرًا حقيقيًّا في بقية أنواع البدع الأخرى (٢) التي بدأ الناس في اليمن يهذبون أنفسهم من درنها ويتخلصون من شيوعها في مجتمعاتهم. ومما تقدم يتجلى أثر هذه الدعوة السلفية في هذه المجتمعات الواسعة من جنوبي الجزيرة العربية. وذلك على الرغم من وفرة الاتجاهات الدينية وتعدد المعتقدات الباطلة في غير الله، فقد تفاوتت أزمان ذلك التأثير ومراحله، إذ بدأ منذ أوائل القرن الثالث عشر الهجري، ثم انحسر مده السياسي والديني فلم يبق أثره إلا في عسير وما حولها، وما لبث أن عاد مرة أخرى في غضون القرن الرابع عشر الهجري، حيث جدد الملك عبد العزيز آل سعود أمر هذه الدعوة، ودعا إلى نبذ ما يخالفها في القول والعمل، مما جعل فائدتها تعم أرجاء الجزيرة العربية، وتؤثر في مدارك الناس، فقد تخلوا عما ألفوه من البدع والمعتقدات الباطلة من قبل، وأخذوا في العمل بالكتاب والسنة "بدلًا من الأعراف والعادات وتحكيم الأشخاص" (٣) » (٤) . وعن أثر الدعوة في العالم الإسلامي يقول الدكتور محمد كامل ضاهر:
следующие страницы →