← Акыда

Акыда · id 30888

إسلامية لا وهابية

ناصر العقل

Полный текст (421 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وما يتصل بها " (١) وكان هذا الأمر فيما يبدو قد شجع إمام اليمن المتوكل فيما بعد، وجعله يفضي إلى علماء اليمن برغبته في هدم القباب وإزالتها، وذلك على إثر وصول نفر من علماء الدعوة السلفية إلى صنعاء عام (١٢٢٩ هـ \ ١٨١٣ م) (٢) وقد كان موقف علماء صنعاء عندئذ موجبا لهدم تلك القباب، إذ يبدو أن أثر الدعوة قد وقع في قلوبهم مما جعل الإمام المتوكل حينذاك يباشر هدم معظم القباب المشهورة بصنعاء، ويأمر بإبلاغ أمره بهدم القباب بعامة إلى بقية بلدان اليمن (٣) ويؤيد هذا قول عبد الرحمن بن عبد الله الزميلي بأن شيخه القاضي أحمد العنسي ذكر له، وهو يتلقى العلم على يديه بمدينة إب عام (١٣٥٩ هـ \ ١٩٤٠ م) أن بمدينتهم تلك آثارا لقباب مهدمة وأماكن محرقة من عهد الإمام سعود بن عبد العزيز (٤) (١٢٢٩ - ١٢١٨هـ) ، وإذا صح هذا فإن معظم بلدان اليمن إذن قد أدركت شيئا من أثر الدعوة السلفية، وأن ذلك الأثر قد كان في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري. وبمثلما أثرت الدعوة السلفية في صنعاء وما حولها أثرت كذلك في تهامة اليمن وفي حضرموت، أما تهامة اليمن فبعد أن تمادى أهلها في تعظيم القبور وأقر علماؤها " ما يحدث من أنواع الشرك بمرأى ومسمع (٥) " أصبحت بعد ذلك في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري " صافية عن تلك الأمور التي كان يتلوث بها أهلها، فلا يقدر أحد

стр. 352

منهم يستغيث بغير الله سبحانه أو ينادي ميتا من الأموات " (١) ورغم أن الشوكاني حينما أخبر بذلك لم يذكر سببا مباشرا لتأثرهم غير إعمال السيف فيهم (٢) فهل كان ذلك العمل من قبل أمراء الدعوة في تلك الأنحاء (٣) أم هو عمل أئمة صنعاء الذين تأثروا بالدعوة من قبل، وباشروا إزالة ما يمس العقيدة وينافي التوحيد في بلدانهم؟ والحق أن لكل من الاحتمالين السابقين أثرا فعالا في دفع تلك المعتقدات ونزعها، وبخاصة إذا أدرك قبول تلك الأجزاء من تهامة اليمن للدعوة السلفية من قبل، وأحيط بجهود أئمة اليمن في سبيل إزالة تلك المنكرات ونبذها. أما حضرموت فقد ذكرت المصادر أن دعاة هذه الدعوة حينما وفدوا إلى تلك الأنحاء عام ١٢٢٤ هـ هدموا " القباب، وحطموا التوابيت، ومنعوا الرواتب، واعتقلوا المناصب " (٤) وذلك لما وجد عليه الناس بحضرموت من الضلال والجهل العميق، وقد ذكرت بعض المصادر أن أولئك الدعاة السلفيين كانوا يهدمون رءوس القباب (٥) إشعارا بخرابها وإقلالا من شأنها (٦) وذلك ربما لكثرتها وسعة انتشارها، ولم يكتف أولئك الدعاة في تلك الفترة بهدم القباب فحسب، بل أوجدوا من الدعاة بحضرموت من يبث الدعوة ويدعو إليها (٧) وذلك يشير إلى مدى اتساع أثر هذه الدعوة السلفية بحضرموت وما حولها في تلك الفترة في مجال تطهير الاعتقاد ونبذ البدع، ولعل ذلك ما دعا أحد علماء حضرموت أن يقول مشيرا إلى أولئك الدعاة السلفيين: " لو لم يقيض الله أولئك القوم لتلك النهضة لعكف الناس على القبور " (٨) .

стр. 353

ويبدو أن اهتمام أمراء الدعوة السلفية ودعاتها بهدم القباب وإزالتها في جنوبي الجزيرة العربية، قد عم بلدان اليمن، وأصبح من الأعمال المحببة عند أولئك الدعاة، فقد أثبتت المصادر أن أمراء عسير عندما دخلوا تهامة اليمن عام ١٢٢١ هـ باشروا هدم قبة جامع بيت الفقيه (١) كذلك دلت هذه المصادر على رغبة أولئك الأمراء في تطهير المعتقدات وتنقيتها، إذ إنهم ظلوا حريصين على تثقيف الناس وإصلاح معتقداتهم بتلك الأنحاء، فقد عمد الأمير علي بن مجثل المغيدي عام ١٢٤٧ هـ إلى هدم عدد من المشاهد والمزارات بضواحي مور (٢) كما اتضح من بعد ذلك هدم بعض القباب خارج مدينة تعز عام ١٢٥٠ هـ \ ١٨٣٤م (٣) وكان أثر الدعوة السلفية في مجال البدع الأخرى واضحا من قبل، إذ كان محمد بن إسماعيل الأمير يؤيد قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بإحراق كتاب دلائل الخيرات (٤) كما برز موقف محمد بن علي الشوكاني من الصوفية وطرقهم حين ذم أفعالهم المبتدعة، وألف فيهم رسالته الموسومة بـ " الصوارم الحداد " (٥) وكل ذلك يدل على استمرار أثر هذه الدعوة بتلك النواحي من جزيرة العرب خلال تلك الحقبة. وربما كان لقضاء الترك والمصريين على أمراء الدعوة السلفية في نجد أثر في إضعاف نشاطها بهذه الجهات، إذ دلت المصادر اليمنية على غبطة نفر من علماء اليمن حيال ذلك المصير، حيث بدأت منذ ذلك الحين تظهر مواقفهم تجاه هدم القباب ونحوها، فقد زعم أحد أولئك العلماء أن الدافع وراء هدمها من قبل السلفيين يكمن في الرغبة " لما فيها من الفضة والذهب " (٦) ودلل على ذلك بآيات من القرآن الكريم (٧) وكان هذا التعصب والتمادي في الباطل سببا في تعطيل نشاط هذه الدعوة وإضعاف تأثيرها فيما بعد، فالواقع أن إقامة القباب

стр. 354

على القبور وجعلها مكانًا للعبادة ينافي حقيقة الشريعة الإسلامية (١) بما يجعلها «من علامات الكفر» (٢) وأن من استغاث بالصالحين أو دعاهم لكشف ضر أو نحوه فقد أشرك (٣) . وذلك ما جعل أثر الدعوة السلفية في اليمن يقل ويضمحل إلى حد كبير، إذ لم يكد هذا الأثر يظهر مرة أخرى بوضوح إلا في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري وما بعده» . إلى أن قال: «ويبدو أن الأثر الحقيقي لهذه الدعوة السلفية في مجال تطهير الاعتقاد وذم البدع بنواحي اليمن قد كان في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، ذلك لتبصر أهل اليمن عندئذ في أمور دينهم، واتصال العلماء منهم بغيرهم من علماء نجد، ورغبة طلبة العلم عندهم في الرحيل إلى خارج بلدانهم في سبيل العلم. ولعل ما يُشاهد الآن من انتشار كتب السنة وتدريسها في جامع صنعاء الكبير (٤) ووفرة المساجد السلفية بصنعاء (٥) يدل بوضوح على أثر هذه الدعوة المحمود. وقد كان من أثر الدعوة السلفية في اليمن أن وجدت الرغبة الأكيدة لدى كثير من أبناء اليمن في النزوح إلى نجد، وطلب العلم فيها، فقد وفد من أولئك الرجال على سبيل المثال: أحمد بن سنان اليماني (١٣٣٩هـ) عام ١٣٣٥هـ في نفر من أهل بلدته قَهْلان (٦) إذ بلغ عدد المهاجرين في سبيل العلم من بعد ذلك إلى نجد ما يقارب خمسمائة رجل معظمهم من قبيلة الحداء بمخلاف الكُمَيم، وقد كانت نتائج تلك الرحلات مثمرة ناجحة، إذ استجاب أهلها لتعاليم هذه الدعوة وأصبحت قراها خالية من المشاهد والمزارات، حيث نبذ رجالها المعتقدات الباطلة، وهدموا ما يثير الشبه حول تقديس القبور من القباب ونحوها (٧) .

стр. 355

كذلك نجم عن أثر هذه الدعوة السلفية في اليمن أن أقبل الناس في بلدان مختلفة بتلك الأنحاء على تطهير معتقداتهم، والتخلص مما علق بأذهانهم من شوائب الشرك والاعتقاد في غير الله، فقد سعى صالح بن حسين أبو حيدر في أوائل النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري إلى نهي الناس عن التبرك ببعض القبور بهمدان، والاعتقاد فيها، كما أن رجالًا من غيل همدان نفسه قد خلعوا التابوت الذي كان موجودًا بمسجد عبيد ببلدتهم، إذ فتن الناس به من أهل همدان وغيرها، وكانوا ينادونه يا عبيدة (١) ونحوه، وتلك الأعمال دون شك من آثار الدعوة السلفية باليمن في مجال تطهير الاعتقاد ونبذ البدع، إذ إن بروز هذا الجانب في نشاط الدعوة السلفية بتلك الأنحاء يدل على اهتمام دعاتها والقائمين عليها بدفع هذا الباطل من أن يمس العقيدة ووحدانية الله، مما أوجد أثرًا حقيقيًّا في بقية أنواع البدع الأخرى (٢) التي بدأ الناس في اليمن يهذبون أنفسهم من درنها ويتخلصون من شيوعها في مجتمعاتهم. ومما تقدم يتجلى أثر هذه الدعوة السلفية في هذه المجتمعات الواسعة من جنوبي الجزيرة العربية. وذلك على الرغم من وفرة الاتجاهات الدينية وتعدد المعتقدات الباطلة في غير الله، فقد تفاوتت أزمان ذلك التأثير ومراحله، إذ بدأ منذ أوائل القرن الثالث عشر الهجري، ثم انحسر مده السياسي والديني فلم يبق أثره إلا في عسير وما حولها، وما لبث أن عاد مرة أخرى في غضون القرن الرابع عشر الهجري، حيث جدد الملك عبد العزيز آل سعود أمر هذه الدعوة، ودعا إلى نبذ ما يخالفها في القول والعمل، مما جعل فائدتها تعم أرجاء الجزيرة العربية، وتؤثر في مدارك الناس، فقد تخلوا عما ألفوه من البدع والمعتقدات الباطلة من قبل، وأخذوا في العمل بالكتاب والسنة "بدلًا من الأعراف والعادات وتحكيم الأشخاص" (٣) » (٤) . وعن أثر الدعوة في العالم الإسلامي يقول الدكتور محمد كامل ضاهر:

стр. 356

«لم يقتصر أثر الدعوة الوهابية على الحركة الإصلاحية في مصر، بل تعداه إلى كثير من المثقفين المسلمين في أقطار إسلامية أخرى كسوريا والعراق والمغرب العربي واليمن والهند. وقد احتل بعض هؤلاء مراكز كبرى في حقل التعليم الإسلامي في حلب ودمشق وطرابلس والقدس والهند. كانت مواسم الحج السنوية فرصًا ثمينة يتحينها الوهابيون لشرح أفكارهم للحجاج المسلمين القادمين إلى مكة من مشارق الأرض ومغاربها، وتبادل الآراء معهم في الدين والدنيا. واستطاعوا بهذه الوسيلة إقناع بعض الشخصيات الإسلامية بأفكارهم، وترتب على ذلك قيام حركات إصلاحية إسلامية خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين متأثرة إلى حد كبير بمبادئ الدعوة الوهابية وأفكارها. ففي اليمن، كان الإمام الزيدي محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني (١١٧٢ - ١٢٥٠هـ ١٧٥٨ - ١٨٣٤م) معاصرًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب ويدعو مثله إلى محاربة البدع والخرافات، والثورة على التقليد والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، والرجوع في العقائد إلى مذهب أهل السلف، وفهم الصفات الإلهية المذكورة في القرآن على ظاهرها، وترك التأويل والتحريف فيها. وكتب في ذلك رسالة بعنوان: «التحف بمذهب السلف» . «يبدو أن الإمام الشوكاني كان على اطلاع واسع بمبادئ الدعوة الوهابية وتعاليمها؛ لأن أفكاره إنما تعبر تعبيرًا يكاد يكون حرفيًّا عن تعاليم هذه الدعوة. ويتضح ذلك في القصيدة الطويلة التي رثى فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما بلغه نبأ وفاته وبيَّن فيها مدى احترامه له وتفجعه عليه. ولا يذكر المؤرخون شيئًا عن أي لقاء تم بين الإمامين» . أثر الدعوة في مسلمي الهند: تحتل الهند مكانًا مميزًا في دراسة نمو الأفكار الدينية وتفاعلها نظرًا لتعدد أجناس سكانها ومعتقداتهم المختلفة. وجد الوهابيون في هذا المجتمع تربة خصبة لبث أفكارهم بين المسلمين والهنود الذين تتفشى بينهم صور شتى من البدع والخرافات المأخوذة عن طقوس وعقائد الديانات الهندية الأخرى. وقد وصلت التعاليم الوهابية إلى تلك البلاد عن طريق زعيم إسلامي هندي يدعى

стр. 357

السيد أحمد بن عرفان البرلوي (١٧٨٦ - ١٨٣١م) الذي وفد إلى الحج في أوائل القرن التاسع عشر واعتنق خلاله الأفكار الوهابية. ولما عاد إلى بلاده أصبح من أكبر دعاة هذه الأفكار، وقام بنشرها في البنجاب، وأنشأ دولة وهابية فيها، وامتد سلطانه حتى هدد شمال الهند حيث تقطن طائفة السيخ. كان السيد أحمد البرلوي ذا حمية شديدة في الدين، فعمل على تطهير الإسلام من أدران الشرك التي شوهته تشويهًا صارخًا، مثل عبادة الأولياء وما يتصل بها من التقاليد الخرافية الوثنية، ونادى بإعادة الحياة الإسلامية إلى بساطتها الأولى كما كانت أيام النبي ﷺ وصحابته. ثم قام بحملة دينية واسعة النطاق بين الهنود لترغيبهم في اعتناق الإسلام. توفي سنة ١٨٣١ خلال حملته على طائفة السيخ في شمال الهند، لكن أفكاره الدينية ظلت قوية الأثر بين المسلمين الهنود، وتابع تلاميذه حركته الإصلاحية، فأنتجوا أدبًا دينيًا ضخمًا، كتبوه باللغة الأوردية ليضمنوا نشر تعاليمهم بين الشعب، كما آثر أتباعه الاشتغال بالنشاط التجاري وعدم الالتحاق بالوظائف الحكومية تحت حكم الإنجليز. أثر الدعوة في بلاد الشام والعراق: كان للدعوة الوهابية أنصار كثيرون بين علماء بلاد الشام في بداية هذا القرن، ومن أشهرهم الشيخ جمال الدين القاسمي الذي قاضته الحكومة التركية بتهمة العمل على نشر مبادئ الدعوة الوهابية وإذاعتها بين الناس. وهناك أيضًا المشايخ: عبد الرزاق البيطار، وطاهر الجزائري، ومحمد كامل القصاب، وحسين الجسر، وعبد القادر المغربي، والأمير شكيب أرسلان الذين درسوا تعاليم الدعوة الوهابية وقدروها تقديرًا كبيرًا، إذ وجدوا فيها صورة عن تعاليم الإسلام الحقيقية، فعملوا على نشر مبادئها في سوريا. وفي العراق عرف عن الألوسيين: أبو الثناء شهاب الدين محمود الألوسي (١٨٠٢ - ١٨٥٣) ، ومحمود شكري الألوسي (١٨٥٦ - ١٩٢٤) تأثرهما الشديد بمبادئ الدعوة الوهابية وأفكارها. ويبدو ذلك واضحًا في كتاب الأول: «روح المعاني» الذي دعا فيه إلى اتباع أهل السلف في مسائل العقيدة وتنقية الإسلام مما علق به من الشوائب، وإنكار التوسل لغير الله أو التشفع بأهل القبور.

стр. 358

أما محمود شكري الألوسي فكان مصلحًا دينيًا سلفيًا «جمع بين مبادئ الدعوة الوهابية في الرجوع إلى القرآن والسنة ومحاربة البدع الدينية والطرق الصوفية من ناحية، وبين مبادئ النهضة العلمية العربية الحديثة في الاهتمام بالعلوم غير الدينية مثل التاريخ والفلك من ناحية أخرى. من مؤلفاته «تاريخ نجد» الذي تناول فيه تاريخ نجد المعاصر وسيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. أثر الدعوة الوهابية في المغرب العربي والسودان: وعن طريق الحج أيضًا انتقلت أفكار الدعوة الوهابية إلى المغرب العربي. إذ حملها إليه السيد محمد بن علي السنوسي (١٧٨٧ - ١٨٥٩) بعد عودته من مكة إلى وطنه الجزائر متأثرًا بتعاليمها، وأخذ ينشرها بين أبناء بلده. وبعد ذلك انتقل إلى برقة بليبيا حيث أسس طريقة دينية خاصة، فيها الكثير من الأفكار الوهابية، مثل ضرورة الرجوع إلى بساطة الإسلام الأولى التي كان عليها الرسول وصحابته، وتنقية العقيدة من البدع والخرافات التي شوهتها. ولكن تأثر السنوسية بالمفاهيم الصوفية بعد ذلك أبعدها عن فلك التعاليم الوهابية وأهدافها. وتتفق الدعوتان أيضًا في الأخذ بالاجتهاد ومحاربة البدع بجميع صورها. وتختلفان في أن الحركة الوهابية لجأت إلى الجهاد لنشر تعاليمها وهداية الناس إلى أفكارها، بينما سلكت الحركة السنوسية الطريق الصوفي. وقد أعجب بمبادئ الدعوة أيضًا سلطان مراكش سيدي محمد بن عبد الله الذي كان يقول: إنني مالكي المذهب وهابي المبدأ (١) . كما تأثر بها صاحب الدعوة المهدية في السودان محمد بن أحمد بن السيد عبد الله (١٨٨٥م) كما نجد أثرها الواضح في مؤلفات المفكر الجزائري المعروف مالك بن نبي. أثر الدعوة في الحياة الأدبية للجزيرة العربية: اعتنق سكان الجزيرة العربية أفكار الدعوة الوهابية وتشددوا فيها، بعد أن زرعت فيهم بعض الثقافة، رغم أميتهم، لكنها كانت ثقافة دينية محورها تعاليم الدعوة، وأفكار ابن تيمية ومذهب أحمد بن حنبل. واستطاعت تعاليم هذه الدعوة أن تدفع الناس إلى حل قضاياهم عن طريق الشرع والقضاء بدلًا من وسائل العنف والعادات القبلية. كما استطاعت أن تقضي على حياة التشرد والترحال في البادية، وتغل أيدي

стр. 359

اللصوص والمجرمين الذين كانوا يعيثون فسادًا في مختلف مناطق الجزيرة. ثم شجعت البدو على الاستقرار في مناطق زراعية بعد أن هيأت لهم المنازل ووسائل العيش الكريم. وقد ربطت الدعوة الوهابية أتباعها بالله مباشرة، وعلمتهم ألا يرهبوا أحدًا سواه، وطردت من عقولهم صور الجن والخرافات والأوهام، ومنعتهم من الوقوف المذل أمام الأحجار والقبور والأشجار للتوسل والاستغاثة، وعودتهم ألا يطلبوا ذلك إلا من الله وحده. . . لم تقتصر آثار الدعوة على هذه المسائل فقط، بل كان لها أثر كبير في الحركة الفكرية في الجزيرة العربية خلال القرن الثامن عشر. ففي مراحلها الأولى ظهر بعض الشعراء والمؤرخين الذين اعتنقوا مبادئها، وأخذوا يدافعون عنها ويهاجمون خصومها. وكان في طليعة هؤلاء من المؤرخين عثمان بن بشر، وحسين بن غنام مؤرخا الدعوة المشهوران» (١) . وبعد: فإن هذه الثمار الطيبة والنتائج المباركة قد ملأت سمع العالم وبصره ودان بها الموافق، واعترف بها المخالف، وإن جحدها المعاند والحاسد فلا يضرها ذلك. وهي بحد ذاتها الرد والجواب العلمي والعملي، والمنطقي والواقعي على سائر الشبهات والمفتريات، والدعاوى والاتهامات التي قيلت حول الدعوة، وإمامها وعلمائها ودولتها (الدولة السعودية في كل مراحلها) وأتباعها ومؤيديها. فإنها بحمد الله الشجرة الطيبة التي قالت الحق، وعملت بالحق، ودعت إلى الحق، وأثمرت الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ تنبيه: أثر الدعوة على الدعوات التي عاصرتها، والتي جاءت بعدها إلى اليوم أثر مؤكد لا شك فيه ويتفاوت في درجته قوة وضعفًا، ومطابقة ومخالفة بحسب نوع التأثر والتأثير، واختلاف العوامل المؤثرة. والذي يظهر لي أن هناك من الدعوات من يسير على المنهج في العموم كبعض أهل الحديث، وأنصار السنة في مصر والسودان.

стр. 360

وبعض الجماعات السلفية المعتدلة في سائر العالم الإسلامي اليوم. وغالبًا نجد هذه الفئات تُعَيَّرُ من قِبَلِ أهل البدع والأهواء بأنها وهابية ولا شك أن هذه تزكية غالية لمن كان على المنهج السلفي الحق. لكن هناك من بالغ في تأثير الدعوة على بعض الأشخاص أو بعض الحركات الإصلاحية. كالمهدية في السودان، والسنوسية في شمال أفريقية، وحركة عثمان بن فودي، وحركة محمد عبده، وبعض الحركات الإصلاحية في الهند. إلى حد أن اعتبرها بعضهم مطابقة تمامًا أو على الأغلب لدعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب. والحق أنه لم تكن هناك دعوة تحمل المنهج نفسه تمامًا عقيدة وعملًا، إنما تأثرت أكثر الدعوات في بعض المبادئ العامة مثل نزعة الإصلاح العام، ونبذ المنكرات والتحرير من التقليد والعصبية والمذهبية. والنزوع إلى تطبيق الشريعة والحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد (١) أما الخاصية الكبرى لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهي: الدعوة إلى التوحيد والعقيدة السلفية النقية الصافية، ونبذ الشركيات والبدع ومحاربتها بجد وحزم، فإن الذين حملوا هذه الرسالة بهذا المستوى من الدعاة والحركات قليل. والله أعلم. تقريب المخالفين للحق: من الآثار العامة الطيبة لهذه الدعوة المباركة أنها جرَّت بعض المخالفين إلى الاقتراب من مناهج الحق قليلًا أو كثيرًا بحسب الأحوال. ومن ذلك أنها لفتت أنظارهم إلى أهمية الاستدلال بالنصوص الشرعية وآثار السلف الصالح والتحاكم إليها، وترك بعض الانحرافات في التلقي والاستدلال، كالاعتماد على ما ليس بدليل كالكشف والذوق، والوجد، والرؤى

стр. 361

والأحلام، والخوارق، ودعوى العصمة للرجال. والاستدلال بالحكايات والأحاديث الموضوعة والضعيفة فإن أكثر الفرق والأشخاص الذين يعولون على هذه الأوهام صار بعضهم يقلل من هذا المسلك، ويستحي منه. كما جرتهم الدعوة إلى ترك التعصب والتقليد الأعمى للمذاهب والأشخاص وعلقتهم بالعلم الشرعي، والاهتمام بالسنن، وبالبحث والتأليف والاستنباط. إن المخالفين من الفرق والأفراد والمذاهب والطرق وإن لم يستجب كثير منهم إلى الحق والسنة، بل بعضهم زاد عتوًّا وغلوًّا وإصرارًا على الباطل. إلا أنه صار كثير منهم لديه الاستعداد للحوار الجاد وخففوا من غلوهم، وصححوا بعض عقائدهم ومناهجهم، أو عدَّلوها، وهذا ولا شك تخفيف للشر، وذلك من مطالب الدين وغايات الدعوة المرحلية ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] [سورة هود، الآيتان: ١١٨، ١١٩] .

стр. 362

[الفصل السادس المملكة العربية السعودية كيان قائم ينفي الاتهامات] [المبحث الأول المملكة ودعوى الوهابية] الفصل السادس المملكة العربية السعودية (كيان قائم) ينفي الاتهامات المبحث الأول المملكة ودعوى الوهابية لا يزال كثيرون من الذين يجهلون الحقيقة عن المملكة أو يتجاهلونها، أو الذين يلمزونها أو يحسدونها يصفون المملكة بأنها (دولة الوهابية) . وقبل الدخول في رد هذا اللمز ينبغي أن أؤكد أن وصف الدولة السعودية بالوهابية يعد تزكية لا تقدر بثمن؛ لأن الوهابية التي يعيرونها بها، يقصدون بها دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، والتي هي في الحقيقة: الإسلام والسنة وسبيل السلف الصالح، والتزام كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . أما الوهابية على الوصف الذي افتراه الخصوم، والتي تعني (بزعمهم) مذهبًا خامسًا، أو فئة خارجة عن السنة والجماعة، أو التي تعني عند أهل الأهواء والبدع والافتراق وأتباعهم من الغوغاء: (بغض النبي ﷺ والأولياء. . .) أو نحو ذلك من المفتريات، فهذه المفتريات لا تعدو أن تكون أوهامًا في خيالات القوم وعقولهم، وشائعات صدقوها دون تثبت، والمراقب للأحداث والتداعيات الأخيرة التي تلت يلحظ أن هناك شيئا من الاندفاع المريب، نحو توريط المملكة حكومة وشعبًا فيما هم منه أبرياء. وأن هذا الاندفاع الظالم (السياسي والإعلامي والشعوبي) المتهور، والذي قد يوجه للمملكة وشعبها بدعوى أنهم (وهابية) لا يخلو من عنصر التحريض والاستعداء والظلم والحسد من قبل أعداء الإسلام أولًا، ويساندهم بل ويدفعهم كذلك أعداء السنة من أهل الأهواء والبدع والافتراق، الذين ما فتئوا يبهتون المملكة وشعبها بالمفتريات، ويعطون عنها معلومات كاذبة ومشوشة، وأرى أن هذا التوجه الظالم هو أكبر محرض على المملكة بخاصة، وأهل السنة بعامة. إن كل الذين أطلقوا هذه المفتريات والبهتان، والذين صدقوا هذه الشائعات، ليس عندهم من الدليل والبرهان ما يثبت شيئًا من مزاعمهم، بل المنصف والباحث عن الحقيقة يجد الأمر خلاف ما يفترون. فها هي المملكة العربية السعودية (حكومة وشعبًا) كيان شامخ ملأ سمع العالم وبصره، ظاهرة بكيانها الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، والدولي، وجميع أحوالها وإصداراتها

стр. 363

العلمية والإعلامية والأدبية والثقافية، والفكرية وغير ذلك كله ينفي هذه المزاعم، إذن فالمثالب التي ينسبونها لما يسمونه (الوهابية) ودولتها وأتباعها لا حقيقة لها. وقد نفى الملك عبد العزيز هذه الفرية في خطابه الذي ألقاه في مكة في غُرَّة ذي الحجة عام ١٣٤٧هـ قائلًا: «يسموننا «الوهابيين» ، ويسمون مذهبنا «الوهابي» باعتبار أنه مذهب خاص. . وهذا خطأ فاحش نشأ عن الدعايات الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض. . نحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة، ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه السلف الصالح. ونحن نحترم الأئمة الأربعة ولا فرق عندنا بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة. . . كلهم محترمون في نظرنا. . . هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعو إليها، وهذه هي عقيدتنا، وهي عقيدة مبنية على توحيد الله خالصة من كل شائبة منزَّهة من كل بدعة، فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعو إليها، وهي التي تنجينا مما نحن فيه من محن وأوصاب» (١) . ويقول خادم الحرمين الشريفين الملك فهد - حفظه الله - مؤكدًا هذه الحقيقة: «أما عما يقال من أن المملكة تتبع مذهبًا غير المذاهب الأربعة ويطلق عليه المذهب الوهابي، فإن الوهابية ليست مذهبًا وإنما هي حركة دينية إصلاحية ظهرت في وقت انتشرت فيه الضلالة والأوهام، فحاربت البدع وردت الأمور إلى أصولها، وهي في النهاية ليست مذهبًا دينيًا تتبعه المملكة، وإن ما يقال عنا خطأ شائع ألصق بالمملكة بلا سند من الواقع» (٢) . فالمملكة حين تنفي أن تكون (وهابية) بالمفهوم المشوَّه، فإنها لا تتنصَّل من رسالتها السامية

стр. 364

في نصرة الإسلام والدعوة إليه، وتعتز بهذا النهج وإن سماه الآخرون (وهابية) . فهي تعلم أن التمكين الذي حصل لمؤسس هذه الدولة الملك عبد العزيز ورعيته، لم يكن إلا لأنهم نصروا الله تعالى، ونصروا دينه وسنة رسوله ﷺ ، وأعلوا راية التوحيد وحرب البدع، وكانوا قبل ذلك مستضعفين في الأرض حتى منَّ الله عليهم بهذه الدعوة المباركة فنصروها ونشروها، فنصرهم الله كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] [سورة القصص، آية: ٥] . فقيام الدعوة والدولة كان حصيلة ما وعد الله به من نصر الدين من التمكين في الأرض والمنة على المستضعفين، وهو حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل، وكان هذا هو الحل الشرعي والتاريخي والسياسي لأوضاع الأمة كلها لو أنها سلكت هذه الطريق. فقد قامت دولة التوحيد في وقت كادت الأمة أن تيأس من عودة الدين، لقد أثبتت هذه الدولة وتجربتها أن الإسلام هو الحل، وأنه صالح لكل زمان ومكان. وأن الإسلام لا يمنع من قيام دولة حديثة ذات كيان سياسي واقتصادي ومدني وحضاري مع اعتماد الدين عقيدة وشريعة في كل شؤون الحياة. كانت هذه الدعوة - دولتها - «هي أقوى وأبرز طرح للحل الإسلامي في ظروف الهزيمة الشاملة للمسلمين» أمام الغزو الأجنبي الذي يقوم على اعتبار الإسلام دينًا استنفد أغراضه وانتهى دوره وأثره ولم يعد صالحًا للحياة، وأن المدنية الغربية هي البديل، وأن هذه النظرية حقيقة، وحتمية تاريخية. وإن كان هذا النصر والتمكين من الله ناتجا عن كونها (وهابية) فليت الأمة كلها تكون وهابية! . لقد سادت في العالم الإسلامي شعارات وحركات كثيرة من قومية وعلمانية وبعثية، واشتراكية وديموقراطية، ثم فشلت وسقطت؛ لأنها كلها تجاهلت الإسلام، أو حاربته، وكاد اليأس يتطرق إلى كثير من عامة المسلمين من عودة دولة الإسلام، فإذا هي تنشأ في الظروف الحالكة على يد الملك عبد العزيز، وتقوم دولة التوحيد والسنة التي يسمونها (الوهابية) ، وتقيم كيانًا له اعتباره الديني والسياسي والاقتصادي. الإسلامي والعربي والعالمي. ويكفيه فخرًا نجاحه في تطبيق الإسلام بمفهومه الشامل باتزان واعتدال، واعتزاز

стр. 365

وهيبة، مما أدى إلى تخفيف وطأة التغريب حتى بقيت البلاد ثابتة على المسلمات والثوابت (وإن ضعفت أحيانًا) فلا يزال الإسلام هو دين الدولة والمجتمع، والكتاب والسنة هما مصدر التشريع، والأحكام الإسلامية في الأنظمة والقضاء هي السائدة، وشعائر الدين ظاهرة ومصونة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائم، والشمل مجتمع بحمد الله. ومما يدفع عن المملكة تهمة المذهبية - أو (الوهابية) على مفهوم الخصوم - أنها تحمل الكثير من همِّ المسلمين جميعًا في كل بقاع المعمورة. واهتمام المملكة بالمسلمين عمومًا في كل العالم أمر مستفيض ويشهد له الواقع، وكان هذا من الأسس التي قامت عليها، قال الملك عبد العزيز في خطاب له في جدة عام ١٩٢٦ (يناير) : «ثم إن لنا على الدول حقًا فوق هذا كله، وهو أهم شيء يهمنا مراعاته، وذلك أن لنا في الديار النائية والقصية إخوانًا من المسلمين ومن العرب. . . نطلب مراعاتهم وحفظ حقوقهم، ولي الأمل الوطيد في أن الحكومات المحترمة ذات العلاقة بالبلاد الإسلامية والعربية لا تدخر وسعًا في أداء ما للعرب والمسلمين من الحقوق المشروعة في بلادهم» (١) . وبهذا ندرك أن الذين ينتقدون المملكة، أو يستهدفونها بدعوى أنها (دولة الوهابية) إنما يستهدفون الإسلام نفسه، ويستهدفون قلب العالم الإسلامي ومقدساته.

стр. 366

[المبحث الثاني منهج الملك عبد العزيز يرد الاتهامات والمزاعم] المبحث الثاني منهج الملك عبد العزيز يرد الاتهامات والمزاعم المنهج الذي رسمه الملك عبد العزيز مؤسس (المملكة العربية السعودية) يرد الاتهامات والمزاعم التي يثيرها المفترون حول المملكة. فقد أكد الملك عبد العزيز أن المملكة دولة مسلمة تسير على وفق الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح، ونشر التوحيد والحق والخير والفضيلة. وتفي بالتزاماتها الإسلامية والعربية والدولية (كما سيأتي بيانه) . وتحترم العهود والمواثيق الدولية. وتسهم في ما يحقق الأمن والسلام، والخير للإنسانية جمعاء. وقد أعلن الملك عبد العزيز هذه المبادئ وأكدها مرات عديدة، وهنا أسوق أنموذجًا من خطاباته وتصريحاته في تأكيد هذا الأصل العظيم، إذ يقول: بسم الله الرحمن الرحيم: «الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وسيد الأولين والآخرين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، إلى من يراه من إخواننا: الحجازيين، والنجديين، واليمانيين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: [التنويه بنعمة الإسلام وكماله] وبعد: بارك الله فيكم، ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وجعلنا وإياكم من صالحي عباده وأوليائه، تفهمون: أن الله سبحانه منَّ علينا بنعمة الإسلام، وأكملها علينا، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] [سورة المائدة، آية: ٣] ومن أكبر نعمه علينا: إنزال كتابه العزيز، وإرسال نبيه الكريم. [الدعوة إلى توحيد الله تعالى] : وخلاصة ذلك، وعمدة ما نزل في كتاب الله، وإرسال رسله الأولين، وخاتمهم سيد المرسلين، هي: الدعوة لعبادة الله وحده لا شريك له؛ وهي: مضمون لا إله إلا الله،

стр. 367

كما أن معناها: «لا إله» نفي «إلا الله» إثبات. [لوازم شهادة أن لا إله إلا الله] : وكل من قال لا إله إلا الله، عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها، مواليًا لجميع ما أمر الله به، معاديًا لما نهى عنه، من الأفعال والأقوال، فهو من أهل لا إله إلا الله (١) . ومن قالها، ولم يعرف لمعناها، ولم يعمل بمقتضاها، ولا أحب ما احتوت عليه من الخير، وأبغض ونفى ما نهت عنه من الشر، من الأقوال والأفعال، فليس هو من أهل لا إله إلا الله، فهو كالأنعام، بل هو أضل. وتعرفون بارك الله فيكم لو أنني أردت أن أتمادى فيما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، من الآيات المحكمة، والأحاديث الصحيحة، فيما تثبت من الأعمال الطيبة، وتنكر من الأعمال السيئة، لطال الكلام. [حقيقة اتباع ما أمر الله به وثمرته] : والمقصد من ذلك: الفائدة، والاتباع لما أمر الله به، وهو قوله – : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] [سورة الحج، آية: ٤١] . [الدين النصيحة معناها] : وقوله ﷺ : «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة» ، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢) وشرح ذلك مفهوم. [معنى النصيحة لله تعالى] : وهو أن النصح لله: أن تعبد الله وحده، وتبرأ من سواه، من قول وعمل، وتحب ما أمرك الله به، وتتجنب ما نهاك عنه؛ والنصح لكتاب الله: أن تعمل بمحكمه وتؤمن بمتشابهه.

стр. 368

[معنى النصيحة لرسول الله ﷺ ] : والنصح لرسوله ﷺ : أن تجزم أنه أفضل الأولين والآخرين، وأنه الصادق المصدوق، وأنه لا ينطق عن الهوى، وأنه المعصوم، وأنه من لا يحب الله وكتابه ورسوله، أحب من نفسه وماله وولده، فلا آمن بالله، ولا حكم ما جاء في كتاب الله. [حكم من فرَّق بين القرآن وبين السنة] : ومن فرق أو شك: أن ما جاء في كتاب الله، يخالف ما جاء به رسوله ﷺ أو ما جاء به رسول الله ﷺ ، يخالف كتاب الله، أو أوّل من كتاب الله وسنة رسوله، وكذب على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد كفر. [حكم من أنكر النبوة والشفاعة] : ومن أنكر شفاعته ﷺ إذا أذن الله له، ولم يرج ذلك؛ أو قال: نؤمن بكتاب الله، ولا نؤمن بمحمد، فقد كفر. [وجوب تدبر القرآن والسنة والعمل بهما] : فإذا فهمنا ذلك، ووقر في قلوبنا، وصحت العقيدة بذلك، فيجب علينا: أن نفكر ونتدبر القرآن، وسنة الرسول ﷺ ، وما كان عليه مذهب السلف الصالح، ونعمل بما فيه، ونقوم بالواجب، وننكر ما أنكره الله وسنة رسوله ﷺ ، وما أنكره السلف الصالح. [الاعتراف بالخطأ فضيلة] : هذا الذي حملني على هذه النصيحة، هو: ما رأيت في هذا الزمان وأهله، من الفساد، وما اقترفه من الذنوب، كبيرنا وصغيرنا، نستغفر الله ونتوب إليه، وما عليه الحالة اليوم. [أقسام الناس ومواقفهم تجاه الحق] : فالناس في هذا الزمان قد انقسموا على أقسام شتى: [١] منهم العارف بالله، وبكتاب الله، والذين يعتقدون عقيدة السلف الصالح، قصَّروا في العمل، وتركوا النصيحة ولم يقوموا بالواجب. [٢] وفريق عرف أن الله ربه، والإسلام دينه، ومحمدا ﷺ نبيه ورسوله، لكنهم لم يعرفوا ما هو الواجب عليهم، في كونهم عرفوا الله وما حق ذلك، ولا عرفوا الإسلام وحقيقته، ولا عرفوا ما أرسل به محمد ﷺ وجاهد عليه.

стр. 369

[٣] وآخرون: اتخذوا أديانهم أهواءهم، واتبعوا كل ناعق، فمنهم الملحد - والعياذ بالله - ومنهم المتبع لهواه، ومبتدع للطرق والمضال، التي نهانا الله ورسوله عنها. [٤] ومنهم من لم يعرف طريق الحق من الضلال، وتمسك بقوله: إنه مسلم؛ ولم يفرِّق بين حق وباطل. [٥] ومنهم من أحدث له الشيطان من الخيالات والمفاسد ما أضله به وادعى أنها الحياة الجديدة، وأنها الحرية، وأنها المدنية، وعملها بنفسه وجد واجتهد في الدعوة إليها، والإنكار على من خالفها؛ ويقول: ينبغي أن نتقدم قدام ولا نرجع وراء؛ ومعناه في التقدم هو التمدن والحرية والتأخر هو اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومذهب السلف الصالح، والتعصب فيه. [القيام بواجب النصيحة] : فبهذه الحال: وجبت علي النصيحة أولًا لكافة المسلمين، وثانيًا لمن ولاَّنا الله – أمره، فصار من الواجب علينا أن ننصح أنفسنا، وننصح جميع المسلمين. [الوصية بالكتاب والسنة والجماعة] : بأن نرجع إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ونعتصم بحبل الله جميعًا، ولا نتفرق، فيأخذنا الشيطان إلى طرق الضلال. [التحذير من بطر النعمة] : وأن نحذر من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] [سورة الأنفال، آية: ٥٣] ، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] [سورة الإسراء، آية: ١٦] . [التوبة من الذنوب] : فأما الذنوب والمعاصي، فنستغفر الله ونتوب إليه، فما عملنا من خير فهو من الله وبفضله وكرمه؛ ونقول: اللهم ما أصبح بنا من نعمة، أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، وما عملنا من شر فمن أنفسنا والشيطان، ونستغفر الله ونتوب إليه. والحمد لله الذي لما ابتلى عباده بالمعاصي، وابتلاهم بالامتحان وابتلاهم بكيد الشيطان: منَّ عليهم بالتوبة والاستغفار وذلك من فضله وكرمه.

стр. 370

[سبب ما حصل للمسلمين من الإعراض والفرقة] : أما الحال السابقة في الناس، فهي من كيد الشيطان، ومن أسباب الذنوب، ومن التفرق في الدين ومقاومته بالطرق والضلالات، التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإلا الطريقة واحدة، والمحجة واضحة وهي: ما جاء في معنى لا إله إلا الله المحتوية على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومذهب السلف الصالح. [الإقرار بمذاهب أهل السنة الأربعة] : مع أننا لا ننكر ولا نعترض على المذاهب الأربعة، التي أئمتها أئمة حق، ولم يقصدوا إلا الحق، ولا ينطقوا إلا بما يرونه حقًا، وبما ظهر لهم أنه الحق، وإلا فالزلل لم يعصم منه إلا محمد ﷺ . مع أننا ننكر أن تكون المذاهب الأربعة مللًا، أو أن يعتقد أحد في الأئمة ومن تبعهم اجتهادًا غير موافق لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بتضليل أو مخالفة للحق. [الموقف من الشعارات] : وهذا غير ما ظهر في هذا الزمان من المدعين بالتجدد، وعلى أنهم شبيبة يقومون بواجب بلادهم وشعبهم، ويجب عليهم التقدم والتمدن والحرية، على غير مفهوم هذه الكلمات. [بيان حقيقة الشعارات وخطرها على شباب الأمة] : فهذه النزعة: التي تقود هذه الشبيبة إلى الضلال، هي نزعة شيطان وصدمة للدين وللعرب، ولجميع من تمسك بالسمت ومكارم الأخلاق؛ لأنه ﷺ يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١) . فما من أمر فيه خير وحفظ للسمت والشرف، سواء أتى من عربي أو عجمي، ولا يخالف الكتاب والسنة: إلا وقد جاء فيما أمر به صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، وزاد عليه بتعليم الخير، كما عمل ذلك مع بعض الوفود الذين وفدوا عليه، وسألهم عن بعض ما هم عليه، وزادهم عليه.

стр. 371

والآن: فأي مسلم يعرف الإسلام، وينتسب وينسب إليه، ويقر ما أقره هؤلاء الغواة، من لزوم الرجوع عن الدين، وإبداله بما رأوه موافقًا للشهوات الدنيئة، التي لا يقرها دين ولا مذهب، ولا تقرها أصحاب مكارم الأخلاق في الجاهلية، ولا صلحاء أي ملَّة تعرف الشرف والعقل، فهو ضال عن طريق الصواب. [رفض دعوى التمدن الزائفة] : وغير خاف أنه صار في آخر الزمان دعوة للتمدن، وهي - بلا شك - رقصة من رقصات الشيطان، وذلك قوله: «إنني مسلم» بلا عمل ولا اعتقاد، مع اتباع أقوال الملحدين وأهل الفساد، وارتكاب المحرمات في الأقوال والأفعال، مبررًا عمله في ذلك، بأنه: من أعمال البلاد المتمدِّنة. [عبادة غير الله هي أقبح الأعمال] : أما الأمر الذي لا يوجد تحت أديم السماء أقبح منه في العقيدة، وفي الوقت نفسه مخالف لكل عقل سليم، وفكر مستقيم، ونقل قويم؛ هو: كون الرجل يدعو ويعبد، أو يرجو ويخاف غير الله الجبار المتكبر رب العباد، القادر على الأولين والآخرين، من المتجبرين أو المتكبرين الذي جعل الجنة رحمة، ووفق لها كل صاحب خير وسعادة؛ والنار عدله ونقمته، وساق لها أهل الشر والنكد والضلالة. [زيف دعاوى تحرير المرأة] : وأقبح من ذلك في الأخلاق: ما حصل من الفساد في أمر اختلاط النساء، بدعوى تهذيبهن، وترقيتهن، وفتح المجال لهن في أعمال لم يخلقن لها، حتى نبذن وظائفهن الأساسية، من تدبير المنزل، وتربية الطفل، وتوجيه الناشئة - التي هي فلذة أكبادهن، وأمل المستقبل - إلى ما فيه حب الدين والوطن، ومكارم الأخلاق. [وظيفة المرأة الحقيقية] : ونسين واجباتهن الخلقية، من حب العائلة التي عليها قوام الأمم، وإبدال ذلك بالتبرج والخلاعة، ودخولهن في بؤرات الفساد والرذائل؛ وادعاء: أن ذلك من عمل التقدم والتمدن، فلا والله ليس هذا التمدن في شرعنا، وعرفنا وعادتنا. ولا يرضى أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان أو إسلام، أو مروءة، أن

стр. 372

يرى زوجته أو أحدًا من عائلته أو المنتسبين للخير في هذا الموقف المخزي، هذه طريق شائكة تدفع بالأمة إلى هوة الدمار. ولا يقبل السير عليها إلا رجل خارج من دينه، خارج من عقله، خارج من عربيته؛ فالعائلة هي الركن الركين في بناء الأمم، وهي الحصن الحصين الذي يجب على كل ذي شمم أن يدافع عنها. [حفظ الإسلام لحقوق المرأة] : إننا لا نريد من كلامنا هذا التعسف، والتجبر من أمر الناس، فالدين الإسلامي قد شرع لهن حقوقًا يتمتعن بها لا توجد حتى الآن في قوانين أرقى الأمم المتمدِّنة. وإذا اتبعنا تعاليمه كما يجب فلا تجد في تقاليدنا الإسلامية وشرعنا السامي ما يؤخذ علينا، ولا يمنع من تقدمنا في مضمار الحياة والرقي، إذا وجهنا المرأة في وظائفها الأساسية، وهذا ما يعترف به كثير من الأوروبيين، من أرباب الحصافة والإنصاف. [أثر انفلات المرأة على الأمم الأخرى] : ولقد اجتمعنا بكثير من هؤلاء الأجانب، واجتمع بهم كثير ممن نثق بهم من المسلمين، وسمعناهم يشكون مرَّ الشكوى من تفكك الأخلاق، وتصدع ركن العائلة في بلادهم، من جراء المفاسد. [اعتراف عقلاء الأمم بالحقيقة] : وهم يقدِّرون لنا تمسكنا بديننا وتقاليدنا، وما جاء به نبينا من التعاليم العالية، التي تقود البشرية إلى طريق الهدى، وساحل السلام، ويودُّون من صميم أفئدتهم لو يمكنهم إصلاح حالتهم هذه، التي يتشاءمون منها، وتنذر ملكهم بالخراب والدمار، والحروب الجائرة. وهؤلاء نوابغ كتُّابهم ومفكِّريهم، قد علموا حقَّ العلم هذه الهوة الساحقة التي أمامهم، المنقادون لها بحكم الحالة الراهنة، وهم لا يفتئون في تنبيه شعوبهم، بالكتب والنشرات، والجرائد، على عدم الاندفاع في هذه الطريق التي يعتقدونها سبب الدمار، وسبب الخراب. [الإنكار على مدَّعي الرقي] : إنني لأعجب أكبر العجب ممن يدعي النور والعلم، وحب الرقي من هذه الشبيبة، التي ترى بأعينها، وتلمس بأيديها ما نوهنا به من الخطر الخلقي الحائق بغيرنا من الأمم، ثم لا ترعوي عن ذلك، وتتبارى في طغيانها، وتستمر في عمل كل أمر يخالف

стр. 373

تقاليدنا وعاداتنا الإسلامية العربية، ولا ترجع إلى تعاليم الدين الحنيفي، الذي جاء به نبينا محمد ﷺ رحمة وهدى لنا، ولسائر البشر. فالواجب: على كل مسلم وعربي فخور بدينه، معتز بعربيته أن لا يخالف مبادئه الدينية وما أمره الله تعالى بالقيام به لتدبير المعاد والمعاش، والعمل على كل ما فيه الخير لبلاده ووطنه. [بيان حقيقة التمدن والرقي] : فالرقي الحقيقي هو: بصدق العزيمة والعمل الصحيح، والسير على الأخلاق الكريمة، والانصراف عن الرذيلة، وكل ما من شأنه أن يمس الدين، والسمت العربي والمروءة، وليس بالتقليد الأعمى، وأن يتبع طرائق آبائه وأجداده، الذين أتوا بأعاظم الأمور، باتباعهم أوامر الشريعة التي تحت عبادة الله وحده، وإخلاص النية في العمل. وأن يعرف حق المعرفة معنى ربه ومعنى الإسلام وعظمته، ومعنى ما جاء به نبينا ذلك البطل الكريم العظيم ﷺ من التعاليم القيمة التي تسعد الإنسان في الدارين؛ وتعلمه: أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن يقوم أود عائلته، ويصلح من شأنها، ويتذوق ثمرة عمله الشريف؛ فإذا عمل هذا فقد قام بواجبه وخدم وطنه وبلاده. [عزم الملك عبد العزيز على القيام بحق الدين والأمة] : إني أرى من واجبي بصفتي مسلمًا، وبحسب عربيتي، وإخلاصي لأبناء قومي أن أقوم بهذه النصائح لمن ولاني المولى أمرهم، مقتديًا في عملي هذا بالنبي ﷺ ، الذي أرجو أن أكون تبعًا له في أقوالي وأعمالي، وفي محياي ومماتي، صابرًا على ما تقوله الناس، من الانتقادات، غير مبال لها، ولا وجل منها، كما قيل: إذا كان الذي بيني وبين الله عامر ... فعسى الذي بيني وبين الناس خراب وذلك: لأجل إعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، وإسعاد من ولاني المولى أمرهم، راجيًا أن نكون ممن قال فيهم صلوات الله وسلامه عليه: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، إلى أن يأتي أمر الله ﵎، وهم على ذلك» (١) .

стр. 374

وإني على ثقة تامة: بأن يرى كل صاحب إنصاف، أن واجبي يدعوني لأن أوجِّه هذه النصائح لشعبي المحبوب، ولكل مسلم. [الأصول التي يلتزمها الملك عبد العزيز] : [١] لأني مسلم، محافظ على إسلاميته. [٢] عربي غيور على عربيته. [٣] متبع لما جاء به محمد ﷺ . [٤] مقتد بمذهب السلف الصالح، رضوان الله عليهم. [٥] حريص على كل ما في تقاليدنا العربية، من مكارم الأخلاق. [٦] آمر بما أمر به الإسلام، ناهٍ عما نهى عنه الإسلام. [٧] غير منتصر لآبائي وأجدادي، أو لنعرة جاهلية، أو لمذهب من المذاهب غير الكتاب والسنة. [٨] وإني بحول الله وقوته: سأثابر على هذه الدعوة المباركة، وأرجو المولى أن ينفع بها، فما كان فيها من الصواب فمن الله، وما كان من الخطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله من ذلك. [٩] كما أنني أعاهد الله: بأنني سأقوم - إن شاء الله - بما أوجبه الله وأن أسعى بإلزام من أطاعني بما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأساعد على ذلك. [١٠] كما أني سأمنع كل من يخالف كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ومذهب السلف الصالح، بيدي وقلبي ولساني، على قدر الاستطاعة. وأسأل الله التوفيق والعناية والتيسير لي ولإخواني المسلمين، عامتهم وخاصتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم، سنة ١٣٥٦هـ» (١) . إن النهج الذي سلكه الملك عبد العزيز في تأسيس هذه الدولة المباركة والذي هو امتداد لدعوة الإسلام على مدى التاريخ عامة، ولدعوة الإسلام التي قام بها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ونصرها الإمام المؤسس محمد بن سعود وأبناؤه وأحفاده، ونهجته الدولة السعودية في كل مراحلها.

стр. 375

إن هذا النهج كان ولا يزال هو الحل العملي والواقعي لمشكلات الأمة الإسلامية وأخطرها البدع، والتفرق، والجهل، والتخلف، والتبعية والذلة. لقد استطاعت المملكة بتوفيق الله ثم بجهود مؤسسها الملك عبد العزيز وأبنائه وعلماء البلاد وأبنائها المخلصين أن تتجاوز هذه المشكلات، بالتمسك بالدين، والاعتصام بحبل الله الكتاب والسنة) وإظهار شعائر الدين. وكل المنصفين يعترفون بهذه الحقيقة، يقول الأستاذ محمد جلال كشك: «عبد العزيز وحده، بدا ظاهرة مخالفة لقوانين التاريخ. . وحده كان يطرح الحل الإسلامي، وينتصر. . وحده كان يرفع شعارات اعتقد البعض أنها أصبحت في ذمة التاريخ، وفقدت مفعولها، فإذا بها في معسكر عبد العزيز تفعل الأعاجيب، وتثبت أنها وحدها التي استطاعت أن تحقق إنجازًا هو الذي بقي، بينما تلاشت أوهام وأحلام الذين تخلوا عن الإسلام في مطلع القرن العشرين بأمل النجاة من الاسترقاق الأوروبي، أو تحقيق التقدم المادي. تحت راية عبد العزيز التي تحمل شعار التوحيد الإسلامي رأى الناس جيشًا، إن لم يكن جيش الصحابة، فهو يحاول جهده أن يعيد سيرتهم، وينتصر! بينما الهزيمة على كل الجبهات. ها هو زعيم استطاع هو وقومه أن يغيروا ما بأنفسهم، فغير الله ما بهم وسلطهم على من لا يخشون الله. . . وهذا يعني أن «الحل الإسلامي» ممكن، بل وفعال. . وقد أشار حافظ وهبة في رسالته التي بعث بها إلى عبد العزيز، إلى الآمال التي أطلقها سلطان نجد في صدور المسلمين: «كم يكون سروري وسرور قومي إذا سمعنا أن الإمام ابن سعود نهض نهضة جديدة بالإسلام وبالعرب فأرجعهم إلى سابق مجدهم. إن العالم الإسلامي يحتاج إلى زعيم مصلح، يرشده إلى نهج الحق، وإن المسلمين الأحرار، وإن كانوا قلة اليوم فسيكونون قوة غدًا. لقد خاب أمل المسلمين في الأتراك، كما خاب أملهم في شريف مكة، فلعل المسلمين يجدون في عظمتكم ما يحقق أملهم» (١) . وكيف لا يحرك عبد العزيز أشجان المسلمين، ويثير آمالهم، وهم يسمعون الأساطير عن سلوك جنده وقضاته، ويسمعونه يتحدث متجهًا إلى مكة بعد «الفتح» فيقول: «إني مسافر إلى مكة، لا للتسلط عليها، بل لرفع المظالم والمغارم التي أرهقت كاهل العباد، إني

стр. 376

مسافر إلى حرم الله لبسط أحكام الشريعة، وتأييدها، فلن يكون بعد اليوم سلطان إلا للشرع، الذي يجب أن تطأطأ له جميع الرؤوس» . وهو يدعو إلى تطهير السلوك والمفاهيم، والأخذ بالمدنية، ويواجه المسلمين بأن العيب فيهم: «من المسائل التي يجب أن نعمل بها، وتعد في طليعة خدمة الدين الحنيف، هي تطهير الإسلام من الأدران والخرافات التي علقت بالدين وهو منها بريء، وإنما ألصقها به أناس نفعيون يبتغون من وراء ذلك النفع المادي» . «الحقيقة المرة التي يجب أن نعترف بها: هي أننا نحن المسلمين لا نحب بعضنا بعضًا، بل نكيد لبعضنا حتى عند الأعداء، ولا نجد في ذلك غضاضة في أنفسنا، إنك لا تجد رابطة بين المسلمين تشد أزرهم، ولا ألفة تدفع عنهم العاديات، فالملك عدو الملك، والتاجر عدو التاجر وهلم جرا» . «إن المسلمين متفرقون اليوم طرائق بسبب إهمالهم العمل بكتاب الله وسنة رسوله» (١) .

стр. 377

[المبحث الثالث نظام المملكة إسلامي شامل لا يرتبط بمذهب] المبحث الثالث نظام المملكة إسلامي شامل لا يرتبط بمذهب كما ذكرت في المنهج الذي قامت عليه الدعوة ودولتها أنه الإسلام نفسه، وكونه أحيانًا يغلِّب المذهب الحنبلي في الاجتهاديات. فإن هذا يؤكد هذه الحقيقة؛ لأن المذهب الحنبلي أحد المذاهب الأربعة التي أجمع المسلمون على اعتبارها. ومع ذلك فإن النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية يتسم بالشمولية والأصالة والتزام الإسلام ومصادره دون ارتباط بمذهب أو شعار أو حزب. ونظرًا لأن نظام الحكم في المملكة يقوم على الشريعة الربانية السامية فقد تضمن من الأسس والثوابت والميزات ما لا ترقى إليه كل النظم والتشريعات المعاصرة. وأسوق نماذج من مواد هذا النظام: المادة الأولى: المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمتها مدينة الرياض. المادة السادسة: يبايع المواطنون الملك على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره. المادة السابعة: يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة. المادة الثامنة: يقوم الحكم في المملكة العربية السعودية على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية. المادة العاشرة: تحرص الدولة على توثيق أواصر الأسرة والحفاظ على قيمتها العربية والإسلامية

стр. 378

ورعاية جميع أفرادها وتوفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم. المادة الحادية عشرة: يقوم المجتمع السعودي على أسس من اعتصام أفراده بحبل الله، وتعاونهم على البر والتقوى، والتكافل فيما بينهم، وعدم تفرقهم. المادة الثالثة والعشرون: تحمي الدولة عقيدة الإسلام. . وتطبق شريعته وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. . . وتقوم بواجب الدعوة إلى الله. المادة الرابعة والعشرون: تقوم الدولة بإعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما. . . وتوفر الأمن والرعاية لقاصديهما بما يمكن من أداء الحج والعمرة والزيارة بيسر وطمأنينة. المادة الخامسة والعشرون: تحرص الدولة على تحقيق آمال الأمة العربية والإسلامية في التضامن وتوحيد الكلمة. . وعلى تقوية علاقاتها بالدولة الصديقة. المادة السادسة والعشرون: تحمي الدولة حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية. المادة التاسعة والعشرون: ترعى الدولة العلوم والآداب الثقافية، وتعنى بتشجيع البحث العلمي، وتصون التراث الإسلامي والعربي، وتسهم في الحضارة العربية والإسلامية والإنسانية. المادة الخامسة والأربعون: مصدر الإفتاء في المملكة العربية السعودية. . . كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ويبين النظام ترتيب هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء واختصاصاتها. المادة الثامنة والأربعون: تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية وفقًا لما دل عليه الكتاب والسنة وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة.

стр. 379

المادة الخامسة والخمسون: يقوم الملك بسياسة الأمة سياسة شرعية طبقًا لأحكام الإسلام، ويشرف على تطبيق الشريعة الإسلامية، والأنظمة السياسية العامة للدولة، وحماية البلاد والدفاع عنها. المادة السابعة والستون: تختص السلطة التنظيمية بوضع الأنظمة واللوائح فيما يحقق المصلحة أو يرفع المفسدة في شؤون الدولة وفقًا لقواعد الشريعة الإسلامية. . . وتمارس اختصاصاتها وفقًا لهذا النظام ونظامي مجلس الوزراء ومجلس الشورى. وجاء في نظام القضاء: مادة١: القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية، وليس لأحد التدخل في القضاء. وجاء في نظام مجلس الشورى: المادة الأولى: عملًا بقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] [سورة آل عمران، آية: ١٥٩] وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] [سورة الشورى، آية: ٣٨] واقتداء برسول الله ﷺ في مشاورة أصحابه وحث الأمة على التشاور. ينشأ مجلس الشورى ويمارس المهام المنوطة به وفقًا لهذا النظام والنظام الأساسي للحكم ملتزمًا بكتاب الله وسنة رسوله محافظًا على روابط الأخوة والتعاون على البر والتقوى. المادة الثانية: يقوم مجلس الشورى على الاعتصام بحبل الله، والالتزام بمصادر التشريع الإسلامي، ويحرص أعضاء المجلس على خدمة الصالح العام والحفاظ على وحدة الجماعة وكيان الدولة ومصالح الأمة.

стр. 380

[المبحث الرابع التزامات المملكة الدولية تنفي المزاعم] المبحث الرابع التزامات المملكة الدولية تنفي المزاعم تميزت المملكة العربية السعودية بالوفاء بالتزاماتها الدولية المعنوية والمادية، أمام الحكومات والمؤسسات والمنظمات والهيئات الدولية، واحترام العهود والمواثيق والنظم الدولية المعتبرة. وكانت المملكة تبادر من خلال المؤسسات الدولية، ومن خلال جهودها الذاتية كذلك إلى كل ما يحقق التعاون، والعدل والسلام والأمن والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمحاورة بالتي هي أحسن. وللمملكة كذلك اليد الطولى في المبادرة في الإغاثة والمساعدات الإنسانية في كل العالم عامة، والعالم الإسلامي بخاصة. وفي كل ذلك تلتزم أحكام الإسلام، كما نوه عن ذلك صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأربعين حيث قال: «إن انقضاء أربعين عامًا على إنشاء منظمة الأمم المتحدة مناسبة هامة تحتم علينا التفكير وبسرعة في عمل جاد ومسؤول لتكريس الالتزام بالمبادئ الأساسية لمنظمتنا هذه، ولتعميق أهدافها ومراميها الخيرة، وهي فرصة ثمينة لكي تتضافر جهود كافة أعضاء المجتمع الدولي في بناء عالم قوامه صدق النية وتحكيم المبادئ والأخلاقيات بدلًا من تغليب القوة والقهر حتى يسود السلام وتزول سياسات الصراع والحروب فتسوى المنازعات بالحسنى، وتجري العلاقات بوجه بناء نافع، وحتى تسخر طاقات هذا العالم البشرية وإمكانياته المادية للرقي بحياة الإنسان، ولا تبدد في سباق التسلح وأدوات الفتك والتدمير، وحتى يسود العدل وتقوم العلاقات بين الدول على المساواة والأخوة والتعاون. . . يقول الله – في كتابه الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] [سورة المائدة، آية: ٢] صدق الله العظيم. إن المملكة العربية السعودية يسرها الإشادة بكافة المؤسسات التي هدفها حماية حقوق الإنسان شريطة توافر حسن النية والموضوعية واحترام خصوصية كل مجتمع وحضارته وثقافته» (١) .

стр. 381

فقد نبه سموه الكريم إلى أمرٍ طالما أكدت عليه المملكة في المناسبات والمحافل المحلية والدولية والعالمية وهو أن المملكة ذات خصوصية دينية وجغرافية واجتماعية تفرض عليها أوضاعًا والتزامات معينة يجب احترامها دوليًا، كغيرها من كثير من دول العالم، والعهود والمواثيق والنظم الدولية تحترم هذه الخصوصيات. بل إن المملكة انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] [سورة المائدة، آية: ٢] كثيرًا ما تطرح مبادرات إيجابية (خليجيًا وعربيًا وإسلاميًا وعالميًا) في سائر شؤون الحياة دينية وسياسية واقتصادية وعسكرية، وفي تحقيق العدل والأمن والتعاون ومكافحة الجريمة. وأسوق للقارئ (على سبيل المثال) مسردًا بعضوية المملكة في المنظمات الدولية والوكالات المتخصصة واللجان والبرامج التابعة للأمم المتحدة ومن ذلك: ١ - الاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية (ITU) ٢ - منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) . ٣ - منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) . ٤ - منظمة الصحة العالمية (WHO) . ٥ - الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) . ٦ - المنظمة الدولية للملاحة البحرية (IMO) . ٧ - المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) . ٨ - منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO) . ٩ - المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لهيئة الأمم المتحدة (ECOSOC) . ١٠ - المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO) . ١١ - اتحاد البريد العالمي (UPU) . ١٢ - برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) . ١٣ - برنامج الغذاء العالمي (WEP) . ١٤ - اللجنة الاستشارية للعلوم والتقنية (ACSTD) . ١٥ - لجنة الخبراء لحماية ومراقبة الجريمة (CCPC) .

стр. 382

١٦ - اللجنة التنفيذية للمنظمة الدولية للمنائر والعلامات الملاحية (أيلا) . ١٧ - لجنة حقوق الإنسان، وقد فازت المملكة العربية السعودية بعضوية لجنة حقوق الإنسان التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للفترة من عام ١٤٢١هـ (٢٠٠١م) إلى عام ١٤٢٣هـ (٢٠٠٣م) بأغلبية (٤٨) ثمانية وأربعين صوتًا من إجمالي الأصوات المشاركة في التصويت والبالغ عددها (٥٤) أربعة وخمسين صوتًا. وقد حصلت المملكة العربية السعودية على أعلى نسبة من الأصوات من بين الدول الثمان التي كانت مرشحة لعضوية لجنة حقوق الإنسان التي فازت منها ست دول بالعضوية. ويأتي فوز المملكة العربية السعودية بهذه العضوية تقديرًا لدورها العالمي ومصداقيتها في مجال خدمة حقوق الإنسان التي تعتبر أساسًا من أساسات العقيدة الإسلامية التي تطبقها المملكة العربية السعودية في جميع شؤونها. كما يأتي هذا الفوز ردًا من المجتمع الدولي على الادعاءات الظالمة التي وجهتها بعض المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان إلى المملكة العربية السعودية من غير أن يكون لها أي أساس من الصحة أو المصداقية» (١) . إن أسمى ما تسعى إليه أمم الدنيا ودول العالم كلها ومؤسساته: تحقيق الأمن والسلام، وقد كان الأمن هو الإنجاز الأول الذي تحقق على يد الملك عبد العزيز لا سيما لحجاج بيت الله، وذلك بفضل الله ثم العمل بالشرع. وكانت أحْوج البلاد إلى الأمن هي بلاد الحرمين، لما تحويه من المقدسات والمشاعر المعظمة، ولكثرة ما يؤمها للحج والعمرة من بقاع الدنيا، وقد نعمت بحمد الله بهذا الأمن منذ أن دخلت ضمن الدولة السعودية وقد شهد بذلك الجميع. يقول أحد الحجاج مقارنًا بين الحال التي صارت إليها أوضاع الحرمين في عهد الملك عبد العزيز وبين ما كان قبل ذلك: «وقد كان أولئك المطوفون يتلقفون الحجاج ولا سيما بسطاؤهم فيبتزون أموالهم ويلقنونهم أقوالًا خرافية منافية للشرع والعقل معًا.

стр. 383

أما الآن فقد قضى نظام الحكم الجديد (١) على تلك المظالم والبدع السخيفة، ووضع أولئك المطوفين تحت مراقبة شديدة، فإن أقل شكاة يرفعها أحد الحجاج ضد أحدهم تكون كافية لإبعاده عن حظيرة المطوفين. أما مشكلة الأمن العام التي كانت هي في الواقع أم المشاكل ورأس كل الخطايا مما كان يحسب له المسلمون الراغبون في حج بيت الله الحرام أكبر حساب، فقد كانت في طليعة المشاكل التي استطاعت الحكومة الجديدة حلها على أهون سبيل، فمنذ حل حكم الشرع محل القانون المدني والجنائي، وأدرك دعاة الشر والإجرام ما هو حكم الشرع حيالهم، نزعوا عنهم ثيابهم، وغسلوا أيديهم من أوزار الماضي، ووضعوا أنفسهم رهن ما يقضي به حكم الشرع إذا ما حدثتهم نفوسهم بمخالفة ما تقضي به هاتيك الأحكام، فكان أهم ما انقطع دابره تلك الفعلة المشئومة التي كان يلجأ إليها لصوص الصحراء وقطاع الطرق الذين كانوا يستدينون الأموال من بعضهم بعضًا على أن يقوموا بسدادها من أسلاب الحجاج وما يغنمونه من أموالهم، فقد عمد الملك عبد العزيز فوق اعتماده على إنفاذ حكم الشرع إلى بسط يده بالإحسان إلى فقراء هؤلاء البدو، وبذلك أمنت القوافل التجارية على ما تحمله من بضائع وسلع مهما بلغت قيمتها، وأمن الحجاج كذلك على أرواحهم ومتاعهم، يدلك على ذلك أن رجال المحمل المصري عندما سافروا في العام الماضي أثبت سعادة أمير الحج في تقريره لولاة الأمور أن عصابات البدو التي اعتادت غزو المحمل ورجاله لم يبق لها أثر في الحجاز، وفي هذا العام سافر الحجاج المصريون وعادوا دون أن يصيبهم أقل اعتداء، حتى قال لنا أحد الحجاج: «إن امرأة مصرية تستطيع أن تبرح مصر بمفردها وتقصد إلى قلب الحجاز وتقوم بفريضة الحج ثم تعود دون أن يصيبها أقل مكدر» والظاهر أن استقرار حالة الأمن حملت أحد أعضاء مجلس الشيوخ المصري على التصريح رسميًا بأن المحمل وحرسه أصبح بدعة يجب إبطالها، وقد تألفت لجنة خاصة للنظر في هذه المسألة» (٢) .

стр. 384

[المبحث الخامس يعيبون أحكام الإسلام ثم ينسبونها للمملكة وللوهابية] المبحث الخامس يعيبون أحكام الإسلام ثم ينسبونها للمملكة وللوهابية كثيرون من الذين ينتقدون نهج المملكة العربية السعودية في تطبيق الشريعة ويسمونها (بالوهابية) يجهلون أنهم بذلك إنما يعيبون الإسلام نفسه فيذكرون قضية المرأة والتعليم الديني، وتطبيق الحدود الشرعية (كقطع يد السارق، وجلد الشارب، وقتل المرتد) والقضاء الشرعي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك مما هو من قطعيات الدين ومسلماته، وثوابت الشريعة الإسلامية التي يدين بها كل مسلم، والتي تدين بها المملكة بصفتها دولة مسلمة، وتحكم مجتمعًا مسلمًا في بلاد بيضة الإسلام ومقدساته، وربما يصل الأمر بهؤلاء الناقدين من أفراد ودول ومؤسسات إلى اعتبار العمل بشرع الله وتطبيق الحدود وصيانة المرأة المسلمة انتهاكًا لحقوق الإنسان! . وهذا ناتج عن جهل هؤلاء لموقع المملكة الديني والجغرافي والاجتماعي من حيث كونها قلب العالم الإسلامي وروحه دينيًا وجغرافيًا وسياسيًا، وأن نهج ذلك لم يكن عن مسلك خاص أو مذهب تتفرد به من عند نفسها، بل هو الإسلام نفسه، وإن سماه بعضهم (وهابية) . ولخطورة هذه القضايا التي يثيرونها ضد المملكة نقف عند مناقشة نماذج منها بموضوعية: ١ - تطبيق الشريعة عمومًا، وتطبيق الحدود خصوصًا، كقطع يد السارق، وقتل المفسد والمرتد. ٢ - تحريم دخول مكة على غير المسلم، ومنع إحداث معابد لغير المسلمين. ٣ - قضايا المرأة مثل: الحجاب، تعدد الزوجات، كون المرأة نصف الرجل في الميراث والشهادة. [المملكة والعمل بشرع الله وحدوده] المملكة والعمل بشرع الله وحدوده: إن المملكة العربية السعودية حين حكَّمت شرع الله في سائر أحوالها، وجعلت مصدر التشريع (كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ) ليس لأنها (وهابية) كما يزعمون، ولكن لأنها دولة مسلمة تحكم شعبًا مسلمًا ١٠٠% وتحوي المقدسات الإسلامية، ومنبع الإسلام، فعملها بشرع الله هو الأساس الذي قامت عليه. وقد نصت على ذلك المادتان (١) و (٧) وغيرهما من نظام الدولة،

стр. 385

وليس أمامها خيارات أخرى، وذلك (١) إن التحاكم إلى الشريعة الإسلامية واجب على المسلمين كوجوب الصلاة والصيام، ويعتبر المجتمع المسلم آثمًا إذا تخلى عن تطبيق الشريعة الإسلامية وهو قادر عليها، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] (٢) و (الظالمون) و (الفاسقون) . لأن الشريعة الإسلامية نظام إلهي أنزله الله رب البشر، ولا يستوي مع نظام شرعه البشر، أو نظام صاغه البشر. وبما أن الشريعة نظام إلهي أنزله الله الذي هو سبحانه أعلم بما يحتاجون إليه فجعل شرعه ملبيًا لاحتياجاتهم محيطًا بما يستجد من حياتهم، وقد كفل هذا الشرع ألا يتميز جنس على جنس أو طبقة على طبقة؛ لأنه نزل من رب الجميع فهو شرع للجميع. كما أن هذا الشرع مُحْكَمٌ فلا يمكن أن يبيح اليوم أمرًا ثم يحظره غدًا أو العكس، بينما نرى الشرائع والقوانين الأرضية تحرم هذا الأمر في سنة ثم تجيزه أخرى، وهكذا من غير ثبات، بل ربما وجدت القانون الواحد يختلف تطبيقه من بلد إلى بلد، ومرد ذلك لرغبة الحاكم أو المجلس التشريعي في البلد، مما يفقد هذه الشرائع ثباتها واستقرارها. إن المسلمين الذين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية اليوم محقون في مطالبتهم ويجب على المجتمع الدولي - وفق معاييره المعاصرة - أن ينصرهم ويعينهم لتحقيق مطالبهم وذلك: أن المبادئ والشعارات الديمقراطية التي ينادي بها الناقدون للمملكة تلزم بالعمل بما تختاره في المجتمع، ولا تزال الأكثرية المسلمة في المجتمعات الإسلامية تطالب بتطبيق الشريعة، فيجب أن تمكن من تحقيق طلبها وفق المبادئ الديمقراطية. فكيف والمجتمع السعودي كله مسلم؟ والمملكة كذلك تطبق نظام العقوبات الإسلامية والحدود من هذا المنطلق: إن الحدود والعقوبات - جسدية أو غير جسدية - ما هي إلا أحكام تنص عليها الشريعة كما ينص على مثلها أي قانون في الدنيا باعتبارها جزاءات توقع على المخالفين،

стр. 386

وكل شعوب العالم ودوله لها خصوصياتها ومناهجها في قوانينها وأنظمتها الخاصة في قانون الجزاء والعقوبات وغيرها. ويبقى النظر في المصالح المتحققة من جراء القانون ومدى إعطائه أثره ونتيجته كحافظ للأمن ومثبت لاستقرار الناس في معاشهم وتنقلاتهم وأخلاقهم. وقد أثبت نظام العقوبات والحدود في الإسلام (والذي تعتز به المملكة) أنه الأنفع والأجدى في حفظ الضرورات الخمس (الدين والعقل والنفس والمال والنسب) وفي الردع والعدل، وليس من الإنصاف انتزاع مادة من قانون أو حكم من شريعة وإبرازه وكأنه مثلبة في هذا القانون أو ذاك. ولكن نظرة الإنصاف تقتضي النظر إلى النظام كله، شروط الجريمة وتحققها وشروط إيقاع الجزاء وأسباب ذلك. [قطع يد السارق] على سبيل المثال: من أشهر العقوبات قطع يد السارق وقتل المفسد في الأرض وقتل المرتد. أما عن قطع يد السارق، وقتل المفسدين في الأرض فإنك تجد في تاريخ الإسلام الطويل أن تنفيذها كان في حالات يسيرة، ليس لأنها غير عملية، وإنما من أجل الأمان الذي تحققه الشريعة في صرامة العقوبة، ثم الشروط الموضوعة لتطبيقها، حيث تدرأ الحدود بالشبهات، ثم إن قطع يد واحدة أو قتل مجرم تكون فيه حماية للملايين من الأجيال بهذا الرادع الفردي. وقبل ذلك كله أن الله تعالى هو الذي حكم في كتابه الكريم بقطع يد السارق فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] [سورة المائدة، آية: ٣٨] وحتى يكون الأمر أكثر واقعية نستشهد بالواقع المعاصر بقوانينه ونظمه. إن الأمم المعاصرة وبخاصة دول الغرب قد ملكت أسلحة فتاكة وأجهزة نفاذة وتقنيات متقدمة ووسائل دقيقة واستكشافات باهرة وبخاصة في مجال مكافحة الجريمة، وبحوثًا ودراسات وطرقًا في الملاحقات وتتبع المجرمين، إضافة إلى التوعية الإعلامية الواسعة للجمهور والاستنارة بالثقافة والتقدم العلمي والوعي المعرفي للأفراد والجماعات، وعلى الرغم من كل ذلك فإن الجريمة تستفحل ويزداد المجرمون عتوًا وطغيانًا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تركيزهم منصب على استصلاح المجرمين وتهذيب الأشرار، وقد أرادوا أن يجعلوا من السجون أماكن تهذيب وعنابر إصلاح، واعتبروا المجرمين مرضى أحق بالعلاج منهم

стр. 387

بالعقاب، وألقوا باللائمة على عوامل الوراثة والبيئة والفساد الاجتماعي، وهذا قد يكون حقًا لا ينكر، ولكن الأمر ليس مقصورًا على هذا الجانب وحده، ذلك أن العضو المريض قد تكون المصلحة في بتره حتى لا يسري مرضه إلى الجسم كله، وهذا أمر مقرر عقلًا وواقعًا، وشرعًا قبل ذلك. [قتل المفسدين] والفساد الاجتماعي ما هو إلا من مجموع فساد الأفراد: والسجن فقط كما تنحى أكثر القوانين الوضعية ليس هو الحل الأمثل، فالسجون غلظت فيها قلوب كثير من المجرمين وخرجوا منها في ضراوة أشد وشقاوة أعظم، ومن اليسير أن يتعاون المجرمون واللصوص والقتلة في رسم الخطط، ويجعلوا من السجن ساحات ممهدة للتدارس وتقاسم المهمات يشاركهم في ذلك إخوان لهم في الغي خارج القضبان. وأنت ملاحظ ومدرك أن فكرة الهدف الإصلاحي للمجرمين والمعالجات اللينة قد مضى عليها عشرات السنين فلم تجد في أكثر المجرمين نفعًا، بل ومع هذا فالإجرام في تزايد مطرد، فما كان هذا الهدف إلا وهمًا وسرابًا. كما أن كثيرًا من أصحاب الجريمة يجعلون من السجن دار استجمام وترفه. إن المجتمع الإنساني المعاصر قد بلغ المجرمون فيه ذروة من الاستهتار والاستباحة والاسترخاص للدماء والأموال والأعراض جعلت العقوبات في التشريعات الوضعية ضعيفة هزيلة بجانب سوء صنائع هؤلاء العتاة المجرمين. أي رحمة أو تهذيب يستحقها هؤلاء القتلة والسفاكون وقطاع الطريق؟ وهل كانوا رحماء بضحاياهم الأبرياء؟ وهل كانوا رحماء بالمجتمع كله؟ بل تطور الأمر كما هو مشاهد إلى تطور المجرمين في وسائلهم فصاروا يشكلون العصابات التي تفوق أحيانًا في إمكاناتها ووسائلها وتجهيزاتها الدول والحكومات، ولا أدري أي عقاب سوف ينزله هؤلاء الرحماء بتجار المخدرات وأصحاب الجرائم الكبرى الذين لا نزال نسمع ازدياد أعمالهم وأخبارهم واستفحال إجرامهم حتى أصبحوا ظاهرين غير متسترين، بل صاروا يفاوضون الحكومات علنا في كل البلاد التي لا تحكم بشرع الله؟ وبناء على ما سبق فإن العلم والثقافة والحضارة والمدنية في صورتها الراهنة حينما خلت من العقوبات الرادعة أصبحت عاجزة عن دفع الأخطار عن الإنسان الذي يعيش حياة الخوف والرعب على الأرض وفي الجو والبحر وفي المنزل والمكتب والمصنع والشارع.

стр. 388

ومجرم اليوم كما أسلفت مزود بالعلم والمعرفة، ويتطور مع تطور أنظمة الشرطة وتجدد أساليب الملاحقة والمتابعة، ويخطط كما يخطط رجال الأمن، والكل في صراع لا يفصله إلا العقاب الزاجر العادل. وأخيرًا فإن هناك العقوبات الجسدية التي يعيبون المملكة بها صارت تطبقها بعض القوانين المعاصرة، وأبرزها عقوبة الإعدام، بل هذه العقوبة كانت ملغاة في بعض القوانين، ثم عادوا إليها، وفي كتابنا نحن المسلمين عبارة جامعة قاطعة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] [سورة المائدة، آية: ٥٠] ، وقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] [سورة البقرة، آية: ١٧٩] . [قتل المرتد] أما عن قتل المرتد: فإن المملكة العربية السعودية حين تحكم بقتل المرتد، فإنها لا تفعل ذلك حتى تستكمل الإجراءات النظامية أو الشرعية والقضائية، فهي تُحَكِّمُ شرع الله في ذلك، إذ صح عن النبي ﷺ أنه قال: «من بدَّل دينه فاقتلوه» (١) وهي مع ذلك لا تجبر أحدًا على الإسلام كما قال الله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] [سورة البقرة، آية: ٢٥٦] وذلك يعني: أولًا: أنه لا يجوز للسلطة إجبار أحد على الإسلام؛ لكنه حين يدين به ويلتزمه ويعلن ذلك يلتزم تبعات التزامه التي منها أنه لو ارتد وجب قتله. ثانيًا: أن الإنسان لا يقبل منه الدخول في الإسلام حتى يستعد لقبوله، ويلتزم أركان الإسلام، ويقتنع فيه، ويأتي إليه راغبًا لا راهبًا، جادًا لا هازلًا، فإذا أسلم الإنسان وخالطت بشاشة الإيمان قلبه فلا يمكن أن يرتد عنه، ولذا قال هرقل - ملك الروم - لأبي سفيان: وهل يرتد عنه - أي الإسلام - أحد سخطة عليه؟ فقال: لا. فقال فكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب (٢) . ثالثًا: إن الذي يدخل في الدين بغير نية صادقة والتزام جاد، فإنه يسيء إلى نفسه، ثم يسيء

стр. 389

إلى الإسلام وأهله جدير بالعقوبة. وجميع القوانين الدولية تجيز قتل من يعارض المصالح الكبرى للأمة، أو يتعدى فساده، مثل من يتجسس عليهم أو يريد إشاعة الفوضى وإظهار الفساد في المجتمع، كما أن الذي يرتد عن الإسلام كان يعلم قبل إسلامه أن عقوبة المرتد هي القتل، فلماذا يغامر ويدخل في دين يعلم أن عاقبة الارتداد عنه القتل؟ إنه حين يفعل ذلك فسيتهم بأنه لم يغامر ويعزم أنه سيرتد إلا لمكيدة سابقة دبرها للإسلام، أو تم استئجاره لذلك. رابعًا: ليس في قتل المرتد عن الإسلام انتهاك لحقوق الإنسان؛ لأنه هو الذي اختار هذا الطريق وعلم المصير الذي يؤول إليه. خامسًا: أن الخروج عن الإسلام يعتبر خروجًا عن النظام العام؛ ذلك أن الإسلام دين كامل، كما يهتم بعلاقة المرء بربه فهو يهتم بعلاقته بغيره من بني جنسه بين الإنسان ومجتمعه وسلطانه، وبينه وبين أقربائه، وبينه وبين أعدائه حربًا وسلمًا في شمول منقطع النظير عبادة ومعاملة وجناية وقضاء، إلى سائر ما تنقسم إليه قوانين الدنيا، ولذا يجب النظر إلى الإسلام ككل متكامل وليس قاصرًا فقط على علاقة العبد بربه كما يظنه غير المسلمين، وإذا كان ذلك كذلك فالردة تعني الخروج على النظام العام. سادسًا: أن في جعل العقوبة في الردة إباحة دم المرتد وقتله زاجرًا لمن يريد الدخول في هذا الدين نفاقًا وإرصادًا، وباعثًا له على التثبت في أمره، فلا يعتنقه إلا على بصيرة وسلطان بَيِّن، فلديه تكاليف وشعائر يتعسر الاستمرار عليها من قبل المفسدين أصحاب الضمائر الفاسدة وأصحاب المآرب المدخولة. سابعًا: للمرء قبل أن يسلم أن يؤمن ويكفر، فإذا آثر أي ديانة فلا اعتراض عليه ويبقى له حق الحياة والعيش بسلام، فإذا آمن بالإسلام فعليه أن يخلص له ويتجاوب معه في أمره ونهيه. ثامنًا: ليس من الحرية في شيء أن يمكن لشخص من أن يخرج على دين المجتمع وينبذ قواعده ويستهزئ بشعائره ومقدساته ويشاق أبناءه، فإن ذلك يعد خيانة للدين والوطن. تاسعًا: أن عقوبة القتل (الإعدام) موجودة في كثير من القوانين المعاصرة للمفسدين وأصحاب الجرائم البشعة والكبرى لمهربي المخدرات أو غيرهم لجدواها في القضاء على الجريمة وحماية المجتمع منها، وإفساد الدين أعظم من الإفساد في بعض مناحي

стр. 390

الحياة، ولم يقل أحد إن تشريع عقوبة الإعدام في حق هؤلاء المفسدين الذين يهربون المخدرات مصادم لحريتهم، إذ كانوا قد تجاوزوا في حرياتهم حتى سطوا على حريات الآخرين. [منع دخول غير المسلمين إلى مكة والمدينة] منع دخول غير المسلمين إلى مكة والمدينة، ومنع إحداث معابد لغير المسلمين في جزيرة العرب: وهذا كسابقه حكم شرعي تقتضيه التعاليم الدينية، ولم تشرعه الدولة السعودية ولا ما يسمونه المذهب (الوهابي) فقد نصت الآيات القرآنية والسنة النبوية على هذه الخصوصية. أما عن منع غير المسلمين دخول مكة والمدينة: فإن الإسلام يحرم على غير المسلمين دخول مكة وكذلك دخول المدينة، ويعلل ذلك بأن هذا ليس نظامًا مدنيًا شرعه المسلمون، أو الحاكم، بل هو تشريع رباني لا خيار للمسلمين فيه. فما تختص به جزيرة العرب عامة والحرمين خاصة في الإسلام من أحكام شرعية إلهيَّة جعلتها تتميز بها عن غيرها، حتى إن المسلم نفسه إذا ارتكب في مكة إثمًا فإنه يضاعف عليه العذاب لحرمة المكان، بل إن المسلم يحرم عليه أن يصيد فيها الصيد أو يقتلع منها النبات البري، وعليه: فإن منع غير المسلم من دخول مكة والمدينة حكم من أحكام كثيرة شرعت في الإسلام لخصوصية المكان، بعضها خاص بمكة وبعضها بالمدينة، وبعضها بهما معًا، وبعضها يعم جزيرة العرب، وهي أحكام باقية ولازمة إلى قيام الساعة. وكذلك بناء المعابد في جزيرة العرب لغير المسلمين غير جائز في الإسلام (١) تمنع المملكة العربية السعودية بناء المعابد والكنائس على أرضها؛ لأن الإسلام يحرم بناء معابد لغير المسلمين على أرض الجزيرة العربية، كما يحرم منح حق المواطنة في جزيرة العرب لغير المسلم.
следующие страницы →