Полный текст (247 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وإنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان وسواه، فما ثبت كان هو منفذه وآخذه والممكن لمن يأخذه بالحق. ومع سابقته وفضيلته ومكانته لم يثبت عليه ما يوجب خلعه فضلا عن قتله.
[قول علي إن الخارجين على عثمان حساد طلاب دنيا]
وأمثل ما روي في قصته أنه - بالقضاء السابق - تألب عليه قوم لأحقاد اعتقدوها: ممن طلب أمرا فلم يصل إليه، وحسد حسادة أظهر داءها، وحمله على ذلك قلة دين وضعف يقين، وإيثار العاجلة على الآجلة (١) . وإذا نظرت إليهم دلك صريح ذكرهم على دناءة قلوبهم وبطلان أمرهم (٢) . الحواشي
(١) بمثل هذه الأوصاف وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الخطبة التي خطبها على الغرائر في معسكره بالكوفة عندما كان الصحابي الفارس المجاهد القعقاع بن عمرو التميمي يسعى بإتمام المهمة التي جاءت عائشة وطلحة والزبير لإتمامها، فروى الطبري (٥: ١٩٤) أن عليا ذكر إنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ ، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه. وقال على مسمع من قتلة عثمان: " ثم حدث هذا الحادث الذي جره على الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاء الله عليه على الفضيلة، وأرادوا رد الأشياء على أدبارها " ثم ذكر أنه راحل غدا إلى البصرة ليجتمع بأم المؤمنين وأخويه طلحة والزبير وقال: " ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان على عثمان ﵁ بشيء في شيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم ".(٢) أجملنا في هامش ص ٥٨ أوصاف البارزين ممن خرج على عثمان. أول من اكتشف سريرتهم، ونظر إلى وجوههم بنور الله فتشاءم منهم، رجل الإسلام المحدث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صاحب الفراسة التي لا تخطئ. روى الطبري (٤: ٨٦) أن عمر لما استعرض الجيوش للجهاد سنة ١٤ مرت أمامه قبائل السكون اليمنية مع أول كندة يتقدمهم حصين بن نمير السكوني ومعاوية بن حديج أحد الصحابة الذين فتحوا مصر ثم كان أحد ولاتها، فاعترضهم عمر، فإذا فيهم فتية دلم سباط، فأعرض عنهم ثم أعرض ثم أعرض، حتى قيل له: ما لك ولهؤلاء؟ فقال: إني عنهم لمتردد، وما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم. فكان منهم سودان بن حمران وخالد بن ملجم وكلاهما من البغاة على عثمان.стр. 107
[التعريف بالغافقي المصري وكنانة بن بشر وسودان بن حمران]
كان الغافقي المصري أمير القوم (١) وكنانة بن بشر التجيبي (٢) الحواشي
(١) هو الغافقي بن حرب العكي من أبناء وجوه القبائل اليمنية التي نزلت مصر عند الفتح. فلما تظاهر ابن سبأ بالتشيع لعلي. ولم يجد مرتفعا لفساده في الحجاز ولا في الشام، اكتفى باصطناع بعض الأعوان في البصرة والكوفة، واختار الإقامة في الفسطاط، فكان الغافقي هذا من قنائصه، وقد استمالوه من ناحية تهافته على الرئاسة والجاه. وكان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة الأموي ربيب الآبق من نعمته هو اليد اليمنى لتنفيذ خطط السبئيين في مصر، والغافقي للتصدر والظهور. وفي شوال سنة ٣٥ أعدوا عدتهم للزحف من مصر على المدينة بأربع فرق مجموع رجالها نحو ستمائة، وعلى كل فرقة رئيس ورئيسهم العام الغافقي هذا. وتظاهروا بأنهم يقصدون الحج، وفي المدينة تطورت حركاتهم إلى أن استفحل الأمر ومنعوا عثمان من الصلاة بالناس في المسجد النبوي فصار الغافقي هو الذي يصلي بالناس (الطبري٥: ١٠٧) . ثم لما أقنعهم الشيطان بالجرأة على الجناية الكبرى كان الغافقي أحد المجترئين عليه وضربه بحديدة معه وضرب المصحف برجله فاستدار (الطبري٥: ١٣٠) وبعد قتل عثمان بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب. (الطبري ٥: ١٥٥) .(٢) وهذا أيضا من قنائص ابن سبأ في مصر. ولما أرسل عثمان عمارا إلى مصر ليكتشف له أمر الإشاعات وحقيقة الحال، استماله السبئيون، وكان كنانة بن بشر هذا واحدا منهم (الطبري ٥: ٩٩) . وعندما جمعوا أوشاب القبائل للزحف على المدينة بحيلة الحج في شوال سنة ٣٥ انقسموا في مصر إلى أربع فرق على كل فرقة أمير، وكان كنانة بن بشر أميرا على إحدى هذه الفرق (الطبري ٥: ١٠٣) ثم كان في طليعة من اقتحم الدار على عثمان وبيده شعلة من نار تنضح بالنفط، فدخل من دار عمرو بن حزم ودخلت الشعل على أثره (الطبري ٥: ١٢٣) . ووصل كنانة التجيبي إلى عثمان فأشعره مشقصا (أي نصلا طويلا عريضا) فانتضح الدم على آية فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، (الطبري ٥: ١٢٦) وقطع يد نائلة زوجة عثمان، واتكأ بالسيف على صدر عثمان وقتله (الطبري ٥: ١٣١) ، قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم المخزومي المدني المتوفى سنة ٤٣ قال: الذي قتل أمير المؤمنين عثمان هو كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي (الطبري ٥: ١٢٣) . وفيه يقول الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
ألا إن خير الخلق بعد ثلاثة ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
وكانت عاقبة كنانة هذا وقوعه قتيلا في الحرب التي نشبت سنة ٣٨ في مصر بين محمد بن أبي بكر الصديق نائب علي وبين عمرو بن العاص ومن معه من جيش معاوية بن حديج السكوني (الطبري ٦: ٥٨ - ٥٩ و ٦٠) .стр. 108
الحواشي
(١) السكوني، من قبائل مراد اليمنية النازلة في مصر، وقد تقدم في هامش ص١١٢ أنه كان - في سنة ١٤ - أحد الذين قدموا في خلافة عمر للجهاد مع جيوش اليمن بقيادة حصين بن نمير ومعاوية بن حديج، فلما استعرضهم أمير المؤمنين عمر وقع نظره على سودان بن حمران هذا وعلى زميله خالد بن ملجم فتشاءم منهما وكرههما. ولما أرسل أمير المؤمنين عثمان عمارا إلى مصر ليكتشف له مصدر الإشاعات الكاذبة وحقيقة الحال التف السبئيون بعمار وكان سودان بن حمران منهم (الطبري ٥: ٩٩) . ولما سير السبئيون متطوعة الفتنة من أوشاب القبائل اليمنية التي في مصر في شوال سنة ٣٥ نحو المدينة وجعلوهم أربع فرق كان سودان قائد إحدى هذه الفرق (الطبري ٥: ١٠٣) ، ولما وصل متطوعة الفتنة إلى المدينة وخرج لهم محمد بن مسلمة ليعظم لهم حق عثمان وما في رقابهم من البيعة له رآهم ينقادون لأربعة هذا واحد منهم (الطبري ٥: ١١٨) . وفي ٥: ١٣١ من تاريخ الطبري في وصف تسوّر سودان ومعه آخرون من دار عمرو بن حزم إلى دار عثمان. وفي ٥: ١٣٠ بعض تفاصيل ما وقع من سودان عند ارتكابهم الجناية العظمى. ولما انتهوا من قتل أمير المؤمنين خرج سودان من الدار وهو ينادي: قد قتلنا عثمان بن عفان (الطبري ٥: ١٢٣) .стр. 109
[التعريف بعبد الله بن بديل وحكيم بن جبلة والأشتر]
وعبد الله بن بُديل بن وَرقاء الخُزاعي (١) الحواشي
(١) كان أبوه رجلا مسنا من مسلمة الفتح. وورد ذكر عبد الله بن بديل في الفتنة العظمى على أمير المؤمنين عثمان، فذكر الطبري (٥: ١٢٤ - ١٢٥) أن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة خرج هو وعبد الله بن الزبير ومروان وغيرهم يدافعون عن أمير المؤمنين على باب الدار، فحمل عبد الله بن بديل على الأخنس بن شريق وقتله. ونقل الحافظ ابن حجر في ترجمته في الإصابة (٢: ٢٨٠) عن ابن الكلبي أن عبد الله بن بديل وأخاه عبد الرحمن شهدا صفين مع علي وقتلا بها. والظاهر أن أخاه قتل قبله، فقد نقل ابن حجر (في الإصابة ٢: ٢٨١) عن ابن إسحاق في كتاب الفردوس أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما قدم الكوفة - أي مع جيش أهل الشام - لقي عبد الله بن بديل، فنصح له ابن بديل بأن لا يهرق دمه في هذه الفتنة، فاعتذر عبيد الله بن عمر بأنه يطلب بدم أمير المؤمنين عثمان الذي قتل ظلما. واعتذر ابن بديل بأنه يطلب بدم أخيه الذي قتل ظلما. وكيف يكون أخوه قتل ظلما وقد قتل في فتنة تطوع للمساهمة فيها مختارا، بينما عثمان وهو أمير المؤمنين الذي له حق الولاية عليهم كان مبغيا عليه من ابن بديل وأمثاله ومن هم أقل منه شأنا، ومع ذلك لم يقاتل أحدا، ولم يدافع عن نفسه، ونهى الناس أن يدافعوا عنه أوباشا قدموا إلى مدينة الرسول ﷺ من مختلف البلاد ليرتكبوا الشر والإثم. وأين عثمان الذي ملأت حسناته الأرض وتعطرت بأريجها السماء من عبد الرحمن بن بديل الذي لا يكاد يعرف له التاريخ عملا.стр. 110
وحُكيْم بن جبلة من أهل البصرة (١) الحواشي
(١) حُكيم بن جبلة العبدي من قبائل عبد القيس، أصلهم من عُمان وسواحل الخليج الفارسي، وتوطن بالبصرة بعد تمصيرها. وكان حكيم هذا شابا جريئا، وكانت الجيوش الإسلامية التي تزحف نحو الشرق لنشر الدعوة والفتوح تصدر عن البصرة والكوفة، فكان حكيم بن جبلة يرافق هذه الجيوش، ويجازف في بعض حملات الخطر، كما تفعل كتائب (الكوماندوس) في هذا العصر. وقد استعملته جيوش أمير المؤمنين عثمان في إحدى هذه المهمات عند محاولتها استكشاف الهند كما نوهتُ بذلك في مقالة (طلائع الإسلام في الهند) . ويؤكد شيوخ سيف بن عمر التميمي (وهو أعرف المؤرخين بتاريخ العراق) على ما نقله عنه الطبري (٥: ٩٠) أن حكيم بن جبلة كان إذا قفلت الجيوش خنس عنهم فسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه (أي منعه من مبارحة البصرة) . فلما قدم عبد الله بن سبأ البصرة نزل على حكيم بن جبلة، واجتمع إليه نفر، فنفث فيهم سمومه. فأخرج ابن عامر عبد الله بن سبأ من البصرة، فأتى الكوفة فأخرج منها، ومن هناك رحل ابن سبأ إلى الفسطاط ولبث فيه وجعل يكاتبهم ويكاتبونه ويختلف الرجال بينهم. وذكر الطبري (٥: ١٠٤) أن السبئية لما قرروا الزحف من الأمصار على مدينة الرسول ﷺ كان عدد من خرج منهم من البصرة كعدد من خرج من مصر، وهم مقسمون كذلك إلى أربع فرق، والأمير على إحدى هذه الفرق حكيم بن جبلة، ونزلوا في المدينة في مكان يسمى ذا خشب. ولما حصبوا أمير المؤمنين عثمان وهو يخطب على المنبر النبوي كان حكيم بن جبلة واحدا منهم (الطبري ٥: ١٠٦) ولما رحل الثوار عن المدينة في المرة الأولى بعد مناقشتهم لعثمان وسماعهم دفاعه واقتناعهم، تخلف في المدينة الأشتر وحكيم بن جبلة (الطبري ٥: ١٢٠) وفي ذلك شبهة قوية بأن لهم دخلا في افتعال الكتاب المزور على أمير المؤمنين. ولما جاءت عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة وأوشكوا أن يتفاهموا مع أمير المؤمنين عليّ على رد الأمور إلى نصابها كان حكيم بن جبلة هو الذي أنشب القتال لئلا يتم التفاهم والاتفاق (الطبري ٥: ١٧٦ وما بعدها) . وارتكب دناءة قتل امرأة من قومه سمعته يشتم أم المؤمنين عائشة فقالت له: يا ابن الخبيثة أنت أولى بذلك. فطعنها فقتلها (الطبري ٥: ١٧٦) ، وحينئذ تخلى قومه عن نصرته إلا الأغمار منهم، وما زال يقاتل حتى قطعت رجله، ثم قتل وقتل معه كل من كان في الوقعة من البغاة على عثمان، ونادى منادي الزبير وطلحة بالبصرة: " ألا من كان فيكم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم " فجيء بهم كما يجاء بالكلاب فقتلوا. فما أفلت منهم إلا حرقوص بن زهير السعدي من بني تميم (الطبري ٥: ١٨٠) . روى عامر بن حفص عن أشياخه قال: ضرب عنق حكيم رجل من الحدَّان يقال له ضخيم فمال رأسه فتعلق بجلده فصار وجهه في قفاه، الطبري (٥: ١٨٢) .стр. 111
ومالك بن الحارث الأشتر (١) في طائفة هؤلاء رؤوسهم، فناهيك بغيرهم
. . . . . . . . . . الحواشي
(١) من النخَع، وهي قبيلة يمنية من قبائل مَذْحج، بطل شجاع من أبطال العرب، كان أول مشاهده الحربية في اليرموك، وفيها فقد إحدى عينيه، ثم شاء الله أن يكون سيفه مسلولا على إخوانه المسلمين في مواقف الفتنة. ولو أنه لم يكن ممن ألب على أمير المؤمنين عثمان، وكتب الله أن تكون وقائعه الحربية في نشر دعوة الإسلام وتوسيع الفتوح، لكان له في التاريخ شأن آخر. والذي دفعه في هذا الطريق غلوه في الدين وحبه للرئاسة والجاه، ولست أدري كيف اجتمعتا فيه. والأشتر أحد الذين اتخذوا الكوفة دار إقامة لهم، فلما كانت إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة كان الأشتر يشعر في نفسه بأنه أهل للولاية والرئاسة، فانزلق مع العائبين على الدولة ورجالها، من الخليفة الأعلى في المدينة إلى عامله على الكوفة الوليد بن عقبة. ولما سرق أبو زينب وأبو مورع خاتم الوليد من منزله وذهبا به إلى المدينة فشهدا على الوليد بشرب الخمر كما تقدم في ص٩٦ أسرع الأشتر وآخرون معه بالذهاب إلى المدينة لتوسيع دائرة الفتنة، حتى إذا عزل عثمان الوليد بسعيد بن العاص عاد الأشتر مع سعيد إلى الكوفة، (الطبري ٥: ٦٣) . وكان عثمان قد سن نظام مبادلة الأراضي، فمن كانت له أرض من الفيء في مكان بعيد عنه يبادل عليها بأرض قريبة منه بالتراضي بين المتبادلين. وبهذه الطريقة تخلى طلحة بن عبيد الله عن أسهمه في خيبر واشترى بها من فيء أهل المدينة بالعراق أرضا يقال لها النشاستج (الطبري ٥: ٦٤) . وبينما كان سعيد بن العاص في دار الإمارة بالكوفة والناس عنده أثنى رجل على طلحة بن عبيد الله بالجود، فقال سعيد بن العاص: لو كان لي مثل أرض النشاستج لأعاشكم الله عيشا رغدا. فقال له عبد الرحمن بن خنيس الأسدي: وودت لو كان هذا الملطاط لك. والملطاط أرض على جانب الفرات كانت لآل كسرى. فغضب الأشتر وأصحابه وقالوا للأسدي: تتمنى له من سوادنا؟ فقال والده: ويتمنى لكم أضعافه. فثار الأشتر وصحبه على الأسدي وأبيه وضربوهما في مجلس الإمارة حتى غشي عليهما. وسمعت بذلك بنو أسد فجاءوا وأحاطوا بالقصر ليدافعوا عن رجليهما، فتلافى سعيد بن العاص هذه الفتنة بحكمته، ورد بني أسد عن الأشتر وجماعته. وكتب أشراف الكوفة وصلحاؤها إلى عثمان في إخراج هؤلاء المشاغبين من بلدهم، فأرسلهم إلى معاوية في الشام (الطبري ٥: ٨٥ - ٨٦) ثم أخرجهم معاوية فنزلوا جزيرة ابن عمر تحت حكم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، إلى أن تظاهروا بالتوبة، فذهب الأشتر إلى المدينة ليرفع إلى عثمان توبتهم، فرضي عنه عثمان وأباح له الذهاب حيث شاء، فاختار العودة إلى زملائه الذين عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في الجزيرة (الطبري ٥: ٨٧ - ٨٨) . وفي الوقت الذي كان فيه الأشتر يعرض على عثمان توبته وتوبة زملائه وذلك في سنة ٣٤ كان السبئيون في مصر يكاتبون أشياعهم في الكوفة والبصرة بأن يثوروا على أمرائهم واتعدوا يوما، فلم يستقم ذلك إلا لجماعة الكوفة، فثار بهم يزيد بن قيس الأرحبي (الطبري ٥: ١٠١) . ولما وصل الأشتر من المدينة إلى إخوانه الذين عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وجد بين أيديهم كتابا من يزيد بن قيس الأرحبي يقول لهم فيه: لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا. فتشاءموا من هذه الدعوة وآثروا البقاء، وخالفهم الأشتر فرجع عاصيا بعد توبته، والتحق بثوار الكوفة وقد نزلوا في الجرعة - مكان مشرف على القادسية - وهناك تلقوا سعيد بن العاص أميرا على الكوفة وهو عائد من المدينة فردوه، ولقي الأشتر مولى لسعيد بن العاص فضرب الأشتر عنقه. وبلغ عثمان أنهم يريدون إقالة سعيد بأبي موسى الأشعري فأجابهم إلى ما طلبوا (الطبري ٥: ٩٣ - ٩٤) . ولما فشل موعد سنة ٣٤ واقتصرت الفتنة على ما كان في الجرعة، اتعد السبئيون للسنة التي بعدها (سنة ٣٥) ورتبوا أمرهم على التوجه إلى المدينة مع الحجاج كالحجاج، وكان الأشتر مع خوارج الكوفة رئيسا على فرقة من فرقهم الأربع (الطبري ٥: ١٠٤) . وبعد وصولهم إلى المدينة ناقشهم أمير المؤمنين عثمان وبين لهم حجته في كل ما كانوا يظنونه فيه، فاقتنع جمهورهم بذلك وحملوا رؤساء الفتنة على الرضا بأجوبة عثمان وارتحلوا من المدينة للمرة الأولى. إلا أن الأشتر وحكيم بن جبلة تخلفا في المدينة ولم يرتحلا معهم (الطبري ٥: ١٢٠) . ولما وصل المصريون إلى مكان يسمى البويب اعترضهم راكب مثل لهم دور حامل الكتاب المزعوم، وسيأتي الحديث عن ذلك في ص ١٢٦. ونقل الطبري (٥: ١٩٤) أن الأشتر كان في مؤتمر السبئيين الذي عقدوه قبيل ارتحال علي من الكوفة إلى البصرة للتفاهم مع طلحة والزبير وعائشة. فقرر السبئيون في مؤتمرهم هذا أن ينشبوا الحرب بين الفريقين قبل أن يصطلحا عليهم. وفي وقعة الجمل اصطرع عبد الله بن الزبير والأشتر واختلفا ضربتين وقال عبد الله بن الزبير كلمته المشهورة: " اقتلوني ومالكا " فأفلت منه مالك الأشتر، روى الطبري (٥: ٢١٧) عن الشعبي أن الناس كانوا لا يعرفون الأشتر باسم مالك، ولو قال ابن الزبير " اقتلوني والأشتر " وكان للأشتر ألف ألف نفس ما نجا منها شيء، وما زال يضطرب في يدي ابن الزبير حتى أفلت. وروى الطبري (٥: ١٩٤) أن عليا لما فرغ من البيعة بعد وقعة الجمل واستعمل عبد الله بن عباس على البصرة بلغ الأشتر الخبر باستعمال علي ابن عباس فغضب وقال: " علام قتلنا الشيخ إذن؟ ! اليمن لعبيد الله، والحجاز لقثم، والبصرة لعبد الله، والكوفة لعلي! " ثم دعا بدابته فركب راجعا. وبلغ ذلك عليا فنادى: الرحيل! ثم أجد السير فلحق به فلم يره أنه بلغه عنه وقال: " ما هذا السير؟ سبقتنا! ". وخشي إن تُرك والخروج أن يوقع في نفس الناس شرا. ثم اشترك الأشتر في حرب صفين. وولاه علي إمارة مصر بعد صرف قيس بن سعد بن عبادة عنها. فلما وصل القلزم (السويس) شرب شربة عسل فمات، فقيل إنها كانت مسمومة، وكان ذلك سنة ٣٨ (الإصابة ٣: ٤٨٢) .стр. 112
[تسيير عثمان مثيري الفتنة إلى معاوية بالشام]
وقد كانوا أثاروا فتنة، فأخرجهم عثمان بالاجتهاد، وصاروا في
стр. 113
جماعتهم عند معاوية (١) فذكرهم بالله وبالتقوى لفساد الحال وهتك حرمة الحواشي
(١) أثاروا الفتنة يوم ضربوا عبد الرحمن بن خنيس الأسدي وأباه وهم في دار الإمارة بالكوفة، فكتب أشراف الكوفة وصلحاؤها إلى عثمان بإخراجهم إلى بلد آخر، فسيرهم إلى معاوية في الشام. والذين سيروا إلى معاوية: هم الأشتر النخعي، وابن الكواء اليشكري، وصعصعة بن صوحان العبدي، وأخوه زيد، وكميل بن زياد النخعي، وجندب بن زهير الغامدي. وجندب بن كعب الأزدي، وثابت بت قيس بن منقع، وعروة بن الجعد البارقي، وعمرو بن الحمق الخزاعي.стр. 114
الأمة (١) حتى قال له زيد صوحان - فيما يُروى (٢) " كما تكثر علينا بالإمرة وبقريش، فما زالت العرب تأكل من قوائم سيوفها وقريش تجار " (٣) . فقال له معاوية: " لا أم لك. أذكرك بالإسلام وتذكرني بالجاهلية! قبح الله من كثر على أمير المؤمنين بكم، فما أنتم ممن ينفع أو يضر. اخرجوا عني (٤) . الحواشي
(١) نص كلام معاوية كما رواه الطبري (٥: ٨٦) : " إنكم قوم من العرب، لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفا، وغلبتم الأمم، حويتم مراتبهم ومواريثهم. وقد بلغني أنكم نقمتم قريشا، وإن قريشا لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم. إن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة، فلا تسدوا عن جنتكم. وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المؤونة، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم ".(٢) بل القائل أخوه صعصعة.(٣) وقال أيضا لمعاوية: " وأما ما ذكرت من الجنة، فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا " أي إذا قتلنا ولاتنا صارت الولاية إلينا. ولو أن هذه الكلمة قالها ثائر وهو في قبضة حاكمه - منذ بدأت الحكومات إلى أن تقوم الساعة - ما وجد من حاكمه حلما وسعة صدر كالذي وجده صعصعة من معاوية مع قدرته عليه.(٤) وجواب معاوية على كلام صعصعة في وصف قريش ومكانتها طويل ونفيس، وقد أورده الطبري (٥: ٨٦) .стр. 115
[انتقال مثيري الفتنة إلى منطقة عبد الرحمن بن خالد ومعاملته لهم بالحزم]
وأخبره ابن الكواء بأهل الفتنة في كل بلد ومؤامرتهم (١) فكتب إلى عثمان يخبره بذلك، فأرسل إليه بإشخاصهم إليه. فأخرجهم معاوية (٢) فمروا بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد (٣) فحبسهم، ووبخهم، وقال لهم: " اذكروا ما كنتم تذكرون لمعاوية " (٤) . وحصرهم، وأمشاهم بين يديه الحواشي
(١) قال ابن الكواء فيما نقله الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخ دمشق (٧: ٢٩٩) وأبو جعفر الطبري في تاريخه (٥: ٩٢) يصف لمعاوية أهل الأحداث من أهل الأمصار: " أما أهل الأحداث من أهل المدينة فهم أحرص الأمة على الشر، وأعجزهم عنه. وأما أهل الأحداث من أهل الكوفة فإنهم أنظر الناس في صغير، وأركبه لكبير. وأما أهل الأحداث من أهل البصرة فإنهم يردون جميعا ويصدرون شتى. وأما أهل الأحداث من أهل مصر فهم أوفى الناس بشر، وأسرعه ندامة. وأما أهل الأحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاه لمغويهم ".(٢) وكتب فيهم إلى عثمان: " إنه قدم على أقوام ليست لهم عقول ولا أديان. أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدل. لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة. إنما همهم الفتنة، وأموال أهل الذمة. والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم. وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم. فانه سعيدا ومن قبله عنهم، فإنهم ليسوا لأكثر من شغب أو نكير " (الطبري ٥: ٨٧) .(٣) وكان يلي حمص لمعاوية. ويتبعه منطقة الجزيرة - حران والرقة -.(٤) وذلك بعد قوله لهم: " يا ألة الشيطان، لا مرحبا بكم ولا أهل. وقد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد نشاط. خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم حتى يحسركم. يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم، لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون لمعاوية. أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئ الردة. والله لئن بلغني يا صعصعة بن ذل أن أحدا ممن معي دق أنفك ثم أمصك لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى " (الطبري ٥: ٨٧) .стр. 116
أذلاء حتى تابوا بعد حول (١) .
وكتب إلى عثمان بخبرهم، فكتب إليه أن سرحهم إلي. فلما مثلوا بين يديه جددوا التوبة، وحلفوا على صدقهم، وتبرأوا مما نسب إليهم (٢) وخيرهم حيث يسيرون، فاختار كل واحد ما أراد من البلاد: كوفة، وبصرة، ومصر، فأخرجهم. فما استقروا في حيث ما ساروا حتى ثاروا وألبوا، حتى انضاف إليهم جمع (٣) الحواشي
(١) كان كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به (صعصعة) قال: يا ابن الحطيئة، أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر؟ ما لك لا تقول كما كان بلغني أنك تقول لسعيد ومعاوية؟ فيقول، ويقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله (الطبري ٥: ٨٧ - ٨٨) .(٢) الذي قدم إلى أمير المؤمنين عثمان في المدينة هو الأشتر النخعي وحده، وهو الذي ناب عن ابني صوحان وابن الكواء والآخرين في تجديد التوبة التي أعلنوها من قبل لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: غير أن الفتنة لم تكن مقتصرة على هؤلاء، بل كانت جرثومتها في يد ابن سبأ الذي اختار الإقامة في الفسطاط، وكان لها جناح في البصرة، وللأشتر وإخوانه بقية في الكوفة. وبينما كان الأشتر يجدد توبته وتوبة إخوانه في المدينة كان أعوان ابن سبأ يكاتبون البصرة والكوفة في موعد يثبون فيه على ولاتهم، فما رجع الأشتر بتوبته إلى إخوانه الذين كانوا عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد حتى وجد عندهم كتابا من إخوانهم في الكوفة يدعونهم للاشتراك فيما اتعدوا له، فلم يبتهج بهذه الدعوة إلى الفتنة والشر إلا الأشتر الذي لم يكن قد نسي توبته بعد، فأسرع إلى الكوفة وانضم إلى الفتنة التي تسمى في التاريخ (يوم الجرعة) وكان ذلك سنة ٣٤.(٣) لما أخفق السبئيون في الوثوب على ولاتهم سنة ٣٤ في الموعد الذي وقعت فيه.стр. 117
[مسير فرق الثوار إلى المدينة]
وساروا إليه (١) على أهل مصر عبد الرحمن بن عديس البلوي (٢) الحواشي
(١) أي إلى أمير المؤمنين عثمان في مدينة الرسول ﷺ .(٢) فارس شاعر، نزل مصر مع جيش الفتح، ولم يعرف له في سيرته شيء انفراد بالامتياز به غير اشتراكه في هذه الفتنة، مع دعواه أنه كان من الذين بايعوا تحت الشجرة. وأظنه لم يكن من الرءوس المدبرين للفتنة، ولكن مدبريها استغلوا ميله إلى الرئاسة، فاستفادوا من سنه ووجاهته بين فرسان القبائل العربية بمصر، وولوه القيادة على إحدى الفرق الأربع التي خرجت من مصر إلى المدينة (وقادة الفرق الثلاث الأخرى: كنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة السكوني. ورئيسهم الأعلى الغافقي بن حرب العكي) . وكان عبد الرحمن بن عديس في مدة الحصار شديد الوطأة على أمير المؤمنين عثمان وأهل بيته. ثم كانت عاقبته القتل في جبل الجليل بالقرب من حمص، لقيه أحد الأعراب، فلما اعترف له أنه من قتلة عثمان بادر بقتله (معجم البلدان لياقوت: الجليل) . وأخطأ من نسب ابن عديس إلى تجيب، فإنه بلوي من قضاعة. أما تجيب بنت ثوبان المذحجية فلا ينسب إليها إلا بنو ولديها سعد وعدي بن أشرس بن شبيب بن السكون من كندة، وأين كندة من قضاعة! .стр. 118
وعلى أهل البصرة حكيم بن جبلة (١) وعلى أهل الكوفة الأشتر مالك بن الحارث النخعي (٢) . فدخلوا المدينة هلال ذي القعدة سنة خمس وثلاثين (٣) . فاستقبلهم عثمان. فقالوا: ادع بالمصحف. فدعا به، فقالوا: افتح التاسعة (٤) - يعني يونس - فقالوا: اقرأ. فقرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] قالوا له: قف. قالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى، أذن الله لك أم على الله افتريت؟ قال: امضِهْ، إنما نزلت في كذا. وقد حمى عمر، وزادت الإبل فزدت (٥) . الحواشي
(١) تقدم التعريف به في ص١١٥ـ ١١٦. وهو أمير إحدى الفرق الأربع البصرية (والثلاثة الآخرون: ذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح "الحطم"، وابن المحرش الحنفي. ورئيسهم الأعلى حرقوص بن زهير السعدي) .(٢) تقدم التعريف به في ص١١٦ـ ١١٩. وهو أمير إحدى الفرق الأربع الكوفية (والثلاثة الآخرون: زيد بن صوحان العبدي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم. ورئيسهم الأعلى عمرو بن الأصم) .(٣) نزلوا خارج المدينة على ثلاث مراحل منها، ثم تقدم ثوار البصرة فنزلوا في ذي خشب، ونزل ثوار الكوفة الأعوص، ونزل عامتهم بذي المروة.(٤) كذا في المطبوعة الجزائرية (٢: ١١٧) ولعله خطأ صوابه "السابعة" كما في تاريخ الطبري (٥: ١٠٧) ، ويقال: إن ذلك ترتيب سورة يونس في مصحف ابن مسعود على ما في الفهرست لابن النديم ص٣٩ طبع مصر.(٥) تقدم الكلام على الحمى في ص٧٢ ـ ٧٣ بقدر ما يحتمل هذا المختصر.стр. 119
فجعلوا يتبعونه هكذا، وهو ظاهر عليهم. حتى قال لهم: ماذا تريدون؟
فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه ستا أو خمسا (١) أن المنفي يعاد والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذوو الأمانة والقوة. فكتبوا ذلك في كتاب. وأخذ عليهم ألا يشقوا عصًا ولا يفرقوا جماعة. ثم رجعوا راضين (٢) .
وقيل أرسل إليهم عليًّا فاتفقوا على الخمس المذكورة، ورجعوا راضين. فبينما هم كذلك (٣) إذا راكب الحواشي
(١) أي اشترطوا عليه ستة شروط أو خمسة في المعاني الآتية.(٢) كان الزاحفون من أمصارهم على مدينة الرسول ﷺ فريقين: رؤساء خادعين على درجات متفاوتة، ومرءوسين مخدوعين، وهم الكثرة التي بثت فيها دعايات مغرضة حتى ظنت أن هنالك منفيين مظلومين ومحرومين سلبوا حقهم. . . الخ. وقد رأيت في ص٥٤ـ ٥٥ شهادة أصدق شاهدين في العراق حينئذ وهما الحسن البصري وصنوه ابن سيرين عن وفرة الأعطيات والأرزاق وأنواع الخيرات. حتى كان منادي عثمان ينادي بدعوة الناس لها فلا يمنع عنها أحد. ورأيت في ص١٠٠ شهادة الإمام الشعبي عن تعميم الرزق والخير حتى إلى الإماء والعبيد. ولما أصغى عامة الثائرين إلى أجوبة عثمان وعرفوا الحقيقة اقتنعوا ورجعوا، وكان رجوعهم من طريقين مختلفين باختلاف اتجاه أمصارهم فالمصريين اتجهوا شمالا لغرب ليسايروا ساحل البحر الأحمر إلى السويس ومصر، والعراقيون من بصريين وكوفيين اتجهوا شمالا لشرق منجدين ليبلغوا البصرة والكوفة من أرض العراق.(٣) أي فبينما العراقيون من بصريين وكوفيين في طريقهم نحو الشرق إلى الشمال، والمصريون في طريقهم نحو الغرب إلى الشمال، وبين الفريقين مراحل بعيدة؛ لأنهما تقدما في السير والمسافة تزداد بعدا بينهما.стр. 120
يتعرض لهم (١) .
ثم يفارقهم، مرارًا (٢) قالوا: ما لك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر (٣) . ففتشوه، فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم ويقطع أيديهم وأرجلهم (٤) . الحواشي
(١) أي للمصرين وحدهم.(٢) ولا يتعرض لهم ثم يفارقهم ويكرر ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه. ويثير شكوكهم فيه. وهذا ما أرداه مستأجرو هذا الرجل لتمثيل هذا الدور، ومدبرو هذه المكيدة لتجديد الفتنة بعد أن صرفها الله وأراح المسلمين من شرورها. ولا يعقل أن يكون تدبير هذا الدور التمثيلي صادرا عن عثمان أو مروان أو أي إنسان يتصل بهما، لأنه لا مصلحة لهما في تجديد الفتنة بعد أن صرفها الله، وإنما المصلحة في ذلك للدعاة الأولين إلى إحداث هذا الشغب، ومنهم الأشتر وحكيم بن جبلة اللذان لم يسافرا مع جماعتهما إلى بلديهما، بل تخلفا في المدينة (الطبري ٥: ١٢٠) ولم يكن لهما أي عمل يتخلفان في المدينة لأجله إلا مثل هذه الخطط والتدابير التي لا يفكران يومئذ في غيرها.(٣) وقد صرحوا بأنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح (الطبري ٥: ١٢٠) ولا يعقل أن يكتب إليه عثمان أو مروان؛ لأنه كان عقب حركة الثوار من مصر متوجهين إلى المدينة كتب إلى عثمان يستأذنه بالقدوم عليه (الطبري ٥: ١٢٢) ، وخرج بالفعل من مصر نحو العريش وفلسطين وأيلة (العقبة) وتغلب محمد بن أبي حذيفة على الحكم في مصر، وهو عدو الله ورسوله، وخارج على خليفة المسلمين. فكيف يكتب عثمان أو مروان إلى عبد الله بن سعد وعندهما كتابه الذي يستأذن به في القدوم إلى المدينة؟ .(٤) الأخبار التي جاء فيها أن الراكب غلام عثمان، وأن الجمل جمل الصدقة، وأن عثمان اعترف بذلك، كلها أخبار مرسلة لا يعرف قائلها. أو مكذوبة أذاعها رواة مطعون في صدقهم وأمانتهم. ومضمون الكتاب اضطربت الروايات فيه، ففي بعض الروايات: "إذا قدم عليك عبد الرحمن بن عديس فاجلده مائة واحلق رأسه ولحيته وأطل حبسه حتى يأتيك أمري. وعمرو بن الحمق فافعل به مثل ذلك. وسودان بن حمران مثل ذلك، وعروة بن التباع الليثي مثل ذلك". وفي رواية: "إذا أتاك محمد بن أبي بكر الصديق ـ وفلان وفلان ـ فاقتلهم وأبطل كتابهم وقر على عملك حتى يأتيك رأيي". وفي رواية ثالثة أن مضمون الكتاب أمر عامله بالقتل والقطع والصلب على هؤلاء الثوار. وهذا الاختلاف في مضمون كتاب واحد مما يزيد الريبة في أمره.стр. 121
فأقبلوا حتى قدموا المدينة (١) فأتوا عليًّا فقالوا له: ألم تر إلى عدو الله. الحواشي
(١) وأعجب العجب أن قوافل الثوار العراقيين التي كانت متباعدة في الشرق عن قوافل الثوار المصريين في الغرب عادتا معًا إلى المدينة في آن واحد، أي أن قوافل العراقيين التي كانت بعيدة مراحل متعددة عن قوافل المصريين ولا علم لها بالرواية المسرحية التي مثلت في البويب رجعت إلى المدينة من الشرق وقت رجوع المصريين من الغرب ووصلتا إلى المدينة معًا كأنما كانوا على ميعاد! ومعنى هذا أن اللذين استأجروا الراكب ليمثل دور حامل الكتاب أمام قوافل المصريين استأجروا راكبًا آخر خرج من المدينة معه قاصدًا قوافل العراقيين ليخبرهم بأن المصريين اكتشفوا كتابًا بعث به عثمان إلى عبد الله بن سعد في مصر بقتل محمد بن أبي بكر. قال الطبري (٥: ١٠٥) : فقال لهم علي: ((كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة!)) (يشير كرم الله وجهه إلى تخلف الأشتر وحكيم في المدينة، وأنهما هما اللذان دبرا هذه المسرحية. قال الثوار العراقيون بلسان رؤسائهم: ((فضعوه على ما شئتم. لا حاجة لنا إلى هذا الرجل. ليعتزلنا)) وهذا تسليم منهم بأن قصة الكتاب مفتعلة، وأن الغرض الأول والأخير هو خلع أمير المؤمنين عثمان وسفك دمه الذي عصمه الله بشريعة رسوله ﷺ .стр. 122
كتب فينا بكذا؟ وقد أحل الله دمه، قالوا له: فقم معنا إليه، قال: والله لا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم، فنظر بعضهم إلى بعض (١) وخرج علي من المدينة. الحواشي
(١) الطبري (٥: ١٠٨) . وهذا الحوار بين علي والثوار مجمع عليه في كل الروايات وهو نص قاطع على أن اليد التي زورت الكتاب على عثمان وبعثت إلى العراقيين تخبرهم بذلك وتطلب منهم أن يعودوا إلى المدينة، هي اليد التي زورت على علي كتابًا إلى الثوار العراقيين بأن يعودوا. وقد قلنا في ص ١٢٥ أن الثوار فريقان - خادع ومخدوع - فالذين نظر بعضهم إلى بعض عندما حلف علي بأنه لم يكتب إليهم هم من الفريق المخدوع يتعجب كيف لم يكتب علي إليهم وقد جاءهم كتابه. ومن ذا الذي يكون قد كتب الكتاب على لسانه إذا لم يكن هو الذي كتبه؟ وسيأتي في ص ١٣٦ أن مسروق بن الأجدع الهمداني - وهو من الأئمة الأعلام المقتدى بهم - عاتب أم المؤمنين عائشة بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان، فأقسمت له بالذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون أنها ما كتبت إليهم سوادًا في بياض. قال سليمان بن مهران الأعمش - أحد الأئمة الأعلام الحفاظ -: ((فكانوا يرون أنه كتب على لسانها)) . أيها المسلمون في هذا العصر وفي كل عصر، إن الأيدي المجرمة التي زورت الرسائل الكاذبة على لسان عائشة وعلي وطلحة والزبير هي التي رتبت هذا الفساد كله، وهي التي طبخت الفتنة من أولها إلى آخرها، وهي التي زورت الرسالة المزعومة على لسان أمير المؤمنين عثمان إلى عامله في مصر في الوقت الذي كان يعلم فيه أنه لم يكن له عامل في مصر، وقد زورت هذه الرسالة على لسان عثمان بالقلم الذي زورت به رسالة أخرى على لسان علي، كل ذلك ليرتد الثوار إلى المدينة بعد أن اقتنعوا بسلامة موقف خليفتهم، وأن ما كان قد أشيع عنه كذب كله، وأنه كان يتصرف في كل أمر بما كان يراه حقًا وخيرًا.
ولم يكن صهر رسول الله ﷺ المبشر منه بالشهادة والجنة هو المجني عليه وحده بهذه المؤامرة السبئية الفاجرة، بل الإسلام نفسه كان مجنيًا عليه قبل ذلك. والأجيال الإسلامية التي تلقت تاريخ ماضيها الطاهر الناصع مشوهًا ومحرفًا هي كذلك ممن جنى عليهم ذلك اليهودي الخبيث، والمنقادون له بخطام الأهواء والشهوات.стр. 123
فانطلقوا إلى عثمان فقالوا له: كتبت فينا كذا. قال لهم إما أن تقيموا اثنين من المسلمين، أو يميني - كما تقدم ذكره - فلم يقبلوا ذلك منه (١) . ونقضوا عهده (٢) وحصروه.
[وقائع ومحاورات بين عثمان والبغاة عليه]
وقد روي أن عثمان جيء إليه بالأشتر، فقال له: يريد القوم منك إما أن تخلع نفسك، أو تقص منها، أو يقتلوك! فقال: أما خلعي فلا أترك أمة محمد بعضها على بعض. وأما القصاص، فصاحباي قبلي لم يقصا من أنفسهما، ولا يحتمل ذلك بدني (٣) .
وروي أن رجلًا قال له: نذرت دمك. قال: خذ جبتي. فشرط فيها شرطة بالسيف أراق منه دمه، ثم خرج الرجل وركب راحلته وانصرف في الحين (٤) . الحواشي
(١) لأنهم ما جاءوا ليقبلوا حقًا أو يرجعوا إلى شرع، وإنما جاءوا ليخلعوه أو يسفكوه دمه.(٢) الذي تقدم في ص ١٢٥ أنهم قطعوه على أنفسهم بأن لا يشقوا عصًا ولا يفرقوا جماعة.(٣) هذا الخبر في تاريخ الطبري (٥: ١١٧ - ١١٨) ، وفي البداية والنهاية (٧: ١٨٤) ، وفي أنساب الأشراف للبلاذري (٥: ٩٢) .(٤) هذا الخبر في كتاب (التمهيد) للإمام أبي بكر الباقلاني ص ٢١٦. وأعجب من ذلك ما رواه الطبري (٥: ١٣٧ - ١٣٨) أن عمير بن ضابئ البرجمي وكميل بن زياد النخعي حضرا إلى المدينة ليغتالا عثمان تنفيذا لقرار اتخذوه في الكوفة مع بقية عصابتهم، فلما وصلا إلى المدينة نكل عمير، وترصد كميل للخليفة حتى مر به، فلما التقيا ارتاب منه عثمان، ووجأ وجهه فوقع على استه، فقال لعثمان: أوجعتنى يا أمير المؤمنين، قال عثمان: أولست بفاتك؟! قال: لا والله الذي لا إله إلا هو. فاجتمع الناس وقالوا: نفتشه يا أمير المؤمنين فقال: لا. قد رزق الله العافية، ولا أشتهي أن أطلع منه على غير ما قال. ثم قال لكميل: ((إن كان كما قلت فاقتد مني (وجثَا) فوالله ما حسبتك إلا تريدني)) وقال: ((إن كنت صادقًا فأجزل الله، وإن كنت كاذبًا فأذل الله)) وقعد له على قدميه وقال ((دونك!)) فقال كميل: ((تركت)) . أيها القارئ الكريم، إن هذا الموقف ليس موقف خليفة فضلًا عمن دونه، بل هو موقف المتخلقين بأخلاق الأنبياء. على أن الله يمهل ولا يهمل. فقد جاء الحجاج بعد أربعين سنة فقتل ضابئًا وقتل كميلا بما أراداه في هذا الحادث من الفتك برجل خلق قلبه من رحمة الله، و (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته) .стр. 124
[فتوى ابن عمر لعثمان بألا يخلع نفسه لئلا تتخذ عادة]
ولقد دخل عليه ابن عمر، فقال [له عثمان] : انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك، قال له [ابن عمر] : أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا، قال: هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا. قال: هل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال: لا. قال: فلا تخلع قميص الله عنك، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم خلعوه أو قتلوه (١) . الحواشي
(١) أورد البلاذري هذا الخبر في أنساب الأشراف (٥: ٧٦) من حديث نافع عن ابن عمر. وقبل أن يفتي ابن عمر لخليفته بذلك ويدعوه إلى هذه التضحية النبيلة كان عثمان على بينة من ذلك ونور من الله، فقد أخرج ابن ماجه في مقدمة سننه (رقم ١١٢ الباب ١١ ج ص ٤١) من حديث النعمان بن بشير عن أم المؤمنين عائشة أن رسول الله ﷺ قال لعثمان: ((يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يومًا فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه)) يقول ذلك ثلاث مرات. وفي مسند الإمام أحمد (ج ٦ الطبعة الأولى: ص ٧٥ و ٨٦ و ١١٤ و ١٤٩) حديث عائشة هذا بألفاظ مختلفة يرويه عنها ابن أختها عروة بن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهما.стр. 125
[إشراف عثمان على الناس واستشهاده إياهم بسوابقه]
وقد أشرف عليهم عثمان، واحتج عليهم بالحديث الصحيح في بنيان المسجد وحفر بئر رومة، وقول النبي ﷺ حين رجف بهم أحد. وأقروا له به في أشياء ذكرها (١) .
وقد ثبت أن عثمان أشرف عليهم وقال: أفيكم ابنا محدوج؟ أنشدكما الله ألستما تعلمان أن عمر قال: إن ربيعة فاجر أو غادر وإني والله لا أجعل فرائضهم وفرائض قوم جاءوا من مسيرة شهر، وإنما مهر أحدهم عند طبيبه. وإني زدتهم في غزاة واحد خمسمائة، حتى ألحقتهم بهم؟ قالوا: بلى.
قال: أذكركما الله ألستما تعلمان أنكما أتيتماني فقلتما، إن كندة أكلة رأس، وإن ربيعة هي الرأس، وإن الأشعث بن قيس قد أكلهم فنزعه واستعملتكما؟ قالا: بلى.
قال، اللهم إنهم كفروا معروفي، وبدلوا نعمتي، فلا ترضهم عن الحواشي
(١) انظر في مسند الإمام أحمد (١: ٥٩ الطبعة الأولى رقم ٤٢٠ الطبعة الثانية) حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن. وسنن النسائي (٢: ١٢٤ - ١٢٥) وجامع الترمذي (٤: ٣١٩ - ٣٢٠) * وفي مسند أحمد (١: ٧٠ الطبعة الأولى رقم ٥١١ الطبعة الثانية من حديث الأحنف بن قيس التميمي. وسنن النسائي مطولًا ومختصرًا (٢: ٦٥ - ٦٦ و ١٢٣ - ١٢٤) * وفي تاريخ الطبري (٥: ٢٢٥) من حديث أبي سعيد مولى أبي سيد الأنصاري.стр. 126
إمامهم ولا ترض إمامًا عنهم.
[موقف عثمان من أمر الدفاع عنه أو الاستسلام للأقدار]
وقد روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه (١) . ثم قال: قم يا ابن عمر - وعلى ابن عمر سيفه متقلدًا - فأخبر به الناس (٢) . الحواشي
(١) الذي يدل عليه مجموع الأخبار عن موقف عثمان من أمر الدفاع عنه أو الاستسلام للأقدار، هو أنه كان يكره الفتنة، ويتقي الله في دماء المسلمين. إلا أنه صار في آخر الأمر يود لو كانت لديه قوة راجحة يهابها البغاة، فيرتدعون عن بغيهم، بلا حاجة إلى استعمال السلاح للوصول إلى هذه النتيجة. وقبل أن تبلغ الأمور مبلغها عرض عليه معاوية أن يرسل إليه قوة من جند الشام تكون رهن إشارته، فأبى أن يضيق على أهل دار الهجرة بجند يساكنهم (الطبري ٥: ١٠١) . وكان لا يظن أن الجرأة تبلغ بفريق من إخوانه المسلمين إلى أن يتكالبوا على دم أول مهاجر إلى الله في سبيل دينه. فلما تذاءب عليه البغاة واعتقد أن الدفاع عنه تسفك فيه الدماء جزافًا، عزم على كل من له عليهم سمع وطاعة أن يكفوا أيديهم وأسلحتهم عن مزالق العنف. والأخبار بذلك مستفيضة في مصدر أوليائه وشانئيه. على أنه لو ظهرت في الميدان قوة منظمة ذات هيبة تقف في وجوه البغاة، وتضع حدًا لغطرستهم، لارتاح عثمان لذلك وسر به، مع ما هو مطمئن إليه من أنه لن يموت إلا شهيدًا.(٢) في البداية والنهاية (٧: ١٨٢) عن (مغازي ابن عقبة) أن ابن عمر لم يلبس سلاحه إلا يوم الدار في خلافة عثمان، ويوم أراد نجدة الحروري أن يدخل المدينة مع الخوارج أيام عبد الله بن الزبير.стр. 127
فخرج ابن عمر و [الحسن بن] علي. ودخلوا فقتلوه (١) .
[اعتزام الأنصار الدفاع عن عثمان]
وجاء زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله [مرتين] . قال [عثمان] لا حاجة بي في ذلك، كفوا (٢) . الحواشي
(١) في تاريخ الطبري (٥: ١٢٩) : كان آخر من خرج عبد الله بن الزبير أمره عثمان أن يصير إلى أبيه بوصيته التي كتبها استعدادًا للموت، أمره أن يأتي أهل الدار (أي المدافعين عنه في ساحة القصر) فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم. فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم، فما زال يدعى بها ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه، وإنما أوصى عثمان إلى الزبير لأن الزبير كان محل الثقة من كبار الصحابة. روى الحافظ ابن عساكر (٥: ٣٦٢) أن سبعة من الصحابة أوصوا به: عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، والمقداد، ومطيع بن الأسود، وأبو العاص بن الربيع، فكان ينفق على أيتامهم من ماله، ويحفظ لهم أموالهم.(٢) أورده البلاذري في أنساب الأشراف (٥: ٧٣) من حديث ابن سيرين، وأخرج الحافظ ابن عساكر عن مؤرخ الصدر الأول موسى بن عقبة الأسدي (الذي قال فيه الإمام مالك: عليكم بمغازي ابن عقبة، فإنه ثقة، وهي أصح المغازي) أن أبا حبيبة الطائي (وهو ممن يروي عنهم أبو داود والنسائي والترمذي) قال: لما حصر عثمان جاء بنو عمرو بن عوف إلى الزبير فقالوا يا أبا عبد الله نحن نأتيك ثم نصير إلى ما تأمرنا به (أي من الدفاع عن أمير المؤمنين) قال أبو حبيبة: فأرسلنى الزبير إلى عثمان فقال: أقرئه السلام وقل ((يقول لك أخوك: إن بني عمرو بن عوف جاءوني ووعدوني أن يأتوني ثم يصيروا إلى ما أمرتهم به. فإن شئت أن آتيك فأكون رجلًا من أهل الدار يصيبني ما يصيب أحدهم، فعلت. وإن شئت انتظرت ميعاد بني عمرو فأدفع بهم عنك فعلت)) قال أبو حبيبة: فدخلت عليه - أي على عثمان - فوجدته على كرسي ذي ظهر ووجدت رياطًا مطروحة ومراكن مغلوة، ووجدت في الدار الحسن بن علي، وابن عمر وأبا هريرة، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، فأبلغت عثمان رسالة الزبير، فقال: ((الله أكبر، الحمد لله الذي عصم أخي. قل له: إنك إن تأت الدار تكن رجلًا من المهاجرين، حرمتك حرمة رجل، وغناؤك غناء رجل. ولكن انتظر ميعاد بني عمرو بن عوف فعسى الله أن يدفع بك)) . قال: فقام أبو هريرة فقال: أيها الناس، لقد سمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول ((تكون بعدي فتن وأحداث)) فقلت: وأين النجاء منها يا رسول الله؟ قال: ((الأمير وحزبه)) وأشار إلى عثمان. فقال القوم: ائذن لنا فلنقاتل، فقد أمكنتنا البصائر. فقال [عثمان] : ((عزمت على أحد كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل)) . قال: فبادر - أي سبق - الذين قتلوا عثمان ميعاد بني عمرو بن عوف فقتلوه (وانظر الخبر مختصرًا في كتاب ((نسب قريش)) للزبيري ص ١٠٣) .
وبنو عمرو بن عوف قبيلة كبيرة من الخزرج، أحد فرعي الأنصار، وكان النبي ﷺ عند وصوله إلى المدينة مهاجرًا من مكة نزل ضيفًا عليهم ثلاثة أيام ثم انتقل إلى بني النجار.стр. 128
وقال له أبو هريرة: اليوم طاب الضرب معك. قال: عزمت عليك لتخرجن (١) .
وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم وخروجهم، ولزوم بيوتهم.
فقال له ابن الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا لا نبرح. ففتح الحواشي
(١) هذا الخبر في تاريخ الطبري (٥: ١٢٩) .стр. 129
عثمان الباب ودخلوا عليه في أصح الأقوال (١) .
فقتله المرء الأسود (٢) .
وقيل: أخذ ابن أبي بكر بلحيته، وذبحه كنانة (٣) وقيل: رجل من أهل مصر يقال له حمار (٤) فسقطت قطرة من دمه على المصحف الحواشي
(١) أصل هذا الخبر في تاريخ الطبري (٥: ١٢٨) عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخه.(٢) كذا في مطبوعة الجزائر. والذي في تاريخ الطبري (٥: ١٢٥) ((الموت الأسود)) ، والأصول التي طبع عليها تاريخ الطبري أصح من الأصول التي طبع عليها كتابنا في الجزائر، ومن الثابت أن ابن سبأ كان من ثوار مصر عند مجيئهم من الفسطاط إلى المدينة (الطبري ٥: ١٠٣ - ١٠٤) وهو في كل الأدوار التي مثلها كان شديد الحرص على أن يعمل من وراء ستار، فلعل ((الموت الأسود)) اسم مستعار له أراد أن يرمز به ليتمكن من مواصلة دسائسه لهدم الإسلام.(٣) هو كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي قائد إحدى الفرق المصرية الأربع وكان قبل ذلك أحد الذين التفوا بعمار بن ياسر في الفسطاط ليجعلوه سبئيًا، وهو أول داخل إلى دار عثمان بالشعلة من النفط ليحرق باب الدار، وهو الذي اخترط السيف ليضعه في بطن أمير المؤمنين، فوقته زوجته نائلة فقطع يدها واتكأ بالسيف عليه في صدره، وكانت عاقبة التجيبي القتل مخذولًا في المعركة التي نشبت في مصر بين محمد بن أبي بكر وعمرو بن العاص سنة ٣٨.
وقد تحرف ((كنانة)) في مطبوعة الجزائر برسم ((رومان)) ومطبوعة الجزائر كثيرة التحريف.(٤) لم أر هذا الاسم فيمن اجترءوا على ارتكاب الجريمة العظمى، ولعل النساخ حرفوا اسم سودان بن ((حمران)) ، أو اسم عمرو بن ((الحمق)) .стр. 130
على قوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] فإنها ما حكت إلى الآن.
[تزويرهم الكتب على لسان عائشة]
وروي أن عائشة ﵂ قالت: ((غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف!؟ استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالقند المصفى، ومصتموه موص الإناء، وتركتموه كالثوب المنقى من الدنس ثم قتلتموه (١) .
قال مسروق (٢) فقلت لها: ((عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه)) . فقالت عائشة: ((والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سوادًا في بياض)) . قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها (٣) .
وقد روي أنه ما قتله أحد إلا أعلاج من أهل مصر.
قال القاضي أبو بكر ﵀ : فهذا أشبه ما روي في الباب وبه يتبين - وأصل المسألة سلوك سبيل الحق - أن أحدًا من الصحابة لم يسع عليه، ولا قعد عنه. ولو استنصر ما غلب ألف أو أربعة آلاف غرباء عشرين الحواشي
(١) قالت ذلك أول مرة عند وصولها إلى المدينة عائدة من الحج، فاجتمع إليها الناس وخطبت فيهم خطبة بليغة وردت هذه الجملة في آخرها (الطبري ٥: ١٦٥ -١٦٦) . والموص: الغسل بالأصابع. والقند: عسل قصب السكر إذا جمد.(٢) هو من أئمة التابعين المقتدى بهم، توفي سنة ٦٣. وهو الذي قال لعمار بالكوفة قبل يوم الجمل: يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا. فقال مسروق: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لكان خيرًا للصابرين (الطبري ٥: ١٨٧) .(٣) كما كتب على لسان علي ولسان عثمان.стр. 131
ألفًا بلديين أو أكثر من ذلك، ولكنه ألقى بيده إلى المصيبة (١) .
[الحكم الفقهي في موقف عثمان من الدفاع عنه أو الاستسلام]
وقد اختلف العلماء فيمن نزل به مثلها: هل يلقي بيده، أو يستنصر (٢) ؟ وأجاز بعضهم أن يستسلم ويلقي بيده اقتداء بفعل عثمان وبتوصية النبي ﷺ بذلك في الفتنة (٣) .
قال القاضي أبو بكر ﵀ : ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يك يرى في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب، الحواشي
(١) لأنه اختار بذلك أهون الشرين فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين، وعثمان افتدى دماء أمته بدمه مختارًا فما أحسن الكثيرون منا جزاءه، وإن أوربا وأمريكا تعبدان بشرًا بزعم الفداء ولم يكن فيه مختارًا.(٢) من سياسة الإسلام أن يختار المرء في كل حالة أقلها شرًا وأخفها ضررًا، فإذا كانت للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته فالإسلام يهدي إلى قمع الشر بقوة الخير بلا تردد. وإن لم يكن للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته - كما كانت الحال في موقف أمير المؤمنين عثمان من البغاة عليه - فمصلحة الإسلام في مثل ما جنح إليه عثمان أعلى الله مقامه في دار الخلود.(٣) وهو قوله ﷺ على ما رواه الإمام البخاري في كتاب المناقب (ك ٦١ ب ٢٥ - ج ٤ ص ١٧٧) وفي كتاب الفتن (ك ٩٢ ب ٩ - ج ٨ ص ٩٢) من صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به)) . وأعلن أبو موسى الأشعري في الكوفة قبل وقعة الجمل أنه سمع من رسول الله ﷺ (الطبري ٥: ١٨٨) .стр. 132
فتألبوا وألبوا، وثاروا إلي، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي فعاثوا علي، وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار لكنت قتيل الدار (١) .
[اقتداء المؤلف بعثمان في مثل موقفه]
وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور: أحدها وصاية النبي ﷺ المتقدمة (٢) والثاني الاقتداء بعثمان، الثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله ﷺ المؤيد بالوحي (٣) . فإن من غاب عني، بل من حضر من الحسدة معي، خفت أن يقول: إن الناس مشوا إليه مستغيثين به فأراق دماءهم.
وأمر عثمان كله سنة ماضية، وسيرة راضية. فإنه تحقق أنه مقتول بخبر الصادق له بذلك، وأنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد (٤) .
وروي أنه قال له في المنام: إن شئت نصرتك، أو تفطر عندنا الليلة (٥) . الحواشي
(١) أشرنا إلى ظروف هذا الحادث في ترجمة المؤلف أول هذا الكتاب (ص ٢٦) .(٢) وقد نقلناها آنفًا من حديث أبي هريرة في صحيح البخاري، ومن حديث أبي موسى في الكوفة قبل وقعة الجمل.(٣) وذلك لما قال ابن سلول في غزوة بني المصطلق ((إذا رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)) ، فأراد عمر أن يقتله فمنعه النبي ﷺ وقال: ((لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)) .(٤) تقدم بيان ذلك في ص ٥٥ و ٥٦.(٥) هذه الرواية لابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن سلام في البداية والنهاية (٧: ١٨٢ - ١٨٣) ، ومن طريق آخر عنه في أنساب الأشراف للبلاذري (٥: ٨٢) وفي مسند أحمد (١: ٧٢ الطبعة الأولى، رقم ٥٢٦ الثانية) من حديث مسلم أبي سعيد مولى عثمان قال: إن عثمان أعتق عشرين مملوكًا، ودعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام ورأيت أبا بكر وعمر، إنهم قالوا لي: ((اصبر، فإنك تفطر عندنا القابلة)) . ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه. وروى الإمام أحمد هذا الحديث عن نائلة زوجة عثمان (١: ٧٣ رقم ٥٣٦) بقريب من هذا. وفي البداية والنهاية (٧: ١٨٢) من حديث أيوب السختياني عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومن طرق أخرى متعددة. وانظر تاريخ الطبري (٥: ١٢٥) .стр. 133
[تشويه أخبار الصحابة وطريقتا المحدثين والمؤرخين في نقد الأخبار]
وقد انتدبت المردة والجهلة إلى أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه مشاغبًا مؤلبًا، وبما جرى عليه راضيًا. واخترعوا كتابًا فيه فصاحة وأمثال كتب عثمان به مستصرخًا إلى علي. وذلك كله مصنوع ليوغروا قلوب المسلمين على السلف الماضين والخلفاء الراشدين (١) .
قال القاضي أبو بكر: فالذي ينخل من ذلك أن عثمان مظلوم، الحواشي
(١) هذه الكتب المصنوعة والأخبار المبالغ فيها أو المكذوبة شحنت بها أسفار الأخبار وكتب الأدب. ولتمييز الحق فيها من الباطل طريقان: أحدهما طريق أهل الحديث في ألا يقبلوا إلا الأخبار المسندة إلى أشخاص بأسمائهم ثم يستعرضون أحوال هؤلاء الأشخاص فيقبلون من صادقهم، ويضربون وجه الكذاب بكذبه. والطريق الثاني طريق علماء التاريخ وهو أن يعرضوا كل خبر على سجيا من يخبر عنه، ويقارنوه بسيرته، وهل هو ممن ينتظر وقوعه ممن نسب إليه ويلائم المعروف من سابقته وأخلاقه أم لا. وتمحيص تاريخنا يحتاج إلى هاتين الطريقتين معا يقوم بهما علماء راسخون فيهما.стр. 134
محجوج بغير حجة (١) . وأن الصحابة برآء من دمه بأجمعهم، لأنهم أتوا إرادته وسلموا له رايه في إسلام نفسه.
[تشويه أخبار الصحابة وطريقتا المحدثين والمؤرخين في نقد الأخبار]
ولقد ثبت - زائدًا إلى ما تقدم عنهم - أن عبد الله بن الزبير قال لعثمان: إنا معك في الدار عصابة مستبصرة ينصر الله بأقل منهم. فأذن لنا. فقال: أذكر الله رجلًا أراق لي دمه (أو قال دمًا) (٢) .
وقال سليط بن أبى سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، فلو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم عن أقطارها (٣) . الحواشي
(١) كما تبين في هذا الكتاب بأسانيده القاطعة وانظر كتاب (التمهيد) للإمام أبي بكر الباقلاني (ص ٢٢٠ - ٢٢٧) .(٢) ولما بدأ حجاج بيت الله يعودون إلى المدينة كان أول المسرعين منهم المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي الصحابي، فأدرك عثمان قبل أن يقتل، وشهد المناوشة على باب دار عثمان، فجلس على الباب من داخل وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت. وكان أول من برز للبغاة المهاجمين وقاتل حتى قتل. وخرج معه لقتالهم الحسن بن علي بن أبي طالب وهو يقول في تسفيه عمل البغاة:
لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى أسير إلى طمار شمام
أي: إلى جبل أشم لا ينجو من سقط منه. وخرج معهما محمد بن طلحة بن عبيد الله - وكان يعرف بالسجاد لكثرة عبادته - وهو يقول:
أنا ابن من حامى عليه بأحد ... ورد أحزابا على رغم معد
انظر تاريخ الطبري (٥: ١٢٨ - ١٢٩) .(٣) رواه الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب (٢: ١١٨ - ١١٩ هامش الإصابة) من حديث ابن سيرين عن سليط. وأورده الحافظ ابن حجر مختصرًا في الإصابة (٢: ٧٢) .стр. 135
وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم غناءً من كف يده وسلاحه (١) .
وثبت أن الحسن والحسين وابن الزبير وابن عمر ومروان كلهم شاك في السلاح حتى دخلوا الدار، فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم (٢) . الحواشي
(١) وفي تاريخ الطبري (٥: ١٢٧) أن عثمان دعا عبد الله بن عباس فقال له: اذهب فأنت على الموسم (أي على إمارة الحج) فقال ابن عباس: "والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج". فأقسم عليه لينطلقن، فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة.(٢) وفي البداية والنهاية (٧: ١٨١) : كان الحصار مستمرًا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة. فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار - وكانوا قريبًا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة وخلق من مواليه ولو تركهم لمنعوه -: ((أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله)) قال لرقيقه ((من أغمد سيفه فهو حر)) ، فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج. حتى كانت الساعة التي تم فيها للشيطان ما سعى له وتمناه فانتدب للخليفة رجل من البغاة فدخل عليه البيت فقال: اخلعها وندعك، فقال: ((ويحك)) والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت، ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على عورتي مذ بايعت رسول الله ﷺ ، ولست خالعًا قميصًا كسانيه الله . وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء (الطبري ٥: ١٣٠) . ويكفي لبيان ما كان لهذه الفاجعة الكبرى من الأثر في النفوس ما نقله البلاذري في أنساب الأشراف (٥: ١٠٣) عن المدائني عن سلمة بن عثمان عن علي بن زيد عن الحسن قال: دخل علي يومًا على بناته وهن يمسحن عيونهن فقال: ما لكن تبكين؟ قلن: نبكي على عثمان. فبكى وقال: ابكين. . . . .стр. 136
[المدينة في حكم الإرهابيين خمسة أيام بلا خليفة ثم بويع عليّ]
فلما قضى الله من أمره ما قضى، ومضى في قدره ما مضى، علم أن الحق لا يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه. ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدرًا وعلمًا وتقى ودينًا، فانعقدت له البيعة. ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه. ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضًا عليه، فانقاد إليه (١) . الحواشي
(١) في تاريخ الطبري (٥: ١٥٥) عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخه قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه: يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة (أي يختبئ في بساتينها) فإذا لقوه باعدهم وتبرأ من مقالتهم مرة بعد مرة. ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه. فأرسلوا إليه حيث هو رسلا فباعدهم وتبرأ من مقالتهم. . . فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع. فأقدم نبايعك. فبعث إليهم: وإني وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها. ثم إنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر. فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا، والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري. وأخرج الطبري (٥: ١٥٦) عن الشعبي قال: أتى الناس عليًّا وهو في سوق المدينة وقالوا له: ابسط يدك نبايعك. قال: لا تعجلوا، فإن عمر كان رجلًا مباركًا، وقد أوصى بها شورى، فأمهلوا يجتمع الناس ويتشاورون. فارتد الناس عن علي. ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعده قائم بهذا الأمر لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة. فعادوا إلى علي، فأخذ الأشتر بيده، فقبضها علي. فقال: أبعد ثلاثة؟ أما والله لئن تركتها لتعصرن عينيك عليها حينًا. فبايعته العامة. وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر. وروى سيف عن أبي حارثة محرز العبشمي وعن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني قالا: لما كان يوم الخميس -على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان- جمعوا أهل المدينة، فوجدوا سعدا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له. . . فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلًا تنصبونه ونحن لكم تبع. فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون. . . فقال علي: دعوني والتمسوا غيري. . . فقالوا: ننشدك الله، ألا ترى الفتنة، ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني، فإنما أنا كأحدكم، إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد (أي يوم الجمعة) : فلما أصبحوا من يوم الجمعة حضر الناس المسجد، جاء علي حتى صعد المنبر فقال: ((يا أيها الناس عن ملأ وأذن. إن هذا أمركم، ليس لأحد فيه حق إلا أن أمرتم. وقد افترقنا بالأمس على أمر. فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا أجد على أحد)) فقالوا ((نحن على ما فارقناك عليه بالأمس)) . وهذه الوقائع على بساطتها تدل على أن بيعة علي كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدرها وفي إبانها، وأنها مستمدة من رضا الأمة في حينها، لا من وصية سابقة مزعومة، أو رموز خيالية موهومة.стр. 137
[قولهم في بيعة طلحة يد شلاء وفي طلحة والزبير بايعا مكرهين]
وعقد له البيعة طلحة، فقال الناس: بايع عليًّا يد شلاء، والله لا يتم هذا الأمر (١) .
فإن قيل: بايعا مكرهين (٢) . قلنا: حاشا لله أن يكرها، لهما ولمن الحواشي
(١) قائل هذه الكلمة حبيب بن ذؤيب. رواه الطبري (٥: ١٥٣) عن أبي المليح الهذلي.(٢) يعني طلحة والزبير.стр. 138
بايعهما. ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك، لأن واحدًا أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعًا. ولو لم يبايعا ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام (١) .
وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع، ولم يكن كذلك (٢) .
فإن قيل: فقد قال طلحة: ((بايعت واللج على قفي)) (٣) . قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في ((القفا)) لغة ((قفي)) كما يجعل في ((الهوى)) : ((هوي)) وتلك لغة هذيل لا قريش (٤) فكانت كذبة لم تدبر.
وأما قولهم ((يد شلاء)) لو صح فلا متعلق لهم فيه، فإن يدا شلت في وقاية رسول الله ﷺ يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل الحواشي
(١) القاضي ابن العربي يقرر هنا الحكم الشرعي في عقد البيعة، لا على أنه رأي له. وللإمام أبي بكر الباقلاني كلام سديد في (التمهيد) ص ٢٣١. وانظر ص ١٦٧ - ١٦٩ من كتاب (الإمامة والمفاضلة) لابن حزم المدرج في الجزء الرابع من كتابه (الفصل) .(٢) وقد علمت أن أهل الكوفة يقولون إن الأشتر كان أول من بايع. ولو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أعظم بركة، لأنها يد دافعت عن رسول الله ﷺ ، ويد الأشتر لا تزال رطبة من دم إمامه الشهيد المبشر بالجنة.(٣) أي: والسيف على قفاي، لحالة الإرهاب التي كانت سائدة على المدينة بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان.(٤) بل هي أبعد عن لغة قريش من لهجة هذيل، فقد قال ابن الأثير في النهاية (مادة لجج) أنها لغة طائية، يشددون ياء المتكلم.стр. 139
مكروه (١) . وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه.
فإن قيل: بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان. قلنا: هذا لا يصح في الحواشي
(١) كان طلحة من العصابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ على الموت يوم أحد حين انهزم المسلمون، فصبروا ولزموا. ورمى مالك بن زهير الجشمي بسهم يريد رسول الله ﷺ وكان لا يخطئ رميه - فاتقاه طلحة بيده عن رسول الله ﷺ ، فكان ذلك سبب الشلل في يده من خنصره. وأقبل رجل من بني عامر يجر رمحًا على فرس كميت أغر مدججًا من الحديد يصيح: أنا أبو ذات الودع دلوني على محمد. فضرب طلحة عرقوب فرسه، فاكتسعت. ثم تناول رمحه فلم يخطئ به عن حدقته، فخار كما يخور الثور، فما برح طلحة واضعًا رجله على خده حتى مات. قالت بنتاه - عائشة وأم إسحاق -: جرح أبونا يوم أحد أربعًا وعشرين جراحة في جميع جسده، وقد غلبه الغشي، وهو مع ذلك محتمل رسول الله ﷺ حين كسرت رباعيتاه يرجع به القهقرى، كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب. فكان النبي ﷺ يقول إذا رأى طلحة: ((من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله)) رواه أبو نعيم الأصبهاني. وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كان يوم طلحة. وسمع علي بن أبي طالب رجلًا يقول بعد يوم الجمل: ومن طلحة؟ فزبره علي وقال: إنك لم تشهد يوم أحد، لقد رأيته وإنه ليحترس بنفسه دون رسول الله ﷺ وإن السيوف لتغشاه وإن هو إلا جنة بنفسه لرسول الله ﷺ . أخرج الحافظ ابن عساكر (٧: ٧٨) من طريق ابن مندة عن طلحة قال: سماني رسول الله ﷺ يوم أحد (طلحة الخير) ، وفي غزوة العسرة (طلحة الفياض) ويوم حنين (طلحة الجود) .стр. 140
شرط البيعة، وإنما يبايعونه على الحكم بالحق، وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب، وتقع الدعوى، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويقع الحكم. فأما على الهجم عليه بما كان من قول مطلق، أو فعل غير محقق، أو سماع كلام، فليس ذلك في دين الإسلام (١) .
قالت العثمانية: تخلف عنه من الصحابة جماعة، منهم سعد بن أبي الحواشي
(١) وانظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢٣١ و ٢٣٥ و ٢٣٦: وحقيقة موقف علي من قتلة عثمان عند البيعة له كانوا هم المسئولين على زمام الأمر في المدينة وفي حالة الإرهاب التي كانت سائدة يومئذ لم يكن في استطاعة علي ولا غيره أن يقف منهم مثل موقف الصحابة من عبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان. مع الفارق العظيم بين دم أمير المؤمنين الخليفة الراشد، والأسير الحربي المجوسي الذي قال إنه أسلم بعد وقوعه في الأسر. ولما انتقل علي من المدينة إلى العراق ليكون على مقربة من الشام انتقل معه قتلة عثمان ولا سيما أهل البصرة والكوفة منهم، فلما صاروا في بصرتهم وكوفتهم في معقل قوتهم وعنجهية قبائلهم، ولا شك أن عليًّا أعلن البراءة منهم وأراد أن يتفق مع أصحاب الجمل على ما يمكن الاتفاق عليه في هذا الشأن، فأنشب قتلة عثمان القتال بين معسكر علي ومعسكر أصحاب الجمل، وتمكن أصحاب الجمل من قتل البصريين من قتلة عثمان إلا واحدا من بني سعد بن زيد مناة بن تميم حمته قبيلته، فلما اتسعت الأمور وسفكت الدماء كان علي في موقف يحتاج فيه إلى بأس هؤلاء المعروفين بأنهم من قتلة عثمان وفي مقدمتهم الأشتر وأمثاله، وأن كثيرين منهم انقلبوا على علي بعد ذلك وخرجوا عليه معتقدين كفره. ويقول علماء السنة والمؤرخون: إن الله كان بالمرصاد لقتلة عثمان، فانتقم منهم بالقتل والنكال واحدًا بعد واحد، حتى الذين طال بهم العمر إلى زمن الحجاج كانت عاقبتهم سفك دمائهم جزاء بما قدمت أيديهم والله أعدل الحاكمين.стр. 141
وقاص، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وأسامة بن زيد وسواهم من نظرائهم.
قلنا: أما بيعته فلم يتخلف عنها. وأما نصرته فتخلف عنها قوم منهم من ذكرتم، لأنها كانت مسألة اجتهادية، فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره (١) .
[قاصمة]
[اجتماع أصحاب الجمل بمكة وخروجهم إلى البصرة]
قاصمة روى قوم أن البيعة لما تمت لعلي استأذن طلحة والزبير عليًّا في الخروج إلى مكة (٢) . فقال لهما علي: لعلكما تريدان البصرة والشام. فأقسما ألا يفعلا (٣) .
وكانت عائشة بمكة (٤) . الحواشي
(١) وانظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢٣٣ - ٢٣٤.(٢) وممن استأذنه في الخروج إلى مكة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسبب ذلك أن عليًّا لما تمت له البيعة عزم على قتال أهل الشام. وندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه، فطلب عبد الله بن عمر وحرضه على الخروج معه فقال: إنما أنا رجل من أهل المدينة إن خرجوا خرجت على السمع والطاعة، لكن لا أخرج للقتال في هذا العام، ثم تجهز ابن عمر وخرج إلى مكة (ابن كثير ٧: ٢٣٠) وكان الحسن بن علي مخالفًا لأبيه في أمر الخروج لمقاتلة أهل الشام ومفارقته المدينة كما ترى فيما بعد.(٣) قول علي لهما وقسمهما له من زيادات مرتكبي (القاصمة) ورواتها.(٤) ذهبت إليها وأمهات المؤمنين لما قطع البغاة الماء عن أمير المؤمنين عثمان وأخذ يستسقي الناس، فجاءته أم حبيبة بالماء فأهانوها، وضربوا وجه بغلتها، وقطعوا حبل البغلة بالسيف (الطبري ٥: ١٢٧) ، فتجهز أمهات المؤمنين إلى الحج فرارًا من الفتنة (ابن كثير ٧: ٢٢٩) .стр. 142
وهرب عبد الله بن عامر عامل عثمان على البصرة إلى مكة، ويعلى بن أمية عامل عثمان على اليمن.
فاجتمعوا بمكة كلهم، ومعهم مروان بن الحكم. واجتمعت بنو أمية، وحرضوا على دم عثمان، وأعطى يعلى لطلحة والزبير وعائشة أربعمائة ألف درهم، وأعطى لعائشة ((عسكرًا)) جملًا اشتراه باليمن بمائتي دينار. فأرادوا الشام، فصدهم ابن عامر وقال: لا ميعاد لكم بمعاوية، ولي بالبصرة صنائع، ولكن إليها.
[خرافة الحوأب وشهادة الزور]
فجاءوا إلى ماء الحوأب (١) ونبحت كلابه، فسألت عائشة فقيل لها: هذا ماء الحوأب. فردت خطامها عنه، وذلك لما سمعت النبي ﷺ يقول: «أيتكن صاحبة الجمل الأدبب (٢) التي تنبحها كلاب الحوأب؟» فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب، وخمسون رجلًا إليهما (٣) وكانت أول شهادة زور دارت في الإسلام (٤) . الحواشي
(١) الحوأب من مياه العرب على طريق البصرة. قاله أبو الفتوح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري فيما نقله عنه ياقوت في معجم البلدان. وقال أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم: ماء قريب من البصرة، على طريق مكة إليها. سمي بالحوأب بنت كلب بن وبرة القضاعية.(٢) الأدبب: الأدب (أظهر الإدغام لأجل السجعة) ، والأدب: كثير وبر الوجه. قاله ابن الأثير في النهاية.(٣) لم يشهدوا، ولم تقل عائشة، ولم يقل النبي ﷺ . وسنبين ذلك في موضعه من (العاصمة) ص ١٦١ - ١٦٢.(٤) شهادة الزور تصدر عن رعاع لا يخافون الله كأبي زينب وأبي المورع كما تقدم في ص ٩٦ - ٩٧، وتصدر عمن يزعم لنفسه أنه قادر على خلق شخصية لم يخلقها الله كالذي اخترع اسم ثابت مولى أم سلمة كما تقدم في ص ٩١، وأما طلحة والزبير - المشهور لهما بالجنة من نبي الرحمة ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى - فكانا أسمى أخلاقًا وأكرم على أنفسهما وعلى الله من أن يشهدا الزور. وهذه الفرية عليهما من مبغضي أصحاب رسول الله ﷺ ليست أول فرية لهم في الإسلام، ولا آخر ما يفترونه من الكذب عليه وعلى أهله.стр. 143
[خروج علي إلى الكوفة وما وقع في العراق قبل وصوله]
وخرج علي إلى الكوفة (١) وتعسكر الفريقان والتقوا (٢) وقال عمار - وقد دنا من هودج عائشة -: ما تطلبون؟ قالوا: نطلب دم عثمان. الحواشي
(١) خرج من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ٣٦، ليكون على مقربة من الشام. وكان ابنه الحسن يود لو بقي والده بالمدينة فيتخذها دار خلافته كإخوانه الثلاثة قبله فلا يبرحها (الطبري ٥: ١٧١ وانظر ٥: ١٦٣) وقد سلك علي من المدينة إلى العراق طريق الربذة وفيد والثعلبية والأساود وذي قار. ومن الربذة أرسل إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فرجعا إليه وهو في ذي قار بأن أبا موسى وأهل الحجى من الكوفيين يرون القعود، فأرسل الأشتر وابن عباس، ثم أرسل ابنه الحسن وعمارًا لاستمالة القوم إليه. وبينما هو في الطريق أنشب عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة القتال مع أصحاب الجمل. وفي الأساود جاءه خبر مصرع حكيم بن جبلة وقتلة عثمان. ثم جاء عثمان بن حنيف إلى علي وهو في الثعلبية منتوف اللحية ومغلوبًا على أمره. وفي ذي قار أقام على معسكره، ثم سار بمن معه إلى البصرة وفيها أصحاب الجمل.(٢) بعد وصول علي إلى ذي قار وقيام القعقاع بن عمرو بمساعي التفاهم تقدم علي بمن معه إلى البصرة فأسرع قتلة عثمان إلى إحباط مساعي الإصلاح بإنشاب القتال.стр. 144
قال: قتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق (١) .
والتقى علي والزبير، فقال له علي: أتذكر قول النبي ﷺ : «إنك تقاتلني» ؟ فتركه ورجع. وراجعه ولده، فلم يقبل. وأتبعه الأحنف من قتله (٢) .
ونادى علي طلحة من بعد: ما تطلب؟ قال: دم عثمان. قال: قاتل الله أولانا بدم عثمان. ألم تسمع النبي ﷺ يقول: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» وأنت أول من بايعني ونكث (٣) .
[عاصمة]
[مجيء أصحاب الجمل إلى البصرة]
عاصمة أما خروجهم إلى البصرة فصحيح لا إشكال فيه.
ولكن لأي شيء خرجوا؟ لم يصح فيه نقل، ولا يوثق فيه بأحد لأن الثقة لم ينقله، وكلام المتعصب لا يسمع. وقد دخل على المتعصب من الحواشي
(١) كان الفريقان يطلبان التفاهم وجمع الكلمة، أما الباغي فهم قتلة عثمان، وقد قتلهم الله جميعا إلا واحدا منهم، وسيأتي بيانه.(٢) الذي قتل الزبير عمير بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع التميمي. والأحنف أتقى لله من أن يأمرهم بقتله، بل سمعوه يتذمر من قتال المسلمين بعضهم مع بعض فلحقوا بالزبير فقتلوه (الطبري ٥: ١٩٨) .(٣) كان طلحة أصدق إيمانا وأسمى أخلاقا من أن يبايع وينكث. وإنما كان يريد جمع الكلمة للنظر في أمر قتلة عثمان، استجاب علي لهذه الدعوة كما سيأتي ص ١٥٦، ولكن الذين جنوا على الإسلام أول مرة بالبغي على عثمان كانوا أعداء الله مرة أخرى بإنشاب القتال بين هذين الفريقين من المسلمين.стр. 145
يريد الطعن في الإسلام واستنقاض الصحابة.
فيحتمل أنهم خرجوا خلعًا لعلي لأمر ظهر لهم (١) وهو أنهم بايعوا لتسكين الثائرة، وقاموا يطلبون الحق.
ويحتمل أنهم خرجوا ليتمكنوا من قتلة عثمان (٢) .
ويمكن أنهم خرجوا في جمع طوائف المسلمين، وضم نشرهم، وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا. وهذا هو الصحيح، لا شيء سواه، وبذلك وردت صحاح الأخبار.
فأما الأقسام الأولى فكلها باطلة وضعيفة:
أما بيعتهم كرهًا فباطل قد بيناه (٣) .
وأما خلعهم فباطل؛ لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع، فيمكن أن يولى واحد أو اثنان، ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان (٤) . الحواشي
(١) وهذا الاحتمال بعيد عن هؤلاء الأفاضل الصالحين، ولم يقع منهم ما يدل عليه، بل الحوادث كلها دلت علي نزاهتهم عنه. وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣ - ٤١: ٤٢) فنقل عن كتاب (أخبار البصرة) لعمر بن شبة قول المهلب: "إن أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة ".(٢) وهذا ما كانوا يذكرونه، إلا أنهم يريدون أن يتفقوا مع علي على الطريقة التي يتوصلون بها إلي ذلك. وهذا ما كان يسعى به الصحابي المجاهد القعقاع بن عمرو، ورضي به الطرفان كما سيأتي.(٣) في ص ١٤٣ - ١٤٤.(٤) انظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢١١ - ٢١٢ وص ٢٣٢ في موضوع الخلع.следующие страницы →