← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كلمة الأمانة العامة للأوقاف انطلاقا من الدور المنوط بدولة الكويت باعتبارها "الدولة المنسقة لجهود الدول الإسلامية في مجال الوقف" على مستوى العالم الإسلامي بموجب قرار المؤتمر السادس لوزراء أوقاف الدول الإسلامية المنعقد بالعاصمة الاندونيسية "جاكرتا" في أكتوبر سنة ١٩٩٧ م، تعمل الأمانة العامة للأوقاف منذ ذلك الحين، وفي هذا السياق، على إنجاز مجموعة من المشاريع، وهي: ١ - مشروع "مداد" لنشر وتوزيع وترجمة الكتب والأبحاث والدراسات والرسائل الجامعية في مجال الوقف. ٢ - مشروع دعم طلبة الدراسات العليا في مجال الوقف. ٣ - مشروع مسابقة الكويت الدولية لأبحاث الوقف. ٤ - مشروع "مجلة أوقاف". ٥ - مشروع منتدى قضايا الوقف الفقهية. ٦ - مشروع مدونة أحكام الوقف الفقهية. ٧ - مشروع "نماء" لتنمية المؤسسات الوقفية. ٨ - مشروع "قطاف" لنقل وتبادل التجارب الوقفية. ٩ - مشروع القانون الاسترشادي للوقف. ١٠ - مشروع بنك المعلومات الوقفية. ١١ - مشروع كشافات أدبيات الأوقاف. ١٢ - مشروع مكنز علوم الوقف. ١٣ - مشروع قاموس مصطلحات الوقف. ١٤ - مشروع معجم تراجم أعلام الوقف. ١٥ - مشروع أطلس الأوقاف في العالم الإسلامي. ١٦ - مشروع مسابقة الكويت الدولية لتأليف قصص الأطفال.

стр. 2

ويتم التنسيق في تنفيذ هذه المشاريع مع كل من المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بالرياض، والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية بجدة والأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت. وفي هذا السياق، يأتي إنجاز مشروع "مدونة أحكام الوقف الفقهية" تحت إشراف "اللجنة العلمية لمنتدى قضايا الوقف الفقهية" وذلك بإخراج موسوعة شاملة في أحكام الوقف الفقهية، تم فيها مراعاة الصياغة المعاصرة للأحكام التي تحيط بالاتجاهات الفقهية، بحيث تصبح مرجعًا شاملًا ومعتمدًا لجميع موضوعات الوقف. وتناولت المدونة كل ما كتبه فقهاء المذاهب الإسلامية الثمانية (الحنفي، الشافعي، المالكي، الحنبلي، الظاهري، الزيدي، الإمامي، الإباضي) حول الأحكام الشرعية الخاصة بالوقف. وعلى ذلك شملت المدونة الآتي: أ) آراء المذاهب الإسلامية المعتبرة. ب) آراء فقهاء السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم. ج) آراء فقهاء الأمصار الذين اندرست مذاهبهم ونقلت آراؤهم في كتب الفقه. د) الأدلة الشرعية التي استدل بها كل مذهب مع بيان وجه استنباط الحكم من الدليل. هـ) القضايا المستحدثة في الوقف التي بحثت في المؤتمرات والندوات، والمجامع الفقهية، والقرارات الصادرة بشأنها. وقد تمحورت آلية تنفيذ موسوعة مدونة أحكام الوقف الفقهية في الآتي: ١ - وضع تصور حول خطة كتابتها وما يتصل بها من عناصر، ومفردات موضوعية. ٢ - اعتماد اللوائح الخاصة بها. ٣ - استكتاب عدد من العلماء المختصين. وقد تم -بفضل الله إنجاز الأمور الثلاثة المذكورة أعلاه، كما تم استكمال التحرير العلمي للمدونة ومراجعتها لغويا، وتوجد الآن بين أيديكم النسخة

стр. 3

التجريبية منها، بغرض تلقى الملاحظات عليها من قبل العلماء والمختصين، تمهيدًا لطباعة النسخة الثانية المعدلة بعد استيفاء الملاحظات عليها. وقد هدفت الأمانة العامة للأوقاف من إصدار "مدونة أحكام الوقف الفقهية" أن يكون مرجعًا في متناول أيدي المؤسسات الوقفية، والمتخصصين، ونظار الوقف والمشرفين عليهم والقضاة والمحامين ليعينهم على أداء رسالة الوقف على وجهها الأكمل. كما حرصت الأمانة العامة للأوقاف على دعم جهود "اللجنة العلمية المنتدى قضايا الوقف الفقهية" في إشرافها على الأعمال العلمية المتعلقة بإخراج مدونة أحكام الوقف، وأسهمت في تذليل كافة العقبات التي تواجه عملها، وكذلك إصدار القرارات واللوائح الإدارية والمالية المنظمة لعمل المدونة، باعتبار "مدونة أحكام الوقف الفقهية" أحد مشاريع "الدولة المنسقة لجهود الدول الإسلامية في مجال الوقف". ولا يسعنا ختاما، إلا أن نتوجه بالشكر الجزيل إلى كل من أسهم في إنجاز هذه الموسوعة والمعلمة الفقهية المتميزة، من العلماء والباحثين المستكتبين، والمراجعين، والمحررين، وكذلك الإدارات والمسؤولين في الأمانة العامة للأوقاف، وجميع اللجان العلمية والإدارية، حيث كان لجهودهم الأثر البارز في تسخير كافة الإمكانات وتذليل كافة العقبات لإخراج موسوعة "مدونة أحكام الوقف الفقهية" على ما هي عليه بحلتها البهية، ونخص بالذكر "اللجنة العلمية المنتدى قضايا الوقف الفقهية"، و "إدارة الدراسات والعلاقات الخارجية" بالأمانة العامة للأوقاف، وفريق عمل استكمال إنجاز مدونة أحكام الوقف"، امتثالا لقول النبي ﷺ : "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" والله نسأل أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتهم. سائلين المولى أن يبارك في هذا العمل، وأن يجعل فيه النفع الجليل والفائدة المرجوة. وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين. الأمين العام محمد عبد الله الجلاهمة

стр. 4

تقديم اللجنة العلمية لمنتدى قضايا الوقف الفقهية لقد هدفت "اللجنة العلمية المنتدى قضايا الوقف الفقهية" من خلال الإشراف على إنجاز "مدونة أحكام الوقف الفقهية" إخراج موسوعة فقهية شاملة تتناول كل ما كتبه فقهاء المذاهب الإسلامية المعتبرة حول الأحكام الشرعية الخاصة بالوقف، وهي: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية والزيدية والإباضية والظاهرية. وقد حرصت اللجنة العلمية على إخراج المدونة بطريقة علمية رصينة ميسرة للمختصين وعموم القراء والمهتمين، فاتبعت النهج الآتي: أ) من حيث طريقة ترتيب المدونة ومعلوماتها: وذلك باتباع الطريقة الموضوعية المعروفة في كتب الفقه، وعرض المعلومات بذكر المذاهب المتفقة مندرجة في اتجاهات بدلًا من تكرارها منفصلة في كل مسألة فقيهة أو مجموعة متلازمة من المسائل، وذلك في غير مواضع الاتفاق، مع ذكر القيود والاشتراطات في كل مذهب. ويبدأ بالاتجاه الذي عليه الجمهور، وتلحق آراء فقهاء السلف والأمصار بما وافقها من اتجاهات وإلا أفردت باتجاه، كما تلحق الآراء المرجوحة في المذاهب بما وافقها من اتجاهات وإلا أفردت باتجاه. ويتم ذكر أدلة كل اتجاه بعده مباشرة، ويبدأ بالآيات القرآنية ثم الأحاديث النبوية ثم القياس ثم الأدلة المختلفة فيها بأنواعها، مع بيان وجه الدلالة من الأدلة النقلية إن كان وجه الدلالة فيه خفاء. ب) من حيث أسلوب تناول موضوعات المدونة: فقد تم فيها الالتزام بالأسلوب الواضح السهل الذي يفهمه عموم القراء، فضلا عن المختصين، فإذا كانت العبارة في كتب الفقه تحقق ذلك تم الالتزام بها، أما إذا كانت العبارة غامضة لا يفهم المراد منها إلا بالشرح أو إبدال الضمائر فيها بالظواهر تم التصرف فيها بالقدر الذي يزيل غموضها مع المحافظة على مراد المؤلف. وعندما تتنوع العبارات الفقهية ويكون مدلولها واحدًا تم اختيار أوضحها وأقربها لأسلوب عصرنا الحالي.

стр. 5

ج) من ناحية التوثيق: فقد كان توثيق المعلومات الواردة في المدونة بالعزو إلى مراجعها الفقهية، سواء نقل منها جميعها أم اجتزئ من بعضها بما يغني عن غيره من المراجع. د) وضع ضوابط عامة: فقد وضعت اللجنة العلمية ضوابط عامة للباحثين الذين تم استكتابهم ليسيروا على ضوئها تتمثل في: ذكر الآراء والأقوال في المذهب الواحد، مع تبيان يبين الرأي المعتد في المذاهب، أو الذي عليه الفتوى عندهم، وعدم ذكر الآراء الخاصة للباحث أو ترجيحه الشخصي، كما تنقل المذاهب والآراء الفقهية من كتب أصحابها، ولا يمنع ضعف الحديث المستدل به من ذكره، كما لا يذكر من الأدلة إلا ما استدل به أصحاب كل مذهب لمذهبهم من كتبهم إلا إذا لم يتم الوقوف على دليل لهم من كتبهم فيمكن ذكر الأدلة من غيرها، مع عدم التعرض لمناقشات الأدلة إلا إذا كانت هذه المناقشة تضيف دليلًا فيستخلص من المناقشة ويصاغ كدليل. وقد أشرفت اللجنة العلمية للمنتدى على تخريج الأحاديث النبوية والآثار وعمل ملحق في نهاية المدونة التراجم الأعلام. إذًا، وبشكل مجمل: فقد أنجزت اللجنة العلمية للمنتدى، من خلال إشرافها على أعمال فريق العمل المكلف باستكمال المدونة: ١ - فحص الأبحاث وتقويمها المبدئي من حيث التثبت من التزام كاتب البحث بخطة كتابة المدونة ومعالجته للمفردات الموضوعية المتعلقة بالبحث الذي كلف بإعداده. ٢ - استقصاء آراء المذاهب الفقهية التي كتبت والتي لم تكتب، وما قام به الباحثون من تعديلات وإضافات على بعض عناوين "مدونة أحكام الوقف". ٣ - إعادة ترتيب تبويب مواضيع وأبحاث المدونة حسب التسلسل المنهجي المعتمد من قبل الفريق. ٤ - التأكد من استيفاء الباحثين لعناصر كل بحث. ٥ - استحداث مباحث جديدة ظهرت الحاجة لها.

стр. 6

٦ - دراسة الأبحاث واعتمادها من حيث: استيفاء الآراء الفقهية المختلفة في كل جزئية ومسألة، وذكر الدليل الذي يعرف به وجه استنباط الحكم، ونقل آراء وأدلة كل مذهب من كتب المذهب نفسه، وسلامة العزو للمراجع، واستيعاب كل بحث للمفردات الموضوعية المتعلقة به، وخلو البحث من الحشو والاستطراد. ٧ - المراجعة الشاملة لكافة الأبحاث للتأكد من التزامها بالمعايير الموضوعة، واستيفائها كافة العناصر المطلوية. ٨ - متابعة التحرير العلمي لأبحاث المدونة لتخرج على نسق واحد. ٩ - الإشراف على الملاحق التفصيلية للمدونة واعتمادها من اللجنة العلمية للمنتدى. ١٠ - متابعة استكمال الأعمال المتعلقة بمراجعة أبحاث المدونة، علميا ولغويًا، والتعديل الالكتروني عليها. ولا يسعنا ختامًا، إلا أن نتوجه بالشكر الجزيل إلى الأمانة العامة للأوقاف التي لم تأل جهدًا لتذليل كافة العقبات، وإصدار القرارات المنظمة، وتوفير كافة التسهيلات والخدمات لإنجاز أعمال مدونة أحكام الوقف الفقهية. والشكر موصول كذلك إلى السيد الأمين العام أ. محمد عبد الله الجلاهمة، وإلى إدارة الدراسات والعلاقات الخارجية، حيث كان لهم دور مشهود في الإسهام بإنجاز هذه الموسوعة والمعلمة الفقهية المتميزة. ولا ننسى بالشكر تلك الكوكبة من العلماء والباحثين المستكتبين، والمراجعين، والمحررين، حيث كان لجهودهم الأثر البارز في تسخير كافة الإمكانات وتذليل كافة العقبات لإخراج موسوعة "مدونة أحكام الوقف الفقهية" على ما هي عليه بحلتها البهية. داعين الله أن يبارك في هذا العمل، ويجعل فيه النفع الجليل والفائدة العميمة. وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين. رئيس اللجنة العلمية لمنتدى قضايا الوقف الفقهية د. خالد مذكور المذكور

стр. 7

مدخل تمهيدي أهمية المدونات الفقهية والتعريف بمدونة أحكام الوقف الفقهية وتاريخ الوقف عبر العصور

стр. 8

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد؛ فهذه المدونة الفقهية لأحكام الوقف الإسلامي تصدرها الأمانة العامة للوقف في الكويت، وسيتضمن المدخل جانبين: الجانب الأول: أهمية المدونات الفقهية والتعريف بمدونة أحكام الوقف الفقهية . الجانب الثاني: تاريخ الوقف عبر العصور. الجانب الأول أهمية المدونات الفقهية والتعريف بمدونة أحكام الوقف الفقهية نشأت فكرة المدونات الفقهية، بادئ ذي بدء، في سياق التطور النوعي لعمليات صياغة الفقه الإسلامي وإحكام موضوعاته؛ بما يلبي احتياجات الأمة اليومية من هذه الأحكام. وقد عرفت البيئات العلمية مدونات الفقه مع عصر التدوين؛ إذْ كانت مدونة الإمام مالك بن أنس باكورة الإنتاج الفقهي الإسلامي في هذا السياق، وقد كان من أهَمِّ دوافع وضعها: صيانة الجهود من التشتُّت، وتسهيل سُبُل الوصول إلى الحكم الفقهي في المسألة الواحدة؛ سواء على صعيد المذهب الفقهي الواحد، أم المذاهب مجتمعة. وتتميز المدونات الفقهية بكونها تُكسِبُ الفقه النظريَّ القابلية العملية للتطبيق، وتُصَدِّقُ على صلته الوثيقة بالحياة، فضلًا عن كون هذه المدونات تجمع بين نصوص الشرع وفقه المقاصد والأولويات، وبين فقه مراتب الأعمال وفقه المآلات، وهذه مزايا بطبيعتها لا تتوفَّر إلا في أعمال المدونات؛ لأن حاجات الواقع هي التي تقرر طبيعة العمل في المدونات، بل وتفرض تجديدها بين الحين والحين كلما دعت الحاجة. وتعكس المدونات الفقهية بطبيعتها روح التجرد في تمحيص الأحكام الفقهية قبل تدوينها، وتدقيق دراستها وإعادة النظر فيها، وضبط منهجية ترجيح بعضها على بعضٍ فيما لو وُجِدَتْ أحكامٌ أخرى تعارِضها، أو المفاضلة بين بعض الأحكام فيما لو

стр. 9

ترتَّبَتْ عليها أيَّةُ آثارٍ مفضيةٍ إلى أحكام أخرى، فيحصل الإحكام في صياغة الأحكام وتقويتها وتسديدها، وتخليصها مِمّا خالطها من تفصيلات لم يعد تداولها مستساغًا بحكم الواقع الأكثر حاجة إلى الاجتهاد والتجديد بما يغطِّي احتياجات الحياة، وهذا في حَدِّ ذاته مؤشِّرٌ على الثراء الفقهي وحيوية الاجتهاد. وباختصارٍ شديد، فإنَّ مدونات الأحكام الفقهية هي التي تعيد للفقه اعتباره لدى العامة والخاصة، بل إنها تعيده مرة أخرى إلى حياة الناس وقضايا واقعهم المعيش، بعيدًا عن الإغراق في التنظير والتفصيل. وبدورها، تأتي مدوَّنةُ أحكام الوقف تعبيرًا عن تراكمات التنوع في الإنتاج الفقهي وثراء الآراء من مختلف المذاهب، وهو ما يُسهم في تعزيز معطيات القدرة على استئناف شعيرة الوقف؛ لدورها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، مسنودةً بظهيرٍ فقهي لم يدع شاردةً ولا واردة إلا راعاها، وتطرق إليها، وعالج ما يتعلق بها من قضايا ومشكلات. ومدونة أحكام الوقف تتفرد بمجموعة من السمات والخصائص المميزة لهذا العمل الحضاري لأسباب؛ منها: أولًا: لأنها العمل العلمي الأول من نوعه على مرِّ تاريخ الفقه الإسلامي الذي ينشأ عن رغبة في ترويج ثقافة التآلُفِ المذهبي حول قضايا الوقف التي تقوم بها مصالح كُلٍّ من المجتمع والدولة والأمة، وبناء جسور التواصل المذهبي من خلال التأكيد على المسائل التي توافق حولها فقهاء المذاهب أجمعون. ثانيًا: تُعَدُّ مدونة أحكام الوقف الفقهية تتويجًا لجهود الفقهاء عبر مختلف العصور، وتعزيزًا لكل اتجاه من شأنه تشكيل مناخ تشريعي متجدِّد في مجال الوقف، استنادًا لتلك الخبرة المتجذرة في تاريخ الفقه الإسلامي واجتهاداته المتراكمة في مختلف النوازل. ثالثًا: أنَّ مدونة أحكام الوقف الفقهية في حَدِّ ذاتها هي بمثابة مقارَبَة علمية وفنية

стр. 10

بين الفقه والقانون، ومن ثمَّ، فإنَّ مجرد وجود مدونة بهذا المواصفات إنما تأتي مُعزِّزةً لجهود تقنين أحكام الوقف في مختلف البلدان العربية والإسلامية. وبحكم ارتباط الأوقاف بكافة تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية وحتى السياسية وغيرها، الأمر الذي جعل كثيرا من أحكامها يشتبك مع كثيرٍ من القضايا الفقهية ومسائل النوازل والمستجدات اليومية عبر تاريخ الأمة المسلمة .. فكان الاتِّجاه إلى تدوين مختلف الأحكام الفقهية الوقفية ومسائلها وقضاياها، وتجميعها في سِفْرٍ واحِدٍ تيسيرًا للقضاة والمفتين والمحامين والمحتسبين وكافة المشتغلين بالعلوم الشرعية والقانونية، فضلًا عن كون هذه المدونة أحد أهم الضمانات الكفيلة؛ ليس بسلامة تطبيق أحكام الشريعة وسلامة إجراءات التقاضي في منازعات الأوقاف فحسب، بل وتضمن سلاسة الأحكام القضائية، وسلامة الاستشكالات القانونية والتظلمات المثارة حول قضايا الأوقاف؛ بما يضمن كذلك العدالة الناجزة في هذه القضايا. وتأتي مدونة أحكام الوقف متضمنةً مدخلا، وثلاثة عشر فصلًا، وفهرسًا للأعلام والأماكن؛ إذْ يستعرض المدخل التمهيدي جوانب من تاريخ الوقف عبر مختّلف العصور البشرية، مُرَكِّزًا على تطور الوقف عبر العصور الإسلامية، ثم تأتي موضوعات المدونة الوقفية مفصلةً في ثلاثة عشر فصلًا، تتناول كافة ما يتعلق بتعريف الوقف، ومشروعيته، وأركانه إجمالًا، وحكمه، وحكمته ومقاصده، وصيغة الوقف وشروطها، والواقف وشروطه، والموقوف عليه وشروطه، وشروط الواقف، وألفاظ الواقفين ودلالتها، وتوثيق الوقف، والنظارة على الوقف، وإجارة الوقف، والإبدال والاستبدال، والمنازعات والدعاوي في الوقف، وانتهاء الوقف. وقد رُوِعيَ أن يكون توزيع هذه الفصول مقارِبًا الأعراف التبويب الموضوعي لمباحث الوقف في الفقه والقانون، فالمدونة في مجموعها عبارة عن مقاربات فقهية تشريعية معنية بتقديم صياغاتٍ علميةٍ مُحْكَمةٍ، صالحة للتناول الفقهي والتداول العلمي والاستعمال التشريعي والقانوني بصفة عامة.

стр. 11

الجانب الثاني تاريخ الوقف عبر العصور يعد الوقف ثمرة من ثمار الإسلام المباركة، ومظهرًا من مظاهر الحضارة الإسلامية الذي انفردت به عن بقية الحضارات الإنسانية، وهو بأبعاده الروحية، وتعبيراته الثقافية، وإجراءاته الاقتصادية، وتعاملاته الاجتماعية، العامل الأهم في تقدم وازدهار الحضارة الإسلامية. إن الوقف هو أحد أفضل أعمال البر والإحسان التي تتحقق بها مقاصد الشريعة الإسلامية السمحاء، وهو المحضن الذي تبلورت فيه قيم التكافل الاجتماعي، ورعاية حقوق الضعفاء، والإنفاق في أوجه البر، وهو المورد الذي يفيض بالخير على كثير من المؤسسات، والمرافق الاجتماعية، والثقافية، والدينية، والمعمارية، فمن موارده شُيّدت المساجد، والمدارس، والمكتبات، والمشافي، وأقيمت السُبُل لخدمة أبناء السبيل، وأيتام المسلمين، ومسحت دموع الأرامل، والعجائز، وكبار السن، وفُرّج عن المسجونين والغارمين، وفُكّ أسرى المسلمين، ومن أموال الوقف أيضًا حفظت كرامة ذوي الاحتياجات الخاصة، وأصحاب الأمراض المزمنة، وبُنيت المرافق العامة، ورُصفت الطرق، وحُفرت الآبار، ومُدّت الجسور، ووُفرت الملابس، والأطعمة للفقراء والمساكين وأبناء السبيل والغرباء، وبُنيت الحمامات والخانات والحدائق ليستمتع بها الفقراء بكل شرائحهم، بل تعدى الأمر إلى توفير أوقاف لإيناس الغرباء، ورفع معنويات المرضى .. إلى غير ذلك من المؤسسات التي كانت تلتمس أولًا وأخيرًا الأجر والمثوبة من الله تعالى، والفوز برضوانه وجنته. إن هذه النظرة الشمولية للخدمات التي يقدمها الوقف ما كان لها أن تكون لولا حرص الأمة على الاستجابة لتوجيهات ربها، وإرشادات نبيها محمد ﷺ الداعية لفعل الخير؛ يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)، والتي تشجع على البذل والعطاء لنيل الدرجات العلى يوم

стр. 12

القيامة؛ يقول تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١)، وقد حدّد المصطفى ﷺ المسارات الرئيسة للوقف؛ حين قال: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا نشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه بعد موته" (٢). إن الوقف هو صانع الحضارة الإسلامية، وسجل تاريخها الحافل بالشواهد الصادقة المصدقة على خيرية هذه الأمة، التي جسدت تعاليم ربها وتوجيهات نبيها ﷺ في الواقع المعاش؛ سلوكًا وممارسة، ولعل آلاف المساجد القائمة، والمبرات الخيرية ومئات السبل والخانات، والأربطة، والزوايا التي لا تزال تفيض بعطائها وما تزال آثارها الباقية، تشهد على فعالية الوقف في حياة الأمة. لقد تنافس في أعمال البر والإحسان، الرجل والمرأة، والحاكم والمحكوم، والعربي والأعجمي، والقائد العسكري، والقاضي، والعالم، والحاكم الإداري، والأشراف، والموالي، بل يندر أن نجد حاكمًا، أو أميرًا، أو قائدًا مشهورًا، أو ثريًّا إلا وقد ترك أثرًا وقفيًّا تنتفع به شريحة من شرائح المجتمع الضعيفة، وكل ذلك طمعًا في الأجر والثواب، لا شيء سواه. ولعل من أبرز ما يميز الوقف في الحضارة الإسلامية أنه مُحَصَّنٌ بسياج من التشريعات والقوانين، وآليات المراقبة والمحاسبة؛ ما جعله من أرقى الأنظمة الاقتصادية التي أنتجها الفكر الإسلامي، فعزت من الفاعلية الحضارية للأمة على امتداد عصور التاريخ. وتشير المصادر إلى أن نسبة عالية من المؤسسات الخدمية والتعليمية والدينية والاجتماعية في المدن الإسلامية الكبرى كانت تدار من أموال الوقف.

стр. 13

ولقد زادت وتيرة الوقف، وتنوعت مصارفه، وتنامت موجوداته، منذ العصر الأيوبي؛ ليبلغ الذروة في العصرين المملوكي والعثماني، فقد أسهم الوقف في العصر الأيوبي في إعادة الوجه العربي الإسلامي للمدن الشامية بعد أن مسخه الاستعمار الصليبي، إذ قام صلاح الدين الأيوبي بتشجيع الوقف ودعمه بكل السبل، وقاد بنفسه مشروعات الوقف الكبرى في مختلف المجالات، وعلى رأسها المجال الثقافي، وازدهرت الأوقاف وتطورت في العصر المملوكي، وتضاعفت في بعض الأقاليم في أقل من قرن ونصف اثني عشرة مرة، وفي العصر العثماني فقد زادت الأوقاف تنظيما ونضجًا، وظهرت المشاريع الوقفية الكبرى، وظهر وقف النقود لأول مرة في تاريخنا الإسلامي، وصدرت عديد من القوانين والتشريعات المنظمة للأوقاف، والتي أفضت في نهاية المطاف إلى تكليف شيخ الإسلام في إسطنبول بالإشراف على الأوقاف في كل الولايات العثمانية. ومن الملاحظ أن الحرمين الشريفين، والمسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، والمسجد الأموي في دمشق، وجامع القرويين في فاس، والجامع الأزهر في مصر، تعد أكثر المساجد حيازة للأملاك الوقفية وأكثرها ثراء وأثرا في مسيرة الأمة الحضارية، كما تعد مؤسسة خاصكي سلطان الوقفية في القدس، ومؤسسة الحرمين الشريفين في الجزائر، وخط سكة حديد الحجاز .. من أكبر المؤسسات الوقفية التي عرفها التاريخ الإسلامي. وتؤكد المصادر المسطورة والآثار المنظورة بأن المرأة المسلمة تركت بصمات واضحة في مسيرة الوقف في مختلف المجالات الثقافية والخيرية العامة والخاصة، ولعل بناء جامع القرويين، ومشروع عين زبيدة، ووقفية خاصكي في القدس والحرمين الشريفين، ومكتبة الخالدية في القدس، وأخيرًا جامعة القاهرة .. من أبرز ما يؤكد على فاعلية المرأة في هذا الحقل المهمِّ من حقول عطاء الإسلام في مجال البر والإحسان.

стр. 14

إن نهضتنا العلمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية مدينة إلى حد كبير للوقف وما قدمه من خدمات أسهمت في محاربة الفقر والجهل والمرض، وحفظت كرامة الإنسان، بل حوَّل الطبقات التي كانت تعيش على هامش الحياة من ذوي الاحتياجات الخاصة والفقراء والمساكين إلى صُنَّاع للحياة والحضارة، كما لا يوجد إقليم من الأقاليم التي دخلها الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها إلا وهو مدين للوقف في تنويره بتعاليم الدين الحنيف. وكذلك لا يوجد عالم يشار له بالبنان إلا وهو مدين للوقف الذي وفَّر له الظروف المناسبة للإبداع؛ من كتاتيب، ومدارس ومكتبات منظمة، تنفق على طلبة العلم بسخاء، بل إن العجماوات لو نطقت لأثنت على ما قدمه لها الوقف من خدمات حفظت حياتها وحقوقها بتوفير الطعام، والعلاج، والمأوى، وبعبارة أخرى كان الوقف يمثل تيارا عاما في حضارتنا الإسلامية، لم يقتصر على إقليم دون آخر، بل انتشرت فاعليته مع انتشار الإسلام، وغدا لكل إقليم من الأقاليم نكهته الخاصة في أعمال البر والإحسان التي تلبي حاجياته (١). وخلال هذا التمهيد التاريخي نستعرض رحلة الوقف عبر العصور، نختار منها نماذج على سبيل المثال، لتتكامل معالم الصورة الحضارية لمؤسسة الوقف لدى الأجيال المسلمة، ولتُلُقِي بعض الأضواء على جهود الأمة - حكاما ومحكومين في تفعيل هذه المؤسسة الفريدة في نظرتها وشمولية خدماتها، وسمو رسالتها التي عُنِيَتْ بإنسانية الإنسان وكرامته، بل تعدت بخيرها إلى الطير والحيوان على حد سواء.

стр. 15

المبحث الأول الوقف عند الأمم القديمة تؤكد المصادر أن الوقف بنظرته الشمولية، وعمله المنضبط بالنصوص الشرعية، والهادف أولا وأخيرا إلى مرضاة الله ، لم يُعرف إلا بعد مبعث المصطفى ﷺ ، أما الوقف بنظرته الجزئية وأهدافه الضيقة القائمة على حب السمعة والرياء، وإن كان موجها للمعابد ورجال الدين، وبعض الشرائح الضعيفة في المجتمع؛ فقد عرفته البشرية قديمًا، ولعل هذا ما يُفهم من قول الإمام الشافعي: "ولم تحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارًا ولا أرضًا تبرُّرًا بحبسها، وإنما حبس أهل الإسلام" (١). إن الوقف - بوصفه حبس المال على شيء معين - ظاهرة لا تخطئها العين عند دراسة المخلفات الأثرية للأمم القديمة، فعديد من المعابد والكنس اليهودية والكنائس النصرانية لا تزال قائمة ويعود تاريخها لآلاف السنين؛ مما يؤكد وجود الوقف الديني عند تلك الأمم، حيث كانت تحبس الأراضي والأموال والأدوات الخدمة دور العبادة والكهنة ورجال الدين، وكان الكهنة وسدنة المعابد يوكلون في الكثير من الحالات بتوزيع الإعانات العينية والنقدية على الفقراء والمعوزين لثقة الناس بهم. وتتحدث الآثار والنقوش المكتشفة حديثًا في مصر عن وقف بعض العقارات على بعض الكهنة في عهد الأسرة الفرعونية الرابعة، وأن رمسيس الثاني منح معبد "آبدوس" أملاكًا واسعة، وأنه نقل ملكية هذه الأراضي في احتفال رسمي أمام الشعب، كما كان بعض أثرياء مصر الفرعونية يخصصون بعض الأراضي الزراعية لصالح الكهنة؛ لتغطية نفقاتهم ونفقات دور العبادة التي يشرفون عليها، وهناك بعض الإشارات المتناثرة التي تشير بأن الفراعنة عرفوا الوقف الذُّرِّي،

стр. 16

حيث كانوا يختصون أولادهم وذريتهم بريع ومنافع الأعيان المحبوسة، من غير أن يحقَّ لهم تملك هذه الأعيان أو تمليكها للآخرين (١)، إلا أن ذلك لم يمثل ظاهرة في المجتمع المصري آنذاك. وتشير المخطوطات الصينية والآثار القائمة في الصين اليوم للمعابد البوذية وغيرها عن معرفة الصينيين للوقف، بل إن أباطرة الصين كانوا بين الفينة والأخرى يُطلقون النداءات لرعاياهم لتقديم العون والمساعدة للشرائح الضعيفة في المجتمع، وكانوا في بعض الأحيان يقدمون المساعدات للمحتاجين بأنفسهم؛ ليكونوا قدوة صالحة لرعاياهم (٢). وقد عرفت الحضارة اليونانية عديدًا من الأوقاف الثقافية؛ من مدارس ومكتبات ومسارح، منذ إنشاء أفلاطون الأكاديمية الشهيرة على الأرض التي وقفها "سيمون الأثيني" لغرض عام، وقد أوصى أفلاطون قبل وفاته عام ٣٤٧ ق. م بأن يخصَّص الريع الناشئ من الأرض الموقوفة لدعم الأكاديمية، حيث استمر هذا الوقف في دعم الأكاديمية حوالي تسعين عامًا (٣). وتؤكد المصادر بأن التشريعات اليونانية والرومانية كانت تحرم تحريمًا قطعًا مد اليد إلى الأوقاف التي تخصصت للمعابد والآلهة، أو حتى تسخيرها في أي عمل لا يرتبط بالمعبد (٤).

стр. 17

ويعدُّ اعتناق الإمبراطور الروماني قسطنطين للديانة النصرانية في القرن الرابع الميلادي نقطة تحوُّل في تاريخ الوقف؛ إذ أخذت الأوقاف تتوجه للكنائس والأديرة، وأخذ رجال الدين يستثمرون تلك الأوقاف لصالح الكنيسة (١)، وأخذ أباطرة بيزنطة يتنافسون في وقف الأوقاف لصالح الكنيسة، ولعل من أعظم الأوقاف الدينية التي وقفها أباطرة بيزنطة وذويهم أوقاف والدة الإمبراطور قسطنطين "هيلانه"، التي شيدت عدة كنائس غدت محجًا للنصارى، وعلى رأسها كنيسة القيامة في القدس التي شيدتها عام ٣٣٥ م، وفي عام ٣٩٢ م شيدت امرأة رومانية كنيسة الصعود في بيت المقدس، وبنى القديس سابا "دير سابا" على مقربة من مدينة سلوان شرقي القدس عام ٢٨٤ م، وغيرها من الأوقاف الكنسية المنتشرة في الشرق والغرب (٢). لقد طور الرومان بعد اعتناقهم للديانة النصرانية نظام الوقف، وجعلوه مؤسسة تابعة للكنيسة، وكلفوها بإدارته لصالح الطبقات الضعيفة في المجتمع، كما تشير المصادر إلى أن الإمبراطور "جستنيان" الذي حكم في القرن السادس الميلادي - قام بإلغاء الأحباس الأهلية إذا تجاوزت أربع طبقات، وأوجب تمليكها لهذه الطبقة الأخيرة؛ مراعاة للمصلحة العامة (٣). وكان الجرمان يسمحون للمتبرع برصد كُلِّ ماله أو بعضه لأسرة معينة مدة محدودة، أو لحين انقراضها، ولم يكن من الممكن عند الجرمان بيع الأحباس أو توريثها أو هبتها، وليس لمستحقها سوى الانتفاع بريعها وثمراتها.

стр. 18

وتشير المصادر إلى أن ملوك بابل في العراق كانوا يهبون بعض موظفيهم حقَّ الانتفاع ببعض أراضيهم، دون أن يملكوها أو يتصرفوا فيها ببيع أو هبة أو نحوها، وكان القانون يسمح بانتقال حق الانتفاع لهذه الأراضي إلى ورثة الموظفين بعد موتهم، بحسب الشروط الموضوعة في الاستحقاق الترتيبي (١). وفي بلاد فارس انتشرت الأراضي والأموال الموقوفة على معابد بيوت النار، كما كانت للهنود أوقاف واسعة على معابدهم وأصنامهم المشهورة، فيذكر ابن كثير أنه كان على الصنم الأعظم "بسومنات" من الأوقاف عشرة آلاف قرية ومدينة مشهورة وقد امتلأت خزائنه أموالًا، وعنده ألف رجل يخدمونه، وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس حجيجه، وثلاثمائة رجل يغنون ويرقصون على بابه، وكان عنده من المجاورين ألوف يأكلون من أوقافه (٢). وتؤكد النقوش اليمانية أن الوقف في جنوبي الجزيرة العربية في عهد كل من دولة معين" و "سبأ" و "حمير"، وغيرها من الممالك القديمة .. كان جله على المعابد، وأن كثيرًا منها كان يهدف إلى طلب الشفاء، أو النصر، أو اتقاء الكوارث الطبيعية، مما يجعل المعابد تتوافر على أراضي شاسعة كانت تؤجر بموجب عقود مع المعبد (٣). وتعد الكعبة المشرفة التي بناها إبراهيم ﵇ وولده إسماعيل ﵇ أقدم وقف عرفته العرب في قلب الجزيرة العربية، إذ جعلها إبراهيم ﵇ مُصلىً عامًا للعرب على اختلاف قبائلهم، ثم جعلها العرب بعد أن بدلوا ديانة التوحيد معبدًا لأصنامهم، وأخذ العرب وغيرهم يقفون عليها الأوقاف، فكان ملك حمير "أسعد أبو كَرِب" أول مَنْ كسا الكعبة، ووقف عليها، وذلك قبل الهجرة بقرنين، كما كستها "نبيلة بنت

стр. 19

حباب" أم العباس بن عبد المطلب بالحرير فكانت أول عربية في الجاهلية تفعل ذلك، كما أهدى ملك الفرس "ساسان بن بابك" غزالين من ذهب وبعض الجواهر وسيوفًا للكعبة (١). وقد تسابق زعماء وأثرياء مكة المكرمة إلى إطعام وسقاية الحجاج والمعتمرين، فوقف "قصي بن كلاب" بئر العجول في مكة لسقاية الحجاج والمعتمرين، وهي أول سقاية احتُفرت في مكة (٢)، كما وقف حياضًا من أدم كانت توضع في فناء الكعبة، ويسكب فيها الماء العذب من الآبار، محمولًا على ظهور الإبل من أطراف مكة البعيدة (٣)، ووقفت كذلك "قبيلة بني سهم" بئر الغمر على زوار بيت الحرام، وكانت الناس تستقي من بئر السنبلة التي وقفتها بني جمع في مكة المكرمة (٤)، واحتفر عبد المطلب بئر زمزم وجعلها صدقة موقوفة على الحجاج (٥). وكانت قريش تعتبر السقاية والرفادة (سقاية وإطعام الحجاج) مفخرة من المفاخر؛ لذا جعلوها من مناصب مكة المعتبرة، وكان "العباس بن عبد المطلب" يلي السقاية أيام الرسول ﷺ (٦).

стр. 20

وكانت العرب في الجاهلية تحرص على أن يكون المال الذي تنفقه على الوقف الديني مالًا حلالًا، فقد تجنبت قريش حين أرادت إعادة بناء الكعبة بعد أن هدمها السيل أن تُدْخِلَ فيه مالًا حرامًا، وقد نادى مناديهم قبيل الشروع في البناء: "لا تُدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبًا، لا تُدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ريا، ولا مظلمة أحد من الناس" (١). وقد عرف العرب في الجاهلية حبس الحيوانات في نذورهم وعبادتهم؛ مدَّعين أن الله أمرهم بذلك كذبًا وزورًا، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٢). وهكذا كان الوقف عند الأمم القديمة بسيطًا في مبناه، نخبويًا في عطائه، لا تحكمه قوانين محددة، ولا يمثل ظاهرة واضحة في المجتمع، وكان هدفه في الغالب الأعم السمعة والرياء، عكس ما هو الحال في الحضارة الإسلامية التي تميز فيها الوقف بسمو الغاية، وشمولية النظرة، وصرامة الضوابط والأحكام، حيث مثل ظاهرة عامة شارك فيها الحاكم والمحكوم وكل شرائح المجتمع، كما سنرى في الصفحات الآتية.

стр. 21

المبحث الثاني نشأة الوقف عند المسلمين (١ - ٤١ هـ / ٦٢٣ - ٦٦٢ م) نشأ الوقف مع نشأة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وتحددت أهدافه السامية، ومقاصده النبيلة من خلال الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، التي أكدت أن فعل الخير يمثل شعيرة من شعائر الإسلام؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١)، وقوله أيضا: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) كما عدَّت شريعة الإسلام مساعدة الفئات الضعيفة من المجتمع من أعظم القربات الله تعالى، كما بينت بأن الرحمة رأس مال الإسلام فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣)، كما أن صيانة كرامة الإنسان مقصد من مقاصدها الجليلة؛ فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٤). وجاءت أقوال المصطفى ﷺ وأفعاله وتقريراته لتؤكد على فضيلة الوقف وعظم أجره، فضلًا عن تحديدها لمساراته واتجاهاته؛ فقال ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علمًا نشره، وولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته" (٥)، وقال ﷺ أيضًا: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (٦)، وقد فسَّر

стр. 22

العلماء الصدقة الجارية بالوقف (١)، وقال ﷺ في الحث على وقف المساجد وتعظيم الأجر لبانيها: "من بنى مسجدًا يبتغي فيه وجه الله بنى الله له مثله في الجنة" (٢)، لذا كان أول وقفٍ وقفه المصطفى ﷺ وهو بناء مسجد قباء (٣)، ومن بعده المسجد النبوي، فكان عمله هذا سنة تأسَّت به الأمة جيلًا بعد جيل؛ حيث تسابق الحكام والمحكومون على وقف المساجد في مشارق الأرض ومغاربها. ويذكر أهل السِّيَر ثماني صدقات وقفها النبي ﷺ (٤)، وأن أراضي مخيريقة (٥) التي أوصى بها إلى النبي ﷺ من أوائل أوقافه ﷺ (٦)، وفي رواية أم المؤمنين عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ جعل سبع حيطان (بساتين) له بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب ويني هاشم (٧)، وجاء في صحيح البخاري (٨) أن المصطفى ﷺ ما ترك عند موته درهمًا ولا دينارًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا؛ إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضًا جعلها صدقة (أي وقفًا).

стр. 23

وكانت أمهات المؤمنين من أوائل من تأسي بالمصطفى ﷺ ؛ فوقفن الأوقاف في حياته وبعد مماته، فوقفت أم المؤمنين عائشة دارًا اشترتها، وكتبت في شرائها ما نصه: "وجعلتها لما اشتريتها له، فمنها مسكن لفلان وعقبه ما بقي، ولفلان وليس فيه العقبة، ثم يرد إلى آل أبي بكر" (١). وابتاعت أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂ حليًا بعشرين ألفًا فحبسته على نساء آل الخطاب، فكانت لا تُخرج زكاته (٢)، فهو أول وقف في الإسلام من هذا النوع، ووقفت أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ﵂ على أخيها الذي بقي على يهوديته (٣)، كما تذكر المصادر أن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ قد وقفت أوقافًا، وكذلك فعلت أم المؤمنين أم حبيبة ﵂ (٤)، ووقفت أيضًا فاطمة بنت الرسول ﷺ أوقافًا في المدينة المنورة، وحذت حذوها أسماء بنت أبي بكر زوج الزبير بن العوام ﵃ (٥). وتعددت أوقاف الصحابة رضوان الله عليهم على جهات البر العامة والخاصة، فلم يبق أحد من أصحاب المصطفى ﷺ له مقدرة إلا وقف وقفًا، على حَدِّ قولِ الصحابي جابر بن عبد الله ﵄ (٦)، وقد أحصى الإمام الشافعي ثمانين من الصحابة الأنصار وقفوا أوقافًا (٧).

стр. 24

وتؤكد المصادر بأن الفاروق عمر ﵁ كان أول الصحابة وقفًا، فقد جاء إلى النبي ﷺ يستشيره بما يصنع بأنفس أراضيه في خيبر، فنصحه ﷺ بأن يقفها، فتصدق بها على أقاربه، والفقراء، وإطعام الضيف، وتحرير العبيد، فقد جاء في نص وقفيته: أن ريعها يُنفق على الفقراء، والقربي، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من ولي عليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول (١)، وتعتبر هذه الوثيقة أول رسم وقفي سار على منواله التابعون، وقد أشار البخاري إلى هذه الوثيقة الرائدة (٢)، كما تصدَّق ﷺ برَيْعه عند المروة على ولده (٣)، ووقف فرسًا في سبيل الله (٤). ولما تولى عمر بن الخطاب ﷺ الخلافة (١١ - ٢٣ هـ/ ٦٣٣ - ٦٤٤ م)، كتب صدقته بمحضر من المهاجرين والأنصار وأشهدهم عليها، فانتشر خبرها في الأمصار (٥)، وتشير كتب السِّيَر أن عمر بن الخطاب ﷺ قد عيَّن ابنته حفصة لإدارة أوقافه التي أصلها يرجع إلى أرض "ثمغ"، فكانت حفصة أول ناظرة للوقف في تاريخنا الإسلامي (٦). ويُذكر لعمر بن الخطاب ﷺ أنه من أوائل من وقف الأوقاف في الشام والعراق ومصر، فكان مسجد الكوفة، ومسجد البصرة، ومسجد عمر بن الخطاب ﵁ في بيت المقدس، ومسجد عمرو بن العاص ﵁ في مصر، من أقدم المساجد التي وُقفت

стр. 25

في عهده؛ حيث قامت هذه المساجد بدور مشرف بطبع البلاد المفتوحة بالطابع العربي الإسلامي؛ من خلال رسالتها الدينية والثقافي والاجتماعية. وقد بشَّر المصطفى ﷺ عديدًا من الصحابة الكرام بالجنة لوقفهم الأوقاف الخيرية في المدينة المنورة، فقد بشَّر عثمان بن عفان ﵁ بالجنة لأنه حلَّ مشكلة مياه الشرب التي كان يحتكرها اليهود؛ بشرائه لبئر رومة ووقفة للمسلمين (١)، ويُذكر لعثمان بن عفان ﵁ أيضًا أنه عندما تولى الخلافة وقف بركة سلوان والحدائق التي كانت تروى منها في جنوبي المسجد الأقصى مباشرة على فقراء بيت المقدس (٢). وجاء في صحيح البخاري أن الصحابي الجليل أبو طلحة لما نزلت آية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣)؛ جاء إلى النبي ﷺ وقال: إن أحب أموالي إلي بيرحاء، فهي إلى الله وإلى الرسول ﷺ أرجو بره وذخره، فضعها حيث أراك الله، فقال ﷺ : "بخ يا أبا طلحة، ذلك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين"، فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، وكان منهم حسان بن ثابت وأبيُّ بن كعب" (٤). وعندما نزلت الآية القرآنية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ (٥)؛ كان أبو الدحداح البلوي نازلًا في بستان له هو وأهله، وكان فيه ستمائة نخلة مثمرة، فجاء إلى امرأته فقال: اخرجي يا أم الدحداح؛ فقد أقرضته لله ، فتصدق

стр. 26

بحائطه (بستانه) على الفقراء والمساكين (١)، وكان الرسول ﷺ قبل ذلك قد بشره بالجنة عندما تصدق بنخلة على يتيم قائلًا: "رُبَّ عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة" (٢). ووقف علي بن أبي طالب ﵁ أرضًا له في ينبع - بعد أن استصلحها واستنبط الماء فيها - على الفقراء والمساكين، وفي سبيل الله، وابن السبيل؛ القريب والبعيد، وفي السلم والحرب، وليوم تبيضُّ فيه وجوه وتسودُّ وجوه؛ ليصرف الله بها وجهه عن النار، وقد جاء في نص وقفيته: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما تصدق به علي أمير المؤمنين، تصدق بالضيعتين المعروفتين بـ (عين أبي نيزر) و (البغيغة)، على فقراء أهل المدينة وابن السبيل؛ ليقي بها وجهه حر نار يوم القيامة، ولا تباعا، ولا تورثا، حتى يرثها الله وهو خير الوارثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن والحسين، فهما طلق لهما، وليس لأحد غيرهما". ويُذكر أنه ركب الحسن بن علي ﵄ دين، فحمل إليه معاوية بن أبي سفيان ﵁ بعين أبي نيزر مائتي ألف دينار، فأبى أن يبيع، وقال: إنما تصدق بهما أبي ليقي الله وجهه حر نار يوم القيامة (٣)، كما تصدق علي بن أبي طالب ﵁ أيضًا بأمواله بالمدينة وداره بمصر على ولده (٤). وكان معاذ بن جبل ﵁ من أوسع الأنصار بالمدينة منازلًا، فتصدق بداره التي يُقال لها: دار الأنصار (٥)، ووقف خالد بن الوليد ﵁ سلاحه وأدراعه على المجاهدين في سبيل الله (٦)، كذلك وقف زيد بن حارثة ﵁ فرسه في سبيل الله (٧)، ووقف الصحابي سعد بن عبادة ﵁ حائطه المخراف صدقة على أمة التي ماتت وهو غائب عنها،

стр. 27

فقال: هذا لأم سعد (١)، وفي رواية: أنه حفر بئرًا ووقفه صدقة على أمه (٢)، وخص الصحابي الزبير بن العوام ﵁ بناته بالصدقة، فوقف بيوته على بناته، فقد جاء نص وقفيته: "وللمردودة من بناته، غير مضرة ولا مضر بها" (٣). وتحفل كتب السير والتراجم والحديث والتاريخ بأسماء الكثير من الصحابة الكرام الذين وقفوا بعض أموالهم على ذرياتهم؛ منهم على سبيل المثال: أبو بكر الصديق ﵁ الذي وقف داره في مكة على ولده، وسعد بن أبي وقاص ﵁ الذي جعل داره في المدينة المنورة وداره في مصر صدقة على ولده، وتصدق عمرو بن العاص ﵁ بأرضه في الطائف وداره في مكة والمدينة على ولده (٤)، وممن وقف على ذريته أيضًا من الصحابة: أسماء بنت أبي بكر، وجابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن الزبير، وحكيم بن حزام .. وغيرهم، ﵃ أجمعين (٥). ومن أبرز الظواهر الوقفية التي تسترعي الانتباه في هذه الفترة من تاريخ الوقف، ظاهرة كثرة أوقاف الماء في المدينة المنورة، فقد وقف عروة بن الزبير بن العوام ﵄ "بئر عروة"، وجعلها موردًا عذبًا للظامئين في المدينة المنورة، ووقف بجانبها بستانًا يأكل الناس والتجار والمارة منه، وقد اشتُهرت "بئر عروة" بالمدينة (٦).

стр. 28

وجاء طلحة بن عبيد الله ﵁ إلى رسول الله ﷺ وأخبره بأنه اشترى "بئر نعمان" في جهة خيبر وتصدق بها، فقال له الرسول ﷺ : "ما أنت يا طلحة إلا فياض"؛ فسُمي: طلحة الفياض (١). ومن الآبار التي وُقفت في عهد رسول الله ﷺ : "بئر أريس" (بئر الخاتم)، وهي داخل غربي مسجد قباء، و "بئر غرس" بقباء في شرق مسجدها على نصف ميل من جهة الشمال، وكان الرسول ﷺ يستعذبها، و"بئر بضاعة" قرب أبواب المدينة، وحولها مسجد وبركة ماء، وكان الرسول ﷺ يستسقي منها، وبئر البصة" بالقرب من البقيع على طريق قباء، و"بئر اليسيرة" وهي في عوالي المدينة بالقرب من مسجد بني قريظة .. وغيرها (٢). أما بالنسبة للأوقاف الخادمة للعلم والتعليم فقد بدأت بذرتها الأولى بتأسيس مسجد المصطفى ﷺ ، الذي كان مركزًا للتعليم، وكان في نهايته مكان مخصص لأهل الصفة من فقراء الصحابة، حيث كانوا يحظون برعاية الأمة التي تكفلت بإطعامهم وإيوائهم وتعليمهم (٣). وتذكر كتب السير أن أول إشارة لأول كتَّاب في المدينة المنورة كان في السنة الثانية للهجرة، عندما طلب المصطفى ﷺ من أسرى بدر ممن لا يستطيع فداء نفسه بالمال أن يعلم عشرة من صبيان المدينة القراءة والكتابة (٤)، وفي العهد الراشد تظهر إشارة جلية أخرى على تأسيس الكتاتيب؛ عندما أمر عمر بن الخطاب ﵁ بجمع صبيان الشهداء والمجاهدين الغائبين في مكان محدد، وكلف رجلًا بتعليمهم كتاب الله،

стр. 29

وعندما نجحت الفكرة في المدينة عممها على الأمصار (١)، وهذه أول إشارة المؤسسة وقفية حكومية في تاريخنا الإسلامي متخصصة في تعليم الأطفال. كما سجَّل تاريخ الوقف في هذه الحقبة المبكرة الاهتمام بوقف المصاحف، والعناية بأبناء السبيل، فكان الخليفة عثمان بن عفان ﵁ أول من وقف المصاحف، عندما وضع أربع نسخ أو ستًّا منها في مساجد مختلفة من الدولة الإسلامية (٢)؛ ليصبح وقف المصاحف سنة جارية في الأمة، أما الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ فقد اهتم بأبناء السبيل، وحرص على توفير كل ما يحتاجونه من طعام وشراب، فكان أول من وقف دارًا للدقيق، تشتمل على الدقيق والسويق، والتمر والزبيب، وما يحتاج إليه المنقطع، ووضع السبل في الطريق بين مكة والمدينة وبين الشام والحجاز؛ فكان المنقطع يحمل من ماء إلى ماء (٣). وهكذا تبلورت معالم الوقف الخيري والذري في هذه الفترة المبكرة من تاريخنا الإسلامي، كما تبين أن خدمات الوقف كانت تتجه إلى الشرائح الضعيفة في المجتمع؛ من فقراء ومساكين، وتحرير العبيد، وخدمة أبناء السبيل، وكفالة أبناء الشهداء والمجاهدين، ورعاية المطلقات والأرامل، والإحسان للأقارب والأبناء، كما كانت الأوقاف في الغالب تتكون من الأراضي والبساتين والآبار والمنازل، والسلاح والخيول، وعُدة الحرب والحلي، كما يتضح أن هذه الأوقاف شارك فيها الخلفاء والرجال والنساء بمختلف طبقاتهم، وأنها كانت تدار من قبل أصحابها أو من يراه صاحب الوقف أهلًا للثقة، ذكرًا كان أم أنثى، إلى أن تطور الأمر فيما بعد حين أصبح للأوقاف ديوانٌ خاصٌّ بها، كما سنرى في الصفحات الآتية.

стр. 30

المبحث الثالث الوقف في العصر الأموي (٤١ - ١٣٢ هـ/٦٦٢ - ٧٥٠ م) لقد خطت الأوقاف خطوات واسعة في العصر الأموي، فتضاعفت أعدادها، وتنوعت مصارفها، ونظمت سجلاتها، وجعل لها ديوانًا خاصًّا تحت إشراف القضاء، وعملت الدولة بكل جهودها لصيانة الأوقاف القائمة، وتوسعة ما يحتاج لتوسعة، في بقعة جغرافية تمتد من مشارف الصين شرقًا إلى حدود فرنسا غربًا، فقد شهد هذا العصر ميلاد كبريات المساجد التي قامت بدور مشرِّف في طبع البلاد المفتوحة بالطابع العربي الإسلامي، فضلًا عن دورها التنويري عبر حقب التاريخ الإسلامي وحتى اليوم، بفضل ما وُقف عليها من أوقاف ساهمت في ديمومة عطائها. ولم تقتصر جهود الدولة الأموية على بناء المساجد في البلاد المفتوحة، بل تعدى ذلك إلى العمل بكل جهدها على صيانة وتوسعة وزخرفة المساجد القائمة، وتعزيزها بالأوقاف التي تسهم في الحفاظ على وجودها وديمومة رسالتها، فتوالت التوسعات والترميمات للحرمين الشريفين، ومساجد العراق، ومصر، والشام، فقد قام معاوية بن أبي سفيان ﵁ (٤١ - ٦٠ هـ/ ٦٦٢ - ٦٨٠ م) بتوسعة المسجد الحرام، وأجرى له القناديل والزيت، وأضاء المصابيح فيه (١)، كما أجرى معاوية ﵁ إلى مكة عيونًا عشرة، في قنوات عملها لذلك، ثم تنافس الأمويون في مكة المكرمة في حفر الآبار ووقفها (٢)، ويُذكر لمعاوية ﵁ أيضًا أنه وقف العين الزرقاء بالمدينة المنورة بالقرب من "بئر أريس"، وهي من العيون المشهورة التي اعتنى بها الحكام والأمراء على مر العصور، وكان لها أوقاف معلومة، وجرايات تأتي من عند السلطان، وأصبح لها في وقت من الأوقات أمير معلوم، وله خدم يتفقدون أحوالها، ويصلحون ما تلف منها، كما حرص على إنشاء الآبار على الطرقات (٣).

стр. 31

أما الخليفة يزيد بن معاوية فيُذكر له أنه كان أول خليفة يكسو الكعبة بالديباج، ولا يكاد يُذكر خليفة من الخلفاء الأمويين إلا وذكر له أثر في الحرمين الشريفين (١). ومن أبرز المساجد التي بُنيت في عصر الأمويين: مسجد قبة الصخرة؛ الذي وقفه الخليفة عبد الملك بن مروان (٧٢ هـ/ ٦٩١ م)، والذي يعدُّ من أجمل الوقفيات الدينية في العالم؛ هندسة، وفنًّا، وزخرفة، وجمال موقع، وهو يعد اليوم أقدم أثر إسلامي يحمل تاريخ إنشائه (٢). وكذلك يُعَدُّ المسجد الأموي في دمشق من أكبر المساجد التي بناها الوليد بن عبد الملك، وأعلاها تكلفة، حيث استغرق بناؤه حوالي عشر سنوات (٨٧ - ٩٦ هـ/ ٧٠٦ - ٧١٥ م)، وأنفق عليه أحد عشر مليونًا ومائتي ألف دينار (٣)، كما بنت الدولة الأموية عديدًا من المساجد في كل المناطق التي فتحتها أو استكملت فتحها، وأعطت لبلاد ما وراء النهر وللأندلس والمغرب أولوية خاصة، فاشتُهرت مساجد القيروان، وقرطبة، وبخارى، وسمرقند، وغيرها، حيث كانت هذه المساجد منارات للعلم ومعاقل لنشر الإسلام، حصَّنتها الأمة حكامًا ومحكومين بالأوقاف الكثيرة التي مكنتها من تأدية رسالتها على أكمل وجه، وحمتها من الاندثار؛ لتبقى شاهدًا على عظمة هذا الدين. وبدوره قام الوليد بن عبد الملك في عام ٨٨ هـ /٧٠٧ م بأوسع عملية توسعة للمسجد النبوي الشريف، حيث أمر بهدم بيوت أزواج المصطفى ﷺ وبيوت الصحابة ﷺ المجاورة للمسجد، وأدخلها في المسجد، بعد أن عوَّض أصحابها أثمان بيوتهم، وذلك تحت إشراف والى المدينة عمر بن عبد العزيز، وقد استغرق البناء أربعة أعوام، وأصبح

стр. 32

المسجد بعد التوسعة ٢٠٠ ×٢٠٠ ذراع، وجعل له أربع منارات، طول كل منارة ٥٥ دراعًا، وعرضها ثمانية أذرع (١). وقد أمر الوليد بن عبد الملك بعمارة جميع المساجد التي صلى فيها المصطفى ﷺ ، فبُنيت بالحجارة المنقوشة، كما أمر في عام ٨ هـ/٧٠٧ م بحفر الآبار في المدينة المنورة، لتوفير المياه لأبناء السبيل، وكل وارد على المدينة من الحجاج والمعتمرين (٢). ويُعدُّ الوليد بن عبد الملك أول من ذهَّب الكعبة في الإسلام، حيث ضرب صفائح الذهب على باب الكعبة (٣)، وقد سار ولاة بني أمية على خُطَى خلفائهم في بناء المساجد وترميمها وتوسعتها، فقام: "مسلمة بن مخلد" والي معاوية ﵁ على مصر، بالزيادة في مسجد عمرو بن العاص ﵁ في الفسطاط، وطلا جدرانه بالجص، وزخرف بنيانه، وبنى له أربع منارات، وفرشه بالحصر (٤). ووسَّع المغيرة بن شعبة ﵁ المسجد الجامع بالكوفة، ثم تعهده زياد بن أبيه بالزيادة، وفرشه بالحصى، وكان يقول: أنفقت على كل اسطوانة من أساطين الكوفة ثماني عشرة مائة درهم، كما وسَّع "زياد بن أبيه" مسجد البصرة، وبناه بالآجر والجص وسقَّفه بالساج، وبني منارته بالحجارة، كما بني عديدًا من المساجد في العراق (٥). ويُعدُّ الوليد بن عبد الملك أول حاكم في التاريخ وقف المستشفيات أو البيمارستانات للأشخاص المصابين بالأمراض المعدية عام ٨ هـ/٧٠٧ م، وأجرى عليها أوقافًا دائمة، فضلًا عن وقف الملاجئ للعجزة وأصحاب العاهات، فقد خصص لكل مُقعد خادمًا، ولكل أعمى قائدًا، وهذا ما أكده كل من الطبري (٦) واليعقوبي، وقال الأخير بأن

стр. 33

الوليد أول من بني البيمارستانات للمرضى، وأول من أجرى على العميان والمجذومين الأرزاق، وأول من أجرى طعام شهر رمضان في المساجد (١)، كما كان يعطي قطع الفضة توزع على قراء بيت المقدس (٢). وقد اهتم خلفاء بني أمية بأبناء السبيل، بخاصة الحجاج والمعتمرين منهم، فقد جعل معاوية بن أبي سفيان ﵁ دار المراجل بمكة المكرمة، والتي كان يطبخ فيها طعام الحجاج وطعام الصائمين من الفقراء في شهر رمضان المبارك وقفًا في سبيل الله (٣). أما الخليفة عمر بن عبد العزيز فقد وقف خانات على امتدادات الطرق؛ لخدمة أبناء السبيل وتقديم المأوى والقرى والعلاج وغيرها من الخدمات، فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى واليه سليمان بن السري: أن اعمل خانات، فمن مرَّ بك من المسلمين فأقروه يومًا وليلة، وتعهدوا دوابهم، ومن كانت به علَّة فأقروه يومين وليلتين، وإن كان منقطعا فأبلغه بلده (٤). وقام الخليفة هشام بن عبد الملك بحفر نهر وسط مدينة الموصل، وأمر أن تُبني أرجاء على ضفافه، ثم وقف هذه الأرحاء ومستغلاتها على نفقة هذا النهر وما يحدث فيه من تغيير وإصلاح في المستقبل (٥). كما عرف العصر الأموي وقف المصاحف، فقد كتب إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيباني (٩٦ - ٢٠٦ هـ/ ٧١٤ - ٨٢١ م) نيفًا وثمانين مصحفًا بخطه، وقد جعل بعضها وقفًا في مسجد الكوفة (٦).

стр. 34

وعلى صعيد إدارة شئون الأوقاف، فقد كانت تدار من قبل أصحاب الوقفيات أو ذويهم أو ممن يثقون بهم، وقد كان في هذا الأمر مظنة إهمال أو فساد يمكن أن يتطرق إلى الأوقاف، وهذا ما دفع قاضي مصر توبة بن نمير الحضرمي (١١٨ هـ/ ٧٣٦ م) إلى تأسيس ديوان الوقف؛ حيث قال: ما أرى مرجع هذه الصدقات إلا إلى الفقراء والمساكين، فأرى أن أضع يدي عليها حفظًا لها، فلم يمت توية حتى صار للأحباس ديوانًا عظيمًا مستقلًا عن بقية الدواوين تحت إشراف القاضي، وقد قلَّدته بقية الأمصار، فأصبح في كل ولاية ديوان خاصٌّ بالأوقاف، وكانت البصرة من أوائل الولايات بعد مصر التي أسست ديوانًا للأوقاف (١)، وقد سجَّل في هذا الديوان الأحباس الموقوفة في سجل خاص لحماية مصالحها (٢)، وقد كان ذلك التطور الإداري هو الأهم من نوعه الذي طرأ على الأوقاف في ذلك العصر. وهكذا كانت الدولة الأموية ممثلة بخلفائها الفاعل الأهم في حركة الوقف في تلك المرحلة المهمة من تاريخنا، مقابل تراجع دور الرعية، ولعل هذا يعود إلى انشغال الأمة في حركة الفتح والجهاد؛ لذا ليس مستغربًا أن يكون وقف المساجد هو الأبرز؛ لأن الهدف هو توطين الإسلام في البلاد المفتوحة، كما يلاحظ اهتمام الدولة الأموية بالحرمين الشريفين وبيت المقدس، واهتمامها أيضا بوقف الماء وتوفيره لأبناء السبيل وللحجاج والمعتمرين. ولعل أهم ما يُحسب للدولة الأموية في مجال الوقف، ظهور لون جديد من الأوقاف التي تعتني بالصحة العامة، ومعالجة الأمراض المعدية، فكان وقف المستشفيات أول ظهور له في هذه الدولة، كما أن رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة يبرز بوضوح في هذه الدولة، وأخيرًا يُحسب لهذه الدولة ظهور ديوان مستقل للأوقاف؛ صيانة لها من الفساد، وحماية لحقوق الفقراء والمساكين والضعفاء وَمَنُ خُصِّصَت لهم تلك الأوقاف.

стр. 35

المبحث الرابع الوقف في الغرب الإسلامي (المغرب والأندلس) أبدع الغرب الإسلامي أوقافًا فريدة في مقاصدها، ومبدعة في فكرتها، فقدمت خدمات متميزة للمرأة، وذوي الاحتياجات الخاصة، والأسرى، والغرياء، والسجناء، والعلماء وطلبة العلم، وكبار السن، وغيرهم من الشرائح. ويستعرض هذا المبحث نماذج من تلك الأوقاف التي شملت رعايتها حتى الحيوانات والطيور، فقد عرفت مدينة مراكش وقفية فريدة في رسالتها الاجتماعية أطلق عليها اسم "دار الدقة"، وهي عبارة عن ملجأ مخصص للنساء اللائي يقع نفور بينهن وبين أزواجهن، وليس لهنَّ أهل أو محارم يأخذون بحقوقهنَّ، فكانت هذه الدار توفر لهن المأوى والمأكل والتعليم إلى أن يزول ما بينهن وبين أزواجهن من نفور، وكان على هذه الدار أوقاف عديدة تدرُّ أموالًا لتغطية نفقاتها؛ لتواصل القيام بدورها الاجتماعي المهم، والذي يدل على سمو الحس الإجتماعي في الحضارة الإسلامية، التي لم تترك أحدًا إلا وشملته بلماساتها الإنسانية الراقية (١). ولعل جوهرة الأوقاف في الغرب الإسلامي هو جامع القرويين، الذي يعد من أقدم أوقاف نساء المغرب الإسلامي، والذي وقفته "أم البنين" فاطمة بنت الفقيه عبد الله محمد الفهري القيرواني، الذي توفي وترك لابنتيه مريم وفاطمة ثروة هائلة، أنفقتاها في وجوه البر والخير والإحسان، وكان الشروع في البناء سنة ٢٤٥ هـ/ ٨٥٠ م، وقد لعب هذا الجامع دورًا حيويًا في الحياة العلمية في المغرب، حيث كان به ١٤٠ كرسيًا علميًا، منها كرسيان اثنان خُصِّصا للنساء (٢)، وقد تخرج منه عديد من العلماء من الغرب، ودرس فيه سيلفستر الثاني (غريرت دورياك) الذي شغل منصب البابا

стр. 36

عام ٩٩٩ - ١٠٠٣ م، كما أقام فيه الطبيب والفيلسوف اليهودي "موسى بن ميمون" بضع سنوات، ودرس فيه كبار العلماء أمثال: الفقيه المالكي أبو عمران الفاسي، وابن العربي، ودرس فيه ابن خلدون، ولسان الدين بن الخطيب، وغيرهم. ولم يغفل أهل المغرب الاهتمام بالمدارس ووقف الأوقاف السخية عليها، ففي سنة ٦٣٥ هـ/ ١٢٣٨ م ظهرت أول مدرسة وقفية في المغرب على يد العالم أبو الحسن الشاري (٥٧١ - ٦٤٩ هـ/١١٧٦ - ١٢٥١ م)، عندما بنى من ماله الخاص المدرسة الشارية بسبتة، ووقف عليها من خيار أملاكه وجيد رباعه (١)، وحبس عليها خزانة تشتمل على مصنفات في مختلف العلوم، وتعد أول خزانة وُقفت في المغرب على أهل العلم، وكانت تحوي جناحًا لإيواء الطلبة، وبقعة محبسة على من يموت من طلبتها (٢). وفي عهد الموحدين كان معظم مباني ومنشآت فاس ملكا لأوقاف القرويين، ويذكر الجزنائي أن غلات أوقاف القرويين على عهد المرينيين ناهزت في بعض الأعوام عشرة آلاف دينار فضة، وقد غدت ميزانية القرويين تنافس ميزانية الدولة، بل إن الدولة استقرضت من خزينته في كثير من الأحيان (٣). أما مدرسة الصفاريين في فاس فقد وقفها السلطان "أبو يوسف يعقوب" (٦٥١ - ٦٨٥ هـ/ ١٢٥٣ - ١٢٨٦ م) على طلبة العلم في فاس، وأجرى فيها ماء العين، وأسكنها الطلبة والمقرئين، وأجرى عليهم المرتبات، وحبس عليها ١٣ حملًا من الكتب، بعثها له الملك "شانجة القشتالي" إثر الصلح الذي عُقد عام ٦٤٨ هـ/ ١٢٨٥ م (٤).

стр. 37

وتسابق أبناء المرينيين ببناء المدارس نصرةً للمذهب المالكي، وإعادة الاعتبار إلى علمائه بعد معاناتهم في عهد الموحدين، فقد شيّد "أبو سعيد المريني" سنة ٧٢٣ هـ/ ١٣٢٣ م مدرسة العطارين، التي بلغت أوقافها ٥١ وقفًا، ما بين حانوت ورحي أو فيض ماء (١)، وكان في جامع لوقش بمدينة تطوان حوالي ستين غرفة محبسة السكنى الطلبة، ويوجد في المسجد أحباس لإطعام الطلبة (٢). وتُشير الدراسات إلى أنَّ المغاربة اتبعوا طريقة طريفة في تقييد الوقف كانت معروفة في عصر دولة الموحدين (٥٤١ - ٦٦٨ هـ/ ١١٤٧ - ١٢٧٠ م) وصدر من أيام بني مرين، وهي إضافة كلمة حبس مكتوبة على الطريقة المغربية بواسطة ثقوب متتابعة بالإبرة؛ حتى تنفذ لسائر أوراق الكتاب (٣)، وقد وقف كثير من العلماء كتبهم على خزانة القرويين، ومن هؤلاء ابن خلدون، الذي وقف كتابه "العبر" على خزانة القرويين في نهاية القرن الثامن (٤). ويذكر أنه كان في مدينة فاس ملجأ خاص للنساء الشريفات الفقيرات، ويتكون هذا الملجأ من دارين تقع إحداهما في المشاطين قرب ساحة الصفارين، والأخرى في وادي الرشاشة جوار دار عديل (٥). وفي تونس كان هناك وقف سيدي أبي العباس السبتي للعميان والزمني، يأخذون كل يوم من ريعه ما يعيشون به؛ ذكورًا وإناثًا على كثرة عددهم (٦)، كما وقف أمير

стр. 38

المؤمنين أبو فارس عبد العزيز بن السلطان بن العباس أحمد بن عبد الله، أحد أمراء الدولة الحفصية (٧٩٦ هـ / ١٣٩٣ م) .. بيمارستانًا للضعفاء والغرباء وذوي العاهات من المسلمين، ووقف على ذلك أوقافًا كثيرة في تونس (١)، كما وجد في فاس قصر يسمى "دار الشيوخ"، مخصَّص لتزويج المكفوفين الذين لا سكن لهم (٢). وقد تنافس سلاطين الدولة المرينية (٦١٠ - ٨٦٩ هـ/ ١٢١٤ - ١٤٦٥ م) (٣) في وقف الأوقاف من أجل فكاك الأسرى، ويأتي على رأس هؤلاء السلاطين أبو فارس بن عبد العزيز العباس المريني (٧٩٦ - ٧٩٩ هـ/ ١٣٩٣ - ١٣٩٦ م)، والسلطان عبد الحق بن أبي سعيد (٨٢٣ - ٨٦٩ هـ/ ١٤٧٢ - ١٥٥٠ م) (٤). وفي العهد الوطاسي (٨٧٧ - ٩٥٧ هـ/ ١٤٧٢ - ١٥٥٠ م)، استمر الحكام يقفون الأوقاف الصالح افتكاك الأسرى، فقد وُجدت حوالة حبسية تحمل رقم ٩٢١ بخزانة القرويين، يوصي فيها السلطان أبو عبد الله محمد البرتغالي بأموال عقارية لافتكاك الأسرى (٥). ولعل وقف السمك في تونس من الأوقاف الفريدة في الغرب الإسلامي، فقد تنبه أهل الخير أنه في بعض أيام السنة يأتي نوع من السمك تفيض به الشواطئ؛ لذلك خُصِّص وقف يُشتري مِن رَيِعه جانب كبير من هذا السمك، وَيُوَزَّعُ على الفقراء مجانًا (٦).

стр. 39

وخُصِّص جانب من أوقاف مارستان سيدي فرج في مدينة فاس بالمغرب لغسل وتكفين الغرباء والفقراء من الموتى، وضمان جنازة لائقة لهم (١)، ولا تكاد مدينة من المدن الإسلامية إلا ويوجد فيها وقف لخدمة الموتى الفقراء، بل إن بعض المساجد ألحق بها ما يعرف باسم مسجد الجنائز؛ حيث كان يغسل الموتى ويصلى عليهم (٢). وقد حرص أهل المغرب على وقف المصاحف على الحرمين الشريفين، فيُذكَرُ أن الجارية القيروانية "فضل"؛ مولاة أبي أيوب أحمد بن محمد .. قد خطَّت المصحف بيدها ببراعة فائقة، ووقفته على القرَّاء بمسجد القيروان في محرم ٢٩٥/ ٩٠٧ م (٣). كما حبس السلطان أبو يعقوب يوسف المريني (ت ٦٠٧ هـ / ١٢١١ م) على الحرم المكي مصحفًا، وقام السلطان أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف المريني ملك المغرب بكتابة مصحف بيده ووقفه على المسجد الأقصى (٤)، ويذكر أن السلطان أبو عنان المريني قد وقف مكتبة المصاحف بالقرويين التي كانت في قبلة المسجد، وأنَّ أبا الحسن عليَّ بن عثمان خصَّص في عام ٧٣٨ هـ/ ١٣٣٨ م ستة عشر ألفًا وخمسمائة دينار ذهبي لشراء الرياع في القدس والحرمين الشريفين (٥)، وقد جاء من بعده المولى عبد الله بن إسماعيل فوقف السلطان على المسجد النبوي ثلاثة وعشرين مصحفًا، كلها محلاة بالذهب ومرصَّعة بالدر والياقوت (٦). ولقد أدى الازدهار العلمي في الغرب الإسلامي؛ بخاصة في العصر المريني في المغرب (٦١٠ - ٨٦٩ هـ / ١٢١٤ - ١٤٦٥ م) إلى بروز ظاهرة فريدة في الوقف تتجلى في

стр. 40

وفرة الكراسي العلمية أو كراسي الوعظ المخصصة لكبار العلماء في مختلف المساجد، وبخاصة في جامع القرويين، كلها تؤدي مهمتها في التثقيف ومحاربة الأمية (١). وكانت الكراسي العلمية تقسم إلى قسمين: كراسي التوريق (الوعظ والتذكير)، وكراسي التدريس، وكانت كراسي التوريق موجهة لتعليم الراشدين من العامة من خلال كتب بعينها (٢). وقد ظهرت هذه الكراسي لأول مرة في جامع القرويين سنة ٦٥١ هـ / ١٢٣٥ م بمبادرة من إمام جامع القرويين على بن الحاج (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٥ م)، ويُذكر أنه كان هناك تسع كراسٍ في القرن التاسع الهجري بجامع القرويين، مخصَّصة لتدريس الحديث والفقه والقراءات والنحو، من خلال كتب معينة حبسها المحبسون لذلك (٣). وقد رُصدت أوقاف كثيرة على هذه الكراسي والعلماء الذين يقومون بالتدريس فيها، ومن الأمثلة على ذلك كرسي المحراب الذي وُقف عام ٦٥١ هـ /١٢٥٣ م، فكان عدد العقارات المحبسة عليه ٢١ عقارًا، (١٢ عقارًا للقراءة في الصباح، و ٩ عقارات للقراءة في المساء)، وكان هذا الكرسي مخصَّصًا في بدايته لتدريس تفسير القرآن الكريم للثعالبي وحلية الأولياء لأبي نعيم، ثم أضيف إليه لاحقًا كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، وكتاب الشفاء للقاضي عياض (٤). ويُعدُّ كرسي الفقيه الونشريسي من أثرى الكراسي العلمية وأغناها بالقرويين؛ لذا كان معروفًا لدى الناس باسم كرسي القاضي، فكان من ضمن أحباسه ٨٧ حانوتًا وعقارًا وأرضًا موزعة في أهم جهات المدينة (٥).
следующие страницы →