والنصيحة لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم وإقامة الحدود، والعدل بين الناس.
[تحكيم شرع الله]
٥ - تحكيم شرع الله تعالى كما أمر الله: فقد أعرض كثير من المسلمين، لا سيما أهل البدع وكثير من العامة، وأهل البادية، عن العمل بشرع الله في أكثر أحوالهم الدينية والدنيوية حيث سادت البدع والمحدثات والتقاليد والأعراف والأحكام الجاهلية، وتحاكم كثير من الناس إلى غير شرع الله، وكثر لجوء الناس إلى الكهان والمشعوذين والسحرة والدجالين، فأصابهم ما توعد الله به من أعرض عن ذكره، من ضنك المعيشة كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] [سورة طه، من الآية: ١٢٤] .
[نشر العلم ومحاربة الجهل]
٦ - نشر العلم ومحاربة الجهل والتخلف: تميز العصر الذي ظهرت فيه الدعوة بشيوع الجهل والتقليد الأعمى بين المسلمين، فكثر الإعراض عن تعليم العلوم الشرعية، وعن التفقه في الدين، وسادت الأمية والتخلف في أكثر مظاهر الحياة الفردية والجماعية، مما جعل قيام الدعوة ضرورة لنشر العلوم الشرعية ووسائلها والفقه في دين الله، وأخذ العلم من منابعه الأصلية: القرآن والسنة وآثار السلف الصالح، مع الأخذ بالعلوم الدنيوية النافعة.
[تحقيق الجماعة ونبذ الفرقة]
٧ - تحقيق الجماعة ونبذ الفرقة: لقد وقع أكثر المسلمين في وهدة الفرقة والشتات، والتنازع، التي أصيب بها المسلمون من جراء كثرة الأهواء والبدع والجهل والإعراض عن الدين، واتباع سبل الغواية والشهوات والشبهات، وما نتج عن ذلك من الجهل والذل والهوان والتفرق والفشل الذي حذر الله منه ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] [سورة الأنفال، من الآية: ٤٦] . فكان لا بد من إصلاح أحوال الأمة بالعقيدة والشرع المطهر، الذي به تكون الجماعة والاستقامة والعزة.
[تحقيق الأمن والسلطان]
٨ - تحقيق الأمن والسلطان: إن أعظم ما يحتاجه المسلمون عامة - ونجد وجزيرة العرب بخاصة - بعد التوحيد
стр. 37
وفرائض الدين: الأمن والسلطان، وهما متلازمان فلا يمكن إقامة الدين والعدل إلا بالأمن، ولا أمن إلا بسلطان، وهذا ما أدركته الدعوة وإمامها، فقد ساد ضعف السلطان، وانفلات الأمن - حيث بدأت الدولة العثمانية في مرحلة الضعف - سيما في جزيرة العرب، ونجد بخاصة، وكانت الضرورة تقتضي قيام ولاية شرعية تحفظ للناس أمنهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وتقوم بالعدل والقضاء بين الناس، وتقيم الحدود وتنشر العلم والخير وتدفع الشر والظلم، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كما أمر الله تعالى.
[رفع التخلف والبطالة]
٩ - رفع التخلف والبطالة: اتسم العصر الذي قامت فيه الدعوة الإصلاحية، وما سبقه بالتخلف والبطالة، مما استلزم ضرورة النهوض بالمجتمع اجتماعيًا واقتصاديًا، والسعي إلى رفع أسباب التخلف والفقر والبطالة والتواكل.
стр. 38
[المبحث الثالث حال نجد وما حولها يقتضي ضرورة قيام الدعوة]
المبحث الثالث: حال نجد وما حولها يقتضي ضرورة قيام الدعوة: وليس أصدق في وصف حال نجد وما حولها من أهلها لا سيما العلماء والباحثين الذين عنوا بهذا الأمر، وعلى رأسهم إمام الدعوة الذي أعلن دعوته الإصلاحية من هذا المنطلق - أعني تشخيص الأمراض التي يعيشها المجتمع النجدي وسائر الأمة - فقد وصف الإمام نفسه الواقع الذي يعيشه كثير من المسلمين في نجد وغيرها، وما شاع بينهم من بدع وخرافات ومظالم وجهالات، وكان هذا الواقع هو السبب والباعث لقيام الإمام بدعوته الإصلاحية، وكثيرًا ما كان يخاطب الناس من هذا المنطلق، فقال محاورًا لمخالفيه ومبينًا لهم وجود عظائم المخالفات قال: «منها - وهو أعظمها - عبادة الأصنام عندكم، من بشر وحجر؛ هذا يذبح له؛ وهذا ينذر له؛ وهذا يطلب إجابة الدعوات وإغاثة اللهفات؛ وهذا يدعوه المضطر في البر والبحر؛ وهذا يزعمون أن من التجأ إليه ينفعه في الدنيا والآخرة ولو عصى الله!
فإن كنتم تزعمون: أن هذا ليس هو عبادة الأصنام والأوثان المذكورة في القرآن، فهذا من العجب؛ فإني لا أعلم أحدًا من أهل العلم يختلف في ذلك، اللهم إلا أن يكون أحد وقع فيما وقع فيه اليهود، من إيمانهم بالجبت والطاغوت؛ وإن ادعيتم أنكم لا تقدرون على ذلك، فإن لم تقدروا على الكل، قدرتم على البعض؛ كيف وبعض الذين أنكروا عليّ هذا الأمر، وادَّعوا أنهم من أهل العلم، ملتبسون بالشرك الأكبر، ويدعون إليه، ولو يسمعون إنسانًا يجرد التوحيد، لرموه بالكفر والفسوق؛ ولكن نعوذ بالله من رضى الناس بسخط الله.
ومنها: ما يفعله كثير من أتباع إبليس، وأتباع المنجمين والسحرة والكهان، ممن ينتسب إلى الفقر، وكثير ممن ينتسب إلى العلم من هذه الخوارق التي يوهمون بها الناس، ويشبهون بمعجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، ومرادهم أكل أموال الناس بالباطل؛ والصد عن سبيل الله، حتى إن بعض أنواعها يعتقد فيه من يدعي العلم: أنه من العلم الموروث عن الأنبياء، من علم الأسماء، وهو من الجبت والطاغوت، ولكن هذا مصداق قوله ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم» (١) .
стр. 39
ومنها: هذه الحيلة الربوية التي مثل حيلة أصحاب السبت أو أشد، وأنا أدعو من خالفني إلى أحد أربع؛ إما إلى كتاب الله، وإما إلى سنة رسوله ﷺ وإما إلى إجماع أهل العلم؛ فإن عاند دعوته إلى مباهلة، كما دعا إليها ابن عباس في بعض مسائل الفرائض، وكما دعا إليها سفيان، والأوزاعي، في مسألة رفع اليدين، وغيرهما من أهل العلم؛ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم» (١) .
وقد شخَّص أحد علماء الدعوة الواقع ووصف حال الأمة أثناء ظهور الدعوة وقبلها في بلدان نجد وكذلك في أكثر البلاد الإسلامية المجاورة، وهو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إذ يقول: «كان أهل عصره ومصره - يعني الإمام محمد - في تلك الأزمان، قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد، والإعراض عن السنة والقرآن، وشب الصغير وهو لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأحاديث الكهان، والطواغيت مقبولة، قد خلعوا ربقة الدين، وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة بغير الله، والتعلق على غير الله، من الأولياء، والصالحين، والأوثان، والأصنام، والشياطين.
وعلماؤهم، ورؤساؤهم على ذلك، وبه راضون، قد أعشتهم العوائد والمألوفات، وحبستهم الشهوات عن الارتفاع إلى طلب الهدى، من النصوص والآيات، يحتجون بما رأوه من الآثار الموضوعات، والحكايات المختلقة، والمنامات، كما يفعله أهل الجاهلية، وكثير منهم يعتقد النفع والضر، في الأحجار، والجمادات، ويتبركون بالآثار، والقبور ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩] [سورة الحشر، من الآية: ١٩] ، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] [سورة الأعراف، الآية: ٣٣] .
стр. 40
فأما بلاد نجد: فقد بالغ الشيطان في كيدهم، وكانوا ينتابون قبر زيد بن الخطاب، ويدعونه رغبًا ورهبًا، ويزعمون أنه يقضي لهم الحوائج، وكذلك عند قبر يزعمون أنه قبر ضرار بن الأزور، وذلك كذب ظاهر وبهتان.
وكذلك عندهم: نخل - فحَّال - ينتابه النساء والرجال، ويفعلون عنده أقبح الفعال؛ والمرأة: إذا تأخر عنها الزواج، تذهب إليه، فتضمه بيدها، وتدعوه برجاء، وتقول: يا فحل الفحول، أريد زوجًا قبل الحول؛ وشجرة عندهم تسمى: الطرفية، أغراهم الشيطان بها، وأوحى إليهم التعلق عليها، وأنها ترجى منها البركة، ويعلقون عليها الخرق، لعل الولد يسلم من السوء.
وفي أسفل: بلدة الدرعية: مغارة في الجبل، يزعمون أنها انفلقت من الجبل لامرأة تسمى: بنت الأمير، أراد بعض الناس أن يظلمها ويضير، فانفلق لها الغار، كانوا يرسلون إلى هذا المكان من اللحم والخبز ما يقتات به جند الشيطان.
وفي بلدتهم: رجل يدَّعي الولاية، يسمى: تاج؛ يتبركون به، ويرجون منه العون، ويرغبون فيما عنده من المدد - بزعمهم - ولديه، فتخافه الحكام والظلمة، ويزعمون أن له تصرفًا، مع أنهم يحكون عنه الحكايات القبيحة الشنيعة التي تدل على انحلاله عن أحكام الملة، وهكذا سائر بلاد نجد، على ما وصفنا، من الإعراض عن دين الله، والجحد لأحكام الشريعة.
ومن العجب: أن هذه الاعتقادات الباطلة والعوائد والطرق قد فشت وعمت، حتى بلاد الحرمين الشريفين! فمن ذلك: ما يفعل عند قبر محجوب، وقبة أبي طالب، فيأتون قبره للاستغاثة عند نزول المصائب، وكانوا له في غاية التعظيم، فلو دخل سارق، أو غاصب، أو ظالم قبر أحدهما، لم يتعرض له أحد، لما يرون له من وجوب التعظيم.
ومن ذلك: ما يفعل عند قبر ميمونة، أم المؤمنين ﵂ في سرف؛ وكذلك عند قبر خديجة ﵂ يفعل عند قبرها ما لا يسوغ السكوت عليه، من مسلم يرجو الله، والدار الآخرة، وفيه: من اختلاط النساء بالرجال وفعل الفواحش والمنكرات وسوء الأفعال ما لا يقرّه أهل الإيمان، وكذلك سائر القبور المعظمة، في بلد الله الحرام: مكة المشرفة.
стр. 41
وفي الطائف، قبر ابن عباس ﵄ يفعل عنده من الأمور الشركية التي تنكرها قلوب عباد الله المخلصين، وتردها الآيات القرآنية، وما ثبت من النصوص عن سيد المرسلين، منها: وقوف السائل عند القبر، متضرعًا مستغيثًا، مستكينًا، مستعينًا، وصرف خالص المحبة، التي هي محبة العبودية، والنذر، والذبح لمن تحت ذاك المشهد، والبنية.
وأكثر سوقتهم وعامتهم يلهجون بالأسواق: اليوم على الله وعليك يا ابن عباس، فيستمدون منه الرزق، والغوث، وكشف الضر، وذكر محمد بن الحسين النعيمي الزبيدي ﵀: أن رجلًا رأى ما يفعل أهل الطائف، من الشعب الشركية، والوظايف، فقال: أهل الطائف لا يعرفون الله، إنما يعرفون ابن عباس، فقال له بعض من يترشح للعلم: معرفتهم لابن عباس كافية؛ لأنه يعرف الله.
فانظر إلى هذا الشرك الوخيم، والغلو، ووازن بينه وبين قوله ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] [سورة البقرة، من الآية: ١٨٦] وقوله جل ذكره: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨] وقد «لعن رسول الله ﷺ اليهود والنصارى، باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد» (١) يعبد الله فيها، فكيف بمن عبد الصالحين، ودعاهم مع الله، والنصوص في ذلك لا تخفى على أهل العلم.
كذلك ما يفعل بالمدينة المشرفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، هو من هذا القبيل، وفي بندر جدة ما قد بلغ من الضلال حده، وهو: القبر الذي يزعمون أنه قبر حواء؛ وضعه لهم بعض الشياطين.
وكذلك مشهد العلوي، بالغوا في تعظيمه، وخوفه، ورجائه؛ وقد جرى لبعض التجار أنه انكسر بمال عظيم لأهل الهند، وغيرهم، وذلك في سنة عشر ومائتين وألف؛ فهرب إلى مشهد العلوي مستجيرًا، ولائذًا به، مستغيثًا؛ فتركه أرباب الأموال، ولم يجاسر أحد من الرؤساء والحكام على هتك ذاك المشهد، واجتمع طائفة من المعروفين، واتفقوا على تنجيمه في مدة سنين، فنعوذ بالله من تلاعب الفجرة والشياطين.
وأما بلاد: مصر، وصعيدها، وفيومها، وأعمالها، فقد جمعت من الأمور الشركية،
стр. 42
والعبادات الوثنية، والدعاوى الفرعونية ما لا يتسع له كتاب، لا سيما عند مشهد: أحمد البدوي، وأمثاله من المعبودين، فقد جاوزوا بهم ما ادعته الجاهلية لآلهتهم، ما لم ينقل مثله عن أحد من الفراعنة، والنماردة.
وبعضهم يقول: يتصرف في الكون سبعة؛ وبعضهم يقول: أربعة؛ وبعضهم يقول: قطب يرجعون إليه، وكثير منهم يرى الأمر شورى بين عدد ينتسبون إليه؛ فتعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] [سورة الكهف، من الآية: ٥]
وقد استباحوا عند تلك المشاهد من المنكرات، والفواحش، والمفاسد ما لا يمكن حصره، واعتمدوا في ذلك من الحكايات، والخرافات ما لا يصدر عمن له أدنى مسكة أو حظ من المعقولات، فضلًا عن النصوص.
كذلك ما يفعل في بلدان: اليمن، جار على تلك الطريق والسنن؛ ففي: صنعاء، وبرع، والمخا، وغيرها من تلك البلاد ما يتنزه العاقل عن ذكره.
وفي حضرموت، والشجر، وعدن، ويافع، ما تستك عن ذكره المسامع، يقول قائلهم: شيء لله يا عيدروس! شيء لله يا محيي النفوس! .
وفي أرض نجران من تلاعب الشيطان، وخلع ربقة الإيمان ما لا يخفى على أهل العلم، كذلك رئيسهم المسمى بالسيد، لقد أتوا من طاعته، وتعظيمه، والغلو فيه بما أفضى بهم إلى مفارقة الملة والإسلام، إلى عبادة الأوثان والأصنام ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] [سورة التوبة، الآية: ٣١]
وكذلك، حلب، ودمشق، وسائر بلاد الشام، فيها من تلك المشاهد، والنصب، وهي تقارب ما ذكرنا من الكفريات، والتلطخ بتلك الوثنية الشركية.
وكذلك: الموصل، وبلاد الأكراد، ظهر فيها من أصناف الشرك، والفجور، والفساد؛ وفي العراق: من ذلك بحرة المحيط، وعندهم المشهد الحسيني قد اتخذه الرافضة وثنًا، بل ربًا مدبرًا، وأعادوا به المجوسية، وأحيوا به معاهد اللات والعزى، وما كان عليه أهل الجاهلية.
стр. 43
وكذلك: مشهد العباس، ومشهد علي، ومشهد أبي حنيفة، ومعروف الكرخي، والشيخ عبد القادر؛ فإنهم قد افتتنوا بهذه المشاهد، رافضتهم، وسنيتهم؛ لم يعرفوا ما وجب عليهم، من حق الله الفرد، الصمد، الواحد» .
ثم قال: «وهذه الحوادث والكفريات والبدع، قد أنكرها أهل العلم والإيمان، واشتد نكيرهم، حتى حكموا على فاعلها بخلع ربقة الإسلام والإيمان؛ ولكن لما كانت الغلبة للجهال، انتقضت عرى الدين، وساعدهم على ذلك من قل حظه ونصيبه من الرؤساء، والحكام، والمنتسبين من الجهّال، فاتبعتهم العامة والجمهور ولم يشعروا بما هم عليه من المخالفة، والمباينة لدين الله، الذي اصطفاه لخاصته وأوليائه» (١) .
إلى أن قال عن الإمام محمد بن عبد الوهاب: «وتصدى ﵀: للرد على من نكب عن هذا السبيل، واتبع سبيل التحريف والتعطيل على اختلاف نحلهم وبدعهم وتشعب مقالتهم وطرقهم، متبعًا ﵀ ما مضى عليه السلف الصالح، من أهل العلم والإيمان، وما درج عليه القرون المفضلة بنص الحديث، ولم يلتفت ﵀ إلى ما عدا ذلك، من قياس فلسفي، أو تعطيل جهمي، أو إلحاد حلولي، أو اتحادي، أو تأويل معتزلي، أو أشعري، فوضح معتقد السلف الصالح، بعدما سفت عليه السوافي، وذرت عليه الذواري، وندر من يعرفه من أهل القرى والبوادي، إلا ما كان مع العامة من أصل الفطرة، فإنه قد يبقى ولو في زمن الغربة والفترة، وتصدى أيضًا: للدعوة إلى ما يقتضيه هذا التوحيد ويستلزمه، وهو: وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة والبراءة من عبادة كل ما عبد من دون الله» (٢) .
وكذلك: قام بالنكير على أجلاف البوادي وأمراء القرى والنواحي، فيما يتجاسرون عليه، ويعفونه من قطع السبيل، وسفك الدماء، ونهب الأموال المعصومة، حتى ظهر العدل واستقر، وفشا الدين واستمر، والتزمه كل من كانت عليه الولاية، من البلاد النجدية، وغيرها، والحمد لله على ذلك؛ والتذكير بهذا يدخل فيما امتن الله به على
стр. 44
المؤمنين، وذكرهم به من بعث الأنبياء والرسل» (١) .
ويقول الشيخ إسماعيل الدهلوي في كتابه رسالة التوحيد في وصف حال المسلمين عمومًا وفي الهند بخاصة تحت عنوان: «استفحال فتنة الشرك والجهالة في الناس» يقول: «اعلم أن الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر، وأصبح التوحيد الخالص غريبًا، ولكن معظم الناس لا يعرفون معنى الشرك، ويدعون الإيمان مع أنهم قد تورطوا في الشرك وتلوثوا به، فمن المهم قبل كل شيء أن يفقه الناس معنى الشرك والتوحيد، ويعرفوا حكمهما في القرآن والحديث» (٢) .
ثم قال تحت عنوان «مظاهر الشرك وأشكاله المتنوعة» : «ومن المشاهد اليوم أن كثيرًا من الناس يستعينون بالمشايخ والأنبياء، والأئمة والشهداء، والملائكة، والجنيات عند الشدائد، فينادونها، ويصرخون بأسمائها، ويسألون عنها قضاء الحاجات، وتحقيق المطالب، وينذرون لها، ويقربون لها قرابين لتسعفهم بحاجاتهم، وتقضي مآربهم، وقد ينسبون إليها أبناءهم طمعًا في رد البلاء، فيسمي بعضهم ابنه بعبد النبي» (٣) .
وبالجملة: فإن هذا الواقع المتردي وهذه الأسباب وغيرها كانت من الدوافع الطبيعية التي هي من سنن الله، والدوافع الشرعية استجابة لأمر الله، وقد استدعت (بالضرورة) قيام دعوة إصلاحية شاملة تقوم على تجديد الدين بإحياء ما اندرس منه، وبإصلاح أحوال الأمة في سائر نواحي الحياة في العقيدة والعبادة والعلم والسلطة والاقتصاد والاجتماع، وجماع ذلك كله (إخلاص العبادة لله وحده) والعمل بمقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
فقامت هذه الدعوة الإصلاحية المباركة تحقيقًا لوعد الله تعالى بتجديد الدين، ونصر المؤمنين، وبقاء طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة.
ومن المعلوم والبدهي أن هذه الغاية العظمى لا يمكن أن تظهر في أرض الواقع، ويكون بها الإصلاح المشروع المنشود إلا بالعلم والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
стр. 45
والكفاح، والجهاد والقتال والسلطان (الدولة) . وسائر الوسائل المشروعة، والتي هي من ضروريات قيام أي مبدأ وكيان في كل أمة وكل مكان وزمان.
والكيان الذي يقوم على المنهج الرباني، وميراث الأنبياء، وسنة المصطفى ﷺ وسبيل السلف الصالح هو الأولى والأحق بأن يبرز ويظهر، ويتحقق به للإسلام والمسلمين وللإنسانية جمعاء الأمل الذي تنشده في تحصيل السعادة ونشر العدل بشرع الله الحكيم الخبير.
стр. 46
[المبحث الرابع التكامل في منهج الدعوة والدولة]
المبحث الرابع: التكامل في منهج الدعوة والدولة: نظرًا لأن منهج الدعوة يُمثل الإسلام، الدين الحق، لذا فهو يتسم بالشمول والتكامل في الأصول والغايات، فهو يمثل حقيقة الإسلام والسنة، ويقوم على تحقيق الدين كله بالتوحيد وإقامة الفرائض، والأحكام والقضاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكافة أمور الدين، فإن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه استخدموا كافة الوسائل المشروعة لتحقيق هذه الغايات الكبرى، ابتداء من تعليم الدين والفقه فيه، عقيدة وأحكامًا وسلوكًا، ثم الدعوة إلى ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، من خلال التعليم والتدريس والخطابة، والمكاتبة والمراسلة، وبعث المعلمين والمبلِّغين، والمؤلفات، وإرسال الوفود، واستقبالها، للبلاغ والبيان، وشرح أصول الدعوة وأهدافها، والإجابة عن التساؤلات والشبهات والإشكالات، من المؤيدين والمعارضين والمحايدين وغيرهم. مما استوجب ظهور نهضة علمية وأدبية قوية، نثرًا وشعرًا وتأليفًا وخطابة، ومحاورات علمية ثرية.
وتعدى الأمر إلى قيام مجتمع مسلم متمسك بالدين ومظهر للسنة وعامل بالشرع، وقيام دولة إسلامية، ذات كيان ديني وسياسي واقتصادي وعسكري قوي لحماية الدعوة والدولة، والدفاع عن حقوقها وحقوق أهلها المشروعة.
ثم إلى ما هو أشمل من ذلك وهو قيام هذه الحركة الإصلاحية الدعوية الكبرى بإبلاغ الدين ونشره في العالم كله، كما أمر الله، وتثبيته؛ ليكون الدين كله لله.
стр. 47
[الفصل الثاني في منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في الدين ما يرد الاتهامات]
[المبحث الأول وقفة مع الاتهامات والمنهج]
الفصل الثاني
في منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في الدين ما يرد الاتهامات
المبحث الأول
وقفة مع الاتهامات والمنهج إن الناظر في المفردات الجزئية والقواعد الفرعية، والأحكام العلمية النظرية، والتطبيقات العملية لكل دعوة أو مبدأ قد يجد فيها الكثير من الأخطاء والتجاوزات والتصرفات الشاذة والأقوال النادة والأحكام الخاطئة، أو الأمور المشكلة والمشتبهة التي تحتاج إلى تثبت أو تفسير أو تدقيق أو استقراء للوصول إلى حكم علمي تطمئن إليه النفس.
لكن أهل العلم وعقلاء الناس لديهم موازين علمية وعقليَّة وقواعد شرعية يزنون بها الأمور.
فالأديان والمبادئ والمذاهب والدعوات لها عقائد وأصول ومبادئ ومناهج وقواعد تكون هي المرجع والميزان الذي ترد إليها المفردات الجزئية ودقائق الأمور، ومفردات التصرفات والأقوال والأفعال والأحكام والمواقف، وتكون هذه الأصول هي المرجع والمحتكم والمردّ عند التنازع والاختلاف بين الأتباع أنفسهم، وبينهم وبين مخالفيهم، ومع الموافقين والمعارضين، ومن المتلقين والناقدين.
ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب تخضع لهذه القاعدة، إذ هي دعوة إسلامية محضة، وسلفية خالصة، تسير على منهج السلف الصالح، فمردُّ الخلاف بينها وبين مخالفيها: الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح وما يتهمها به خصومها من الاتهامات على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: من الكذب الصريح والافتراء والبهتان وقد ورد ذكر كثير منه في هذا البحث.
النوع الثاني: مما يكون من اللوازم غير اللازمة، أو التلبيس، أو التفسير الخاطئ ونحو ذلك مما يلتبس فيه الحق بالباطل ويجب رده إلى النصوص والأصول الشرعية والقواعد المعتبرة عند العقلاء، والمنهج الذي عليه الدعوة وأهلها.
النوع الثالث: أخطاء وتجاوزات وزلات ليست على المنهج الذي عليه الدعوة، أو اجتهادات خاطئة أو مرجوحة، وقد تصدر من أي من العلماء أو الولاة أو العامة، والمنتسبين للدعوة. وكثير من الشبهات والاتهامات التي يتعلق بها الخصُوم للطعن في الإمام وأتباعه ودعوته من هذا النوع.
стр. 48
ومن هذا المنطلق خصصت هذا الفصل في بيان منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، وأنه امتداد لمنهج السلف الذي يقوم على: الاعتماد على القرآن وما صح من السنة بفهم السلف الصالح ومنهجهم، من الصحابة والتابعين وأئمة أهل السنة والجماعة في التلقي والاستدلال والعلم والعمل، واتباع آثارهم والاقتداء بهديهم؛ لأن ذلك هو سبيل المؤمنين الذي توعد الله من خالفه فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] [سورة النساء، آية: ١١٥]
وقد عرضت هذا المنهج هنا ليكون القاعدة والميزان في تقويم الدعوة، وبيان مدى الظلم والإجحاف الحاصل لها ولأهلها في الاتهامات التي قيلت وذاعت عند الكثيرين، بل ومدى البهتان والكذب من قبل بعض الخصوم، والذين صدقوهم دون تثبت ولا نظر في المنهج والأصول التي عليها المعوَّل في النقد والتقويم، ودون اعتبار للحال والواقع الذي تعيشه الدعوة وأهلها.
стр. 49
[المبحث الثاني معالم المنهج عند الإمام وأتباعه وأنهم على منهج السلف الصالح]
المبحث الثاني
معالم المنهج عند الإمام محمد بن عبد الوهاب
وأتباعه وأنهم على منهج السلف الصالح لا يتفرد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وعامة أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا بشيء من الدين - عقيدة ومنهاجًا - عن سائرهم (كما أسلفت) .
فإن قولهم في أصول الدين وقطعياته ومسلَّماته واحد؛ في أركان الإيمان وأركان الإسلام وشروطها ومستلزماتها كذلك.
وفي أسماء الله وصفاته وأفعاله.
وفي مسائل الإيمان والأسماء والأحكام والقدر.
وفي حقوق النبي ﷺ وآله.
وفي الشفاعة والرؤية.
وفي الصحابة والإمامة والأولياء والصالحين وعامة المؤمنين.
وفي السمع والطاعة بالمعروف.
وفي الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي قطعيات الأحكام والآداب.
ونحو ذلك من المنهاج الذي عليه السلف الصالح في العقيدة والعلم والعمل والتعامل، فإن السلف الصالح أهل السنة والجماعة ومنهم إمام الدعوة وأتباعها كلهم متفقون على هذه الأصول، وهي أصول الدين والاعتقاد، ولهذا فإن كل من نظر في أقوال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة ومن سلك سبيلهم من أهل السنة يجزم بأنهم مثَّلوا منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والقول والعمل ومنهج التعامل.
ولذلك نجد أن المخالفين (أهل الأهواء والافتراق والبدع) في العصر الحديث يعيرون كل من كان على نهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة بأنه (وهابيًّا) فهي - بحمد الله - تزكية من الخصوم لا تقدّر بثمن؛ لأنهم صاروا يطلقون وصف (الوهابية) على التمسك بالسنة والتزام سبيل السلف الصالح.
وقد تبين بالدليل والبرهان أن ما يزعمه خصوم السنة، (أهل البدع والأهواء
стр. 50
والافتراق) بأن الإمام وأتباعه جاءوا ببدع من الدين، أو مذهب خامس، أو أنهم متشددون ومتزمتون، أو أنهم خوارج، ونحو ذلك من المفتريات، إنما هو من البهتان؛ لأن حقيقة الدعوة ومنهجها وواقعها (من أئمتها وعلمائها ودولتها وأتباعها، وكذلك آثارها ومؤلفاتها وجميع أحوالها) تدل على خلاف ما يزعم خصومها والجاهلون بحقيقتها، ومن أراد الحقيقة فليرجع إلى ذلك كله أو بعضه وليتأمل ويدرس وينظر إلى المسألة بتجرد وموضوعية وعدل.
وسيتوصل (إن سلم من الهوى) إلى ما توصل إليه المنصفون والباحثون المتجردون من المفكرين والعلماء وغيرهم، كما سأذكر نماذج من شهاداتهم في آخر هذا المؤلف إن شاء الله.
وبالجملة فإن أبرز معالم هذا المنهج الذي قامت عليه الدعوة ولا تزال بحمد الله:
١ - الدخول في الدين كله وتطبيق شمولية الإسلام منهاجًا للحياة في العقيدة والأحكام والعلم والعمل والتعامل في حياة الفرد والجماعة، والدولة والأمة والبشرية كلها.
٢ - سلامة مصادر التلقي ومنهج الاستدلال، بالاعتماد على القرآن وصحيح السنة وآثار السلف الصالح على المنهج الشرعي السليم.
٣ - الاقتداء والاتباع لمنهج السلف وسبيل المؤمنين أهل السنة والجماعة.
٤ - تحقيق غايات الدين: من التوحيد والسنة والفضائل والعدل، ونفي ما يضادها من الشركيات والبدع والمنكرات والظلم، والسعي إلى كل ما يسعد الإنسان ويليق بكرامته في الدنيا والآخرة.
٥ - القيام بواجب النصيحة لله تعالى ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم. كما أوصى بذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح قال: «الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١) .
٦ - الاستعداد لليوم الآخر، والفوز بالجنة والنعيم الأبدي الذي لا يحصل إلا برضى الله وطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، واتباع شرعه، كما قال الله سبحانه في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] [سورة العصر، الآيات: ١ - ٣] .
هذا وسنعرض في المباحث التالية ما يثبت التزام الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه لنهج السلف الصالح في الدين جملة وتفصيلًا. والله المستعان.
стр. 51
[المبحث الثالث عرض نماذج عن منهجهم في الدين وسلوكهم طريق السلف الصالح وفيه]
[الأنموذج الأول بيان الإمام لعقيدته ورده على مفتريات الخصوم]
المبحث الثالث
عرض لنماذج من منهجهم العام في الدين
واقتفائهم نهج السلف الصالح الأنموذج الأول: بيان الشيخ الإمام لعقيدته ومنهجه ورده لاتهامات الخصوم.
الأنموذج الثاني: عرض لمنهج أئمة الدعوة ودولتها بعده.
стр. 52
الأنموذج الأول
عرض الشيخ الإمام لعقيدته ومنهجه ورده على اتهامات الخصوم نظرًا لكثرة خوض الخائضين بالهوى أو الجهل - أو هما معًا - في عقيدة الشيخ الإمام ومنهجه، وما أشاعوه من مفتريات وتهم ومزاعم عليه وعلى دعوته واتباعه، أسوق في هذا المقام رسالة واحدة من رسائله الكثيرة التي عبر فيها بنفسه عن عقيدته ومنهجه وموقفه من الاتهامات والدعاوى التي أشيعت عنه، وهي رسالته التالية التي بعثها إلى أهل القصيم وهي كالتالي:
[التزامه لعقيدة أهل السنة والجماعة. قال] (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم: أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة [أركان الإيمان] ، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره؛ [صفات الله تعالى] ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله – : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيِّف، ولا أمثِّل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سميَّ له، ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه.
فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون، من أهل التكييف، والتمثيل؛ وعما نفاه عنه النافون، من أهل التحريف والتعطيل، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] [سورة الصافات، آية: ١٨٠ - ١٨٢]
стр. 53
[ثم قال مبينًا وسطية أهل السنة والجماعة] : «والفرقة الناجية: وسط في باب أفعاله تعالى، بين القدرية والجبرية؛ وهم وسط في باب وعيد الله، بين المرجئة والوعيدية؛ وهم وسط في باب الإيمان والدين، بين الحرورية والمعتزلة؛ وبين المرجئة والجهمية؛ وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض، والخوارج» .
[ثم قال مبينًا التزامه لعقيدة السلف في القرآن] : «وأعتقد: أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود؛ وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، نبينا محمد ﷺ » .
[ثم قرر الحق في القدر فقال:] «وأومن: بأن الله فعَّال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور» .
[عقيدته فيما بعد الموت قال:] «وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة عراة غرلًا، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣] [سورة المؤمنون، آية: ١٠٢ - ١٠٣] وتنشر الدواوين، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله» .
[عقيدته في حوض نبينا محمد ﷺ قال:] «وأومن: بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا؛ وأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم» .
[إيمانه بشفاعة نبينا محمد ﷺ قال:] «وأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع، وأول مشفع؛ ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال؛ ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى، كما قال تعالى
стр. 54
: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [سورة الأنبياء، آية: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [سورة البقرة، آية: ٢٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [سورة النجم، آية: ٢٦] ، وهو: لا يرضى إلا التوحيد؛ ولا يأذن إلا لأهله؛ وأما المشركون: فليس لهم من الشفاعة نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] [سورة المدثر، آية: ٤٨] .
[عقيدته في الجنة والنار والرؤية قال:] «وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان؛ وأن المؤمنين يرون ربّهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر، لا يضامون في رؤيته» .
[عقيدته في ختم النبوة بمحمد ﷺ ورسالته ونبوته ﷺ قال:] «وأومن بأنّ نبينا محمد ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته» .
[عقيدته في الصحابة وأمهات المؤمنين قال:] «وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق؛ ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين؛ ثم علي المرتضى؛ ثم بقية العشرة؛ ثم أهل بدر؛ ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان؛ ثم سائر الصحابة ﵁؛ وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم؛ وأعتقد فضلهم، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] [سورة الحشر، آية: ١٠] وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء» .
[عقيدته في الأولياء وكراماتهم قال:] «وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلاّ أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئًا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله» .
[عقيدته في المسلمين وأنه لا يكفرهم قال:] «ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول الله ﷺ -
стр. 55
ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام.
[عقيدته في الجهاد مع المسلمين والصلاة خلفهم قال:] «وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام: برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل» .
[عقيدته في السمع والطاعة للأئمة المسلمين قال:] «وأرى وجوب السمع والطاعة: لأئمة المسلمين برّهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته؛ وحرم الخروج عليه» .
[موقفه من أهل البدع قال:] «وأرى هجر أهل البدع، ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله؛ وأعتقد: أنّ كل محدثة في الدين بدعة» .
[عقيدته في الإيمان قال:] «وأعتقد أن الإيمان: قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛ وهو: بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
فهذه عقيدة وجيزة، حررتها وأنا مشتغل البال، لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل» .
[نفيه للمفتريات والاتهامات في التي قيلت فيه قال:] «ثم لا يخفى عليكم: أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم (١) قد وصلت إليكم، وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورًا لم
стр. 56
أقلها، ولم يأت أكثرها على بال.
فمنها:
١ - (١) قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة.
٢ - وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.
٣ - وإني أدعي الاجتهاد.
٤ - وإني خارج عن التقليد.
٥ - وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.
٦ - وإني أكفر من توسل بالصالحين.
٧ - وإني أكفر البوصيري، لقوله: يا أكرم الخلق.
٨ - وإني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول الله ﷺ لهدمتها.
٩ - ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها، وجعلت لها ميزابًا من خشب.
١٠ - وإني أحرم زيارة قبر النبي ﷺ .
١١ - وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما.
١٢ - وإني أكفر من حلف بغير الله.
١٣ - وإني أكفر ابن الفارض، وابن عربي.
١٤ - وإني أحرق دلائل الخيرات، وروض الرياحين، وأسميه روض الشياطين» .
[ثم قال] : «جوابي عن هذه المسائل، أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم؛ وقبله من بهت محمدًا ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم، ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب، وقول الزور، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] [سورة النحل، آية: ١٠٥] بهتوه ﷺ بأنه يقول: إن الملائكة، وعيسى، وعزيرًا في النار؛ فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] [سورة الأنبياء: آية: ١٠١] » .
стр. 57
[دفاعه عن أقواله الموافقة للحق والدليل:] قال: «وأما المسائل الأُخر، وهي:
١ - أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله.
٢ - وأني أعرّف من يأتيني بمعناها.
٣ - وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله، وأخذ النذر لأجل ذلك.
٤ - وأن الذبح لغير الله كفر، والذبيحة حرام.
فهذه المسائل حق، وأنا قائل بها؛ ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله، ومن أقوال العلماء المتبعين، كالأئمة الأربعة؛ وإذا سهل الله تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة، إن شاء الله تعالى.
ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] [سورة الحجرات، آية: ٦] » (١) .
وبهذه الرسالة يثبت قطعًا أنه على عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة. وأنه تبرأ مما اتهمه به الخصوم وافتروا عليه، من المزاعم والدعاوى الكاذبة والشبهات الملبسة، وقد كرر الإمام هذه العقيدة وعمل عليها وتعامل على أساسها، مع المؤيدين والمعارضين، وكرر نفي هذه المفتريات وغيرها، وكل ذلك فعله بالدليل والبرهان، وإشهاد الناس على ما يقول ويفعل، ولم نجد من استطاع أن يثبت أن الشيخ الإمام على خلاف ما يقول ويدعي والحمد لله.
стр. 58
[الأنموذج الثاني بيان أئمة الدعوة وحكامها من بعده لعقيدتهم والتزامهم بنهج السلف]
الأنموذج الثاني
عرض لمنهج أئمة الدعوة ودولتها بعده (١)
وأسوق للقارئ أنموذجًا لمنهج الدعوة العام في الدين، كما بينه ورسمه أحد علمائها الكبار وهو الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وأحد ولاتها الأفذاذ وهو الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد، وهو المنهج الذي يمثل منهج السلف الصالح، أهل السنة والجماعة في جميع الجوانب، في العقيدة والأحكام والتعامل في البيان الذي كتبه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب أثناء دخولهم مكة ملبين منتصرين سنة (١٢١٨هـ) ، وقد أعلنوا الأمان لسكان البيت الحرام:
[البدء بالبسملة والحمد] : أول مظاهر التزام السنة بدؤه بالبسملة والحمد والصلاة على رسول الله ﷺ ، قال:
«
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين» (٢) .
ثم حمده لله وشكره له، على ما مَنَّ به على أهل السنة من التمكين، ولم يظهر منهم ما يفعله خصومهم من العُجب والكبر والغرور والتعالي على الخلق قال:
«وبعد: فإنا معاشر غزو الموحدين، لما منّ الله علينا - وله الحمد - بدخول مكة المشرفة نصف النهار، يوم السبت في ثامن شهر محرم الحرام، سنة ١٢١٨هـ» (٣) .
تحقيقهم للأمن والأمان لأهل مكة والحجاج: وكانوا يرعون حق الله تعالى ويعظمون شعائره ويقفون عند حدوده ويرعون حقوق الناس، ويتقون الله فيهم لا سيما سكان البيت الحرام، ويرغبون في تحقيق الأمن والسلم
стр. 59
والتسامح، ويحبون العفو عند المقدرة كما كان النبي ﷺ يفعل. لذا نجد أن الأمير سعود استجاب لطلب أشراف مكة وعلمائها، بل والعامة في ضمان أمنهم وحقوقهم، رغم أنهم كانوا قد عزموا على حشد الحشود لصد أهل الحق. أما ما أصاب بعض أهل البدع من الرعب آنذاك فهو من مظاهر النصر التي وعد الله بها المؤمنين الصادقين المتقين كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: « «ونصرت بالرعب مسيرة شهر» (١) . قال:
«بعد أن طلب أشراف مكة، وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو [سعود] الأمان، وقد كانوا تواطئوا مع أمراء الحجيج، وأمير مكة على قتاله، أو الإقامة في الحرم، ليصدوه عن البيت، فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم، فتفرقوا شذر مذر، كل واحد يعد الإياب غنيمة، وبذل الأمير حينئذٍ الأمان لمن بالحرم الشريف» (٢) .
دخولهم كان بملابس الإحرام والنسك: فقد دخلوا بمنتهى التواضع والتذلل لله تعالى، معلنين للتوحيد، كما أعلنه رسول الله ﷺ ، غير متلبسين بشيء من البدع والمحدثات، ولا المنكرات التي يفعلها في هذه المواقف وغيرها كثيرون، كما أنهم لم يدخلوا بالقتال، ولم يريقوا الدماء كما يزعم كثيرون من خصومهم والجاهلين بحالهم. قال:
«ودخلنا وشعارنا التلبية، آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين، غير خائفين من أحد من المخلوقين، بل من مالك يوم الدين» (٣) .
أدبهم وانضباطهم في مكة المكرمة: وكانوا أثناء دخولهم لمكة المكرمة على غاية السكينة، والانضباط والأدب وتعظيم شعائر الله تعالى، بخلاف ما يشيعه عنهم خصومهم والجاهلون بحقيقة أمرهم من أنهم
стр. 60
متوحشون وغير مؤدبين قال:
«ومن حين دخل الجند الحرم، وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون، لم يعضدوا به شجرًا، ولم ينفروا صيدًا» (١) .
ولم يباشروا قتالًا في الحرم: ثم حين دخلوا الحرم كانوا - بخلاف ما يشاع عنهم - حريصين على رعاية حرمة مكة، وحقن دماء المسلمين. قال:
«ولم يريقوا دمًا إلا دم الهدي، أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع» (٢) .
شرح منهجهم وما يدعون إليه ويقاتلون الناس عليه: ولما أدوا مناسكهم لم يحتجبوا عن الناس، ولم يلزموهم الحق بالقوة كما يزعم خصومهم، بل عرضوا منهجهم علنًا، وبينوا بالدلائل والبراهين أنهم جاءوا لنصر التوحيد والسنة وإعلانها، وإزالة مظاهر الشرك والبدع وإنكارها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما كانت طريقة المرسلين، وسنة خاتم النبيين محمد ﷺ وصحابته والتابعين والسلف الصالح. قال: «ولما تمت عمرتنا: جمعنا الناس ضحوة الأحد، وعرض الأمير ﵀ على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتل عليه؛ وهو: إخلاص التوحيد لله تعالى وحده؛ وعرفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين:
أحدهما: إخلاص التوحيد لله تعالى، ومعرفة أنواع العبادة، وأن الدعاء من جملتها، وتحقيق معنى الشرك، الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد ﷺ ، واستمر دعاؤه برهة من الزمن بعد النبوة إلى ذلك التوحيد، وترك الإشراك قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة.
والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره ورسمه» (٣) .
стр. 61
موافقة علماء مكة وأشرافها وغيرهم لدعوة الحق ومبايعتهم على ذلك: ولما سمع أهل العلم والعقل والحلم من علماء مكة وأشرافها وأعيانها ما كان عليه أهل الدعوة، وما يدعون إليه، وما جاءوا من أجله، ورأوا الحقيقة الجليَّة صافية نقية سالمة من حجب البهتان والتزوير والتضليل أذعنوا للحق، واستبانت لهم المحجة. قال: «فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلًا، وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة» (١) .
الرفق بالعلماء والعامة والعفو عنهم: ثم أخذوا الجميع بالرفق والتلطف، واستمرت بين الطرفين المحاورات والتناصح والمذاكرة، وعاملهم الأمير سعود بالصفح والعفو. قال: «وقبل منهم وعفا عنهم كافة، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة، ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق، لا سيما العلماء، ونقرر لهم حال اجتماعهم، وحال انفرادهم لدينا: أدلة ما نحن عليه، ونطلب منهم المناصحة والمذاكرة وبيان الحق» (٢) .
إعلانهم الاستعداد لقبول الحق بدليله: وأعلن الأمير سعود ومن معه من العلماء المنهج الشرعي الذي يجمع عليه المسلمون: من التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وأنهم مستعدون لقبول الحق بدليله، وأنه لا مساومة على هذا المبدأ المجمع عليه، ولما عرضوا على أهل مكة ذلك، وطلبوا منهم التحاكم فيما اختلفوا فيه إلى هذه القاعدة لم يكن منهم إلا التسليم بالحق. قال: «وعرفناهم: بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم، بأنا قابلون وما وضحوا برهانه، من كتاب أو سنة أو أثر عن السلف الصالح، كالخلفاء الراشدين، المأمورين باتباعهم، بقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (٣) أو
стр. 62
عن الأئمة الأربعة المجتهدين ومن تلقى العلم عنهم إلى آخر القرن الثالث، لقوله ﷺ : «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١) .
وعرفناهم: أنا دائرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح، ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا، فلم ينقموا علينا أمرًا» (٢) .
تقرير منع طلب الحاجات من الأموات وإذعان المخالفين للحق: ثم شرعوا مع علماء مكة بمناقشة القضية الكبرى بين دعوة السنة وبين أهل البدع، بل بين الرسل والدعاة دائمًا، وبين خصومهم، وهي قضية الشركيات والبدع، كطلب الحاجات من الأموات. ولما وردت بعض الشبهات، ردها أهل الحق بالأدلة من الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، وبذلك اعترف الآخرون بالحق والحمد لله.
قال: «فألحينا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات، إن بقي لديهم شبهة؟ فذكر بعضهم شبهة أو شبهتين، فرددناها بالدلائل القاطعة، من الكتاب والسنة، حتى أذعنوا ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب، فيما قاتلنا الناس عليه، أنه الحق الجلي، الذي لا غبار عليه» (٣) .
انشراح صدور الناس للحق حين سمعوه ورأوا الحقيقة: قال: «وحلفوا لنا الأيمان المغلظة، من دون استحلاف لهم، على انشراح صدورهم وجزم ضمائرهم: أنه لم يبق لديهم شك في أن من قال يا رسول الله ﷺ ، أو يا ابن عباس أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين، طالبًا بذلك دفع شر أو جلب خير، من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، من شفاء المريض والنصر على العدو والحفظ من المكروه،
стр. 63
ونحو ذلك: أنه مشرك شركًا أكبر يهدر دمه، ويبيح ماله، وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون، هو الله تعالى وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء، مستشفيًا بهم ومتقربًا بهم، لقضاء حاجته من الله بسرهم، وشفاعتهم له فيه أيام البرزخ» (١) .
وقد يقول قائل: إن ذلك الذي حدث من علماء مكة من الإذعان للحق كان تحت الإكراه والخوف، والمداراة التي قد تكون في مثل هذه المواقف. فنقول:
إنه لا داعي للخوف ولا المداراة وقد كانوا أخذوا الأمان ورأوا كامل الوفاء والاحترام من الإمام سعود. كما أنهم حين حلفوا الأيمان المغلظة دون أن يطلب منهم ذلك - وهم علماء - فإن هذا وحده دليل كاف على أن هذا هو عين الحقيقة. ويضاف لذلك أن ما عرض هنا مما أعلنوه وأقروا به هو الحق الذي لا خلاف عليه أصلًا، لكن أعداء الدعوة كانوا يوهمون الناس بخلافه، فقد كان ذلك كله في مجالس حوار وتناصح، وليس مجلس حكم وتسلط كما قد يتوهم البعض.
كشف حقيقة الأضرحة والشركيات عندها: فقد تم البيان بأن غاية هذه الدعوة المباركة هي الغاية العظمى التي بعث الله بها النبيين والمرسلين وندب لها الدعاة والمصلحين، وهي إخلاص العبادة لله وحده، وتحرير الناس من أوضار الشرك والبدع ووسائلها.
قال: «وأن ما وضع من البناء على قبور الصالحين: صارت هذه الأزمان أصنامًا تقصد لطلب الحاجات، ويتضرع عندها، ويهتف بأهلها في الشدائد، كما كانت تفعله الجاهلية الأولى، وكان من جملتهم (٢) مفتي الحنفية، الشيخ / عبد الملك القلعي، وحسن المغربي مفتي المالكية، وعقيل بن يحيى العلوي، فبعد ذلك: أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه، ويرجى النفع والنصر بسببه، من جميع البناء على القبور وغيرها، حتى لم يبق في تلك البقعة المطهرة طاغوت يعبد، فالحمد لله على ذلك» (٣) .
стр. 64
رفع المظالم من المكوس والضرائب: ومن الحسنات التي تميزت بها هذه الدعوة المباركة ودولتها أنها كلما تمكنت من بلد رفعت عن أهلها المظالم والمكوس ونحوها، بل كان هذا المبدأ الشرعي من الأصول التي تعاقد عليها الإمامان: محمد بن عبد الوهاب المجدد إمام الدعوة، ومحمد بن سعود مؤسس الدولة التي احتضنت الدعوة، وبهذا المبدأ عامل الإمام سعود أهل مكة وغيرهم.
قال الشيخ عبد الله: «ثم رفعت: المكوس والرسوم» (١) .
إزالة المنكرات ووسائلها الظاهرة: وأعلنت الدعوة المباركة الأصل الشرعي العظيم الذي جعله الله من خصائص هذه الأمة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي جعله الله شرطًا للتمكين والعزة والنصر. وهل يخالف في هذا المبدأ الكبير مسلم يخشى الله ويتقيه؟
قال: «وكسرت آلات التنباك، ونودي بتحريمه، وأحرقت أماكن الحشاشين، والمشهورين بالفجور» (٢) .
الأمر بصلاة الجماعة وجمع المسلمين على إمام واحد: وكان من ثمار هذه الدعوة المباركة في كل بلد وصلت إليها إزالة مظاهر التعصب المذهبي والفرقة والشتات والفشل الذي أصاب كثير من بلاد المسلمين، بسبب إعراضهم عن التفقه في دين الله وعن طلب الدليل، وبسبب هيمنة البدع والمحدثات والفرق والطرق، كما ساد الإعراض عن الصلاة وترك الجماعات!
حتى وصل الحال من الفرقة أنه بمكة بالبلد الحرام (بل بالمسجد الحرام) أنه كانت تقام أكثر من جماعة وأكثر من إمام في الفرض الواحد.
فسعت هذه الدعوة المباركة إلى ما أمر الله به، وما أوحى به رسوله ﷺ من الجماعة والاجتماع، ونبذ كل مظاهر الفرقة والتنازع.
стр. 65
فقام الأمير سعود بجمع المسلمين في الحرم على إمام واحد (دون اعتبار لمذهبه الفقهي) لأن المذاهب الأربعة كلها على السنة، والخلاف بين الأئمة الأربعة وأتباعهم كان في الاجتهاديات قال: «ونودي بالمواظبة على الصلوات في الجماعات، وعدم التفرق في ذلك، بأن يجتمعوا في كل صلاة على إمام واحد، ويكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة، رضوان الله عليهم؛ واجتمعت الكلمة حينئذ، وعبد الله وحده، وحصلت الألفة، وسقطت الكلفة» (١) .
حرصهم على حفظ الولاية والأمن والتيسير على الناس: وقام الأمير سعود بما أوجبه الله عليه من رعاية مصالح المسلمين، وتولية من يرعى شؤونهم ويقيم بينهم العدل والأمن، وييسر لهم أمورهم، ويحفظ دماءهم وأقوالهم وأعراضهم، ويدفع عنهم المشقة والحرج.
قال: «وأمر عليهم، واستتب الأمر من دون سفك دم، ولا هتك عرض، ولا مشقة على أحد، والحمد لله رب العالمين» (٢) .
تبصير المسلمين بالحق وتعليمهم الضروري من دينهم ونشر العلم: ثم شرع العلماء وطلاب العلم بتنفيذ النهج الذي تميزت به هذه الدعوة استجابة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ وهو تعليم الناس ضروريات دينهم في العقيدة والعبادة والأحكام والمعاملات.
قال: «ثم دفعت لهم الرسائل المؤلفة للشيخ محمد في التوحيد المتضمنة للبراهين، وتقرير الأدلة على ذلك بالآيات المحكمات والأحاديث المتواترة، مما يثلج الصدر؛ واختصر من ذلك رسالة مختصرة للعوام، تنشر في مجالسهم، وتدرس في محافلهم، ويبين لهم العلماء معانيها، ليعرفوا التوحيد فيتمسكوا بعروته الوثيقة، فيتضح لهم الشرك، فينفروا عنه، وهم على بصيرة آمنين» (٣) .
стр. 66
الاستعداد للحوار والمناقشة والإجابة على الشبهات: واتسعت صدورهم لمن كان لديه شيء من الشبهات، ومن رغب في استمرار الحوار والمناقشة للمسائل محل الخلاف بين أهل السنة وبين المخالفين لهم كمسألة الشفاعة التي يرى أهل السنة (بالدليل) أن منها المشروع، وهو ما توافرت فيه الشروط الواردة في القرآن والسنة، ومنها الممنوع (البدعي أو الشركي) حين لا تتوافر فيها الشروط.
قال: «وكان فيمن حضر من علماء مكة، وشاهد غالب ما صار: حسين بن محمد بن الحسين الإبريقي الحضرمي، ثم الحياني، ولم يزل يتردد علينا، ويجتمع بسعود وخاصته، من أهل المعرفة، ويسأل عن مسألة الشفاعة، التي جرد السيف بسببها، من دون حياء ولا خجل، لعدم سابقة جرم له» (١) .
التزامهم لمنهج السلف جملة وتفصيلًا: التأكيد على التزام الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وأتباعها بنهج السنة والجماعة جملة وتفصيلًا.
قال: «فأخبرناه: بأن مذهبنا في أصول الدين، مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف، التي هي الطريق الأسلم، بل والأعلم والأحكم، خلافًا لمن قال طريق الخلف أعلم» (٢) .
مذهبهم في الصفات مذهب السلف الصالح: قال: «وهي: أنا نقرأ آيات الصفات، وأحاديثها على ظاهرها، ونكل معناها مع اعتقاد حقائقها إلى الله تعالى؛ فإن مالكًا - وهو من أجل علماء السلف - لما سئل عن الاستواء، في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] [سورة طه، آية: ٥.] قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (٣) .
стр. 67
وفي القدر كذلك: قال: «ونعتقد: أن الخير والشر، كله بمشيئة الله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد؛ فإن العبد لا يقدر على خلق أفعاله، بل له كسب، رتب عليه الثواب فضلًا، والعقاب عدلًا، ولا يجب على الله لعبده شيء» (١) .
ويؤمنون بالرؤية كسائر أهل السنة: قال: «وأنه يراه المؤمنون في الآخرة، بلا كيف ولا إحاطة» (٢) .
وهم على مذهب الإمام أحمد ويقرون المذاهب الأخرى المعتبرة عند أهل السنة:
أما ما بهتهم به خصومهم والجاهلون بحقيقة منهجهم من أنهم جاءوا (بمذهب خامس) أو أنهم يحرمون الاجتهاد، وأنهم ينتقصون علماء الأمة كل ذلك محض افتراء.
قال: «ونحن أيضًا: في الفروع، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلّد أحد الأئمة الأربعة، دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير؛ الرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم؛ ولا نقرهم ظاهرًا على شيء من مذاهبهم الفاسدة بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة» (٣) .
لا يدّعون الاجتهاد المطلق لكنهم يأخذون بما صح به الدليل: وكذلك هم لا يدَّعون الاجتهاد المطلق، بل يلتزمون مصادر التلقي ومناهج الاستدلال المعتبرة عن أئمة المسلمين، ومع أنهم على مذهب الإمام أحمد - أحد أئمة السنة الأربعة - إلا أنهم لا يتعصبون للمذهب، بل يدورون مع الدليل حيث دار، ومع من قال به من الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة السنة.
قال: «ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدَّعيها، إلا أننا في بعض المسائل، إذا صح لنا نص جلي، من كتاب أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض
стр. 68
بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به، وتركنا المذهب، كإرث الجدة والإخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث، وإن خالف مذهب الحنابلة» (١) .
لا ينازعون المخالف ولا يلزمونه في الاجتهاديات: فقد نفوا في هذه الوثيقة فرية من أكبر المفتريات التي يشيعها الخصوم عنهم من أنهم يلزمون الناس في الأمور الخلافية، وأنهم يضيقون بالاجتهاد، وأنهم لا يقرون للمذاهب الأخرى المعتبرة لدى أهل السنة، وأنَّهم يتعصبون لمذهبهم ورأيهم.
قال: «ولا نفتش على أحد في مذهبه، ولا نعترض عليه، إلا إذا اطلعنا على نص جلي، مخالفًا لمذهب أحد الأئمة، وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر، كإمام الصلاة، فنأمر الحنفي والمالكي مثلًا، بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، فلا نأمره بالإسرار، وشتان ما بين المسألتين؛ فإذا قوي الدليل: أرشدناهم بالنص، وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادرًا جدًا؛ ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة، إلى اختيارات لهم في بعض المسائل، مخالفين للمذهب، الملتزمين تقليد صاحبه» (٢) .
يلتزمون منهج السلف وكتبهم في التلقي والاستدلال: وكذلك ينفون ما أشاعه الخصوم عنهم أنهم يفسرون القرآن والحديث بهواهم وأنهم لا يعتبرون تفسير العلماء والسلف، وأنهم لا يعنون بالعلوم الأخرى.
قال: «ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله، بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين، وغيرهم. وعلى فهم الحديث، بشروح الأئمة المبرزين، كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير.
стр. 69
ونحرص على كتب الحديث، خصوصًا: الأمهات الست وشروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولًا وفروعًا وقواعد وسيرًا ونحوًا وصرفًا وجميع علوم الأمة» (١) .
يحترمون كتب العلم إلا ما أوقع الناس في خلل الشرك: وما أشيع عنهم من أنهم يحرقون كتب العلماء من غيرهم مطلقًا فهو من البهتان إلا ما كان في الكتب المفسدة للعقيدة والدين، ككتب الشركيات والسحر وكتب المنطق الفلسفية، أما المنطق العلمي الصحيح فمنهم من قد يدرسه بعضهم.
قال: «ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلًا إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك، كروض الرياحين، أو يحصل بسببه خلل في العقائد كعلم المنطق، فإنه قد حرمه جمع من العلماء، على أنا لا نفحص عن مثل ذلك كالدلائل، إلا إن تظاهر به صاحبه معاندًا أتلف عليه» (٢) .
يتبرءون مما يفعله بعض الجهلة: ومع ذلك فإنه قد تحدث بعض التصرفات الطائشة كإحراق الكتب من بعض جهلة المنتسبين إليهم من العوام والأعراب والغوغاء، الذين لا يسلم من الابتلاء بهم أحد، ومع ذلك لما حدث من بعض المنتسبين للدعوة من الأعراب ونحوهم شيءٌ من ذلك أدّبوه وزجروه.
قال: «ومما اتفق لبعض البدو في إتلاف بعض كتب أهل الطائف، إنما صدر منه لجهله وقد زُجر هو وغيره عن مثل ذلك» (٣) .
لا يرون سبي العرب ولا قتل النساء والأطفال في الحرب: وما افتراه عليهم خصومهم من أنهم يسبون العرب ويقتلون النساء والأطفال والشيوخ في الحرب إنما هو من البهتان.
стр. 70
قال: «ومما نحن عليه: أنا لا نرى سبي العرب ولم نفعله ولم نقاتل غيرهم، ولا نرى قتل النساء والصبيان» (١) .
تفنيدهم لشبهات الخصوم: وحينما شاعت عن إمامهم وعنهم وعن دعوتهم الشبهات الكثيرة، والمفتريات والبهتان بغير حق ولا برهان، دافعوا عن الحق الذي يحملون وكشفوا الحقائق، وردوا المفتريات بقولهم وسيرتهم ومؤلفاتهم وحواراتهم، وبكل ما يملكون من وسائل قليلة ومحدودة، إزاء ما يملكه خصومهم من إمكانات كبرى، ووسائل عظيمة لكنها كانت كالزبد يذهب جفاء.
قال: «وأما ما يكذب علينا: سترًا للحق وتلبيسًا على الخلق بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا من دون مراجعة شرح، ولا معول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله، حتى أنزل عليه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] مع كون الآية مدنية.
وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب؛ لكونها فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق، أهل زماننا ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن عليه، ومن فروع ذلك: أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركًا وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله.
وأنا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ . ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقًا، وأن من دان بما نحن عليه، سقط عنه جميع التبعات حتى الديون.
وأنا لا نرى حقًا لأهل البيت - رضوان الله عليهم - وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم.
وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شابًا إذا ترافعوا إلينا.
стр. 71
فلا وجه لذلك، فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استَفْهَمَنا عنها من ذُكِر أولًا، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك، سبحانك هذا بهتان عظيم، فمن روى عنا شيئًا من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى» (١) .
وكانت أكبر وسيلة، وبرهان يدفع عنهم المفتريات ويبين سلامة النهج الذي كانوا عليه:
دعوة الناس إلى ما يشهد به الواقع وحال الدعوة وأهلها: قال: «ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق ما عندنا علم قطعًا: أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيرًا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره. ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] [سورة النساء، آية: ٤٨.] ، فإنا نعتقد: أن من فعل أنواعًا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق، والزنا والربا وشرب الخمر وتكرر منه ذلك، أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحدًا بجميع أنواع العبادة» (٢) .
стр. 72
تعظيمهم لقدر النبي ﷺ ، وحقوقه ﷺ : وكانت من أشنع الأكاذيب والبهتان الذي يشاع عن هذه الدعوة المباركة وأئمتها وأتباعها دعوى: أنهم لا يحترمون النبي ﷺ ولا يقدرونه حق قدره، وأنهم ينقصونه، لكن الله حسبنا ونعم الوكيل.
قال: «والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلِّم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه ﵊ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه كما جاء في الحديث عنه» (١) .
والحق أنهم إن لم يكونوا هم وأمثالهم أحباء الرسول ﷺ وأولياؤه حقًا لاتباعهم سنته، وبذلهم الأرواح والأموال، والمهج في سبيل محبته واتباع هديه وطاعته ونصرة دينه، وتطهيره من البدع والشركيات. إن لم يكن هؤلاء أحباءه فمن؟ إن أهل البدع والأهواء والافتراق الذي جانبوا سنته هم الذين لا يحبونه حقًا، ولم يقدروه حق قدره وإن زعموا ذلك، فالحب ليس بمجرد الدعوى، لكن بالاتباع والعمل بسنته.
حقيقة مذهبهم في الأولياء وكراماتهم وحقوقهم:
وكذلك كذب عليهم خصومهم، وأشاعوا (كذبًا وبهتانًا) بأنهم لا يحبون الأولياء والصالحين، وحقيقة الأمر أنهم أولى بالأولياء والصالحين ممن آذوا الأحياء والأموات، بالبدع والخرافات والمكاء والتصدية، والسماعات المحدثة، والتبركات المبتدعة.
قال: «ولا ننكر كرامات الأولياء ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئًا من أنواع العبادات، لا حال الحياة ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم، فقد
стр. 73
جاء في الحديث: «دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه» (١) الحديث، وأمر ﷺ عمر (٢) وعليًا (٣) بسؤال الاستغفار من " أويس " ففعلا (٤) .
وعقيدتهم في شفاعة النبي ﷺ هي الحق بمقتضى النصوص: وما أشاعه عنهم خصومهم من أنهم ينكرون شفاعة النبي ﷺ وغيرها من الشفاعات الثابتة بالنصوص الصحيحة كل ذلك من البهتان:
قال: «ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة حسب ما ورد، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضًا، ونسألها من المالك لها، والآذان فيها لمن يشاء من الموحدين، الذين هم أسعد الناس بها، كما ورد بأن يقول أحدنا - متضرعًا إلى الله تعالى -: اللهم شفع نبينا محمد ﷺ فينا يوم القيامة، أو: اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك أو نحو ذلك، مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال: يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها، كأدركني أو أغثني أو اشفني أو انصرني على عدوي ونحو ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح في ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف: أن ذلك شرك أكبر، قاتل عليه رسول الله ﷺ » (٥) .
стр. 74
بيان الحق في مسألة الحلف بغير الله: قال: «فإن قلت: ما تقول في الحلف بغير الله والتوسل به؟ قلت: ننظر إلى حال المقسم إن قصد به التعظيم، كتعظيم الله أو أشد كما يقع لبعض غلاة المشركين من أهل زماننا، إذا استحلف بشيخه أي: معبوده الذي يعتمد في جميع أموره عليه، لا يرضى أن يحلف إذا كان كاذبًا أو شاكًا، وإذا استحلف بالله فقط رضي، فهو كافر من أقبح المشركين وأجهلهم إجماعًا، وإن لم يقصد التعظيم بل سبق لسانه إليه، فهذا ليس بشرك أكبر، فينهى عنه ويزجر ويؤمر صاحبه بالاستغفار عن تلك الهفوة» (١) .
بيان الحق في مسألة التوسل ورفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ مع الأذان: قال: «أما التوسل وهو أن يقول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد ﷺ ، أو بحق نبيك، أو بجاه عبادك الصالحين، أو بحق عبدك فلان، فهذا من أقسام البدع المذمومة، ولم يرد بذلك نص، كرفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ عند الأذان» (٢) .
رعايتهم لحقوق آل البيت من غير غلو ولا تفريط: قال: «وأما أهل البيت فقد ورد سؤال على علماء الدرعية في مثل ذلك، وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي، وكان الجواب عليه ما نصه: أهل البيت - رضوان الله عليهم - لا شك في طلب حبهم ومودتهم، ولما ورد فيه من كتاب وسنة، فيجب حبهم ومودتهم، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق، فلا فضل لأحد إلا بالتقوى، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم والإجلال، ولسائر العلماء مثل ذلك، كالجلوس في صدور المجالس، والبداءة بهم في التكريم، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم ونحو ذلك، إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن والعلم.
وما اعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم وجاهلهم على من هو أمثل منه،
стр. 75
حتى إنه إذا لم يقبل يده كلما صافحه عاتبه وصارمه أو ضاربه أو خاصمه، فهذا لم يرد به نص ولا دل عليه دليل، بل منكر تجب إزالته، ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر أو لمشيخة علم أو في بعض الأوقات لطول غيبه فلا بأس، إلا أنه لما أُلف في الجاهلية الأخرى: أن التقبيل صار علمًا لمن يعتقد فيه أو في أسلافه أو عادة المتكبرين من غيرهم، نهينا عنه مطلقًا، لا سيما لمن ذكر حسمًا لذرائع الشرك ما أمكن» (١) .
هدم القباب على القبور حسمًا لمادة الشرك: ومما أثاره عليهم خصومهم - أهل البدع - وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم، وأوغروا صدور عوام المسلمين الجاهلين بحقيقة الأمر مسألة هدمهم للقباب والمزارات والمشاهد البدعية. وهذا من التلبيس وقلب الحقائق، فإن ذلك مما يمدحون به ويشكر لهم لأنهم إنما فعلوا ذلك امتثالًا لأمر النبي ﷺ ، فقد صح عنه الأمر بذلك والنهي عن البناء على القبور.
قال: «وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء، حسمًا لتلك المادة، وتنفيرًا عن الإشراك بالله ما أمكن لعظم شأنه فإنه لا يغفر، وهو أقبح من نسبة الولد لله تعالى، إذ الولد كمال في حق المخلوق، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق، لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي﴾ [الروم: ٢٨] [سورة الروم، آية: ٢٨] » (٢) .
بيان حكم تزويج الفاطمية لغير الفاطمي: قال: «وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي: فجائز إجماعًا، بل ولا كراهية في ذلك، وقد زَوَّج علي عمر بن الخطاب، وكفى بهما قدوة، وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي، بأربعة ليس فيهم فاطمي، بل ولا هاشمي، ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار، إلا أنا لا نجبر أحدًا على تزويج موليته ما لم تطلب هي، وتمتنع من غير الكفء، والعرب: أكفاء بعضهم لبعض، فما اعتيد في بعض البلاد من المنع دليل التكبر، وطلب التعظيم، وقد يحصل