← Акыда

Акыда · id 30888

إسلامية لا وهابية

ناصر العقل

Полный текст (421 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فلا وجه لذلك، فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استَفْهَمَنا عنها من ذُكِر أولًا، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك، سبحانك هذا بهتان عظيم، فمن روى عنا شيئًا من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى» (١) . وكانت أكبر وسيلة، وبرهان يدفع عنهم المفتريات ويبين سلامة النهج الذي كانوا عليه: دعوة الناس إلى ما يشهد به الواقع وحال الدعوة وأهلها: قال: «ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق ما عندنا علم قطعًا: أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيرًا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره. ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] [سورة النساء، آية: ٤٨.] ، فإنا نعتقد: أن من فعل أنواعًا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق، والزنا والربا وشرب الخمر وتكرر منه ذلك، أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحدًا بجميع أنواع العبادة» (٢) .

стр. 72

تعظيمهم لقدر النبي ﷺ ، وحقوقه ﷺ : وكانت من أشنع الأكاذيب والبهتان الذي يشاع عن هذه الدعوة المباركة وأئمتها وأتباعها دعوى: أنهم لا يحترمون النبي ﷺ ولا يقدرونه حق قدره، وأنهم ينقصونه، لكن الله حسبنا ونعم الوكيل. قال: «والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلِّم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه ﵊ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه كما جاء في الحديث عنه» (١) . والحق أنهم إن لم يكونوا هم وأمثالهم أحباء الرسول ﷺ وأولياؤه حقًا لاتباعهم سنته، وبذلهم الأرواح والأموال، والمهج في سبيل محبته واتباع هديه وطاعته ونصرة دينه، وتطهيره من البدع والشركيات. إن لم يكن هؤلاء أحباءه فمن؟ إن أهل البدع والأهواء والافتراق الذي جانبوا سنته هم الذين لا يحبونه حقًا، ولم يقدروه حق قدره وإن زعموا ذلك، فالحب ليس بمجرد الدعوى، لكن بالاتباع والعمل بسنته. حقيقة مذهبهم في الأولياء وكراماتهم وحقوقهم: وكذلك كذب عليهم خصومهم، وأشاعوا (كذبًا وبهتانًا) بأنهم لا يحبون الأولياء والصالحين، وحقيقة الأمر أنهم أولى بالأولياء والصالحين ممن آذوا الأحياء والأموات، بالبدع والخرافات والمكاء والتصدية، والسماعات المحدثة، والتبركات المبتدعة. قال: «ولا ننكر كرامات الأولياء ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئًا من أنواع العبادات، لا حال الحياة ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم، فقد

стр. 73

جاء في الحديث: «دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه» (١) الحديث، وأمر ﷺ عمر (٢) وعليًا (٣) بسؤال الاستغفار من " أويس " ففعلا (٤) . وعقيدتهم في شفاعة النبي ﷺ هي الحق بمقتضى النصوص: وما أشاعه عنهم خصومهم من أنهم ينكرون شفاعة النبي ﷺ وغيرها من الشفاعات الثابتة بالنصوص الصحيحة كل ذلك من البهتان: قال: «ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة حسب ما ورد، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضًا، ونسألها من المالك لها، والآذان فيها لمن يشاء من الموحدين، الذين هم أسعد الناس بها، كما ورد بأن يقول أحدنا - متضرعًا إلى الله تعالى -: اللهم شفع نبينا محمد ﷺ فينا يوم القيامة، أو: اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك أو نحو ذلك، مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال: يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها، كأدركني أو أغثني أو اشفني أو انصرني على عدوي ونحو ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح في ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف: أن ذلك شرك أكبر، قاتل عليه رسول الله ﷺ » (٥) .

стр. 74

بيان الحق في مسألة الحلف بغير الله: قال: «فإن قلت: ما تقول في الحلف بغير الله والتوسل به؟ قلت: ننظر إلى حال المقسم إن قصد به التعظيم، كتعظيم الله أو أشد كما يقع لبعض غلاة المشركين من أهل زماننا، إذا استحلف بشيخه أي: معبوده الذي يعتمد في جميع أموره عليه، لا يرضى أن يحلف إذا كان كاذبًا أو شاكًا، وإذا استحلف بالله فقط رضي، فهو كافر من أقبح المشركين وأجهلهم إجماعًا، وإن لم يقصد التعظيم بل سبق لسانه إليه، فهذا ليس بشرك أكبر، فينهى عنه ويزجر ويؤمر صاحبه بالاستغفار عن تلك الهفوة» (١) . بيان الحق في مسألة التوسل ورفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ مع الأذان: قال: «أما التوسل وهو أن يقول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد ﷺ ، أو بحق نبيك، أو بجاه عبادك الصالحين، أو بحق عبدك فلان، فهذا من أقسام البدع المذمومة، ولم يرد بذلك نص، كرفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ عند الأذان» (٢) . رعايتهم لحقوق آل البيت من غير غلو ولا تفريط: قال: «وأما أهل البيت فقد ورد سؤال على علماء الدرعية في مثل ذلك، وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي، وكان الجواب عليه ما نصه: أهل البيت - رضوان الله عليهم - لا شك في طلب حبهم ومودتهم، ولما ورد فيه من كتاب وسنة، فيجب حبهم ومودتهم، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق، فلا فضل لأحد إلا بالتقوى، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم والإجلال، ولسائر العلماء مثل ذلك، كالجلوس في صدور المجالس، والبداءة بهم في التكريم، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم ونحو ذلك، إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن والعلم. وما اعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم وجاهلهم على من هو أمثل منه،

стр. 75

حتى إنه إذا لم يقبل يده كلما صافحه عاتبه وصارمه أو ضاربه أو خاصمه، فهذا لم يرد به نص ولا دل عليه دليل، بل منكر تجب إزالته، ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر أو لمشيخة علم أو في بعض الأوقات لطول غيبه فلا بأس، إلا أنه لما أُلف في الجاهلية الأخرى: أن التقبيل صار علمًا لمن يعتقد فيه أو في أسلافه أو عادة المتكبرين من غيرهم، نهينا عنه مطلقًا، لا سيما لمن ذكر حسمًا لذرائع الشرك ما أمكن» (١) . هدم القباب على القبور حسمًا لمادة الشرك: ومما أثاره عليهم خصومهم - أهل البدع - وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم، وأوغروا صدور عوام المسلمين الجاهلين بحقيقة الأمر مسألة هدمهم للقباب والمزارات والمشاهد البدعية. وهذا من التلبيس وقلب الحقائق، فإن ذلك مما يمدحون به ويشكر لهم لأنهم إنما فعلوا ذلك امتثالًا لأمر النبي ﷺ ، فقد صح عنه الأمر بذلك والنهي عن البناء على القبور. قال: «وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء، حسمًا لتلك المادة، وتنفيرًا عن الإشراك بالله ما أمكن لعظم شأنه فإنه لا يغفر، وهو أقبح من نسبة الولد لله تعالى، إذ الولد كمال في حق المخلوق، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق، لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي﴾ [الروم: ٢٨] [سورة الروم، آية: ٢٨] » (٢) . بيان حكم تزويج الفاطمية لغير الفاطمي: قال: «وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي: فجائز إجماعًا، بل ولا كراهية في ذلك، وقد زَوَّج علي عمر بن الخطاب، وكفى بهما قدوة، وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي، بأربعة ليس فيهم فاطمي، بل ولا هاشمي، ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار، إلا أنا لا نجبر أحدًا على تزويج موليته ما لم تطلب هي، وتمتنع من غير الكفء، والعرب: أكفاء بعضهم لبعض، فما اعتيد في بعض البلاد من المنع دليل التكبر، وطلب التعظيم، وقد يحصل

стр. 76

بسبب ذلك فساد كبير كما ورد، بل يجوز الإنكاح لغير الكفء، وقد تزوج زيد - وهو من الموالي - زينب أم المؤمنين وهي قرشية، والمسألة معروفة عند أهل المذاهب، انتهى» (١) . تورعهم عن التكفير وبيان أن لازم الكفر عندهم ليس بلازم: وكانت من القضايا الكبرى بينهم وبين خصومهم دعوى: أنهم يكفرون المسلمين وقد تبرءوا من ذلك، وكتاباتهم وفتواهم ومواقفهم تكذب هذه الفرية، وهم في مسألة التكفير متبعون لنصوص القرآن والسنة، فلا يكفرون إلا بدليل شرعي وبينات، فهم يكفرون من كفَّره الله ورسوله، ولا يكفرون عموم المسلمين كما زعم خصومهم، بل يتورعون عن تكفير المسلمين ويحذرون من مذهب الخوارج في ذلك: قال: «فإن قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان له: يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال يا رسول الله أسألك الشفاعة: أنه مشرك مهدر الدم، أن يقال بكفر غالب الأمة ولا سيما المتأخرين، لتصريح علمائهم المعتبرين: أن ذلك مندوب، وشنوا الغارة على من خالف في ذلك! قلت: لا يلزم؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر، ومثل ذلك: لا يلزم أن نكون مجسمة، وإن قلنا بجهة العلو كما ورد الحديث بذلك» (٢) . لا يحكمون على أموات المسلمين إلا بخير: قال: «ونحن نقول فيمن مات: تلك أمة قد خلت» (٣) . ولا يكفرون إلا بالشروط وانتفاء الموانع: قال: «ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرًا معاندًا كغالب من نقاتلهم اليوم، يصرون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر والمحرمات» (٤) .

стр. 77

لا يلزم من القتال التكفير: قال: «وغير الغالب: إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله ورضاه به، ولتكثير سواد من ذكر والتأليب معه، فله حينئذ حكمه في قتاله» (١) . الاعتذار عمن مضى من المسلمين ولم تقم عليه الحجة: قال: «ونعتذر عمن مضى: بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعًا» (٢) . الخطأ وارد على سائر أفراد الأئمة: قال: «ومن شن الغارة فقد غلط (٣) ولا بدع أن يغلط، فقد غلط من هو خير منه، كمثل عمر بن الخطاب ﵁ فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر وفي غير ذلك، يعرف ذلك في سيرته. بل غلط الصحابة وهم جمع ونبينا ﷺ بين أظهرهم سار فيهم نوره، فقالوا اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» (٤) . والمجتهد المخطئ معذور ما لم تقم عليه الحجة: قال: «فإن قلت: هذا فيمن ذهل، فلما نبه انتبه، فما القول فيمن حرر الأدلة؟ واطلع على كلام الأئمة القدوة؟ واستمر مصرًا على ذلك حتى مات؟ قلت: ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر ولا نقول: إنه كافر، ولا لما تقدم أنه مخطئ (٥) وإن استمر على خطئه، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته، بلسانه وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين: التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسًا، ومن اطلع عليه أعرض عنه، قبل أن يتمكن في قلبه، ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق

стр. 78

النظر في ذلك، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من شاء الله منهم. هذا: وقد رأى معاوية وأصحابه ﵁ منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقتاله ومناجزته الحرب وهم في ذلك مخطئون بالإجماع، واستمروا في ذلك الخطأ، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعًا، بل ولا تفسيقه، بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد وإن كانوا مخطئين، كما أن ذلك مشهور عند أهل السنة» (١) . بيان الحق في زلة العالم وحفظ مكانته: قال: «ونحن كذلك: لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئًا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم ولا ننكر سعة علمه، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل؛ لأنه من جملة علماء المسلمين» (٢) . دعوة المنصفين إلى حقيقة الأمر الذي هم عليه: قال: «هذا ما نحن عليه مخاطبين من له عقل وعلم، وهو متصف بالإنصاف خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف ينظر إلى ما يقال لا إلى من قال» (٣) . ومن أصر على الباطل يؤخذ بالحزم: قال: «وأما من شأنه لزوم مألوفه وعاداته سواء كان حقًا أو غير حق، فقلد من قال الله فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] [سورة الزخرف، آية: ٢٣] ، عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق، فلا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف حتى يستقيم أوده ويصح معوجه، وجنود التوحيد - بحمد الله - منصورة، وراياتهم بالسعد والإقبال منشورة: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] [سورة الشعراء، آية: ٢٢٧] ،

стр. 79

و ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] [سورة المائدة، آية: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] [سورة الصافات، آية: ١٧٣] ، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] [سورة الروم، آية: ٤٧] ، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] [سورة الأعراف، آية: ١٢٨] . بيان حقيقة البدعة شرعًا: قال: «هذا ومما نحن عليه: أن البدعة هي: ما حدثت بعد القرون الثلاثة مذمومًا مطلقًا، خلافًا لمن قال حسنة وقبيحة، ولمن قسمها خمسة أقسام، إلا إن أمكن الجمع، بأن يقال: الحسنة ما عليه السلف الصالح شاملة: للواجبة والمندوبة والمباحة، ويكون تسميتها بدعة مجازًا، والقبيحة ما عدا ذلك شاملة: للمحرمة والمكروهة، فلا بأس بهذا الجمع» (١) . نماذج من البدع المذمومة: وكذلك نفوا ما يزعمه الخصوم عنهم من أنهم يُبدِّعون من صلى على النبي ﷺ ويمنعون من الأذكار المشروعة وبيّنوا أن ذلك من الكذب عليهم، وأنهم إنما منعوا البدع ونهوا عنها. قال: «فمن البدع المذمومة التي ننهى عنها: رفع الصوت في مواضع الأذان بغير الأذان، سواء كان آيات أو صلاة على النبي ﷺ أو ذكرًا أو غير ذلك بعد الأذان، أو في ليلة الجمعة أو رمضان أو العيدين، فكل ذلك بدعة مذمومة» (٢) . إبطال البدع المألوفة بمكة: قال: «وقد أبطلنا ما كان مألوفًا بمكة، من التذكير والترحيم ونحوه، واعترف علماء المذاهب أنه بدعة. ومنها: قراءة الحديث عن أبي هريرة بين يدي خطبة الجمعة، فقد صرح شارح الجامع الصغير بأنه بدعة، ومنها الاجتماع في وقت مخصوص على من يقرأ سيرة المولد الشريف، اعتقادًا أنه قربة مخصوصة مطلوبة دون علم السير، فإن ذلك لم يرد. ومنها: اتخاذ المسابح، فإنا ننهى عن التظاهر باتخاذها.

стр. 80

ومنها: الاجتماع على رواتب المشائخ برفع الصوت، وقراءة الفواتح والتوسل بهم في المهمات، كراتب السمان وراتب الحداد ونحوهما، بل قد يشتمل ما ذكر على شرك أكبر، فيقاتلون على ذلك، فإن سلموا من أرشدوا إلى أنه على هذه الصورة المألوفة غير سنة بل بدعة فذاك، فإن أبوا عزرهم الحاكم بما يراه رادعًا» (١) . الأوراد المشروعة لا تنكر: قال: «وأما أحزاب العلماء، المنتخبة من الكتاب والسنة، فلا مانع من قراءتها، والمواظبة عليها فإن الأذكار، والصلاة على النبي ﷺ والاستغفار، وتلاوة القرآن ونحو ذلك مطلوب شرعًا؛ والمعتني به مثاب مأجور، فكلما أكثر منه العبد كان أوفر ثوابًا، لكن على الوجه المشروع، من دون تنطع ولا تغيير ولا تحريف، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] [سورة الأعراف، آية: ٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] [سورة الأعراف، آية: ١٨٠] ولله در النووي في جمعه كتاب الأذكار؛ فعلى الحريص على ذلك به، ففيه الكفاية للموفق. عودة إلى أنواع البدع المذمومة: ومنها: ما اعتيد في بعض البلاد، من قراءة مولد النبي ﷺ بقصائد بألحان، وتخلط بالصلاة عليه، وبالأذكار والقراءة، ويكون بعد صلاة التراويح، ويعتقدونه على هذه الهيئة من القرب، بل تتوهم العامة أن ذلك من السنن المأثورة، فينهى عن ذلك، وأما صلاة التراويح فسنة، لا بأس بالجماعة فيها والمواظبة عليها. ومنها: ما اعتيد في بعض البلاد من صلاة الخمسة الفروض بعد آخر جمعة من رمضان، وهذه من البدع المنكرة إجماعًا فيزجرون عن ذلك أشد الزجر، ومنها رفع الصوت بالذكر عند حمل الميت أو عند رش القبر بالماء وغير ذلك مما لم يرد عن السلف، وقد ألف الشيخ الطرطوشي المغربي كتابًا نفيسًا سماه [الحوادث والبدع] واختصره أبو شامة المقدسي فعلى المعتني بدينه بتحصيله» (٢) .

стр. 81

التفريق بين ما هو بدعي وما ليس ببدعي من المحدثات: قال: «وإنما ننهى عن البدع المتخذة دينًا وقربة؛ وأما ما لا يتخذ دينًا وقربة كالقهوة وإنشاء قصائد الغزل ومدح الملوك فلا ننهى عنه، ما لم يخلط بغيره إما ذكر أو اعتكاف في مسجد ويعتقد أنه قربة؛ لأن حسان رَدَّ على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وقال: قد أنشدته بين يدي من هو خير منك، فقبل عمر» (١) . مشروعية اللعب المباح: قال: «ويحل كل لعب مباح؛ لأن النبي ﷺ أقر الحبشة على اللعب في يوم العيد في مسجده ﷺ ويحل الرجز والحداء في نحو العمارة، والتدريب على الحرب بأنواعه، وما يورث الحماسة فيه كطبل الحرب دون آلات الملاهي، فإنها محرمة والفرق ظاهر، ولا بأس بدف العرس وقد قال ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة» (٢) وقال: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة» (٣) » (٤) . إمامة ابن تيمية وابن القيم في الدين: قال: «هذا وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه، إماما حق من أهل السنة وكتبهم عندنا من أعز الكتب، إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمد ﷺ ، ومعلوم مخالفتنا لهما في عدة مسائل، منها طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس، فإنا نقول به تبعًا للأئمة الأربعة، ونرى الوقف صحيحًا والنذر جائزًا، ويجب الوفاء به في غير المعصية» (٥) .

стр. 82

عودة إلى أنواع البدع والتحذير منها: قال: «ومن البدع المنهي عنها: قراءة الفواتح للمشائخ بعد الصلوات الخمس، والإطراء في مدحهم والتوسل بهم على الوجه المعتاد في كثير من البلاد، وبعد مجامع العبادات، معتقدين أن ذلك من أكمل القرب، وهو ربما جر إلى الشرك من حيث لا يشعر الإنسان، فإن الإنسان يحصل منه الشرك من دون شعور به لخفائه، ولولا ذلك لما استعاذ النبي ﷺ منه بقوله: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم، إنك أنت علام الغيوب» (١) . وينبغي المحافظة على هذه الكلمات، والتحرز عن الشرك ما أمكن؛ فإن عمر بن الخطاب قال: إنما ينقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا دخل في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، أو كما قال. وذلك لأنه يفعل الشرك، ويعتقد أنه قربة، نعوذ بالله من الخذلان، وزوال الإيمان» (٢) . ثم قال الشيخ عبد الله بعد هذا البيان: «هذا ما حضرني حال المراجعة مع المذكور (٣) مدة تردده، وهو يطالبني كل حين بنقل ذلك وتحريره، فلما ألح علي نقلت له هذا من دون مراجعة كتاب، وأنا في غاية الاشتغال بما هو أهم من أمور الغزو» (٤) . دعوة الناس إلى التحقق من حال الدعوة ومنهجها: ثم إنهم قد أنصفوا من أنفسهم وأقاموا الحجة بالدعوة إلى التثبت مما يشاع عنهم والاطلاع على حقيقة حالهم.

стр. 83

قال: «فمن أراد تحقيق ما نحن عليه، فليقدم علينا الدرعية، فسيرى ما يسر خاطره، ويقر ناظره، من الدروس في فنون العلم، خصوصًا التفسير والحديث؛ ويرى ما يبهره بحمد الله وعونه، من إقامة شعائر الدين، والرفق بالضعفاء والوفود والمساكين» (١) . بيان حقيقة التعبد المشروع والتصوف المأمون: وهم حين ينكرون التصوف البدعي، والطرق المحدثة فإنهم يقرون بالتنسك والتعبد المشروع على منهاج السنة والسلف الصالح، وإن سمي ذلك تصوفًا أو طريقة صوفية إذا كان على الاستقامة والسنة وسلم من البدع والمحدثات. قال: «ولا ننكر الطريقة الصوفية، وتنزيه الباطن من رذائل المعاصي، المتعلقة بالقلب والجوارح، مهما استقام صاحبها على القانون الشرعي، والمنهج القويم المرعي، إلا أنا لا نتكلف له تأويلات في كلامه ولا في أفعاله» (٢) . لا يفوضون أمورهم كلها إلا إلى الله تعالى: قال: «ولا نعول، ونستعين، ونستنصر، ونتوكل في جميع أمورنا إلا على الله تعالى، فهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على محمد وآله وصحبة وسلم» (٣) . وبعد: فإن هذه الوثيقة قد كشفت للناس منهج الدعوة وحقيقة ما هي عليه وأتباعها ودولتها بوضوح وصراحة، وكشفت بالدليل والبرهان الكثير من الزيوف والبهتان الذي يقال عنها. فهل بعد هذا من بيان لمن ألقى السمع وهو شهيد؟

стр. 84

[المبحث الرابع منهجهم في التلقي مصادر الدين ومنهج الاستدلال هو منهج أهل السنة] [توقيرهم للعلماء واحترامهم لهم] المبحث الرابع أ - منهجهم في التلقي (مصادر الدين ومنهج الاستدلال) هو منهج أهل السنة يتميز المنهج الذي عليه الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وعامة أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا في مصادر الدين ومنهج التلقي والاستدلال بالأصالة والسلامة والثبات واليقين. فقد التزموا المنهج الشرعي السليم الذي عليه علماء الأمة من أهل الحديث والفقه والأصول، من سلامة مصادر التلقي ومراعاة قواعد الاستدلال، فهم يعتمدون في تلقي الدين وتقريره والعمل به على الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ الصحيحة (الوحي) . وإجماع السلف معتبر عندهم؛ لأن الإجماع لا يكون إلا على ما له دليل من الكتاب والسنة، كما يعتمدون أقوال علماء الأمة المعتبرين من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم ... ويعتمدون في الاستدلال على المنهج الشرعي السليم، منهج السلف الصالح، على ما يأتي بيانه في قواعد الاستدلال عندهم. وهم يستخدمون ما أنعم الله به على عباده من الفطرة النقية والعقل السليم في فهم كلام الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ واستنباط الدلالات والأحكام منهما، والاجتهاد والفقه في دين الله تعالى. ويستخدمون العقل في التفكر في خلق الله وآلائه ونعمه، والتوصل بذلك إلى عبادة الله تعالى وذكره وشكره بما شرع. كما يستخدمون العقل وسائر المواهب التي منحها الله للإنسان في الاجتهاديات والعلوم الطبيعية في عمارة الأرض والاستخلاف فيها وبذل الأسباب؛ أسباب الرزق والقوة والعزة والتمكين، وأسباب النجاح والفلاح وسعادة البشرية في الدنيا والآخرة على ما شرعه الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ . لكنهم يتجنبون مسالك أهل الأهواء من الفلاسفة والعقلانيين والمتكلمين، ومن سلك سبيلهم من تقديس العقل القاصر المحدود الفاني، المعرض لعوارض النقص وتقديمه على الوحي المعصوم الكامل (كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) .

стр. 85

فالعقل مهما بلغ من الإدراك والتحصيل فإنه تبع للشرع، لا يمكن أن يقدم على الوحي المعصوم ولا أن يحكم فيه. وهذا المنهج القويم - أعني منهج التلقي والاستدلال على قواعد شرعية مأمونة - يعد من أكبر الفوارق بين أهل السنة وبين مخالفيهم أهل الأهواء والافتراق والابتداع. ومصادر التلقي تعدُّ أهم ركيزة يبني عليها دين المسلم في العقيدة والأحكام والسلوك ومنهج الحياة كلها؛ لأن التلقي إنما يعنى: تلقي الدين جملة وتفصيلًا وذلك لا يكون إلا عن الله تعالى وما أمر به من التلقي عن رسوله ﷺ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] [سورة الحشر، آية (٧) .] . وإذا كان مبدأ التلقي عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ (القرآن والسنة) معلومًا بالضرورة عند كل مسلم، ويدعيه المحق والمبطل، والمتبع والمبتدع. فإن مجرد الدعوى لا تكفي، بل لا بد من تحقيق وبرهان، وعند التحقيق نجد أن السلف الصالح أهل السنة والجماعة، ومنهم إمام هذه الدعوة الإصلاحية المباركة، وأتباعها، هم الذين سلمت عندهم مصادر التلقي نقية صافية، وكذلك منهج الاستدلال بخلاف خصومهم أهل البدع والأهواء والافتراق الذين حادوا عن الحق، ولبسوا على الناس، وسلكوا طريق الغواية وسبل الضلالة، حينما أخذوا يستمدون دينهم أو بعض دينهم من المصادر الداخلية، ومن أوهام العقول، ودعاوي العصمة لمن هم دون الرسول ﷺ ، من الأئمة وغيرهم، من الصالحين والطالحين، والأولياء والأدعياء، وكذلك دعاوي الكشف والذوق ونحو ذلك، مما يفعله كثيرون من أهل الكلام والفلسفة والتصوف والرفض، ومن سلك سبيلهم. ولذا فإن دعوى الاتباع للكتاب والسنة عند هذه الفئات، دعوى كاذبة وملبسة فهم: (يلبسون الحق بالباطل) . فكان لزامًا على أهل الحق وأهل العلم أن يبينوا وجه الحق ويكشفوا عن وجه الباطل في هذه المسألة، وهذا ما فعله وقام به إمام الدعوة وعلماؤها وأتباعها، وسائر أهل السنة، ولأن المنهج الحق في التلقي والاستدلال بين واضح بحمد الله لا لبس فيه ولا غموض. فقد اجتهدت في هذا الفصل في بيان القواعد التي اعتمدها أهل السنة والجماعة، من علماء هذه الدعوة ومن سبقهم من علماء الأمة ومجتهديها على مقتضى الكتاب والسنة

стр. 86

ونهج السلف الصالح - في تلقي الدين والعمل به. والكشف عن مناهج المخالفين وسبلهم المعوجة الخارجة عن السنة في هذا الموضوع، التي هي سبل الشيطان ومسالك البدعة والضلالة - نسأل الله السلامة - ليحذر منها من وفقه الله وهداه، وتقوم بها الحجة على المكابر والمعاند. وإن من سمات هذه الدعوة وعلمائها وأتباعها - بحمد الله - الحرص على التفقه في دين الله، والتأصيل الشرعي والتزام السنة والجماعة - من مقل ومكثر - والرجوع إلى أهل العلم، والتزام أصول الدين، وإعلان شعائره في كل مكان. وهذه سمات تبشر بخير فالرجوع إلى مصادر الدين النقية الصافية، ومناهج السلف في العقيدة والتلقي والاستدلال والتعامل والأحكام - هو وحده - الطريق الذي فيه السلامة والضمانة في تحصيل ما وعد الله به المسلمين من النصر والرفعة والتمكين والاجتماع. فالعقيدة السليمة وهي التي تجمع المسلمين، والشريعة الإلهية وهي التي تحكمهم - لا يمكن استمدادها إلا من مصادرها النَّقيَّة الصافية (القرآن والسنة) وعلى نهج سليم وهو نهج السلف الصالح وهو: (سبيل المؤمنين) وهذا ما تميزت به هذه الدعوة الإصلاحية المباركة التي يسمونها (الوهابية) عن سائر الدعوات الإصلاحية الحديثة، وهذا من أسباب قوتها وتأثيرها وانتشارها. أما المصادر الدخيلة في الدين والمناهج المعوجة في الاستدلال التي عليها خصوم الدعوة وخصوم السنة (أهل الأهواء والبدع والافتراق) فلن يكون فيها إلا الفرقة والشتات والتنازع والذلة والهوان، كما هو مبين في النصوص الشرعية ويصدقه الواقع - وكما بينه إمام الدعوة وعلماؤها. وهذا مصداق قول النبي ﷺ «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ... » الحديث (١) . وقد أصَّل أهل السنة والجماعة - ومنهم إمام الدعوة وعلماؤها - هذا المنهج الشرعي القويم في التلقي ومنهج الاستدلال بقواعد علمية منهجية متينة، وموازين شرعية استمدوها من القرآن والسنة ونهج السلف الصالح.

стр. 87

وهذا الأصل العظيم هو ما قرره الإمام محمد بن عبد الوهاب واتباعه بقوة ووضوح ودعا إليه كل المخالفين، واستعد للمباهلة عليه فقال: «وأنا أدعو من خالفني إما إلى كتاب الله، وإما إلى سنة رسوله ﷺ ، وإما إلى إجماع أهل العلم. فإن عاند دعوته إلى المباهلة كما دعا إليها ابن عباس في بعض مسائل الفرائض، وكما دعا إليها سفيان والأوزاعي في مسألة رفع اليدين وغيرهما من أهل العلم» (١) . وقال في رسالته لرئيس بادية الشام، فاضل آل مزيد: «وأنا أذكر لك أمرين قبل أن أذكر لك صفة الدين: الأمر الأول: أني أذكر لمن خالفني أن الواجب على الناس اتباع ما وصى به النبي ﷺ أمته، وأقول لهم: الكتب عندكم انظروا فيها ولا تأخذوا من كلامي شيئاً! لكن إذا عرفتم كلام رسول الله ﷺ الذي في كتبكم فاتبعوه ولو خالفه أكثر الناس» (٢) . ثم قال ناصحاً: «واعلم أنه لا ينجيك إلا اتباع رسول الله ﷺ » (٣) . وقال بعد أن ذكر أدلة التوحيد من القرآن: «فهذا كلام الله، والذي ذكره لنا رسول الله ﷺ ووصانا به» (٤) . ثم قال بعد أن بين اعتراض الخصوم على دعوته له للتوحيد: «هذا كلامهم وهذا كلامي أسنده عن الله ورسوله، وهذا هو الذي بيني وبينكم، فإن ذكر عني شيء غير هذا فهو كذب وبهتان» (٥) . وقد جعلوا اتباع الدليل من دينهم وعقيدتهم، فقد سئل ابنا الإمام حسين، وعبد الله، عن عقيدة الشيخ في العمل وفي العبادة؟ فأجابا: «عقيدة الشيخ - رحمه الله تعالى - التي يدين الله بها، هي: عقيدتنا، وديننا الذي ندين الله به؛ وهو: عقيدة سلف الأمة وأئمتها، من الصحابة، والتابعين لهم

стр. 88

بإحسان؛ وهو: اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ وعرض أقوال العلماء على ذلك؛ فما وافق كتاب الله وسنة رسوله قبلناه وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله. وهذا: هو الأصل الذي أوصانا الله به في كتابه، حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] [سورة النساء، آي: ٥٩] أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، وأن الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة، ليس هذا موضع بسطها» (١) . ب - توقيرهم للعلماء واحترامهم لهم: من نهج السلف الصالح، أهل السنة والجماعة احترام علماء الأمة وأقوالهم من أهل السنة والاستقامة، وسؤالهم والرجوع إليهم كما أمر الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] [سورة النحل، آية: ٤٣] وتوقيرهم، لكن ليس لأحد منهم عصمة فقد يزل العالم فلا يتبع على زلته، ولا ينقص من قدره. وهذا المنهج القويم هو الذي سلكه إمام الدعوة وأتباعه وكثيرًا ما يعوَّل عليه، وكانوا - كما هو مسطور في كتبهم وآثارهم - يعتمدون كتب العلماء من أهل الحديث والتفسير والفقه والأصول والعقيدة واللغة، ويعتدون بما أجمع عليها العلماء، ويحترمون الموافق والمخالف في الاجتهاديات. وقد أكد هذا الأصل الإمام وأتباعه، وذلك لمَّا لجَّت القضية بينه وبين خصومه من أهل البدع والأهواء والذين قد ينتسب بعضهم إلى مذاهب العلماء المتبوعة، فصار يحاكمهم (بعد الكتاب والسنة) إلى قول العلماء المعتبرين. إذ قال عن بعض خصومه: «وهكذا هؤلاء، لما ذكرت لهم، ما ذكره الله ورسوله، وما

стр. 89

ذكره أهل العلم، من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة أهل الكتاب من قبلنا، في اتخاذ الأحبار، والرهبان، أربابًا من دون الله، قالوا لنا: تنقصتم الأنبياء، والصالحين، والأولياء؛ والله تعالى ناصر لدينه، ولو كره المشركون. وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم، من جميع الطوائف، فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله، ورسوله، وكتابه، ودينه؛ ولم تأخذه في ذلك لومة لائم» (١) . ثم ساق أقوال العلماء من أئمة المذاهب الأربعة الحنابلة، والحنفية، والشافعية، والمالكية (٢) . وقال في محاجته لمخالفيه حينما دعا إلى توحيد الله تعالى والنهي عن الشرك، وأنكروا عليه فقال: «قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي، بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، كل: أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم، الذين يعتمدون عليهم، فلما أبوا ذلك، نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله، وذكرت كل ما قالوا، بعدما صرحت الدعوة عند القبور، والنذر لها، فعرفوا ذلك، وتحققوه، فلم يزدهم إلا نفورًا» (٣) . قال: «ولا خلاف بيني وبينكم: أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم؛ وإنما الشأن إذا اختلفوا، هل يجب عليّ أن أقبل الحق ممن جاء به، وأرد المسألة إلى الله والرسول، مقتديًا بأهل العلم؟ أو أنتحل بعضهم من غير حجة؟ وأزعم أن الصواب في قوله؟» (٤) . وقال مبينًا موقفه من علماء الأمة، الأئمة الأربعة وغيرهم: «وأما ما ذكرتم: من حقيقة الاجتهاد، فنحن مقلدون الكتاب والسنة، وصالح

стр. 90

سلف الأمة، وما عليه الاعتماد، من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى» (١) . ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله، بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين، وغيرهم. وعلى فهم الحديث، بشروح الأئمة المبرزين: كالعسقلاني، والقسطلاني، على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير. ونحرص على كتب الحديث، خصوصاً: الأمهات الست، وشروحها؛ ونعتني بسائر الكتب، في سائر الفنون، أصولاً، وفروعاً، وقواعد، وسيراً، ونحواً، وصرفاً، وجميع علوم الأمة» (٢) .

стр. 91

[المبحث الخامس منهجهم في العقيدة تفصيلًا واقتفاؤهم لعقيدة السلف الصالح] [التزامهم منهج الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة] المبحث الخامس منهجهم في العقيدة تفصيلًا واقتفاؤهم عقيدة السلف الصالح التزامهم منهج الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ومجانبة الفرق المفارقة: لقد التزم الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وسائر أتباعها منهج الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة اعتقادًا وقولًا وعملا، وصرح الإمام بذلك فقال: «أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة» . ثم ذكر الاعتقاد مفصلًا وقال: «والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية، وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية، وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج» (١) . وقال مخاطبًا كل المسلمين: «من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه من المسلمين: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: أخبركم أني - ولله الحمد - عقيدتي وديني الذين أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم، إلى يوم القيامة» (٢) . وقال في رسالته للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي، ابن العالم العراقي المشهور، بنحو الكلام السابق: «وأخبرك أني - والله - متبع لست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم، إلى يوم القيامة» (٣) . والناظر فيما ذكره الشيخ وأتباعه وقرروه وكتبوه من تفصيلات أصول العقيدة ومسائلها، يجد أن ذلك ليس مجرد دعوى، فقد التزموا مذهب السلف الصالح أهل السنة والجماعة في كل ذلك جملة وتفصيلا.

стр. 92

ويقول حفيد الإمام: إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، مبينًا أن منهج الشيخ ما كان عليه السلف الصالح: «قد عرف واشتهر، واستفاض من تقارير الشيخ، ومراسلاته، ومصنفاته، المسموعة المقروءة عليه، وما ثبت بخطه، وعرف واشتهر من أمره، ودعوته، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته، أنه على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين، أهل الفقه، والفتوى، في باب معرفة الله، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحت بها الأخبار النبوية، وتلقاها أصحاب رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، يثبتونها، ويؤمنون بها، ويمرونها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين، من أهل العلم، والإيمان، من سلف الأمة؛ كسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وكمجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وأمثاله؛ كعلي بن الحسين، وعمر بن عبد العزيز، ومحمد بن مسلم الزهري، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وكحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والفضيل بن عياض، وابن المبارك، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والبخاري، ومسلم، ونظرائهم من أهل الفقه والأثر؛ لم يخالف هذا الشيخ ما قالوه، ولم يخرج عما دعوا إليه واعتقدوه» (١) . هذا من حيث الإجمال، ومن حيث التفصيل نجد التالي: [قولهم في الإيمان] قولهم في الإيمان. وقولهم في الإيمان وأركانه وحقيقته ومسائله قول السلف الصالح أهل السنة والجماعة جملة وتفصيلًا إذ يؤمنون بأركان الإيمان الستة كما جاءت في حديث جبريل، وكذلك يقولون بقول السلف في حقيقة الإيمان ومسائله فيعتقدون أن الإيمان قول وعمل،

стр. 93

(اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح) وأنه شعب يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي وأنه يجوز الاستثناء في الإيمان. يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: «وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة ألا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (١) . [عقيدتهم في أسماء الله تعالى وصفاته] عقيدتهم في الله تعالى وأسمائه وصفاته. إن عقيدة من يسميهم الخصوم (الوهابية) في أسماء الله وصفاته وأفعاله وغيرها، هي: عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وأهل الحديث وسائر أئمة الدين المعتبرين. ففي أسماء الله تعالى وصفاته، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله – ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي له ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا وأحسن حديثاً، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] [سورة الصافات، آية: ١٨٠ - ١٨٢] » (٢) . وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، مبينًا أن عقيدتهم هي العقيدة التي كان عليها علماء السلف: «وهي أنا نقرأ آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها ونكل معناها مع اعتقاد حقائقها - إلى الله تعالى - فإن مالكًا - وهو من أجل علماء السلف - لما سئل عن الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] [سورة طه، آية: ٥] ، قال الاستواء معلوم

стр. 94

والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (١) . وقد بين الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب مذهب السلف الصالح في كتابه (جواب أهل السنة في نقض كلام الشيعة والزيدية) قائلا: «مذهب السلف الصالح ﵏: إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وعلى هذا مضى السلف كلهم، ولو ذهبنا نذكر ما اطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لخرج بنا عن المقصود في هذا الجواب، فمن كان قصده الحق وإظهار الصواب اكتفى بما قدمناه» (٢) . ولما سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ حمد بن ناصر بن معمر، عن آيات الصفات الواردة في الكتاب، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] [سورة طه، آية: ٥] ، وكذلك قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] [سورة طه، آية: ٣٩] ، وقوله: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] [سورة طه، آية: ٤٦] وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] [سورة المائدة، آية: ٦٤] ، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] [سورة ص، آية: ٧٥] ، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] [سورة الفجر، آية: ٢٢] ، وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] [سورة الزمر، آية: ٦٧] ، وغير ذلك في القرآن. ومن السنة قوله: «قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن» (٣) وكذلك النفس، وقوله: «إن ربكم ليضحك» (٤) وقوله: «حتى يضع رجله فيها فتقول قط قط» (٥) وغير ذلك مما لا يحصره هذا القرطاس، وعلى ما تحملون هذه الآيات وهذه الأحاديث؟

стр. 95

أجابوا بقولهم: «الحمد لله رب العالمين، قولنا فيها ما قال الله ورسوله، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها من أصحاب رسول الله، ومن اتبعهم بإحسان، وهو الإقرار بذلك، والإيمان من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال الإمام مالك لما سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] [سورة طه، آية: ٥] ، كيف استوى؟ فأطرق الإمام مالك وعلته الرحضاء - يعني العرق - وانتظر القوم ما يجيء منه، فرفع رأسه إليه، وقال: الاستواء مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وأحسبك رجل سوء، وأمر به فأخرج، ومن أوّل الاستواء باستيلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالك، وسلك غير سبيله، وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف، في جميع الصفات مثل النزول والمجيء واليد والوجه وغيرها، فيقال في النزول: والنزول معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وهذا يقال في سائر الصفات الواردة في الكتاب والسنة» (١) . وقال الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى في كتابه (تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي والحلبي) عن معتقد السلف الصالح في هذا الباب، ردًا على من رماهم بالتشبيه: «وسئل الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر - رحمه الله تعالى -: وما قولكم أدام الله النفع بعلومكم، في آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك، مثل قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] [سورة الفتح، آية: ١٠] ، وقول النبي ﷺ : «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» (٢) وقوله ﷺ : «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» (٣) إلى غير ذلك مما ظاهره يوهم التشبيه؛ فأفيدونا عن اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في ذلك؟ وكيف مذهبه؟ ومذهبكم من بعده؟ هل تمرون ما ورد من ذلك على ظاهره، مع التنزيه؟ أم تؤولون؟ ابسطوا الكلام على ذلك، وأجيبوا جوابًا شافياً، تغنموا أجرًا وافيًا» (٤) .

стр. 96

فأجاب بما نصه: «الحمد لله رب العالمين، قولنا في آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك، ما قاله الله ورسوله، وما قاله سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، وغيرهم من علماء المسلمين، فنصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل بل نؤمن بأنه الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] [سورة الشورى، آية: ١١] ، فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه، ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نلحد في أسماء الله وآياته، ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفو له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، ﵁ عما يقول الظالمون علوًا كبيراً؛ فهو سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تكييف ولا تمثيل خلافًا للمشبهة، ومن غير تحريف ولا تعطيل خلافًا للمعطلة. فمذهبنا مذهب السلف إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام، كمالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشائخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة ﵁ فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة، قال الإمام أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، ولا يتجاوز القرآن، والحديث، وهكذا مذهب سائرهم، كما سننقل عباراتهم بألفاظ إن شاء الله تعالى. ومذهب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - هو ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة المذكورون، فإنه يصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، ولا يتجاوز القرآن والحديث، ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين، الذين هم أعلم هذه الأمة بهذا الشأن نفيًا وإثباتاً، وهم أشد تعظيمًا لله، وتنزيهًا له عما لا يليق بجلاله، فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه (١) .

стр. 97

وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة: وما قرره الإمام عبد الوهاب وسائر أئمة الدعوة هو مذهب كافة السلف والأئمة الأربعة وإليك البيان: قول الإمام مالك: فعن جعفر بن عبد الله، قال: «كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فما وجد مالك شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضاء - يعني العرق - ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة، وأمر به فأخرج» (١) . قول الإمام الشافعي: وكذلك الإمام الشافعي قال: «نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السنة، وننفي التشبيه عنه كما نفاه عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] [سورة الشورى، آية: ١١] » (٢) . يقول: وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به، فقال: لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل به، وصح عن رسول الله ﷺ القول به، فيما روي عنه العدل. فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله، وأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر معذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرَّويَّة والفكر. ونحو ذلك إخبار الله سبحانه إيانا، أنه سميعٌ بصير، وأن له يدان، يقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] [سورة المائدة، آية: ٦٤] ،

стр. 98

وأن له يميناً، بقوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] [سورة الزمر، آية: ٦٧] ، وأن له وجهاً، بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] [سورة القصص، آية: ٨٨] وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] [سورة الرحمن، آية: ٢٧] ، وأن له قدمًا لقوله ﷺ :» حتى يضع الرب فيها قدمه « (١) يعني جهنم، وأنه يضحك من عبده المؤمن بقوله ﷺ للذي قتل في سبيل الله:» إنه لقي الله وهو يضحك إليه « (٢) وأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا لخبر رسول الله بذلك (٣) وأنه ليس بأعور لقول رسول الله ﷺ إذ ذُكر الدجال، فقال:» إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور « (٤) وإن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر (٥) وأن له إصبعًا بقول النبي ﷺ :» ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن « (٦) فإن هذه المعاني التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ فيما لا يدرك حقيقة ذلك بالفكر والرَّويِّة. ولا نكفر بالجهل بها أحدًا إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، وإن كان الوارد بذلك خبرًا يقوم بالفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة بما عاين وسمع من رسول الله ﷺ ، ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه تعالى، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] » [سورة الشورى، آية: ١١] (٧) .

стр. 99

قول الإمام أبي حنيفة: وقال الإمام أبو حنيفة في تقرير عقيدته - عقيدة السلف - في الصفات: «لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة وهو يغضب ويرضى، ولا يقال: غضبه عقوبته ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه أحدٌ صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وحيُّ قادر سميع عليم بصير عالم، يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه ووجهه ليس كوجوه خلقه» (١) . وقال: «وله يد ووجه ونفس، كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال» (٢) وقال: «ولا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئًا تبارك الله وتعالى رب العالمين» (٣) . ولما سئل عن النزول الإلهي، قال: «ينزل بلا كيف» (٤) . [دفع فرية التجسيم عنهم] دفع فرية التشبيه والتجسيم عنهم (٥) . لقد رمى خصوم الدعوة إمامها وأتباعها وأهل السنة جميعًا بفرية عظيمة وداهية كبرى هي وصفهم بأنهم في أسماء الله وصفاته (مجسمة) .

стр. 100

ولكنّ النقول والنصوص السابقة تثبت أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وسائر علماء الدعوة السلفية بريئون مما رماهم به خصومهم أهل البدع من أنهم مجسمة ومشبهة، والحق أنهم كانوا على سبيل المؤمنين، وهو منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته، كما هو كذلك في كل أصول الدين. إن المنهج والأسلوب الذي سلكه المخالفون أهل الأهواء والبدع من خصوم السنة المعاصرين في اتهام الإمام محمد بن عبد الوهاب وغيره من علماء الدعوة السلفية وأتباعهم، هو نفسه المنهج والأسلوب الذي سلكه خصوم السلف الصالح أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع والافتراق في كل زمان. ومنذ أن نشأت بدع الجهمية والمعتزلة وسائر أهل الكلام المعطلة والمؤولة، ومقالاتهم البدعية التي ينفون بها أسماء الله وصفاته ويؤولونها أو بعضها نشأت معها دعوى أن إثبات الأسماء والصفات لله تعالى أو بعضها نوع من التجسيم والتشبيه. ومن أجل ذلك سموا من يثبت أسماء الله وصفاته كما جاءت في القرآن وصحيح السنة، مجسمًا ومشبهًا ونحو ذلك. ومن هنا فإن وصف أهل السنة والجماعة، السلف الصالح بأنهم مجسمة ومشبهة ظهر في أوائل القرن الثاني الهجري على لسان طلائع تلك الفرق الكلامية. وقد أعلن الإمام محمد بن عبد الوهاب ما يرد هذه الفرية، بقوله السابق ذكره ومنه: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله – ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي له، ولا كفء له ولا ند له ولا يقاس بخلقه» (١) . وساق الإمام مذهب السلف الصالح، أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته؛ على أنه اعتقاده، فكيف يرمونه ويرمون سائر سلف الأمة بالتجسيم؟! نعم لأن أهل البدع والأهواء يزعمون أن الإثبات الحق تجسيمٌ والمثبت عندهم مجسماً، والله حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 101

وقد أنكر الإمام محمد بن عبد الوهاب نفسه، هذه الشبهة وبين أن أهل الكلام والبدع يسمون طريقة الرسول والسلف الصالح في إثبات صفات الله تعالى تشبيهًا وتجسيماً، فيقول: «ومما يهون عليك مخالفة من خالف الحق، وإن كان من أعلم الناس وأذكاهم، وأعظمهم جاهاً، ولو اتبعه أكثر الناس، وما وقع في هذه الأمة من افتراقهم في أصول الدين، وصفات الله تعالى، وغالب من يدعي المعرفة، وما عليه المخالفون المتكلمون، وتسميتهم طريقة رسول الله ﷺ حشوًا وتشبيهًا وتجسيماً، مع أنك إذا طالعت في كتاب من كتب الكلام - مع كونه يزعم أن هذا واجب على كل أحد، وهو أصل - تجد الكتاب من أوله إلى آخره لا يستدل على مسألة منه بآية من كتاب الله، ولا حديث عن رسول الله، اللهم إلا أن يذكره ليحرفه عن مواضعه. وهم معترفون أنهم لم يأخذوا أصولهم من الوحي، بل من عقولهم، معترفون أنهم مخالفون للسلف في ذلك» (١) . وقال الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، بعد أن ساق أقوال الإمام محمد وبعض علماء الدعوة: «وأخيرًا ندرك - من خلال النصوص السابقة - طريق النجاة الذي سلكه أئمة هذه الدعوة السلفية، تأسيًا واقتداء بالرعيل الأول، من وصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوزون القرآن والحديث في ذلك. ونلاحظ أن مزاعم خصوم هذه الدعوة السلفية التي تكذب على إمام الدعوة الإصلاحية الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتبهته بأنه مجسِّم ومشبِّه في الصفات، نلاحظ أن من مبررات الخصوم في القذف بهذا البهتان هو أن الشيخ ﵀ وكذا أتباعه من بعده كسائر السلف، يثبتون جميع الصفات التي وردت في الكتاب والسنة، ويمرونها - كما جاءت - على ظاهرها دون تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، ويفوضون العلم بالكيفية إلى الله – . فجعل الخصوم هذا الإثبات مبررًا في رمي الشيخ بالتشبيه والتجسيم، لذا يأتي مع هذه الفرية غالبًا بيان لبعض الصفات التي يثبتها الشيخ لله وهو كما تقدم لا يصف الله إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه رسوله ﷺ . .. مثل صفة الاستواء والعلو والنزول ونحوها، ويسوق

стр. 102

الخصوم هذا الإثبات زعمًا منهم أنه تجسيم وتشبيه، ولا يكتفون بذلك بل يختلقون زيادة في الإفك والبهتان، فيزعمون أن الشيخ يثبت لله الجلوس والجنب واللسان، بل يكذبون عليه أشنع من قبل، ويبهتونه بأنه يقول إن الله جسم كالحيوان ... تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا» (١) . وقال: «وبهذا يتضح من مزاعم هؤلاء الخصوم - من أهل البدع - أنهم يلصقون فرية التشبيه والتجسيم بالإمام وأنصار دعوته، وبكافة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، بحجة أنهم يأخذون بظواهر النصوص في آيات الصفات وأحاديثها. وإذا انتقلنا إلى مقام الدحض والرد لفرية التجسيم والتشبيه، فإن من أبلغ الردود وأقواها ما أوردناه من النقول المتعددة (٢) التي تصرح بإثبات الصفات لله – على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل ولا تكييف. وقد أظهر علماء السنة الحجج الدامغة والبراهين الساطعة في دحض هذه الفرية الكاذبة الخاطئة» (٣) . فقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الرد على الذي زعم أن إثبات الصفات يلزم منه التجسيم: «قوله: وقد أردت أن تنزه ربك بما يلزم منه التجسيم كذب ظاهر؛ لأنا قد بينا أن ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله حق وصدق وصواب، ولازم الحق حق بلا ريب، ولا نسلم أن ذلك يلزم منه التجسيم، بل جميع أهل السنة المثبتة للصفات يتنازعون في ذلك، ويقولون لمن قال لهم ذلك لا يلزم منه التجسيم، كما لا يلزم من إثبات الذات لله تعالى، والحياة والإرادة والكلام تجسيم وتكييف عند المنازع، ومعلوم أن المخلوق له ذات ويوصف بالحياة والقدرة والإرادة والكلام، ومع هذا لا يلزم من إثبات ذلك لله تعالى إثبات للتجسيم والتكييف تعالى الله عن ذلك علوًا كبيراً. ومعلوم أن هذه الصفات في حق المخلوق إما جواهر وإما أعراض، وأما في حقه ﵎ فلا يعلمها إلا هو بلا تفسير ولا تكييف» (٤) .

стр. 103

[عقيدتهم في القرآن] عقيدتهم في القرآن: وكذلك عقيدتهم في القرآن لا تخرج عما أجمع عليه السلف الصالح. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ » (١) . وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «ونعتقد: أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وسمعه جبرائيل من الباري سبحانه، ونزل به على رسول الله ﷺ ، ولا نقول بقول الأشاعرة، ولا غيرهم، من أهل البدع» (٢) . [عقيدتهم في الملائكة والكتب والرسل] عقيدتهم في الملائكة والكتب والرسل (٣) وكذلك عقيدتهم في الإيمان بالملائكة والكتب والرسل جملة وتفصيلًا كما جاءت بها النصوص وهذه الأصول الثلاثة لم يرد عليهم فيها مزاعم تذكر من خصومهم ولذلك لا نحتاج إلى الوقف عندها طويلاً، ونكتفي بما قاله الإمام محمد بن عبد الوهاب «أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرق الناجية أهل السنة والجماعة، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله..» (٤) . [عقيدتهم في رسول الله وحقوقه وخصائصه] عقيدتهم في رسول الله ﷺ وحقوقه وخصائصه: أهل السنة والجماعة - السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان - ومنهم الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه - هم أولى الناس برسول الله ﷺ لأنهم هم الذين يحبونه حق المحبة، ويوقرونه حق التوقير، فهم الذين اتبعوا سنته، والتزموا ما كان عليه ﷺ

стр. 104

هو وأصحابه، وأخذوا بوصيته بالتزام السنة والجماعة، والحذر من الفرقة والبدع ومحدثات الأمور، ولا يزالون على الحق والسنة، ظاهرين بحمد الله وسعوا إلى نيل أسمى المطالب وهي محبة الله تعالى ورضاه التي لا تدرك إلا بمحبة الرسول ﷺ واتباعه كما أمر الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] [سورة آل عمران، آية (٣١) .] فالإمام محمد بن عبد الوهاب - وهو أحد أئمة السنة - وأتباعه وسائر أهل السنة اليوم - وقبل وبعد - إنما هم على أثر السلف الصالح، في تحقيق ما أمر الله به من الإيمان برسول الله ﷺ ومحبته وتوقيره واتباع سنته والدعوة إليها وحماية حقوقه ﷺ ، وحقوق آله وصحابته وزوجاته أمهات المؤمنين والإيمان كشفاعته وحوضه. وأنه ﷺ أفضل الخلق أجمعين، وخاتم النبيين والمرسلين. وأن من توقيره وتعظيمه ألا يرفع إلى مقام الربوبية والألوهية ونحوها مما هو من خصائص الرب . فالذين اتهموا الإمام وأتباعه ويسمونهم (الوهابية) بأنهم ينتقصون من حق النبي ﷺ أو يبغضونه، أو ينكرون شيئًا من فضائله أو حقوقه، ونحو ذلك من المزاعم. إنما قالوا بهتانًا وزوراً، والناظر في حقيقة الأمر يعلم بداهة أنه ما يفتري ذلك إلا جاهل، أو مبتدع، أو مقلد على غير بصيرة، وحاسد ومغرض، أو صاحب هوى أضله هواه عن سبيل الحق، كما سيأتي بيانه في الفصل الثالث. إن هذه المفتريات ونحوها كلها تخالف الحقيقة والواقع، والبرهان الساطع فقد أفصح الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة عن إيمانهم بسائر الحقوق المشروعة لرسوله ﷺ دون تفريط في مقامه اللائق به ﷺ ودون إفراط ولا إطراء امتثالًا لقوله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله» (١) . قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «والرسل: عليهم البلاغ المبين؛ وقد بلَّغوا البلاغ المبين؛ وخاتم الرسل محمد ﷺ أنزل الله عليه كتابه مصدقًا لما بين يديه من الكتاب،

стр. 105

ومهيمنًا عليه، فهو المهيمن على جميع الكتب، وقد بَيَّن أبين بلاغ وأتمه وأكمله، وكان أنصح الخلق لعباد الله، وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيما، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين، فأسعد الخلق، وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة: أعظمهم اتباعًا له، وموافقة علمًا وعملًا» (١) . وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «والذي نعتقده: أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره، حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس (٢) ومن أنفق نفيس أوقاته، بالاشتغال بالصلاة عليه ﵊ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه» . وقال الإمام عبد العزيز بن سعود بن محمد في رسالته إلى أحمد بن علي القاسمي: «وأما قولك: إن أناسًا من أصحابنا ينقمون عليكم في تعظيم النبي المختار ﷺ . فنقول: بل الله سبحانه افترض على الناس محبة النبي ﷺ ، وتوقيره، وأن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وأولادهم، والناس أجمعين، لكن لم يأمرنا بالغلو فيه، وإطرائه، بل هو ﷺ نهى عن ذلك، فيما ثبت عنه في الصحيح، أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (٣) (٤) .

стр. 106

وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وهو من كبار علماء الدعوة: «ونحن - بحمد الله - من أعظم الناس إيجابًا لرعاية الرسول ﷺ ، تصديقًا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، واتباع ذلك دون ما خالفه، عملًا بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] [سورة الأعراف، آية: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] [سورة الأنعام، آية: ١٥٥] . وقال الشيخ سليمان بن سحمان: «من سليمان بن سحمان، إلى عبد العزيز العلجي، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد بلغني أنك استدركت عليّ فيما تزعم، كلمات في أبيات، وذلك في قولي: على السيد المعصوم والآل كلهم ... وأصحابه مع تابعي نهجهم بعد فزعمت: أنا ننكر، ونشدد على من قال: سيدنا محمد ﷺ ، وأن هذا مذهبنا أهل "نجد" وهذا كذب، وافتراء علينا، ما أنكر ذلك منا أحد، ولا كان ذلك مذهبنا» . إلى أن قال: «وأما نحن: فلا ننكر ذلك، لقوله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (١) وقوله: «إن ابني هذا سيد» (٢) وقوله للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» (٣) وقوله: « «من سيدكم يا بني سلمة» فقالوا له: الجد بن قيس، على أنا نبجله فينا، ثم قال ﷺ : «بل سيدكم عمرو بن الجموح» » (٤) إذا فهمت هذا، فمن أين لك أنا ننكر ذلك ونشدد فيه؟ ومن حدثك بهذا؟ أو نقل عنا؟ وفي أي كتاب وجدت ذلك؟ وقد كان لي عدة رسائل، ومناظيم، وكل ذلك قد ذكرته فيها» (٥) .

стр. 107

[رد مفتريات الخصوم في أن الإمام وأتباعه ينتقصون من حق النبي ﷺ ] رد مزاعم الخصوم في أن الإمام وأتباعه ينتقصون حق النبي ﷺ : من أعظم التلبيس الذي سلكه خصوم الإمام (خصوم السنة) وهم أهل البدع والأهواء والافتراق رميهم الإمام وعموم أهل السنة بأنهم لا يحبون النبي ﷺ وأنهم ينتقصونه وذلك لأن أهل السنة لا يرفعون النبي ﷺ إلى مقام الربوبية والألوهية، ولا يطرونه كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، وأهل البدع يطرونه ويزعمون أن من لم يفعل ذلك فإنه لا يحب النبي ﷺ وأنه ينتقصه، وهذا من التلبيس والبهتان، ومن إغواء الشيطان حيث دخل عليهم من باب التنطع والإطراء. ولخطورة هذه الافتراءات ورواجها بين الذين يجهلون الحقيقة وينساقون وراء تضليلات الخصوم والمغرضين والحاسدين، دون تثبت ولا روية ولا تبصر، أسوق مزيدًا من الأقوال والنقول التي تكشف زيف هؤلاء الخصوم ويتبين الحق لمن يريده: فإن خصوم الإمام وهم خصوم السنة وأهلها من أهل الأهواء والافتراق والبدع ومن شايعهم سلكوا مسلك الكذب والافتراء في كثير من الأحيان، وأحيانًا أخرى مسلك التلبيس والتمويه، فمن ذلك: قول أحدهم: «أنه (يعني الإمام محمد بن عبد الوهاب) أحرق دلائل الخيرات لأجل قول سيدنا ومولانا» (١) وأنه قال: «الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة وليلتها هي بدعة وضلالة تهوي بصاحبها إلى النار» (٢) وأن «تعظيم الرسول ﷺ شرك» (٣) وزعموا أنه قال: «لو أقدر على حجرة الرسول ﷺ هدمتها» (٤) وأنه «يحرم زيارة قبر النبي ﷺ » (٥) . وهذا كله كذب صريح وقد تبرأ منه الإمام نفسه وقال بعد أن ساق هذه المفتريات وغيرها: «سبحانك هذا بهتان عظيم» (٦) وفي مقام آخر قال في هذه المزاعم ونحوها «فكل هذا كذب وبهتان مما افتراه عليَّ الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل ... » (٧) .

стр. 108

وقد قال في رده على أحد الذين بهتوه بانتقاص النبي ﷺ : «سبحانك هذا بهتان عظيم، وقبله من بهت محمد ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور ... » (١) . وقال في رد مقولة أنه ينهى عن الصلاة عن النبي ﷺ : «وأما إحراقها (يعني كتاب دلائل الخيرات) والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان، فنسبة هذا إليَّ من الزور والبهتان» (٢) . ويقول صاحب كتاب (المقالات الوفية) مفتريًا على الإمام: «وكذا تنقيصه الرسل والأنبياء وهدم قببهم ... ومنعه من قراءة خبر مولد النبي ﷺ ، وضرب رقاب من يناجي في المنارة للصلاة على النبي ﷺ » (٣) وهذا من الكذب والتلبيس على الإمام محمد وأتباعه، أما القِبَاب فهي من البدع التي جاء النهي الصريح عنها في السنة وفي هدمها إزالة للبدع، وكذلك قراءة خبر مولد النبي ﷺ والنداء بالصلاة على النبي ﷺ على نحو ما يفعله المبتدعة من المحدثات والبدع. ويقول صاحب كتاب (تبيين الحق والصواب) عن أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب: «ومما يدل على استنقاصهم واستخفافهم لقدر نبينا محمد ﷺ هذه اللفظة المجردة عن الأدب والحياء وهي (محمد لا يعلم الغيب) (٤) . ونقول له: إنه ليس من تعظيم النبي ﷺ أن ندعي له شيئًا من خصائص الرب تعالى وهو علم الغيب، فهو لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله إياه، قال الله له ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] [سورة الأعراف، آية: ١٨٨] . وهذه المقولات كلها أكاذيب ومفتريات وإفك ظاهر، ونبدأ في كشف هذا الإفك العظيم بما ذكره الشيخ محمد منظور النعماني في كتابه (دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب) قال: «وقد سمعت وقتئذٍ أكذوبة عجيبة: أن رجلًا يحمل اسم عبد الوهاب

стр. 109

النجدي وكان يتزعم الطائفة الوهابية، كان قد بلغ من عدوانه للنبي ﷺ إلى أن ورد المدينة المنورة يتظاهر بالصلاح والتقوى ... وسكن بيتًا على الكراء من أجل أن يتخذ في داخل الأرض سربًا من بيته إلى روضة النبي ﷺ حتى يتمكن من العبث بالجثة المطهرة - نعوذ بالله من ذلك - إلا أنه لم يستطع تحقيق أمنيته حيث تراءى النبي في المنام للملك الذي كان يحكم الحجاز آنذاك، وقال له في المنام: إن رجلًا من نجد خبيثًا رقيعًا يتخذ النفق في الأرض من أجل الغرض الخبيث، فبحث الملك عن الرجل عبد الوهاب النجدي، وقبض عليه فعلًا وضرب عنقه. ولا أزال أذكر أن الناس كانوا يتناقلون هذه الأكذوبة كحقيقة تاريخية معلومة مقررة، ولذلك فلم أشك فيها قط، لأني لم أجد أحدًا يرفضها أو يشك فيها» (١) . ويقول الإمام نفسه في تكذيب المزاعم: «وما ذكره المشركون عليّ أني أنهى عن الصلاة على النبي، أو أني أقول لو أن لي أمرًا هدمت قبة النبي ﷺ أو أني أتكلم في الصالحين، أو أنهى عن محبتهم، فكل هذا كذب وبهتان، افتراه عليّ الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل» (٢) . ويقول في رسالته إلى الشيخ عبد الرحمن السويدي أحد علماء العراق مفندًا ما نسب إليه: «يا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون، وكذلك قولهم أنه يقول لو أقدر أهدم قبة النبي ﷺ لهدمتها (أي من البهتان) ، وأما (دلائل الخيرات) فله سبب، وذلك أني أشرت إلى من قبل نصيحتي من إخواني، أن لا يصير في قلبه أجلّ من كتاب الله، ويظنّ أن القراءة فيه أجلّ من قراءة القرآن، وأما إحراقه والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان فهذا من البهتان» (٣) . ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب مبيّنًا المنهج الذي كانوا عليه إبان دخولهم مكة عام (١٢١٨هـ) : «وأما ما يكذب علينا: سترًا للحق، وتلبيسًا على الخلق،

стр. 110

بأنّا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شرح، ولا معول على شيخ، وأنّا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله، حتى أنزل عليه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ، مع كون الآية مدنية ... » إلى أن قال: «فجميع هذه الخرافات، وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولاً، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك، سبحانك هذا بهتان عظيم، فمن روى عنّا شيئًا من ذلك، أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى. ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا، علم قطعاً: أن جميع ذلك وضعه، وافتراه علينا، أعداء الدين، وإخوان الشياطين» . إلى أن قال: «والذي نعتقده: أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته، بالاشتغال بالصلاة عليه ﷺ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه» (١) . وقال الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد: «فحق النبي ﷺ محبته المقدمة على محبة النفس والولد والأهل والمال وتصديقه وطاعته» (٢) . وقال الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود في رسالته إلى أحمد بن علي القاسمي: «وأما قولك أن ناسًا من أصحابنا ينقمون عليكم في تعظيم النبي المختار ﷺ ، فنقول بل الله سبحانه افترض على الناس محبة النبي ﷺ وتوقيره، وأن يكون أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم والناس أجمعين، لكن لم يأمرنا بالغلو فيه وإطرائه، بل هو ﷺ نهى عن ذلك» (٣) . ويقول الشيخ محمد بن عثمان الشاوي في كتابه (القول الأسد في الردَّ على الخصم
следующие страницы →