Полный текст (247 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
تناكحوهم، ألا فلا تنكحوا إليهم، ألا فلا تصلوا معهم، ألا فلا تصلوا عليهم، عليهم حلت اللعنة» .
قال الحافظ الكبير أبو بكر بن الخطيب البغدادي: والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم. فلا يحتاج أحد منهم - مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم، إلى تعديل أحد من الخلق له. . . . على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها - من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين - القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين.
أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسي الهمذاني، حدثنا صالح بن أحمد الحافظ قال: سمعت أبا جعفر أحمد بن عبدل يقول: سمعت أحمد بن محمد بن سليمان التستري يقول: سمعت أبا زرعة يقول: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، لأن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) .
وأبو زرعة الذي أعلن زندقة من ينتقص أحدا من الصحابة، هو عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، من موالي بني مخزوم، كان أحد أعلام الأئمة. قال عنه الإمام أحمد: ما جاز الجسر أحفظ من أبي زرعة. وقال الإمام أبو حاتم: إن أبا زرعة ما خلف بعده مثله. توفي سنة ٢٦٤.
стр. 37
[خطبة المؤلف]
العواصم من القواصم
في تحقيق مواقف الصحابة
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 38
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمد وآله قال صالح بن عبد الملك بن سعيد:
قرأت على الإمام محمد أبي بكر بن العربي ﵁ قال:
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم إنا نستمد بك المنحة، كما نستدفع بك المحنة، ونسألك العصمة، كما نستوهب منك الرحمة.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ويسر لنا العمل كما علمتنا، وأوزعنا شكر ما آتيتنا، وانهج لنا سبيلا يهدي إليك وافتح بيننا وبينك بابا نفد منه عليك، لك مقاليد السماوات والأرض وأنت على كل شيء قدير (١) . الحواشي
(١) بهذا التحميد والدعاء السديد، افتتح الإمام ابن العربي الجزء الأول من كتابه (العواصم من القواصم) . فافتتحنا به هذا القسم من جزئه الثاني (من ص ٩٨ إلى ص ١٩٣ من مطبوعة الجزائر سنة ١٣٤٧) وهو ما اخترنا إفراده بهذا السفر خاصا بتحقيق مواقف الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي ﷺ ، كما أشرنا إلى ذلك في تصدير الكتاب.стр. 39
[قاصمة الظهر]
[وفاة النبي ﷺ ووقعها في نفوس الصحابة]
قاصمة الظهر بعد أن استأثر الله بنبيه ﷺ وقد أكمل له ولنا دينه، وأتم عليه وعلينا نعمته، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وما من شيء في الدنيا يكمل إلا وجاءه النقصان، ليكون الكمال الذي يراد به وجه الله خاصة، وذلك العمل الصالح والدار الآخرة، فهي دار الله الكاملة. قال أنس: " ما نفضنا أيدينا من تراب قبر رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا " (١) .
واضطربت الحال، ثم تدارك الله الإسلام ببيعة أبي بكر، فكان موت النبي ﷺ (قاصمة الظهر) ومصيبة العمر:
[استخفاء علي وإهجار عمر]
فأما علي فاستخفى في بيته مع فاطمة (٢) . الحواشي
(١) في مطبوعة الجزائر " نفوسنا " والمروي في الحديث " قلوبنا" من وجوه متعددة أشار إليها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٧٣ ـ ٢٧٤) أحدها للإمام أحمد عن أنس: (لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء: قال: وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا) وهكذا رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. قال ابن كثير: وإسناده صحيح على شرط الصحيحين.(٢) لأن فاطمة وجدت على أبي بكر لما أصر على العمل بقول رسول الله ﷺ (لا نورث، ما تركناه صدقة) وسيأتي تفصيل ذلك في ص ٤٨ ـ ٥٠، فعاشت فاطمة بعد موت النبي ﷺ ستة أشهر معتزلة في بيتها ومعها علي كرم الله وجهه قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦: ٣٣٣) : فلما مرضت جاءها الصديق فدخل عليها فجعل يترضاها فرضيت. رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي ثم قال. وهذا مرسل حسن بإسناد صحيح. وقال البخاري (ك ٦٤ ب ٣٨ ج ٥ ص ٨٢ - ٨٣) من حديث عروة عن عائشة: " فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجه في حياة فاطمة فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته. . . إلخ ". وبيعة علي هذه هي الثانية بعد بيعته الأولى في سقيفة بني ساعدة. وأضاف الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٤٩) أن عليا لم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلف الصديق، وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة.
ويحتمل أن يكون مراد المؤلف باستخفاء علي ما كان منه ومن الزبير قبيل الاجتماع في سقيفة بني ساعدة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى ذلك في خطبته الكبرى التي خطبها في المدينة في عقب ذي الحجة بعد آخر حجة حجها عمر، وهذه الخطبة في مسند الإمام أحمد (١: ٥٥ الطبعة الأولى - ج ١ رقم ٣٩١ الطبعة الثانية) من حديث ابن عباس.стр. 40
وأما عثمان فسكت.
وأما عمر فأهجر وقال: " ما مات رسول الله ﷺ ، وإنما واعده الله كما واعد موسى (١) وليرجعن رسول الله ﷺ الحواشي
(١) إشارة إلى قول الله في سورة البقرة: ٥١ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وقوله سبحانه في سورة الأعراف: ١٤٢ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.стр. 41
فليقطعن أيدي أناس وأرجلهم " (١) .
[حوار العباس وعلي في مرضه ﷺ ]
وتعلق بال العباس وعلي بأمر أنفسهما في مرض النبي ﷺ ، فقال العباس لعلي: " إني أرى الموت في وجوه بني عبد المطلب، الحواشي
(١) في مسند أحمد (٣: ١٩٦ الطبعة الأولى) حديث أنس بن مالك عن يوم وفاة النبي ﷺ وفيه: " ثم أرخى الستر، فقبض في يومه ذاك. فقام عمر فقال: إن رسول الله ﷺ لم يمت، ولكن ربه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فمكث عن قومه أربعين ليلة. وإني لأرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يقطع أيدي رجال من المنافقين وألسنتهم يزعمون (أو قال: يقولون) إن رسول الله ﷺ قد مات ". وفي كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٥) عن عائشة: (. . . فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ . . . والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم) . ونقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥-٢٤٢) ما رواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: قام عمر بن الخطاب يخطب الناس ويتوعد من قال " مات " بالقتل والقطع، ويقول: إن رسول الله ﷺ في غشية لو قد قام قتل وقطع. وفي (٥: ٢٤١) من البداية والنهاية من حديث عائشة وهي تذكر الساعة التي توفي فيها رسول الله ﷺ : فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا فأذنت لهما. . ثم قاما، فلما دنوا من الباب قال المغيرة: يا عمر، مات رسول الله ﷺ . فقال عمر: كذبت، بل أنت رجل تحوسك (أي تخالطك) فتنة، إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين. ثم جاء أبو بكر. . . وخرج إلى المسجد وعمر يخطب الناس ويقول: إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين.
ومعنى أهجر: خلط في كلامه وهذى، وأكثر الكلام فيما لا ينبغي. وذلك من هول ما وقع في نفس عمر من هذا الحدث العظيم، فهو لا يكاد يصدقه.стр. 42
فتعال حتى نسأل رسول الله ﷺ ، فإن كان هذا الأمر فينا علمناه (١) .
وتعلق بال العباس وعلي بميراثهما فيما تركه النبي ﷺ من فدك وبني النضير وخيبر (٢) .
[اضطراب أمر الأنصار واجتماع سقيفة بني ساعدة]
واضطرب أمر الأنصار يطلبون الأمر لأنفسهم، أو الشركة فيه مع المهاجرين (٣) . الحواشي
(١) فأجابه علي كرم الله وجهه: (إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ " رواه البخاري في كتاب المغازي من صحيحه (ك ٦٤ ب ٨٣ ج ٥ ص ١٤٠ - ١٤١) . ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٢٧ و٢٥١) من حديث الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن ابن عباس. ورواه الإمام أحمد في مسنده (١: ٢٦٣ و٣٢٥ الطبعة الأولى وج ٤ رقم ٢٣٧٤ وج٥ رقم ٢٩٩٩ الطبعة الثانية) .(٢) سيأتي تفصيله في ص ٤٨ عند الكلام على حديث (لا نورث، ما تركناه صدقة) .(٣) فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وبين ظهرانيهم سعد بن عبادة، وهم يرون أن الأمر لهم، لأن البلد بلدهم وهم أنصار الله وكتيبة الإسلام، أما قريش فإن دافة منهم دفت، فلا ينبغي أن تختزل الأمر من دون الأنصار. وقال خطيب منهم - وهو الحباب بن المنذر - (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير) . (وجذيلها المحكك: هو أصل شجرتها الذي تتحكك به الإبل. وعذيقها المرجب: نخلتها التي دعمت ببناء أو خشب لكثرة حملها) . ومع ذلك فقد كان رجل من الأنصار - وهو بشير بن سعد الخزرجي والد النعمان بن بشير - يسابق عمر إلى مبايعة أبي بكر. وقبيل ذلك كان في السقيفة الرجلان الصالحان عويم بن ساعدة الأوسي ومعن بن عدي حليف الأنصار ولم تعجبهما هذه النزعة من الأنصار فخرجا وهما يريان أن يقضي المهاجرون أمرهم غير ملتفتين إلى أحد، لكن حكمة أبي بكر ونور الإيمان الذي ملأ قلبه كانا أبعد مدى وأحكم تدبيرا لهذه الملة في أعظم نوازلها.стр. 43
وانقطعت قلوب الجيش الذي كان قد برز مع أسامة بن زيد بالجرف (١) .
[عاصمة]
[تدارك الله الإسلام والأنام بأبي بكر الصديق]
عاصمة فتدارك الله الإسلام والأنام ـ وانجابت [الغمة] انجياب الغمام، ونفذ وعد الله باستئثار رسول الله (٢) وإقامة دينه على التمام، وإن كان قد أصاب ما أصاب من الرزية الإسلام ـ بأبي بكر الصديق ﵁ (٣) . الحواشي
(١) كان هذا الجيش سبعمائة، والأمير عليهم إسامة بن زيد، وكان قد ندبهم رسول الله ﷺ للمسير إلى تخوم البلقاء (شرق الأردن) حيث قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وابن رواحة. ولما انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى أشار كثير من الصحابة - ومنهم عمر - ألا ينفذ الصديق هذا الجيش لما وقع من الاضطراب في الناس ولا سيما في القبائل. نقل ابن كثير في البداية والنهاية (٦: ٣٠٤ - ٣٠٥) حديث القاسم بن محمد بن أبي بكر وعمرة بنت سعيد الأنصارية عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب قاطبة وأشربت النفاق، والله لقد نزل بي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، وصار أصحاب محمد ﷺ كأنهم معزى مطيرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة. فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بخطلها وعنانها وفصلها.(٢) استأثر الله فلانا، وبفلان، إذا مات.(٣) أي فتدارك الله الإسلام والأنام بأبي بكر.стр. 44
[رباط جأش أبي بكر في اليوم الرهيب]
وكان ـ إذ مات النبي ﷺ غائبا في ماله بالسنح (١) فجاء إلى منزل ابنته عائشة ﵂ وفيه مات النبي ﷺ فكشف عن وجهه، وأكب عليه يقبله وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طبت حيا وميتا ـ والله لا يجمع الله عليك الموتتين، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها، ثم خرج إلى المسجد ـ والناس فيه، وعمر يأتي بهجر من القول كما قدمنا ـ فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ـ ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ". ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (آل عمران: ١٤٤) الحواشي
(١) في البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (٥: ٢٤٤) : كان الصديق قد صلى بالمسلمين صلاة الصبح، وكان إذا ذاك قد أفاق رسول الله ﷺ إفاقة من غمرة ما كان فيه من الوجع، وكشف سترة الحجرة ونظر إلى المسلمين وهم صفوف في الصلاة خلف أبي بكر، فأعجبه ذلك وتبسم ﷺ حتى هم المسلمون أن يتركوا ما هم فيه من الصلاة لفرحهم به، وحتى أراد أبو بكر أن يتأخر ليصل الصف، فأشار إليهم ﷺ أن يمكثوا كما هم، وأرخى الستارة، وكان آخر العهد به ﷺ . فلما انصرف أبو بكر من الصلاة دخل عليه وقال لعائشة ما أرى رسول الله ﷺ إلا قد أقلع عنه الوجع، وهذا يوم بنت خارجة - يعني إحدى زوجتيه وكانت ساكنة بالسنح شرقي المدينة - فركب على فرس وذهب إلى منزله، وتوفي ﷺ حين اشتد الضحى. . . فذهب سالم بن عبيد وراء الصديق فأعلمه بموت النبي ﷺ ، فجاء الصديق حين بلغه الخبر، وكان منه ما سيذكره المؤلف. والسنح منازل بني الحارس بن الخزرج في عوالي المدينة، بينها وبين مسجد رسول الله ﷺ ميل واحد.стр. 45
فخرج الناس يتلونها في سكك المدينة كأنها لم تنزل إلا ذلك اليوم (١) .
[موقفه في سقيفة بني ساعدة]
واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة يتشاورون، ولا يدرون ما يفعلون، [وبلغ ذلك المهاجرين] فقالوا: نرسل إليهم يأتوننا، فقال أبو بكر: بل نمشي إليهم، فسار إليهم المهاجرون، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فتراجعوا الكلام، فقال بعض الأنصار: منا أمير ومنكم أمير (٢) . فقال أبو بكر كلاما كثيرا مصيبا، يكثر ويصيب، منه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، إن رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش» (٣) وقال: «أوصيكم بالأنصار خيرا: أن تقبلوا من محسنهم، وتتجاوزوا عن الحواشي
(١) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩٤) من حديث عائشة. وفي سنن الدارقطني (٣: ٤٠٦) والبداية والنهاية للحافظ ابن كثير (٥: ٢٤٢) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد أعلام المسلمين، عن عائشة أم المؤمنين التي وقعت هذه الحوادث في بيتها وفي المسجد النبوي الذي يطل بيتها عليه. وجميع دواوين السنة سجلت هذا الموقف العظيم للصديق الأكبر بأصح الأحاديث. وألفاظها قريب بعضها من بعض.(٢) الذي قال ذلك من خطباء الأنصار الحباب بن المنذر، وقد تقدم في هامش ٣ ص ٤٠.(٣) الحديث في مسند الطيالسي برقم ٩٢٦ عن أبي برزة، وبرقم ٢١٣٣ منه عن أنس. وفي كتاب الأحكام من صحيح البخاري ك ٩٣ ب ٢ - ج٨ ص١٠٤ - ١٠٥) عن معاوية أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبة الله على وجهه ما أقاموا الدين " وعن عبد الله بن عمر قال رسول الله ﷺ : " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان " وفي مسند الإمام أحمد (٣: ١٢٩ الطبعة الأولى) عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قام على باب البيت ونحن فيه فقال " الأئمة من قريش. إن لهم عليكم حقا. . . إلخ " ورواه الإمام أحمد أيضا في المسند (٣: ١٨٣ الطبعة الأولى) عن أنس قال: كنا في بيت رجل من الأنصار فجاء النبي ﷺ حتى وقف فأخذ بعضادة الباب فقال " الأئمة من قريش، ولهم عليكم حق، ولكم مثل ذلك. . . إلخ " ورواه الإمام أحمد كذلك (٤: ٤٢١ الطبعة الأولى) عن أبي برزة يرفعه إلى النبي ﷺ قال " الأئمة من قريش: إذا استرحموا رحموا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا حكموا عدلوا. فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ".стр. 46
مسيئهم» (١) إن الله سمانا (الصادقين) (٢) وسماكم (المفلحين) (٣) وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (التوبة: ١١٩) إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة الحواشي
(١) في كتاب مناقب الأنصار من صحيح البخاري (ك ٦٣ ب ١١) من حديث هشام بن زيد بن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار يبكون (والظاهر أن ذلك كان في مرض النبي ﷺ الذي مات به) فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك. قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد. قال فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأسنى عليه ثم قال: " أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقى الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ". وبعده في صحيح البخاري حديث لعكرمة عن ابن عباس، وحديث لقتادة عن أنس بمعنى ذلك.
وقريب من ذلك في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، وفي سنن الترمذي عن ابن عباس.(٢) في سورة الحشر: ٨ - ٩ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.(٣) في سورة الحشر: ٨ - ٩ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.стр. 47
والأدلة القوية، فتذكرت الأنصار ذلك وانقادت إليه، وبايعوا أبا بكر الصديق ﵁ (١) .
وقال أبو بكر لأسامة: انفذ لأمر رسول الله ﷺ ، فقال عمر: كيف ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك! ؟ فقال: لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة، ما رددت جيش أنفذه رسول الله ﷺ (٢) . الحواشي
(١) نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٤٧) من حديث الأمام أحمد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (ابن أخت أمير المؤمنين عثمان) خطبة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ومنها قوله: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: " لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا سلكت وادي الأنصار " ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد: " قريش ولاة هذا الأمر: فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم "، فقال له سعد: " صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء ".(٢) نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦: ٣٠٥) عن الحافظ أبي بكر البيهقي حديث محمد بن يوسف الفريابي الحافظ (قال البخاري: كان أفضل أهل زمانه) ، عن عياد بن كثير الرملي أحد شيوخه (قال ابن المديني: كان ثقة لا بأس به) عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (أحد التابعين، توفي بالإسكندرية) عن أبي هريرة قال: " والله الذي لا إله إلا هو، لولا أبو بكر استخلف ما عبد الله " ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة. فقيل له: مه يا أبا هريرة. فقال: إن رسول الله ﷺ وجه إسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله ﷺ ، وارتدت العرب حول المدينة. فاجتمع إليه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا بكر، رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ ! فقال: " والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله ". فوجه إسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام.стр. 48
[موقفه من مانعي الزكاة]
وقال له عمر وغيره: إذا منعك العرب الزكاة فاصبر عليهم. فقال: " والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة " (١) . الحواشي
(١) لما مضى جيش إسامة في طريقه إلى شرق الأردن جعلت وفود القبائل تقدم المدينة، يقرون بالصلاة ويمتنعون عن أداء الزكاة. قال ابن كثير (٦: ٣١١) : ومنهم من احتج بقوله تعالى (التوبة: ١٠٣) : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ. قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا. وقد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق من ذلك وأباه. وقد روى الجماعة في كتبهم - سوى ابن ماجه - عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: علام تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " فقال أبو بكر: والله لو منعوني عناقا (وفي رواية: عقالا) كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعها. إن الزكاة حق المال، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. وهذا الحديث في مسند أحمد (١: ١١، ١٩، ٣٥- ٣٦ الطبعة الأولى - ج ١ رقم ٦٧ و١١٧ و٢٣٩ الطبعة الثانية) من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة. وفي البداية والنهاية (٦: ٣١٢) قال القاسم بن محمد (ابن أبي بكر الصديق، وهو أحد الفقهاء السبعة) : اجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة الأسدي، وبعثوا وفودا إلى المدينة فنزلوا على وجوه الناس، فأنزلوهم إلا العباس، فحملوهم إلى أبي بكر على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحق وقال " لو منعوني عقالا لجاهدتهم ".стр. 49
قيل: ومع من تقاتلهم؟ قال: " وحدي، حتى تنفرد سالِفَتي " (١) .
[تنظيمه جيش الخلافة]
وقدَّم الأمراء على الأجناد والعمال في البلاد مختارا لهم، مرتئيا فيهم، فكان ذلك من أسد عمله، وأفضل ما قدمه للإسلام (٢) . الحواشي
(١) السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، ولا تنفرد إحداهما عما يليها إلا بالموت.(٢) وفي طليعة هؤلاء القواد: أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وعمرو بن العاص السهمي، وخالد بن الوليد المخزومي وخالد بن سعيد بن العاص الأموي، ويزيد بن أبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، والمهاجر بن أبي أمية شقيق أم المؤمنين أم سلمة، وشرحبيل بن حسنة، ومعاوية بن أبي سفيان، وسهيل بن عمرو العامري خطيب قريش، والقعقاع بن عمرو التميمي، وعرفجة بن هرثمة البارقي، والعلاء بن الحضرمي حليف بني أمية، والمثنى بن حارثة الشيباني، وحذيفة بن محصن الغطفاني. وفي طليعة ولاته: عتاب بن أسيد الأموي، وعثمان بن العاص الثقفي، وزياد بن لبيد الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، ويعلى بن منية، وجرير بن عبد الله البجلي، وعياض بن غنم، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعبد الله بن ثور أحد بني غوث، وسويد بن مقرن المزني.стр. 50
[حديث لا نورث ما تركناه صدقة]
وقال لفاطمة وعلي والعباس: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركناه صدقة» . فذكر الصحابة ذلك (١) . الحواشي
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (٦٢ ب ١٢ - ج ٤ ص ٢٠٩ ـ ٢١٠) حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي ﷺ فيما أفاء الله على رسوله ﷺ تطلب صدقة النبي ﷺ التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر إن رسول الله ﷺ قال " لا نورث، ما تركنا فهو صدقة. إنما يأكل آل محمد من هذا المال - يعني مال الله - ليس لهم أن يزيدوا على المأكل " وإني والله لا أغير شيئا من صدقات النبي ﷺ التي كانت عليها في عهد النبي ﷺ ، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ . فتشهد علي ثم قال: إنا عرفنا يا أبا بكر فضيلتك (وذكر قرابتهم من رسول الله ﷺ وحقهم) فتكلم أبو بكر فقال: والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي. وأوسع منه في كتاب المغازي بباب غزوة خيبر من صحيح البخاري (ك ٦٤ ب ٢٨ - ج ٥ ص ٨٢) .
وفي كتاب الوصايا من صحيح البخاري (ك ٥٥ ب ٣٢ - ج ٣ ص ١٩٧) وكتاب فرض الخمس (ك ٥٧ ب ٣ ـ ج ٤ ص ٤٥) حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال " لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة ". قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مناهج السنة (٢: ١٥٨) : قول النبي ﷺ " لا نورث، ما تركنا صدقة " رواه عنه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن عوف، والعباس بن عبد المطلب، وأزواج النبي ﷺ ، وأبو هريرة، والرواية عن هؤلاء ثابتة في الصحاح والمسانيد. وقال قبل ذلك (٢: ١٦٧) : إن الله تعالى صان الأنبياء أن يورثوا دنيا، لئلا يكون ذلك شبهة لمن يقدح في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وورثوها لورثتهم. ثم إن من ورثة النبي ﷺ أزواجه ومنهن عائشة بنت أبي بكر وقد حرمت نصيبها بهذا الحديث النبوي، ولو جرى أبو بكر مع ميله الفطري لأحب أن ترث ابنته.
وفي كتاب فرض الخمس من صحيح البخاري (ك ٥٧ ب ١ـ ج ٤ ص ٤٢) حديث ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين أخبرت أن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال " لا نورث، ما تركنا صدقة ". . . فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال: " لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به. فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ ".
وفي الباب نفسه من صحيح البخاري (ج ٤ ص ٤٢ - ٤٤) من حديث الإمام مالك بن أنس عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري أنه قال: بينا أنا جالس في أهلي حين متع النهار، إذا رسول عمر بن الخطاب، فقال: أجب أمير المؤمنين فانطلقت معه. فبين أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون؟ قال: نعم. فأذن لهم. . . ثم جلس يرفأ يسيرا ثم قال: هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم. فأذن لهما فدخلا فسلما فجلسا فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا - وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله ﷺ من بني النضير - فقال الرهط، عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. قال عمر: تيدكم. أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال " لا نورث، ما تركنا صدقة " يريد رسول الله ﷺ نفسه؟ قال الرهط: قد قال ذلك. فأقبل عمر على علي وعباس فقال: أنشدكما الله، أتعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك. (وبعد أن ذكر أنه ﷺ كان ينفق على أهله سنتهم من هذا المال ثم يجعل ما بقي مال الله، واستشهد على ذلك فشهدوا، قال) : ثم توفى الله نبيه ﷺ ، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ ، فقبضها، فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفى الله أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، وما عمل فيها أبو بكر والله يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق. ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة وأمركما واحد، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا - يريد عليا - يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال " لا نورث، ما تركنا صدقة ". فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ وبما عمل فيه أبو بكر، وبما عملت فيها منذ وليتها. فقلتما: ادفعها إلينا: فبذلك دفعتها إليكما فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم. ثم أقبل على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله، هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك! فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي فيها قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي فإني أكفيكماها.
وأورد البخاري حديث مالك بن أوس هذا في كتاب المغازي من صحيحه (ك ٦٤ ب ١٤ - ج ٥ ص ٢٣ - ٢٤) من حديث شعيب عن الزهري عن مالك بن أوس وفي كتاب النفقات من صحيحه (ك ٦٩ ب ٣ ـ ج ٦ ص ١٩٠ ـ ١٩٢) ، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه (ك ٩٦ ب ٥ ج ٨ ص ١٤٦ ـ ١٤٧) . وانظر كتاب الفرائض من صحيح البخاري (ك ٨٥ ب ٣ - ج ٨ ص٣ ـ ٥) . ومسند الإمام أحمد (١: ١٣ الطبعة الأولى - ورقم ٧٧ و٧٨ الطبعة الثانية) .
وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية في مناهج السنة (٣: ٢٣٠) إلى أن أبا بكر وعمر أعطيا من مال الله أضعاف هذا الميراث للذين كانوا سيرثونه قال: وإنما أخذ منهم قرية ليست كبيرة، لم يأخذ منهم مدينة ولا قرية عظيمة. ثم قال (٣ - ٢٣١) وقد تولى علي بعد ذلك، وصارت فدك وغيرها تحت حكمه، ولم يعطي لأولاد فاطمة ولا زوجات النبي ﷺ ولا ولد العباس شيئا من ميراثه. . . إلخ.стр. 51
[حديث لا يدفن نبي إلا حيث يموت]
وقال سمعته ﷺ يقول: «لا يدفن نبي إلا حيث يموت» (١) . وهو في ذلك كله رابط الجأش، ثابت العلم والقدم في الدين.
ثم استخلف عمر، فظهرت بركة الإسلام، ونفذ الوعد الصادق في الخليفتين (٢) . الحواشي
(١) في كتاب الجنائز من موطأ مالك (ك١٦ ج٢٧ ـ ص٢٣١) أن مالكا بلغه أن رسول الله ﷺ توفي يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء. وصلى الناس أفذاذا لا يؤمهم أحد. فقال ناس: يدفن عند المنبر. وقال آخرون: يدفن بالبقيع. فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه " قال الحافظ ابن عبد البر: صحيح من وجوه مختلفة وأحاديث شتى جمعها مالك وفي كتاب الجنائز من جامع الترمذي (ك٨ ب٣٣) حديث عائشة: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته: ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه. ادفنوه في موضع فراشه. وفي كتاب الجنائز من سنن ابن ماجه (ك ٦ ب ٦٥) عن ابن عباس: لقد اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له فقال قائلون: يدفن في مسجده وقال قائلون: يدفن مع أصحابه فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله ﷺ يقول ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض. ورواه ابن إسحاق (في السيرة لابن هاشم ٣: ١٠٣ بولاق) من حديث عكرمة عن ابن عباس. وانظر البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (٥: ٢٦٦ ـ ٢٦٨) .(٢) وهو وعد الله في سورة النور: ٥٥ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ولقد كان المجتمع الإسلامي ـ بتوجيه هذين الخليفتين ـ أسعد مجتمع إنساني عرفه التاريخ، لأن الناس ـ من ولاة ورعية، كانوا يتعاملون بالإيثار، وكان الواحد منهم يكتفي بما يفي بحاجته، ويبذل من ذات نفسه أقصى ما يستطيع أن يستخرج منها من جهد لإقامة الحق في الأرض وتعميم الخير بين الناس. ويلقى الرجل الخير منهم رجلا لا تزال تنزع به نزعات الشر، فلا يزال به حتى يخدر عناصر الشر المتوثبة في نفسه، ويوقظ ما كمن فيها من عناصر الخير إلى أن يكون من أهل الخير المنتسبين إلى الإسلام، ولا تزال حتى يومنا هذا طوائف امتلأت قلوبهم بالضغن حتى على أبي بكر وعمر، فضلا عمن استعان بهم أبو بكر وعمر من أهل الفضل والإحسان، فصنعوا لهم من الأخبار الكاذبة شخصيات أخرى غير شخصياتهم التي كانوا عليها في نفس الأمر، ليقنعوا أنفسهم بأنهم إنما أبغضوا أناسا يستحقون منهم هذه البغضاء. ولهذا امتلأ التاريخ الإسلامي بالأكاذيب، ولن تتجدد للمسلمين نهضة إلا إذا عرفوا سلفهم على حقيقته واتخذوا منه قدوة لهم ولن يعرفوا سلفهم على حقيقته إلا بتطهير التاريخ الإسلامي مما لصق به.стр. 52
[جعل عمر شورى في اختيار الخليفة بعده]
ثم جعلها عمر شورى، فأخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الأمر حتى ينظر ويتحرى فيمن يقدم (١) فقدم عثمان، فكان عند الظن به: ما الحواشي
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك٦٢ ب٨ ـ ج٤ ص٢٠٤ ـ ٢٠٧) حديث عمرو بن ميمون أحد تلاميذ معاذ وابن مسعود ومن شيوخ الشعبي وسعيد بن جبير وطبقتهما، وقد اشتمل هذا الحديث على خبر مقتل أمير المؤمنين عمر، وكيف جعل عمر الخلافة شورى بين الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وكيف أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه منها. ثم انتهى إلى تقديم عثمان. وهذا الحديث من أصح ما ثبت في هذا الموضوع وأجوده.
واقرأ بعد ذلك ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية عن موقف عمر في جعله الأمر شورى في كتاب منهاج السنة (٣: ١٦٨ ـ ١٧٢) ، وفيه إرشاد دقيق إلى ما كان عليه بنو هاشم وبنو أمية من الاتفاق والمحبة والتعاون في أيام النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وأن عثمان وعليا كان أحدهما أقرب إلى صاحبه من سائر الأربعة إليهما. ونقل ابن تيمية (في ٣: ٢٣٣ـ ٢٣٤) قول الإمام أحمد: لم يتفق الناس على بيعة كما اتفقوا على بيعة عثمان: ولاه المسلمون بعد تشاورهم ثلاثة أيام، وهم مؤتلفون متفقون متحابون متوادون معتصمون بحبل الله جميعا. وقد أظهرهم الله، وأظهر بهم ما بعث به نبيه من الهدى ودين الحق، ونصرهم على الكفار ففتح بهم بلاد الشام والعراق وبعض خراسان. . . إلخ.стр. 53
خالف له عهدا، ولا نكث عقدا، ولا اقتحم مكروها ولا خالف سنة (١) . الحواشي
(١) وكيف لا يكون عثمان عند الظن به وقد شهد له بطهارة السيرة وحسن الخاتمة رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي. قال الحافظ ابن حجر في ترجمة عثمان من (الإصابة) : جاء من أوجه متواترة أن رسول الله ﷺ بشر عثمان بالجنة، وعده من أهل الجنة، وشهد له بالشهادة. والحديث الذي يتواتر بذلك عن رسول الله ﷺ لا يرتاب فيه ولا يجنح إلى غير مدلوله إلا الذي يرضى لنفسه بأن يقتحم أبواب الجحيم. وروى الترمذي من طريق الحارث بن عبد الرحمن، عن طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة، أن رسول الله ﷺ قال: " لكل نبي رفيق، ورفيقي بالجنة عثمان ".
وقال الحافظ ابن عبد البر في ترجمته عثمان من كتاب (الاستيعاب) ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " سألت ربي أن لا يدخل النار أحدا صاهر إلي أو صاهرت إليه ". وشهادة أخرى من رسول الله ﷺ لهذا الإنسان الأفضل يتمنى مثلها أبو بكر وعمر وعلي. فقد روى الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه (ك ٤٤ ب ٢٦ ـ ج ٧ ص ١١٦ ـ ١١٧) عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال في عثمان: " ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟ " وفي صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٧ - ج ٤ ص ٢٠٣) عن نافع، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر، ثم عثمان. ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم. وقيل للمهلب بن أبي صفرة: لم قيل لعثمان ذا النورين؟ قال: لأنه لم يعلم أن أحدا أرسل سترا على ابنتي نبي غيره. وروى خيثمة في فضائل الصحابة عن النزال بن سبرة العامري (أحد الذين أخذوا عن أبي بكر وعثمان وعلي، وهو من شيوخ الشعبي والضحاك وطبقتهما) قال: قلنا لعلي حدثنا عن عثمان، فقال: "ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين". وقال ابن مسعود حين بويع عثمان بالخلافة: "بايعنا خيرنا ولم نأل". ووصفه علي بن أبي طالب بعد انقضاء أجله فقال: " كان عثمان أوصلنا للرحم، وكان من الذين آمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين ". وروى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن أباه قال: " لقد عتبوا على عثمان أشياء لو فعلها عمر ما عتبوا عليه ". وعبد الله بن عمر كان شاهد عيان لخلافة عثمان من أولها إلى آخرها، وكان أشد الناس في التزام السنة المحمدية، ومع ذلك فإنه يشهد لعثمان بأن كل ما عتبوا به عليه كان يحتمل أن يكون من عمر ـ وهو أبوه ـ ولو كان ذلك من عمر لما عتب أحد به عليه. وقال مبارك بن فضالة مولى زيد بن الخطاب سمعت عثمان يخطب وهو يقول " يا أيها الناس ما تنقمون علي، وما من يوم إلا وأنتم تقسمون فيه خيرا ". وقال الحسن البصري: شهدت منادى عثمان ينادي: يا أيها الناس اغدوا على أعطياتكم، فيغدون ويأخذونها وافية. يا أيها الناس اغدوا على أرزاقكم فيغدون ويأخذونها وافية. حتى ـ والله ـ سمعته أذناي يقول: اغدوا على كسوتكم. فيأخذون الحلل. واغدوا على السمن والعسل. قال الحسن: أرزاق دارة، وخير كثير، وذات بين حسن. ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنا إلا يوده وينصره ويألفه. فلو صبر الأنصار على الأثرة لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق ولكنهم لم يصبروا وسلوا السيف مع من سل، فصار عن الكفار مغمدا، وعلى المسلمين مسلولا (روى ذلك عنه الحافظ ابن عبد البر) وقال ابن سيرين ـ صنو الحسن البصري وزميله وهو أيضا كان معاصرا لعثمان ـ: " كثر المال في زمان عثمان حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف درهم، ونخلة بألف درهم ". وسئل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن علي وعثمان. فقال للسائل: (قبحك الله! تسألني عن رجلين ـ كلاهما خير مني ـ تريد أن أغض من أحدهما وأرفع من الآخر؟ !) .стр. 54
[سجايا عثمان وصفاته الممتازة]
وقد كان النبي ﷺ أخبر بأن عمر شهيد، وبأن عثمان شهيد، وبأن له الجنة على بلوى تصيبه (١) . الحواشي
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٧ ـ ج ٤ ص ٢٠٢) حديث أبي موسى الأشعري قال: إن النبي ﷺ دخل حائطا (أي بستانا) وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن، فقال ﷺ : " ائذن له وبشره بالجنة " فإذا أبو بكر. ثم جاء آخر يستأذن، فقال: " ائذن له وبشره بالجنة " فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة ثم قال: " ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه " فإذا عثمان بن عفان. (وانظر صحيح البخاري ك ٦٢ ب ٥ و٦ ـ ج ٤ ص ١٩٥ ـ ١٩٧ و٢٠١ ـ ٢٠٢) ومثله في كتاب فضل الصحابة من صحيح مسلم (ك ٤٤ ح ٢٨ و٢٩ ـ ج ٧ ص ١١٧ ـ ١١٩) من حديث أبي موسى الأشعري أيضا. وروى ابن ماجه في الباب ١١ رقم ١١١ من مقدمة السنن (ج ١ ص ٤١ بتحقيق الأستاذ فؤاد عبد الباقي) عن محمد بن سيرين من أئمة التابعين، عن كعب بن عجرة البلوي حليف الأنصار وأحد الذين شهدوا عمرة الحديبية مع رسول الله ﷺ ونزلت فيه آية الفدية ١٩٥ من سورة البقرة، قال كعب بن عجرة: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقربها، فمر رجل مقنع رأسه، فقال رسول الله ﷺ : " هذا يومئذ على الهدى " فوثبت فأخذت بضبعي عثمان، ثم استقبلت رسول الله ﷺ فقلت: هذا؟ قال: هذا. ومن مسند أحمد (١: ٥٨ الطبعة الأولى ـ رقم ٤٠٧ الطبعة الثانية) عن أبي سهلة مولى عثمان ـ وهو تابعي ثقة ـ أن عثمان قال يوم الدار حين حصر: " إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا، فأنا صابر عليه " والحديث عند الترمذي (٤: ٣٢٤) من طريق وكيع. وقال حديث حسن صحيح. وعند ابن ماجه (١: ٤١، ٤٢ رقم ١١٢، ١١٣) حديثان أحدهما لأبي سهلة مولى عثمان والآخر لعائشة. وأوردهما الحاكم في المستدرك على الصحيحين (١: ٩٩) عن عائشة.стр. 55
وهو وزوجه رقية ابنة رسول الله ﷺ أول مهاجر بعد إبراهيم الخليل ﷺ ، دخل به في باب " أول من. . (١) " وهو علم كبير جمعه الناس.
ولما صحت إمامته قتل مظلوما (٢) وليقضي الله أمرا كان مفعولا. الحواشي
(١) للجلال السيوطي وغيره من العلماء قبله وبعده كتب ألفوها في تسمية الأشخاص الذين سبقوا غيرهم إلى شيء من الأعمال المحمودة وغيرها، فيقولون (مثلا) : كان عثمان أول من هاجر في سبيل الله الهجرة الأولى إلى الحبشة.(٢) روى الإمام أحمد في مسنده (٢: ١١٥ الطبعة الأولى ـ ج ٨ رقم ٥٩٥٣ الطبعة الثانية) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل، فقال ﷺ : " يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما " قال (عبد الله بن عمر) : فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان. قال الشيخ أحمد شاكر: والحديث رواه الترمذي (٤: ٣٢٣) ونقل شارحه عن الحافظ ابن حجر أنه قال إسناده صحيح. وروى الحاكم في المستدرك (٣: ١٠٢) نحوه من حديث مرة بن كعب وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.стр. 56
ما نصب حربا (١) ولا جيش عسكرا (٢) ولا سعى إلى فتنة (٣) ولا دعا إلى بيعة (٤) ولا حاربه ولا نازعه من هو من أضرابه ولا أشكاله (٥) ولا كان يرجوها لنفسه، ولا خلاف أنه ليس لأحد أن يفعل ذلك في غير الحواشي
(١) أي لقتال أهل القبلة. أما حروبه لإعلاء كلمة الله ونشر دعوة الحق فكانت من أنشط ما عرفه التاريخ الإسلامي.(٢) أي للدفاع عن نفسه، وكبح جماح البغاة عليه.(٣) بل كان أشد خلق الله كرها لها وحرصا على تضييق دائرتها، حقنا لدماء المسلمين، ولو أدى ذلك به إلى أن يكون هو ضحية لغيره.(٤) وإنما أتته منقادة على غير تشوف منه إليها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٣: ١٦٤) : إن الصحابة اجتمعوا على عثمان ﵁ لأن ولايته كانت أعظم مصلحة وأقل مفسدة من ولاية غيره. ثم قال في الصفحة التالية: ولا ريب أن الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض ـ أي الذين عينهم عمر ـ لا يوجد أفضل منهم، وإن كان في كل منهم ما كرهه فإن غيرهم يكون فيه من المكروه أعظم، ولهذا لم يتول بعد عثمان خير منه ولا أحسن سيرة.(٥) أضراب أمير المؤمنين عثمان وأشكاله هم إخوانه الذين أشركهم أمير المؤمنين عمر في الشورى، أما الذين استطاع عبد الله بن سبأ وتلاميذه أن يوقعوهم في حبائل الفتنة فبينهم وبين مستوى أهل الشورى أبعد مما بين الحضيض والقمة، بل أبعد مما بين الشر والخير. وإن الشر الذي أقحموه على تاريخ الإسلام بحماقاتهم وقصر أنظارهم لو لم يكن من نتائجه إلا وقوف حركة الجهاد الإسلامي فيما وراء حدود الإسلام سنين طويلة لكفى به إثما وجناية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ١٨٦) : إن خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان. لا قتل، ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن. وكان علي ﵁ يقول " اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل ".стр. 57
عثمان، فكيف بعثمان ﵁! .
[وصف إجمالي لدعاة الفتنة]
وقد سموا من قام عليه، فوجدناهم أهل أغراض سوء حيل بينهم وبينها (١) فوعظوا وزجروا (٢) وأقاموا عند عبد الرحمن بن خالد الحواشي
(١) الذين شاركوا في الجناية على الإسلام يوم الدار طوائف على مراتب: فيهم الذين غلب عليهم الغلو في الدين، فأكبروا الهنات، وارتكبوا في إنكارها الموبقات. وفيهم الذين ينزعون إلى عصبية يمنية على شيوخ الصحابة من قريش، ولم تكن لهم في الإسلام سابقة. فحسدوا أهل السابقة من قريش على ما أصابوا من مغانم شرعية جزاء جهادهم وفتوحهم، فأرادوا أن يكون لهم مثلها بلا سابقة ولا جهاد. وفيهم الموتورون من حدود شرعية أقيمت على بعض ذويهم، فاضطغنوا في قلوبهم الإحنة والغل لأجلها. وفيهم الحمقى الذين استغل السبئيون ضعف قلوبهم فدفعوهم إلى الفتنة والفساد والعقائد الضالة. وفيهم من أثقل كاهله خير عثمان ومعروفه نحوه، فكفر معروف عثمان عندما طمع منه بما لا يستحقه من الرئاسة والتقدم بسبب نشأته في أحضانه. وفيهم من أصابهم من عثمان شيء من التعزير لبوادر بدرت منهم تخالف أدب الإسلام، فأغضبهم التعزير الشرعي من عثمان، ولو أنهم قد نالهم من عمر أشد منه لرضوا به طائعين. وفيهم المتعجلون بالرياسة قبل أن يتأهلوا لها اغترارا بما لهم من ذكاء خلاب أو فصاحة لا تغذيها الحكمة، فثاروا متعجلين بالأمر قبل إبانه.
وبالإجمال، فإن الرحمة التي جبل عليها عثمان وامتلأ بها قلبه أطمعت الكثير فيه، وأرادوا أن يتخذوا من رحمته مطية لأهوائهم. ولعلي إذا اتسع لي الوقت أتفرغ لدراسة نفسيات هؤلاء الخوارج على عثمان، وتنظيم المعلومات الصحيحة التي بقيت لنا عنهم، ليكون من ذلك درس عبرة لطلاب التاريخ الإسلامي.(٢) وقد وعظهم وزجرهم أهل العافية والحكمة والرضا من أعيان أمصارهم وعلمائها في الكوفة والبصرة والفسطاط، ثم وعظهم وزجرهم معاوية في مجالس له معهم عندما سيرهم عثمان إلى الشام كما سيجيء عند كلام المؤلف على سطوهم على المدينة - بحجة الحج - فحولوا حجهم الكاذب إلى البغي على خليفتهم وسفك دمه الحرام في الشهر الحرام بجوار قبر المصطفى ﵊.стр. 58
ابن الوليد (١) وتوعدهم حتى تابوا (٢) فأرسل بهم إلى عثمان فتابوا (٣) . وخيرهم فاختاروا التفرق في البلاد، فأرسلهم: فلما سار كل إلى ما اختار أنشأوا الفتنة، وألبوا الجماعة، وجاءوا إليه (٤) بجملتهم، فاطلع عليهم من حائط داره ووعظهم، وذكرهم، وورعهم عن دمه (٥) وخرج طلحة يبكي ويورع الناس، وأرسل علي ولديه (٦) وقال الناس لهم (٧) إنكم أرسلتم إلينا " أقبلوا إلى من غير سنة الله (٨) "، فلما جئنا قعد هذا في بيته - يعنون عليا - الحواشي
(١) وكان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد واليا لمعاوية على حمص وما يليها من شمال الشام إلى أطراف جزيرة ابن عمر، وسيأتي الحديث عن أحوالهم عندما قبض عليهم هذا الشبل المخزومي بمثل مخالب أبيه.(٢) بل تظاهروا بأنهم تابوا، " وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ".(٣) خيرهم عبد الرحمن بن خالد في أن يذهبوا إلى عثمان، فذهب كبيرهم الأشتر النخعي، وله قصة نذكرها في موضعها من هذا الكتاب.(٤) أي إلى أمير المؤمنين عثمان.(٥) ورعهم عن الشيء: كفهم ومنعهم بالحجة والحق المنير.(٦) ليكونا في حراسة أمير المؤمنين عثمان، ويدافعا عنه.(٧) أي قال البغاة يخاطبون عليا وطلحة والزبير.(٨) زعم البغاة أنهم تلقوا من علي وطلحة والزبير كتبا يدعونهم بها للثورة على عثمان بدعوى أنه غير سنة الله. وسيأتي إنكار علي وطلحة والزبير أنهم كتبوا بذلك، والظاهر أن الفريقين صادقان، أن منظمي الفتنة من السبئيين زوروا الرسائل التي ذكرها البغاة الثائرون.стр. 59
وخرجت أنت (١) تفيض عينيك. والله لا برحنا حتى نريق دمه. وهذا قهر عظيم، وافتئات على الصحابة، وكذب في وجوههم وبهت لهم، ولو أراد عثمان لكان مستنصرا بالصحابة، ولنصروه في لحظة (٢) وإنما جاء القوم مستجيرين متظلمين (٣) . فوعظهم، فاستشاطوا. فأراد الصحابة ألَّهُمْ (٤) فأوعز إليهم عثمان ألا يقاتل أحد بسببه أبدا، فاستسلم، وأسلموه برضاه.
وهي مسألة من الفقه كبيرة: هل يجوز للرجل أن يستسلم، أم يجب عليه أن يدافع عن نفسه؟
وإذا استسلم وحرَّم على أحد أن يدافع عنه بالقتل، هل يجوز لغيره أن يدافع عنه ولا يلتفت إلى رضاه؟ اختلف العلماء فيها.
فلم يأت عثمان منكرا لا في أول الأمر، ولا في آخره، ولا جاء الصحابة بمنكر. وكل ما سمعت من خبر باطل إياكَ أن تلتفت إليه (٥) . الحواشي
(١) الخطاب لطلحة بن عبيد الله.(٢) ولقد راودوه في ذلك مرارا، وعرض عليه معاوية أن ينقل دار الخلافة إلى الشام، أو يمده بجند من الشام لا يعرف له التاريخ إلا التقدم والظفر.(٣) أي أن البغاة ظهروا بمظهر المتظلم وهو يدعي أمورا يشكوها، فكان عثمان يرى لهم حقا عليه أن يبين لهم وللناس حجته فيما ادعوا، ووجهة نظره في الأمور التي زعموا أنهم جاءوا يتظلمون منها.(٤) ألَّهُ: طعنه بالألَّة، وهي الحربة العريضة النصل.(٥) ومعيار الأخبار في تاريخ كل أمة الوثوق من مصادرها، والنظر في ملاءمتها لسجايا الأشخاص المنسوبة إليهم. وأخبار التاريخ الإسلامي نقلت عن شهود عيان ذكروها لمن جاءوا بعدهم. وهؤلاء رووها لمن بعدهم وقد اندس في هؤلاء الرواة أناس من أصحاب الأغراض زوروا أخبارا على لسان آخرين وروجوها في الكتب، إما تقربا لبعض أهل الدنيا، أو تعصبا لنزعة يحسبونها من الدين. ومن مزايا التاريخ الإسلامي - تبعا لما جرى عليه علماء الحديث - أنه قد تخصص فريق من العلماء في نقض الرواية والرواة، وتمييز الصادقين منهم عن الكذبة، حتى صار ذلك علما محترما له قواعد، وألفت فيه الكتب، ونظمت للرواة معاجم حافلة بالتراجم، فيها التنبيه على مبلغ كل راو من الصدق والتثبت والأمانة في النقل، وإذا كان لبعضهم نزعات حزبية أو مذهبية قد يجنح معها على الهوى ذكروا ذلك في ترجمته ليكون دارس أخبارهم ملما بنواحي القوة والضعف من هذه الأخبار. والذين يتهجمون على الكتابة في تاريخ الإسلام وتصنيف الكتب فيه قبل أن يستكملوا العدة لذلك - ولا سيما في نقد الرواة ومعرفة ما حققه العلماء في عدالتهم أو تجريحهم - يقعون في أخطاء كان في إمكانهم أن لا يقعوا فيها لو أنهم استكملوا وسائل العلم بهذه النواحي.стр. 60
[قاصمة]
[المظالم والمناكير]
قاصمة قالوا متعدين، متعلقين برواية كذابين: جاء عثمان في ولايته بمظالم ومناكير، منها:
١ - ضربه لعمار حتى فتق أمعاءه.
٢ - ولابن مسعود حتى كسر أضلاعه ومنعه عطاءه.
٣ - وابتدع في جمع القرآن وتأليفه، وفي حرق المصاحف.
٤ - وحمى الحمى.
٥ - وأجلى أبا ذر إلى الربذة.
стр. 61
٦ - وأخرج من الشام أبا الدرداء.
٧ - ورد الحكم بعد أن نفاه رسول الله ﷺ .
٨ - وأبطل سنة القصر في الصلوات في السفر.
٩ - ١٢ - وولى معاوية، [وعبد الله بن عامر بن كريز] (١) ومروان. وولى الوليد بن عقبة وهو فاسق ليس من أهل الولاية.
١٣ - وأعطى مروان خمس أفريقية.
١٤ - وكان عمر يضرب بالدرة وضرب هو بالعصا (٢) .
١٥ - وعلا على درجة رسول الله ﷺ وقد انحط عنها أبو بكر وعمر.
١٦ - ولم يحضر بدرا، وانهزم يوم أحد، وغاب عن بيعة الرضوان.
١٧ - ولم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان (الذي أعطى السكين إلى أبي لؤلؤة، وحرضه على عمر حتى قتله) .
١٨ - وكتب مع عبده على جمله كتابا إلى ابن أبي سرح في قتل من ذكر فيه. الحواشي
(١) سقط اسم ابن كريز من الأصل سهوا من الناسخ أو من الطابع في مطبوعة الجزائر، مع أنه ذكر في الدفاع الآتي بعد. ومطبوعة الجزائر طبعت على أصل سقيم بخط ناسخ غير متمكن. وقد وقع تقديم وتأخير في ترتيب التهم وأجوبتها، ويلوح لنا أن مجلد الأصل المخطوط الذي طبعت عليهم مطبوعة الجزائر وضع بعض الورق في غير مواضعه عند التجليد، فأعدنا ترتيب التهم وأجوبتها على نسق، ولم نزد عن الأصل كلمة ولم ننقص منه كلمة، وبذلك تلافينا الاضطراب الذي كان باديا للقارئ في المطبوعة الجزائرية.(٢) الدرة: عصا صغيرة يحملها السلطان يزع بها.стр. 62
[عاصمة]
[موقف عثمان من عبد الله بن مسعود وعمار]
عاصمة هذا كله باطل سندا ومتنا، أما قولهم " جاء عثمان بمظالم ومناكير " فباطل (١) . ١ - ٢ - وأما ضربه لابن مسعود ومنعه عطاءه فزور (٢) وضربه الحواشي
(١) كما ترى من الأدلة التي سيوردها المؤلف في نقض هذه التهم واحدة بعد واحدة حتى يأتي على آخرها.(٢) تقدم في هامش ص ٥٤ قول عبد الله بن مسعود لما بويع عثمان: (بايعنا خيرنا ولم نأل) ويروى (ولينا أعلانا ذا فوق ولم نأل) وعند ولاية عثمان كان ابن مسعود واليا لعمر على أموال الكوفة، وسعد بن أبي وقاص واليا على صلاتها وحربها، فاختلف سعد وابن مسعود على قرض استقرضه سعد - كما سيأتي - فعزل عثمان سعدا وأبقى ابن مسعود. وإلى هنا لا يوجد بين ابن مسعود وخليفته إلا الصفو. فلما عزم عثمان على تعميم مصحف واحد في العالم الإسلامي يجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أنه هو المصحف الكامل الموافق لآخر عرضة عرض بها كتاب الله على رسوله ﷺ قبل وفاته، كان ابن مسعود يود لو أن كتابة المصحف نيطت به، وكان يود أيضا لو يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى. فجاء عمل عثمان على خلاف ما كان يوده ابن مسعود في الحالتين: أما في اختيار عثمان زيد بن ثابت لكتابة المصحف الموحد فلأن أبا بكر وعمر اختاراه قبل ذلك لهذا العمل في خلافة أبي بكر، بل إن أبا بكر وعمر اختارا زيد بن ثابت في البداية لأنه هو الذي حفظ العرضة الأخيرة لكتاب الله على الرسول صلوات الله عليه قبيل وفاته، فكان عثمان على حق في هذا، وهو يعلم - كما يعلم سائر الصحابة - مكانة ابن مسعود وعلمه وصدق إيمانه. ثم إن عثمان كان على حق أيضا في غسل المصاحف الأخرى كلها ومنها مصحف ابن مسعود، لأن توحيد كتابة المصحف على أكمل ما كان في استطاعة البشر هو من أعظم أعمال عثمان بإجماع الصحابة، وكان جمهور الصحابة في كل ذلك مع عثمان على ابن مسعود (انظر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ٣: ١٩١ - ١٩٢) . وعلى كل حال فإن عثمان لم يضرب ابن مسعود ولم يمنعه عطاءه، وبقي يعرف له قدره كما بقي ابن مسعود على طاعته لإمامه الذي بايع له وهو يعتقد أنه خير المسلمين وقت البيعة.стр. 63
لعمار إفك مثله، ولو فتق أمعاءه ما عاش أبدا (١) . الحواشي
(١) روى الطبري (٥: ٩٩) عن سعيد بن المسيب أنه كان بين عمار وعباس بن عتبة بن أبي لهب خلاف حمل عثمان على أن يؤدبهما عليه بالضرب. قلت: وهذا مما يفعله ولي الأمر في مثل هذه الأحوال قبل عثمان وبعده، وكم فعل عمر مثل ذلك بأمثال عمار ومن هم خير من عمار بما له من حق الولاية على المسلمين. ولما نظم السبئيون حركة الإشاعات، وصاروا يرسلون الكتب من كل مصر إلى الأمصار الأخرى بالأخبار الكاذبة فأشار الصحابة على عثمان بأن يبعث رجالا ممن يثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليه بحقيقة الحال، تناسى عثمان ما كان من عمار، وأرسله إلى مصر ليكون موضع ثقته في كشف حالها. فأبطأ عمار في مصر، والتف به السبئيون ليستميلوه إليهم، فتدارك عثمان وعامله على مصر هذا الأمر، وجيء بعمار إلى المدينة مكرما. وعاتبه لما قدم عليه فقال له - على ما رواه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧: ٤٢٩) -: " يا أبا اليقظان قذفت ابن أبي لهب أن قذفك. . . وغضبت علي أن أخذت لك بحقك وله بحقه. اللهم قد وهبت ما بيني وبين أمتي من مظلمة، اللهم إني متقرب إليك بإقامة حدودك في كل أحد ولا أبالي. اخرج عني يا عمار " فخرج، فكان إذا لقي العوام نضح عن نفسه وانتفى من ذلك، وإذا لقي من يأمنه بذلك أظهر الندم، فلامه الناس وهجروه وكرهوه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٣: ١٩٢ - ١٩٣) : وعثمان أفضل من كل من تكلم فيه، هو أفضل من ابن مسعود، وعمار، وأبي ذر، ومن غيرهم من وجوه كثيرة كما ثبت ذلك بالدلائل، فليس جعل كلام المفضول قادحا في الفاضل بأولى من العكس. وكذلك ما نقل من تكلم عمار في عثمان، وقول الحسن فيه (أي في عمار) . نقل أن عمارا قال: لقد كفر عثمان كفرة صلعاء. فأنكر الحسن بن علي ذلك عليه، وكذلك علي وقال له: يا عمار، أتكفر برب آمن به عثمان؟ قال ابن تيمية: وقد تبين من ذلك أن الرجل المؤمن الذي هو ولي لله قد يعتقد كفر الرجل المؤمن الذي هو ولي لله، ويكون مخطئا في هذا الاعتقاد ولا يقدح هذا في إيمان واحد منهما وولايته. كما ثبت في الصحيح أن أسيد بن حضير قال لسعد بن عبادة بحضرة النبي ﷺ : إنك منافق تجادل عن المنافقين. وكما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال ﷺ : " إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". فعمر أفضل من عمار، وعثمان أفضل من حاطب بن أبي بلتعة بدرجات كثيرة، وحجة عمر فيما قال لحاطب أظهر من حجة عمار، ومع هذا فكلاهما من أهل الجنة، فكيف لا يكون عثمان وعمار من أهل الجنة وإن قال أحدهما للآخر ما قال؟ مع أن طائفة من العلماء أنكروا أن يكون عمار قال ذلك. . . ثم قال شيخ الإسلام: وفي الجملة، فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمارا فهذا لا يقدح في أحد منهم. فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة، وأنهم من أكابر أولياء الله المتقين. وإن ولي الله قد يصدر عنه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية، فكيف بالتعزير. وقد ضرب عمر بن الخطاب أبيّ بن كعب بالدرة لما رأى الناس يمشون خلفه وقال: " هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع " فإن كان عثمان أدب هؤلاء. فإما أن يكون عثمان مصيبا في تعزيرهم لاستحقاقهم ذلك، ويكون ذلك الذي عزروا عليه تابوا منه وكفر عنهم بالتعزير وغيره من المصائب أو بحسناتهم العظيمة أو بغير ذلك. وإما أن يقال كانوا مظلومين مطلقا. فالقول في عثمان كالقول فيهم وزيادة، فإنه أفضل منهم، وأحق بالمغفرة والرحمة. . . . إلخ.стр. 64
وقد اعتذر عن ذلك العلماءُ بوجوه لا ينبغي أن يُشتَغل بها لأنها مبنية
стр. 65
على باطل (١) ولا يُبنى حق على باطل، ولا نُذهب الزمان في مماشاة الجهال، فإن ذلك لا آخر له.
[جمعه للقرآن]
٣ - وأما جمع القرآن، فتلك حسنته العظمى، وخصْلتُه الكبرى، وإن كان وَجدها كاملة، لكنه أظهرها وردَّ الناس إليها، وحسم مادة الخلاف فيها. وكان نفوذُ وعد الله بحفظ القرآن على يديه حسبما بيناه في كتب القرآن وغيرها (٢) .
روى الأئمة بأجمعهم (٣) أن زيد بن ثابت قال: أرسل إليّ أبو بكر الحواشي
(١) أي على ادعاء الكاذبين أعداء أصحاب رسول الله ﷺ أن أمير المؤمنين عثمان ضرب عمارا حتى فتق أمعاءه، وضرب ابن مسعود حتى كسر أضلاعه ومنعه عطاءه! .(٢) أي في مؤلفات ابن العربي المتعلقة بعلوم القرآن، وقد ذكرنا في ترجمته (ص٢٧ - ٢٨) أن منها (أنوار الفجر) في ثمانين أو تسعين مجلدا، و (قانون التأويل) من مؤلفاته الكبرى، و (أحكام القرآن) المطبوع في مصر، و (كتاب المشكلين) و (الناسخ والمنسوخ) .(٣) وفي مقدمتهم الإمام أحمد في مسنده (١: ١٣ الطبعة الأولى - رقم ٧٦ الطبعة الثانية. و ٥: ١٨٨ - ١٨٩ الطبعة الأولى) . والإمام البخاري في صحيحه (كتاب التفسير ك ٦٥ السورة ٩ ب ٢٠ ج ٥ ص ٢١٠ - ٢١١. وكتاب فضائل القرآن ك ٦٦ ب٣ و ٤ ج ٦ ص ٨٨ - ٩٩، وكتاب الأحكام ك ٩٣ ب ٣٧ ج٨ ص١١٨ - ١١٩. وكتاب التوحيد ك ٩٧ ب٢٢ ج٨ ص١٧٦ - ١٧٧) .стр. 66
مقتل أهل اليمامة (١) فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: " إن عمر أتانا فقال: إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتلُ بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تجمع القرآن. قلتُ لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله الحواشي
(١) وذلك لما ارتدت بنو حنيفة برئاسة مسيلمة الكذاب وبتحريض عدو الله الرَّجال بن عنفوة بن نهشل الحنفي. وكانت قيادة المسلمين لسيف الله خالد بن الوليد، واستشهد في هذه الملحمة زيد بن الخطاب أخو عمر. وكان حفظة القرآن من الصحابة يتواصون بينهم ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة بطل السحر اليوم. وتحنط خطيب الأنصار وحامل لوائهم ثابت بن قيس ولبس كفنه وحفر لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقيه ولم يزل يقاتل وهو ثابت بالراية في موضعه حتى استشهد. وقال المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة: أتخشى أن نؤتى من قبلك؟ فأجاب: بئس حامل القرآن أنا إذن. وقاتل حتى استشهد. وقال أبو حذيفة: زينوا القرآن بالفعال، وما زال يقاتل حتى أصيب، وممن استشهد يومئذ حزن بن أبي وهب المخزومي جد سعيد بن المسيب، وكان شعار الصحابة يومئذ: وامحمداه! وصبروا يومئذ صبرا لم يعهد مثله حتى ألجأوا المرتدين إلى حديقة الموت فاعتصم فيها مسيلمة ورجاله. فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في داخل الحديقة أفتح لكم بابها. فاحتملوه فوق الجحف ورفعوه بالرماح وألقوه في الحديقة من فوق سورها، فما زال يقاتل المرتدين دون بابها حتى فتحه ودخل المسلمون وكان النصر، وممن اقتحم الحديقة أبو دجانة من مجاهدي بدر حتى وصل إلى مسيلمة وعلاه بالسيف فقتله، وكسرت رجله ﵁ في تلك الوقعة ثم نال الشهادة. وفي البداية والنهاية (٦: ٣٣٤ - ٣٤٠) أسماء كثيرين من شهداء هذا اليوم العظيم في الإسلام، ومنهم حفظة كتاب الله. والشيعة يذمون موقف الصحابة من مسيلمة وقومه ويدافعون عن المرتدين. انظر (المنتقى من منهاج الاعتدال) ص٢٧٠ - ٢٧٢.стр. 67
رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيتُ في ذلك الذي رأى عمر ".
قال زيد: قال أبو بكر: " إنك رجل شاب عاقل لا نتّهِمُك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ . فتتبَّع القرآن فاجمعه ". فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمروني به من جمع القرآن. قلتُ: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: " هذا والله خير ". فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعتُ القرآنَ أجمعهُ من العُسُب واللِّخاف وصدور الرجال (١) حتى وجدتُ آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة.
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. حتى قدم حُذيفة بن اليمان على عثمان (٢) وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذْرِبَيجان مع أهل العراق، فحدثه حذيفة عن اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى: فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن الحواشي
(١) العسب (جمع عسيب) أي جريدة النخل، وهي السعفة التي لا ينبت عليها الخوص. واللخاف (جمع لخفة) وهي حجارة بيض رقاق. كانوا يكتبون عليها إذا تعذر الورق.(٢) وحديثه عن ذلك في صحيح البخاري (ك ٦٦ ب ٣ - ج٦ ص٩٩) عن ابن شهاب الزهري عن أنس بن مالك.стр. 68
ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف (١) . الحواشي
(١) العناية التي بذلها عظيما الإسلام أبو بكر وعمر، وأتمها أخوهما وصنوهما ذو النورين عثمان في جمع القرآن وتثبيته وتوحيد رسمه، كان لهم بها أعظم المنة على المسلمين، وبها حقق الله وعده في قوله سبحانه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. وقد تولى الخلافة بعد هؤلاء الشيوخ الثلاثة أمير المؤمنين علي فأمضى عملهم وأقر مصحف عثمان برسومه وتلاوته، في جميع أمصار ولايته، وبذلك انعقد إجماع المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام به أبو بكر وعمر وعثمان هو أعظم حسناتهم، بل نقل بعض علماء الشيعة هذا الإجماع على لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. جاء في كتاب تاريخ القرآن لأبي عبد الله الزنجاني (ص٤٦) من شيعة عصرنا أن علي بن موسى المعروف بابن طاوس (٥٨٩ - ٦٦٤) وهو من علمائهم نقل في كتابه (سعد السعود) عن الشهرستاني في مقدمة تفسيره عن سويد بن غفلة [هو أبو أمية الجعفي الكوفي. قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفنه ﷺ وشهد اليرموك. يروي عن أبي بكر وعمر وعلي وعثمان. ويروي عنه النخعي والشعبي وعبدة بن أبي لبابة. ثقة. مات سنة ٨٠ وقيل ٨١ عن مائة وثلاثين سنة.] قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵇ يقول: " أيها الناس، الله، الله، إياكم والغلو في أمر عثمان وقولكم حرّاق المصاحف، فوالله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب رسول الله ﷺ ، جمعنا وقال: ما تقولون في هذه القراءة التي اختلف الناس فيها. يلقى الرجل فيقول: قراءتي خير من قراءتك. وهذا يجر إلى الكفر؟ فقلنا: ما الرأي؟ قال: أريد أن أجمع الناس على مصحف واحد، فإنكم إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا. فقلنا: نِعم ما رأيت ". ومما لا ريب فيه أن البغاة أنفسهم كانوا في خلافة علي ﵁ يقرءون في مصاحف عثمان التي أجمع عليها الصحابة وعلي فيهم. ولكن نجم لهم أذناب في العصور التالية فضحوا أنفسهم بسخفهم وكفرهم، كشيطان الطاق محمد بن جعفر الرافضي فيما رواه الإمام ابن حزم في (الفِصَل) ٤: ١٨١ عن الجاحظ قال: أخبرني أبو إسحاق إبراهيم النظام وبشر بن خالد أنهما قالا لمحمد بن جعفر الرافضي المعروف بشيطان الطاق: ويحك، أما استحييت من الله أن تقول في كتابك في الإمامة: إن الله تعالى لم يقل قط في القرآن (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) ؟ قالا: فضحك والله شيطان الطاق ضحكا طويلا حتى كأنا نحن الذين أذنبنا. وشيطان الطاق هذا أكبر دعاة الشيعة في زمن الإمامين زيد وابن أخيه جعفر الصادق، وهو الذي ابتدع أكذوبة أن الإمامة معهود بها إلى أشخاص بأعيانهم، ولم يكن أحد يقول بذلك قبل شيطان الطاق هذا. وأنكرها عليه الإمام زيد في مجلس جعفر.
ودعوى الرافضة بتبديل القرآن، مع تصريح علي بإجماع الصحابة على ما قام به عثمان، صارت مادة دسمة لدعاة النصارى يحتجون بها، فقال لهم الإمام ابن حزم في الفصل (٢: ٧٨) : " إن الروافض ليسوا من المسلمين. . . وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر ". قلت: وآخر من افتضح منهم بهذا الأمر وفضح به الشيعة جميعا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي بكتابه الذي اقترفه في المشهد المنسوب لأمير المؤمنين علي في النجف سنة ١٢٩٢ وطبع في إيران سنة ١٢٩٨ وعندي نسخة منه. وإن من طبيعة التحزب والتعصب والتشيع أن يذهب بعقول أصحابه وأخلاقهم ثم يذهب بحيائهم ودينهم، كما برهن على ذلك علماء علم النفس الاجتماعي وفي مقدمتهم الدكتور غوستاف لبون.стр. 69
وقال عثمان للرهط القُرشيين الثلاثة: " إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم " ففعلوا.
حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمانُ الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أُفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يُحرق.
стр. 70
قال ابن شهاب (١) " وأخبرني خارجةُ بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال: " فقدتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنتُ أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة الأنصاري ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فألحقناها في سورتها من المصحف ".
وأما ما روي أنه حرّقها أو خرّقها - بالحاء المهملة أو الخاء المعجمة، وكلاهما جائز - إذا كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه، فقد سلّم في ذلك الصحابة كلهم: إلا أنه روي عن ابن مسعود أنه خطب بالكوفة فقال: " أما بعد، فإن الله قال ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وإني غالٌّ مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل ". وأراد ابن مسعود أن يؤخذ بمصحفه، وأن يثبت ما يعلم فيه. فلما لم يُفعل ذلك له قال ما قال، فأكرهه عثمان على رفع مصحفه، ومحا رسومه فلم تثبت له قراءة أبدا، ونصر الله عثمان والحق بمحوها من الأرض (٢) . الحواشي
(١) فيما رواه عن الإمام البخاري في صحيحه (ك ٥٦ ب١٢ ج٣ ص٢٠٥ - ٢٠٦، وك ٦٤ ب ١٧ ج ٥ ص ٣١، وك ٦٥ السورة ٩ ب ٢٠ والسورة ٣٣ ب٣، وك ٦٦ ب٣ و٤، وك ٩٣ ب٢٧، وك ٩٧ ب٢٢) .(٢) عبد الله بن مسعود من كبار علماء الصحابة ومن أجودهم قراءة لكتاب الله، وقد أثنى رسول الله ﷺ مرة على حسن تلاوة ابن مسعود للقرآن، فتسارع أبو بكر وعمر ليوصلا إليه البشرى بهذا الثناء النبوي: (انظر مسند أحمد ١: ٢٥ - ٢٦ الطبعة الأولى - رقم ١٧٥ الطبعة الثانية) . إلا أن ابن مسعود كان يكتب ما يوحى من القرآن في مصحفه كلما بلغه نزول آيات منه، فهو يختلف في ترتيب هذه الآيات عما امتازت به مصاحف عثمان من الترتيب بحسب العرض الأخير على رسول الله ﷺ بقدر ما أدى إليه اجتهاد الصحابة المؤيد بإجماعهم. ويحتمل أن يكون ابن مسعود فاته في مصحفه بعض ما استقصاه زيد بن ثابت وزملاؤه من الآيات التي كانت عند آخرين من قراء الصحابة. زد على ذلك أن ابن مسعود كانت تغلب عليه لهجة قومه من هذيل، والنبي ﷺ رخص لمثل ابن مسعود أن يقرءوا بلهجاتهم، ولكن ليس لابن مسعود أن يحمل الأمة في زمنه والأزمان بعده على لهجته الخاصة، فكان من الخير توحيد الأمة على قراءة كتاب ربها باللهجة المضرية التي كان عليها رسول الله ﷺ .стр. 71
[ما أوخذ به عثمان من حماية الحمى لإبل الصدقة]
٤ - وأما الحِمى، فكان قديما (١) فيقال إن عثمان زاد فيه لما الحواشي
(١) كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضا في حيه استعوى كلبا. فحمى لخيله وإبله وسوائمه مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره. فلما جاء الإسلام نهى النبي ﷺ عن ذلك، واختص الحمى بإبل الزكاة المرصدة للجهاد والمصالح العامة، فقال ﷺ : " لا حمى إلا لله ورسوله " رواه البخاري من حديث الصعب بن جثامة في كتاب المساقاة (ك ٤٢ ب ١١) وكتاب الجهاد (ك٥٦ ب١٤٦) من صحيحه. ورواه الإمام أحمد في مسنده (٤: ٧١ و٧٣ الطبعة الأولى) من حديث الصعب بن جثامة أيضا. وقد حمى رسول الله ﷺ مكانا يسمى (النقيع) وهو " نقيع الخضمات " كما في مسند الإمام أحمد (٢: ٩١ و١٥٥ و١٥٧ الطبعة الأولى - رقم ٥٦٥٥ و٦٤٣٨ و٦٤٦٤ الطبعة الثانية) من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ حمى النقيع للخيل قال حماد بن خالد راوي هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري: يا أبا عبد الرحمن خيله؟ قال: خيل المسلمين (أي المرصودة للجهاد، أو ما يملكه بيت المال) . والنقيع هذا في المدينة على عشرين فرسخا منها ومساحته ميل في ثمانية أميال كما في موطأ مالك برواية ابن وهب. ومعلوم أن الحال استمر في خلافة أبي بكر على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ ، لأن أبا بكر لم يخرج عن شيء كان عليه الحال في زمن النبي ﷺ ، لا سيما وأن حالة الجهاد إلى الخيل والإبل زادت عن قبل. وفي زمن عمر اتسع الحمى فشمل (سرف) و (الربذة) ، وكان لعمر عامل على الحمى هو مولى له يدعى هنيا، وفي كتاب الجهاد من صحيح البخاري (ك٥٦ ب١٨٠) من حديث زيد بن أسلم عن أبيه نص وصية أمير المؤمنين عمر لعامله هذا على الحمى بأن يمنع نعم الأثرياء كعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، وأن يتسامح مع رب الغنيمة ورب الصريمة لئلا تهلك ماشيتهما. وكما اتسع عمر في الحمى عما كان عليه في زمن النبي ﷺ وأبي بكر لزيادة سوائم بيت المال في زمنه، اتسع عثمان بعد ذلك لاتساع الدولة وازدياد الفتوح. فالذي أجازه النبي ﷺ لسوائم بيت المال، ومضى على مثله أبو بكر وعمر، يجوز مثله لبيت المال في زمن عثمان، ويكون الاعتراض عليه اعتراضا على أمر داخل في التشريع الإسلامي. ولما أجاب عثمان على مسألة الحمى عندما دافع عن نفسه على ملأ من الصحابة أعلن أن الذين يلون له الحمى اقتصروا فيه على صدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، وأنهم ما منعوا ولا نحوا منها أحدا. . . وذكر عن نفسه أنه قبل أن يلي الخلافة كان أكثر العرب بعيرا وشاء، ثم أمسى وليس له غير بعيرين لحجه. وسأل من يعرف ذلك من الصحابة: أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.стр. 72
زادت الرعية. وإذا جاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة لزيادة الحاجة.
[أبو ذر ومسيره إلى الربذة]
٥ - وأما نفيُه أبا ذرّ إلى الرَّبذة فلم يفعل (١) كان أبو ذر زاهدا، وكان يقرّع عمال عثمان، ويتلو عليهم ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] الحواشي
(١) وإنما اختار أبو ذر أن يعتزل في الربذة، فوافقه عثمان على ذلك كما صح في حديث عبد الله بن الصامت عند ابن حبان (١٥٤٩: موارد الظمآن) ، وصح في ص٧٦، فأكرمه عثمان وجهزه بما فيه راحته.стр. 73
، ويراهم يتسعون في المراكب والملابس حين وجدوا، فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق جميع ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم. قال ابن عمر وغيره من الصحابة: إن ما أديت زكاته فليس بكنز (١) فوقع بين أبي ذر ومعاوية كلام بالشام (٢) فخرج إلى المدينة، فاجتمع إليه الناس، فجعل يسلك تلك الطرق، فقال له عثمان: " لو اعتزلتَ ". معناه: إنك على مذهب لا يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطا وللعزلة مثلها (٣) ومن كان على طريقة أبي ذرّ فحاله يقتضي أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلِّم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة، فخرج إلى الربذة زاهدا فاضلا، وترك جلة فضلاء، وكل على خير وبركة وفضل، وحال الحواشي
(١) انظر البيان الفقهي والتفصيل الشرعي لهذه المسألة في منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣: ١٩٨ - ١٩٩) ومقالتنا في مجلة الأزهر (شوال ١٣٧٤) .(٢) نقل الطبري (٥: ٦٦) وأكثر المصادر الإسلامية أنه لما ورد ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول: " المال مال الله، ألا إن كل شيء لله " كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذر فقال: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين " مال الله "؟ قال معاوية: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق والأمر أمره؟ قال أبو ذر: فلا تقله. قال معاوية: فإني لا أقول أنه ليس لله، ولكن سأقول " مال المسلمين ": وأتى ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) أبا الدرداء، فقال له (أبو الدرداء) : من أنت أظنك والله يهوديا. فأتى (ابن سبأ) عبادة بن الصامت، فتعلق به (ابن الصامت) فأتى به معاوية فقال: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر.(٣) وقد أحسن الكلام على ذلك أبو سليمان الخطابي في كتاب (العزلة) .стр. 74
أبي ذر أفضل، ولا تمكن لجميع الخلق، فلو كانوا عليها لهلكوا (١) فسبحان مرتب المنازل.
ومن العجب أن يُؤخد عليه في أمر فعله عمر، فقد رُوي أن عمر الحواشي
(١) الذي تحصل عندي من تتبع نصوص الشريعة في أمر المال، ومراقبتي لتطبيق هذه النصوص في سيرة السلف وعملهم بها، أن المسلم له في نفسه وذويه من المال الذي يملكه ما يكفيه ويكفيهم بالمعروف كأمثاله وأمثالهم من أهل العفة والقناعة والدين، وما زاد عن ذلك فعليه أولا أن يؤدي زكاته الشرعية مباشرة بحسب اجتهاده إن لم يكن أداها للحكومة الإسلامية العاملة بأحكام الشرع وبعد أداء زكاته يكون صاحب المال في امتحان من الله كيف يحسن التصرف فيه بما يرضي الله ويزيد المسلمين قوة وسعادة وعزا، فإن كان تاجرا فمن طريق التجارة أو مزارعا فمن طريق الزراعة، أو صاحب مصنع فمن طريق الصناعة. والإسلام في دور قيامه استفاد من ثروة أغنياء الصحابة عونا ويسرا وقوة. وتجارة التاجر المسلم إذا أغنت المسلمين عن متاجر أعدائهم تعتبر قوة لهم بقدر ما يصدق صاحبها في هذه النية، وكذلك مصنع الصانع المسلم، وزراعة الزارع المسلم. والنية في هذه الأمور أمرها عظيم، وميزانها العمل عندما تمس الحاجة إليه. وبالجملة فإن للمسلم أن يكون غنيا بلا تحديد. بشرط أن يكون ذلك من حله، وأن يكتفي منه بما يكفيه بالمعروف، محاولا دائما أن يحرر نفسه من العبودية والانقياد للكماليات فضلا عن توافه الحضارة وسفاسفها. وبعد أن يؤدي زكاة ما يملك يعتبر ما زاد عن حاجته كالأمانة لله تحت يده. فيتصرف فيها بما يزيد المسلمين ثروة وقوة ويسرا وعزا وسعادة، أما طريقة أبي ذر في أن لا يبيت المسلم وعنده مال فليست الآن من مصلحة المسلمين، وطريقة أغنياء المسلمين الآن - في أن يعيشوا لأنفسهم ومتعهم غير مبالين بعزة الإسلام وقوة دولته وحاجة أهله - فليست من الإسلام، والإسلام لا يعرف الذين لا يعرفونه. انظر مقالتنا (المال في نظام الإسلام) في أول جزء شوال ١٣٧٤ من مجلة الأزهر.стр. 75
بن الخطاب ﵁ سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة حتى استُشهد، فأطلقهم عثمان، وكان سجنهم لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله ﷺ (١) .
ووقع بين أبي ذر ومعاوية كلام، وكان أبو ذر يطلق من الكلام ما لم يكن يقوله في زمان عمر، فأعلم معاوية بذلك عثمان، وخشي من العامة أن تثور منهم فتنة، فإن أبا ذر كان يحملهم على التزهد وأمور لا يحتملها الناس كلهم، وإنما هي مخصوصة ببعضهم، فكتب إليه عثمان - كما قدمنا - أن يَقدم المدينة، فلما قدم اجتمع إليه الناس، فقال لعثمان: أريد الربذة. فقال له: افعل. فاعتزل. ولم يكن يصلح له إلا ذلك لطريقته (٢) . الحواشي
(١) في كتاب الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٢: ١٣٩) خبر مرسل رواه شعبة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه (إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) قال: قال عمر لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذر " ما هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ". قال: وأحسبه لم يدعهم أن يخرجوا من المدينة حتى مات. وقد نبه ابن حزم على أن هذا الخبر مرسل ولا يجوز الاحتجاج به، وعلق عليه الشيخ أحمد شاكر بأن البيهقي وافق ابن حزم على أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (المتوفى سة ٦٦ أو ٦٥ عن ٧٥ سنة) لم يسمع من عمر. ولست أدري هل اعتمد ابن العربي في هذه الفقرة على هذا الخبر المرسل أم على خبر آخر لم نطلع عليه. وليس في الخبر - على ضعفه - ذكر السجن.(٢) وقد صح من حديث عبد الله بن الصامت عند ابن حبان (برقم: ١٥٤٩ موارد الظمآن) أن أبا ذر هو الذي استأذن عند عثمان أن يقيم في الربذة. وذكر القاضي ولي الدين بن خلدون في العبر (بقية ٢: ١٣٩) أن أبا ذر استأذن عثمان في الخروج من المدينة وقال: " إن رسول الله ﷺ أمرني أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعا " فأذن له، ونزل الربذة وبنى بها مسجدا، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل، وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه رزقا. وكان يتعاهد المدينة. وبين المدينة والربذة ثلاثة أميال، قال ياقوت: وكانت من أحسن منزل في طريق مكة.следующие страницы →