عام ٩٩٩ - ١٠٠٣ م، كما أقام فيه الطبيب والفيلسوف اليهودي "موسى بن ميمون" بضع سنوات، ودرس فيه كبار العلماء أمثال: الفقيه المالكي أبو عمران الفاسي، وابن العربي، ودرس فيه ابن خلدون، ولسان الدين بن الخطيب، وغيرهم.
ولم يغفل أهل المغرب الاهتمام بالمدارس ووقف الأوقاف السخية عليها، ففي سنة ٦٣٥ هـ/ ١٢٣٨ م ظهرت أول مدرسة وقفية في المغرب على يد العالم أبو الحسن الشاري (٥٧١ - ٦٤٩ هـ/١١٧٦ - ١٢٥١ م)، عندما بنى من ماله الخاص المدرسة الشارية بسبتة، ووقف عليها من خيار أملاكه وجيد رباعه (١)، وحبس عليها خزانة تشتمل على مصنفات في مختلف العلوم، وتعد أول خزانة وُقفت في المغرب على أهل العلم، وكانت تحوي جناحًا لإيواء الطلبة، وبقعة محبسة على من يموت من طلبتها (٢).
وفي عهد الموحدين كان معظم مباني ومنشآت فاس ملكا لأوقاف القرويين، ويذكر الجزنائي أن غلات أوقاف القرويين على عهد المرينيين ناهزت في بعض الأعوام عشرة آلاف دينار فضة، وقد غدت ميزانية القرويين تنافس ميزانية الدولة، بل إن الدولة استقرضت من خزينته في كثير من الأحيان (٣).
أما مدرسة الصفاريين في فاس فقد وقفها السلطان "أبو يوسف يعقوب" (٦٥١ - ٦٨٥ هـ/ ١٢٥٣ - ١٢٨٦ م) على طلبة العلم في فاس، وأجرى فيها ماء العين، وأسكنها الطلبة والمقرئين، وأجرى عليهم المرتبات، وحبس عليها ١٣ حملًا من الكتب، بعثها له الملك "شانجة القشتالي" إثر الصلح الذي عُقد عام ٦٤٨ هـ/ ١٢٨٥ م (٤).
стр. 37
وتسابق أبناء المرينيين ببناء المدارس نصرةً للمذهب المالكي، وإعادة الاعتبار إلى علمائه بعد معاناتهم في عهد الموحدين، فقد شيّد "أبو سعيد المريني" سنة ٧٢٣ هـ/ ١٣٢٣ م مدرسة العطارين، التي بلغت أوقافها ٥١ وقفًا، ما بين حانوت ورحي أو فيض ماء (١)، وكان في جامع لوقش بمدينة تطوان حوالي ستين غرفة محبسة السكنى الطلبة، ويوجد في المسجد أحباس لإطعام الطلبة (٢).
وتُشير الدراسات إلى أنَّ المغاربة اتبعوا طريقة طريفة في تقييد الوقف كانت معروفة في عصر دولة الموحدين (٥٤١ - ٦٦٨ هـ/ ١١٤٧ - ١٢٧٠ م) وصدر من أيام بني مرين، وهي إضافة كلمة حبس مكتوبة على الطريقة المغربية بواسطة ثقوب متتابعة بالإبرة؛ حتى تنفذ لسائر أوراق الكتاب (٣)، وقد وقف كثير من العلماء كتبهم على خزانة القرويين، ومن هؤلاء ابن خلدون، الذي وقف كتابه "العبر" على خزانة القرويين في نهاية القرن الثامن (٤).
ويذكر أنه كان في مدينة فاس ملجأ خاص للنساء الشريفات الفقيرات، ويتكون هذا الملجأ من دارين تقع إحداهما في المشاطين قرب ساحة الصفارين، والأخرى في وادي الرشاشة جوار دار عديل (٥).
وفي تونس كان هناك وقف سيدي أبي العباس السبتي للعميان والزمني، يأخذون كل يوم من ريعه ما يعيشون به؛ ذكورًا وإناثًا على كثرة عددهم (٦)، كما وقف أمير
стр. 38
المؤمنين أبو فارس عبد العزيز بن السلطان بن العباس أحمد بن عبد الله، أحد أمراء الدولة الحفصية (٧٩٦ هـ / ١٣٩٣ م) .. بيمارستانًا للضعفاء والغرباء وذوي العاهات من المسلمين، ووقف على ذلك أوقافًا كثيرة في تونس (١)، كما وجد في فاس قصر يسمى "دار الشيوخ"، مخصَّص لتزويج المكفوفين الذين لا سكن لهم (٢).
وقد تنافس سلاطين الدولة المرينية (٦١٠ - ٨٦٩ هـ/ ١٢١٤ - ١٤٦٥ م) (٣) في وقف الأوقاف من أجل فكاك الأسرى، ويأتي على رأس هؤلاء السلاطين أبو فارس بن عبد العزيز العباس المريني (٧٩٦ - ٧٩٩ هـ/ ١٣٩٣ - ١٣٩٦ م)، والسلطان عبد الحق بن أبي سعيد (٨٢٣ - ٨٦٩ هـ/ ١٤٧٢ - ١٥٥٠ م) (٤).
وفي العهد الوطاسي (٨٧٧ - ٩٥٧ هـ/ ١٤٧٢ - ١٥٥٠ م)، استمر الحكام يقفون الأوقاف الصالح افتكاك الأسرى، فقد وُجدت حوالة حبسية تحمل رقم ٩٢١ بخزانة القرويين، يوصي فيها السلطان أبو عبد الله محمد البرتغالي بأموال عقارية لافتكاك الأسرى (٥).
ولعل وقف السمك في تونس من الأوقاف الفريدة في الغرب الإسلامي، فقد تنبه أهل الخير أنه في بعض أيام السنة يأتي نوع من السمك تفيض به الشواطئ؛ لذلك خُصِّص وقف يُشتري مِن رَيِعه جانب كبير من هذا السمك، وَيُوَزَّعُ على الفقراء مجانًا (٦).
стр. 39
وخُصِّص جانب من أوقاف مارستان سيدي فرج في مدينة فاس بالمغرب لغسل وتكفين الغرباء والفقراء من الموتى، وضمان جنازة لائقة لهم (١)، ولا تكاد مدينة من المدن الإسلامية إلا ويوجد فيها وقف لخدمة الموتى الفقراء، بل إن بعض المساجد ألحق بها ما يعرف باسم مسجد الجنائز؛ حيث كان يغسل الموتى ويصلى عليهم (٢).
وقد حرص أهل المغرب على وقف المصاحف على الحرمين الشريفين، فيُذكَرُ أن الجارية القيروانية "فضل"؛ مولاة أبي أيوب أحمد بن محمد .. قد خطَّت المصحف بيدها ببراعة فائقة، ووقفته على القرَّاء بمسجد القيروان في محرم ٢٩٥/ ٩٠٧ م (٣).
كما حبس السلطان أبو يعقوب يوسف المريني (ت ٦٠٧ هـ / ١٢١١ م) على الحرم المكي مصحفًا، وقام السلطان أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف المريني ملك المغرب بكتابة مصحف بيده ووقفه على المسجد الأقصى (٤)، ويذكر أن السلطان أبو عنان المريني قد وقف مكتبة المصاحف بالقرويين التي كانت في قبلة المسجد، وأنَّ أبا الحسن عليَّ بن عثمان خصَّص في عام ٧٣٨ هـ/ ١٣٣٨ م ستة عشر ألفًا وخمسمائة دينار ذهبي لشراء الرياع في القدس والحرمين الشريفين (٥)، وقد جاء من بعده المولى عبد الله بن إسماعيل فوقف السلطان على المسجد النبوي ثلاثة وعشرين مصحفًا، كلها محلاة بالذهب ومرصَّعة بالدر والياقوت (٦).
ولقد أدى الازدهار العلمي في الغرب الإسلامي؛ بخاصة في العصر المريني في المغرب (٦١٠ - ٨٦٩ هـ / ١٢١٤ - ١٤٦٥ م) إلى بروز ظاهرة فريدة في الوقف تتجلى في
стр. 40
وفرة الكراسي العلمية أو كراسي الوعظ المخصصة لكبار العلماء في مختلف المساجد، وبخاصة في جامع القرويين، كلها تؤدي مهمتها في التثقيف ومحاربة الأمية (١).
وكانت الكراسي العلمية تقسم إلى قسمين: كراسي التوريق (الوعظ والتذكير)، وكراسي التدريس، وكانت كراسي التوريق موجهة لتعليم الراشدين من العامة من خلال كتب بعينها (٢).
وقد ظهرت هذه الكراسي لأول مرة في جامع القرويين سنة ٦٥١ هـ / ١٢٣٥ م بمبادرة من إمام جامع القرويين على بن الحاج (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٥ م)، ويُذكر أنه كان هناك تسع كراسٍ في القرن التاسع الهجري بجامع القرويين، مخصَّصة لتدريس الحديث والفقه والقراءات والنحو، من خلال كتب معينة حبسها المحبسون لذلك (٣).
وقد رُصدت أوقاف كثيرة على هذه الكراسي والعلماء الذين يقومون بالتدريس فيها، ومن الأمثلة على ذلك كرسي المحراب الذي وُقف عام ٦٥١ هـ /١٢٥٣ م، فكان عدد العقارات المحبسة عليه ٢١ عقارًا، (١٢ عقارًا للقراءة في الصباح، و ٩ عقارات للقراءة في المساء)، وكان هذا الكرسي مخصَّصًا في بدايته لتدريس تفسير القرآن الكريم للثعالبي وحلية الأولياء لأبي نعيم، ثم أضيف إليه لاحقًا كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، وكتاب الشفاء للقاضي عياض (٤).
ويُعدُّ كرسي الفقيه الونشريسي من أثرى الكراسي العلمية وأغناها بالقرويين؛ لذا كان معروفًا لدى الناس باسم كرسي القاضي، فكان من ضمن أحباسه ٨٧ حانوتًا وعقارًا وأرضًا موزعة في أهم جهات المدينة (٥).
стр. 41
أما كرسي الإمام الورياكلي (٨٨٠ هـ/ ١٤٧٥ م) والمخصَّص لدراسة العلوم والفنون؛ فيعدُّ أيضًا من أهم الكراسي التي توالت عليه كبار الشخصيات، وكان الإمام عبد العزيز الورياكلي الملقَّب بالصاعقة من أوائل من ارتبط تاريخهم بهذا الكرسي (١).
وتؤكد الدراسات أن هناك عشرات الكراسي العلمية بجوامع المغرب الأخرى؛ رُصدت لها أوقاف ساهمت في استمرار قيامها ونهوضها بدورها في نشر العلم ودعم مسيرة التنوير التي شجَّع عليها الإسلام وجعلها فريضة على كل مسلم ومسلمة (٢).
ولقد تحول الوقف في المغرب في القرن العاشر الهجري إلى تيار اجتماعي عامٍّ لخدمة الغرباء، فتكاثرت المنازل لأبناء السبيل، وظهر لأول مرة موظفون يسألون عن الغرباء للقيام بحق ضيافتهم، ويتحدث الحسن الوزان (المعروف بليون الإفريقي) (ت بعد ٩٥٧ هـ/ ١٥٥٠ م) عن الحفاوة التي كان يُستقبل بها الغرباء في المدن والقبائل المغربية، فيذكر أن سكان مدينة "بولعون" شرقي مدينة أزمور شيدوا بناية من عدة غرف لاستضافة الغرباء على نفقة السكان (٣)، كذلك كان في مدينة "تدنست" بنواحي مراكش ملجأ خاصًّا بإيواء الفقراء والغرباء وإطعامهم (٤)، ويُذكر أيضًا أن سكان مدينة "المدينة" شرقي مراكش قاموا ببناء دار لضيافة الغرباء (٥)، وكان هناك في مدينة "تاكوليت" بنواحي مراكش أربعة ملاجئ للفقراء (٦).
وكان في مدينة مكناس في المغرب أوقاف للمساجين عبارة عن سبعة حوانيت يُنفق ريعها على المساجين (٧)، ونصَّت الست فاطمة عثمانة - وهي من أشهر المحسنات الواقفات في تونس - أن يُصرف من ريع وقفها ما يكفي لشراء طعام وشراب للمساجين المحبوسين في سجن القصبة (٨).
стр. 42
ومن أجمل الأوقاف التي خُصِّصت لأبناء السبيل والغرباء لإيناسهم وإبعاد الوحشة عنهم وقف "مؤنس الغرباء" في مدينة فاس، حيث كان هناك مجموعة من المؤذنين يحيون الليل بالمناوبة، كل منهم يسبح الله نحو ساعة بصوته الرخيم، ويسمى هذا المؤذن "مؤنس الغرياء"، أو "مؤنس المرضى"؛ لأن الغريب والمريض لا يقدر أن ينام في بعض الأحيان، فليس له أنيس أحسن من هذا المؤذن الذي يشجيه بصوته الجميل في تسبيح الباري تعالى في ساعات الليل الأخيرة (١).
ولم يغفل أهل الخير في أوقافهم الحرص على توفير الحمامات للغرباء والفقراء، فقد كان في تونس "وقف للاستحمام" مجانًا للفقراء والغرياء، حيث كان هناك مكان محدد توضع فيه صرة من الدراهم، في كل صرة مقدار أجرة الحمام، فيدخل المحتاج إلى الحمام فيدفعها بعينها ويستحم (٢).
واشتُهر "وقف الخبز" في الغرب الإسلامي؛ فكان في مدينة "تطوان" المغربية - على سبيل المثال - ما يربو على عشرين أسرة، وقف أفرادها أوقافًا من أجل توفير الخبز للمحتاجين صباح يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، ومن هذه الأسر: أسرة العطار، والخطيب، والصفار، واللبادي، وغيرها، كما يوجد في معظم المدن المغربية أوقاف من أجل الخبز الذي يوزع على المحتاجين (٣).
ومن الأوقاف الطريفة في تونس وقف لمن وقع عليه زيت مصباح أو تلوَّث ثوبه بشيء آخر، يذهب لهذا الوقف ويشتري به ثوبًا آخر (٤).
стр. 43
وخصَّص بعض المغاربة جزءًا من أوقافهم لصالح الحرمين الشريفين، فقد وقفت أم قاسم المرادية السفيانية (١) ثروتها الطائلة لبناء محطات لخدمة الحجاج، وتزويدهم بالماء والطعام والمأوى لهم ولدوابهم من آسفي إلى مكة المكرمة، حيث بنت على بُعد كل بريد (٥٠ كم) فندقًا من طابقين؛ طابق لاستراحة الحجاج وتزويدهم بالأكل والدواء، وطابق للدواب لأكلها واستراحتها ودوائها، وتعويض ما مات منها.
ومن جهتهم، تنافس أهل الأندلس أيضًا في بناء المدارس ووقف الأوقاف لخدمة طلبة العلم، وتعد "المدرسة النصرية" بغرناطة التي وقفها الحاجب رضوان عام ٧٥٠ هـ /١٣٦٩ م، وحبس عليها الأحباس الجليلة (٢) .. من أشهر المراكز التعليمية في الأندلس بعد مسجد قرطبة، وقد حازت هذه المدرسة شهرة واسعة، حتى أجمع المؤرخون تقريبًا على اعتبارها أول المدارس في الأندلس، كما أنها المدرسة الوحيدة التي حُفظت بعض أجزائها إلى يومنا هذا (٣).
وقد حرص واقفو المدارس والكتاتيب والمساجد أن يُلحقوا بكل واحد منها خزانة كتب، فانتشرت المكتبات في الأندلس، وأُثر عن المؤرخ ابن حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ / ١٣٤٤ م) أنه كان يعيب على مشتري الكتب، وكان يقول: الله يرزقك عقلًا تعيش به! أنا أي كتاب أردته أستعرته من خزائن الأوقاف وقضيت حاجتي (٤).
ويذكر "المقري" صاحب كتاب "نفح الطيب" أنه وجد في قرطبة وحدها إبان عزّها (٣٥) مكتبة مفتَّحة الأبواب لجميع الناس، أما على مستوى الأندلس فكان فيها على وجه العموم (٧٠) مكتبة عامة تشتمل على آلاف الكتب (٥).
стр. 44
ومن مكتبات المساجد المشهورة في الأندلس، مكتبة المسجد الجامع بقرطبة التي أسسها الخليفة الأموي "الحكم المستنصر" عام ٣٥٠/ ٩٦١ م، وعيّن فيها عددًا كبيرًا من المجلدين (١)، ومكتبة مسجد الزهراء، ومكتبة مسجد مالقة (٢)، ومكتبة مسجد طليطلة، حيث كانت من المكتبات الشهيرة التي كان يقصدها حتى الطلبة النصارى من مختلف أنحاء أوروبا (٣).
وإذا علمنا أنه كان في قرطبة في منتصف القرن الرابع الهجري ثلاثة آلاف مسجد، وأن المساجد في عاصمة صقلية "بلرم" كانت في كل زقاق، وأنه كان فيها ثلاثمائة كتاب في مدينة واحدة، وكان بعضها يتسع لآلاف الطلبة حسب رواية "ابن حوقل" في كتابه "صورة الأرض" .. أدركنا كم كانت الثقافة منتشرة آنذاك، وكم كانت الأمة حريصة على نشر العلم (٤).
وأخيرًا لم تنس الحضارة الإسلامية من رفقها وعطفها: الحيوان؛ فأحاطته بكل رعاية، فوقف أهل الخير ممن مُلئت نفوسهم بالرحمة واستجابوا لتوجيهات الكتاب والسنة في هذا الشأن عشرات الأوقاف لرعاية تلك العجماوات، فوفروا لها الحياة الكريمة، وعاقبوا من قصَّر في العناية بها، ووقفوا لها أحواض المياه، ووقفوا لمن تقدَّم به السنُّ منها المروج الخضراء، ووفروا للقطط الضالة المأوى والطعام، ووفروا العلاج للطيور المهاجرة إذا تعرَّضت للكسر، وغيرها من الأوقاف التي لا يتسع المجال لبسطها (٥).
стр. 45
المبحث الخامس الوقف في العصر العباسي حتى سقوط بغداد (١٣٢ - ٦٥٦ هـ/ ٧٥٠ - ١٢٥٨ م)
شهد العصر العباسي في أطواره المختلفة تطوُّر مؤسسة الوقف وازدهارها، بفضل رعاية الخلفاء والسلاطين والأمراء لها، وتأسي الرعية بحكامها بوقف الأوقاف التي تنوعت تنوعًا كبيرًا، وازداد عددها زيادة ملموسة، ولم تعد تقتصر على بناء المدارس والمساجد وسُبل الماء، بل تعدتها إلى بناء المكتبات المتكاملة في مرافقها وخدماتها، والعناية بالطرق، والأيتام والأرامل والمطلقات، وبناء البيمارستانات التي وفرت كل الخدمات الطبية والإنسانية للمرضى، وغيرها من المرافق التي كانت تخدم كل الشرائح الضعيفة في المجتمع، بل تجاوز الأمر كل ذلك إلى وقف الأوقاف لرعاية البهائم والطيور، وتوفير المأكل والعلاج لها.
ولقد تميَّز العصر العباسي بميلاد كبريات الأوقاف الثقافية والصحية والمائية، التي يأتي على رأسها: عين زبيدة في مكة المكرمة؛ التي وفَّرت الماء للحجاج والمعتمرين بعدما كانوا يعانون الأمرين من قلته، والمدرسة المستنصرية، والبيمارستان العضدي في بغداد، وغيرها من الأوقاف التي سيتم التسليط الضوء عليها في الصفحات الآتية.
وإن المتأمل لحركة الوقف في العصر العباسي يلحظ أن المساجد حظيت بالعناية الكبرى من قِبل الخلفاء وزوجاتهم، وأمراء الأمصار، فيذكر على سبيل المثال المستشرق "آدم متز" أنه كان في بغداد عام ٣٠٠ هـ/٩١٣ م نحو من سبعة وعشرين ألف مسجد، وثلاثة مساجد جامعة تصلى بها الجمعة (اثنان في جانبي دجلة، والثالث في دار الخلافة)، وفي البصرة في القرن الثالث الهجري سبعة آلاف مسجد (١)، وتعدُّ منارة مسجد الخافقين في بغداد الذي وقفته السيدة "زمرد خاتون" زوجة الخليفة العباسي المستضيء (٢) أقدم منارة معروفة في بغداد، ويذكر
стр. 46
ابن جبير الأندلسي أيضًا أنه كان في الإسكندرية ما بين اثني عشر ألف مسجد وثمانية عشر ألفًا (١).
وتؤكد المصادر المكتوبة والحفريات الأثرية أن العباسيين أَوْلَوا الحرمين الشريفين عنايتهم؛ فكثرت أعمالهم الخيرية فيهما، وازداد عدد أوقافهم المرصودة لهما، فيذكر الطبري أنه منذ قيام الدولة العباسية حرص خلفاء بني العباس على وقف الأوقاف الخادمة للحجاج؛ من سُبل للماء، وخانات الاستراحة الحجيج، وعلامات ترشدهم للطريق، فيذكر أن أبا العباس السفاح عندما تولى الخلافة (١٣٢ - ١٣٦ هـ/ ٧٥٠ - ٧٥٤ م) قام في عام ١٣٤ هـ/ ٧٥٢ م بضرب المنار من الكوفة إلى مكة، ووضع الأميال لإرشاد الحجاج والمسافرين، وحفر الآبار، وأقام البرك والخزانات والخانات وقفًا على إقامة المسافرين وراحتهم (٢).
وعندما أسَّس أبو جعفر المنصور (١٣٦ - ١٥٨ هـ/٧٥٤ - ٧٧٥ م) عاصمته بغداد عام ١٤٥ هـ/٧٦٣ م؛ أمر ببناء المساجد والحمامات في كل الأرباض، والأسواق والدروب بما يكفي الناس، وجعل المسجد الجامع بجوار قصره (٣)، كما قام ببناء مسجد الخيف في منى.
وقام الخليفة المهدي (١٥٨ - ١٦٩ هـ/ ٧٧٥ - ٧٨٥ م) بتوسعة المسجد الحرام، وهو أول من جعل الكعبة في الوسط، وجعل مساحته ١٢٠ ألف ذراع، وجعل فيه ٢٣ بابًا و ٤٩٨ طاقًا، وجلب له من مصر ٤٨٠ اسطوانة، كما كسا الكعبة، ودهن جدارها بالعنبر والمسك، كما قام بتوسعة المسجد النبوي وحمل إليه أعمدة الرخام والفسيفساء والذهب، ورفع سقفه، وألبس القبة من الخارج بالرخام، وفي عام ١٦١/ ٧٧٩ م أمر بعمارة طريق الحج عن طريق وضع علامات يستدل بها المسافرون، وعمل برك ماء على طول الطريق (٤).
стр. 47
ومن أعظم الأوقاف التي شهدها العصر العباسي؛ ما قامت به زوجة الخليفة هارون الرشيد "زبيدة" بوقفها العين زبيدة، التي أسهمت في حلِّ مشكلة المياه في مكة المكرمة، بعد ما حجَّت عام ١٨٦ هـ/٨٠٢ م ورأت ما يعانيه أهل مكة والحجيج من المشاق في الحصول على ماء الشرب، فدعت خازن أموالها وأمرته أن يدعو المهندسين والعمال ليبدأ الحفر، وليشق الطريق للماء في كل خفض ورفع، وسهل وجبل، مسافة اثني عشر ميلًا، حتى يصل الماء إلى مكة المكرمة، ولما أظهر الخازن شيئًا من التردُّد إشفاقًا من كثرة النفقات على هذا المشروع؛ خاطبته بحزم قائلة: "اعمل، ولو كلفك ضربة الفأس دينارًا"، وعمل العمال والمهندسون إلى أن تمَّ المشروع، بعد أن بلغت تكلفته مليونًا وسبعمائة ألف دينار، ووصل الماء زلالًا إلى عرفة ومزدلفة، وأصبح قريبًا من منى، فيما يُعرف ببئر زبيدة (١).
وقد أثنى الرحالة والمؤرخون على فعل زبيدة، فقال المسعودي: إن أحسن ما فعلته أم جعفر في أيام الرشيد بناء دور السبيل بمكة المكرمة، واتخاذ المصانع بها، وما أحدثته من دور للتسبيل بالثغر الشامي وطرطوس، وما وقفته على ذلك من وقوف (٢)، وهذا ما أكده أيضًا الخطيب البغدادي حين قال: كانت معروفة بالخير والإفضال على أهل العلم، والبر للفقراء والمساكين، ولها آثار كثيرة في طريق مكة من مصانع حفرتها، وبرك أحدثتها، وكذا بمكة والمدينة (٣).
وامتدح الرحالة الأندلسي ابن جبير "السيدة زبيدة" وما قامت به من خدمات للحجاج عند حديثه عن طريق مكة التي سلكها حاجًا عام ٥٧٩ هـ/١٠٨٦ م، ومما قاله: "وهذه المصانع والبرك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكة هي من آثار زبيدة ابنة جعفر، انتدبت لذلك مدة حياتها، فأبقت في هذا الطريق مرابع ومنافع تعم وفد
стр. 48
الله كل سنة، من لدن وفاتها إلى الآن، ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سُلكت هذه الطريق، وتوفيت ببغداد عام ٢١٦ هـ، وقد خلفت آثارًا عديدة غير العين" (١).
ويُعدُّ الوزير علي بن عيسى من أشهر الشخصيات البارزة التي تركت بصمات واضحة في خدمة الحجاج وأهل مكة المكرمة، فقد قام في عام ٣٠٠ هـ/٩١٢ م بشراء كثير من الجمال والدواب وجعلها وقفًا على حمل الماء وتوفيره لأهل مكة، كما قام بحفر بئر عظيمة، واشترى عينًا غزيرة المياه بألف دينار ووسَّعها وقفًا عامًا للعامة، حتى كثر الماء واتسع بمكة المكرمة (٢).
وحظيت رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة من المعاقين وكبار السن فضلًا عن الأرامل بعناية الواقفين من أهل الخير في هذا العصر من خلال بناء العديد من الأربطة المخصصة لهذه الغاية، ومن أبرز تلك الأربطة "رباط السدرة" الذي يعد أول رباط وقف في مكة المكرمة، كما يعتبر أول رباط وجد في مكة يحمل اسم رباط، وكان يقع في الجانب الشرقي من المسجد الحرام بين باب السلام وباب النبي ﷺ ، ويعود تاريخه إلى عام ٣١٢ هـ/٩٢٤ م، وكانت هذه الأربطة تأوي العجزة والمعاقين وكبار السن (٣).
وخصصت "قهرمانة الخليفة العباسي المقتدي" في مكة المكرمة عام ٤٩٢ هـ /١٠٥٨ م "رباط الفقاعية" للأرامل من النساء، وكان في الرباط من يقوم بخدمتهن والعناية بهن مسكنًا وملبسًا ورعاية، وكانت بعض هذه الأربطة تلحق بها مكتبات لخدمة النزلاء، كما هو الحال في مكتبة "رباط الربيع" الذي نشأ عام ٥٩٤ هـ / ١١٩٧ م، وهي من أزهى مكتبات الأربطة وأحفلها بالكتب في تلك المرحلة (٤).
стр. 49
ولم يقتصر وقف الأربطة على مكة المكرمة بل عم جل المدن الإسلامية، وساهم في وقفها شرائح عديدة من المجتمع، يأتي على رأسها حاشية الخلفاء وزوجاتهم؛ فعلى سبيل المثال: وقفت عائشة بنت الخليفة المستنجد بالله بن المقتفي (٦٤٠ هـ /١٢٤٣ م) رباطًا في بغداد (١)، وغيرها من الأربطة التي تم تحبيسها في القدس، والمدينة المنورة، ودمشق، وغيرها من المدن.
ومن الأوقاف ذات الصبغة الثقافية التي وقفها أعيان ووجهاء العصر العباسي "دار العلم" في الموصل، وهي أول دار علم عُرفت بهذا الاسم في الموصل، وقفها أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الشحام (٢٤٠ - ٣٢٣ هـ / ٨٥٤ - ٩٣٤ م)، وكانت تحتوي على جميع صنوف المعرفة، وكانت وقفًا على كل طالب علم، وكانت تقدم المال والورق للطلبة الفقراء، وكان فيها مكان خاص للمحاضرات، وكانت تفتح أبوابها يوميًّا، فكانت مكتبة عامة بكل ما تعنيه الكلمة (٢).
ووقف "سابور" وزير بهاء الدولة دار العلم المسماة باسمه في بغداد على أرجح الأقوال عام ٣٨١ هـ/ ٩٩١ م، على أهله، ونقل إليها كتبًا نُسخت على يد أفضل الخطاطين وكبار العلماء، فبلغت على ما قيل عشرة آلاف وأربعمائة مجلد، منها مائة نسخة من المصاحف كتبها أشهر الخطاطين من أسرة بني مقلة المشهورة بجودة الخط، وكان يدير هذه الدار ثلاثة عشر رجلًا من المشرفين والإداريين، ينفق عليهم من ريع الوقف المخصَّص للدار؛ من عقارات في الكرخ وغيرها (٣).
ومن الظواهر الوقفية في العصر العباسي انتشار وقف المصاحف، فقد كتب على سبيل المثال "المفضل ابن محمد الضبي" مصاحف وقفها على المساجد، وعندما
стр. 50
سُئل عن سبب ذلك أجاب: اشتريت بذلك الهجاء الذي كتبته بيدي (١)، وأصبح وقف المصاحف أيام الخليفة "المتوكل" (٢٢٣ - ٢٤٧ هـ/ ٨٤٧ - ٨٦١ م) مهمًّا جدًّا في جامع عمرو بن العاص بالفسطاطح حتى اضطر القاضي "الحارث بن مسكين" أن يعيِّن أمينًا لحفظها (٢)، كما وقف "نصير بن يحيى" كتبه على أصحاب أبي حنيفة (٣).
ويسجَّل للعصر العباسي انتشار ظاهرة الوقف الصحي على البيمارستانات، التي كانت مستشفيات متكاملة في خدماتها، فكانت مكانًا للعلاج، ومدرسة للطب، حيث كانت تشمل قاعات للمحاضرات ومكتبة طبية عامرة بالكتب الموقوف عليها، ولعل من أشهر هذه البيمارستانات الوقفية التي كانت تقدم خدماتها بالمجان: "بيمارستان الرشيد"، الذي كلف الطبيب "جبريل بن بختيشوع" بالإشراف عليه (٤).
أما "بيمارستان أحمد بن طولون" فقد وقفه أحمد بن طولون في مصر عام ٢٥٩ هـ/ ٨٧٣ م، وكان بمثابة مستشفى وكلية طب، وجعل فيه خزانة كتب احتوت على ما يزيد مائة ألف مجلد في تخصصات مختلفة (٥).
واشتُهرت في بغداد عدة بيمارستانات؛ منها: "البيمارستان المقتدري" نسبة إلى الخليفة المقتدر بالله بن المعتضد (٢٩٥ - ٣٢٠ هـ - /٩٠٨ - ٩٣٢ م)، والذي كان ينفق عليه الخليفة من ماله الخاص مائتي دينار في كل شهر (٦)، كما وقفت والدة المقتدر بيمارستانًا آخر في بغداد في عام ٣٠٦/ ٩١٩ م، أُطلق عليه اسم "بيمارستان السيدة"، وكانت النفقة عليه في كل شهر ستمائة دينار، وقدرها ابن تغري بردي بسبعة آلاف
стр. 51
في العام (١)، كما عرفت بغداد بيمارستان بدر أبو النجم مولي المعتضد بالله (ت ٣١١ هـ / ٩٢٤ م)، والذي كان ينفق عليه من وقف سجاح أم المتوكل على الله (٢).
وقد عرفت جميع المدن الرئيسية في الشام والعراق، ومصر، والمغرب والأندلس، وبلاد ما وراء النهر وغيرها .. أوقافًا للبيمارستانات؛ فعلى سبيل المثال: تم تحبيس "بيمارستان واسط" في عام ٤١٣ هـ / ١٠٢٢ م على يد "مؤيد الملك أبو علي الحسن بن الحسن الرخجي"؛ وزير شرف الدولة بن بهاء الدولة مدبر دولة الخليفة القادر بالله في العراق، ووقف عليه وقوفًا كثيرة (٣)، ووقف الخليفة "القائم بأمر الله" الذي تولى الخلافة عام ٤٢٢ هـ /١٠٣١ م "البيمارستان الفاروقي" بـ "ميافارقين"، وأنفق عليه أموالًا كثيرة، ووقف له أوقافًا تقوم بكفايته (٤)، ويذكر ابن كثير في حوادث عام ٥٧٢ هـ. بأن الأمير "مجاهد الدين قايماز" نائب قلعة الموصل بنى مجمعا وقفيًّا يتكون من جامع حسن، ورباط، ومدرسة، ومارستان بظاهر مدينة الموصل على دجلة، ووقف عليه الأوقاف، وقد أثنى الرحالة ابن جبير وابن بطوطة على هذا المجمع الوقفي، وعلى رأسه البيمارستان (٥).
ويعد "البيمارستان العضدي" الذي وقفه "عضد الدولة ابن بويه" في الجانب الغربي من بغداد في صفر عام ٣٧٢ هـ/ ٩٨٣ م من أعظم البيمارستانات التي عرفها العصر العباسي، فقد رتَّب فيه الأطباء، والخدم، والوكلاء، والخُزَّان، ونقل إليه من الأودية والأشربة والعقاقير شيئًا كثيرًا، وكل ما يحتاج إليه، وكان يعمل فيه أربعة وعشرون طبيبًا، فكان مدرسة للطب، تقدم فيه المحاضرات، ويدرب فيه الأطباء، وكان فيه جميع التخصصات: من طب عيون، وجراحة، وعظام، قال عنه ابن خلكان "وليس في الدنيا مثل ترتيبه، وقد تمَّ الفراغ من بنائه عام ٣٦٨ هـ/ ٩٨٧ م، وأعد له من الآلات ما يقصر الشرح عن وصفه"، وقد وقف عليه "الحاجب الكبير الشباسي أبو نصر" مولى شرف
стр. 52
الدولة بن بهاء الدولة الذي لقبه بـ "السعيد" (ت ٤٠٨ هـ - /١٠١٨ م) ضياعًا كانت شيئًا كثيرًا من الزروع والثمار، وفي عام ٤٣٩ هـ/ ١٠٤٨ م أصبح في هذا البيمارستان ثمانية وعشرون طبيبًا، وبوابون، وحرَّاس، وطباخات، وكان فيه عدة جباب فيها السكر، واللوز، والمشمش وسائر الحبوب، وأربع قواصر تمر هندي، وزنجبيل، وعود، وند، ومسك، وعنبر، وصناديق فيها أكفان، وقدور كبار وصغار، وأربعة وعشرون فراشًا، وكان بجواره حمام، وبستان فيه مختلف أنواع الثمار، والسفن على مائة، تنقل الضعفاء والفقراء والأطباء، فضلًا عن مكتبة عامرة بالمصادر المتنوعة (١).
وقد خصصت الدولة الإسلامية مستشفيات لرعاية المجانين، وأفردت لهم غرقًا خاصة في المستشفيات العامة لمداواتهم سريريًّا ونفسيًّا (٢)، فقد ذكر المؤرخون أنه جاء في نفقات الخليفة العباسي "المعتضد بالله" أنه خصَّص لـ"مستشفى الصاعدي" الذي كان قد وقفة القائد "صاعد بن مخلد" أموالًا للنفقة عليه، لأثمان الأدوية والأطعمة والأشرية؛ لخدمة المغلوبين على عقولهم (٣).
وجاء في وقف إحدى المستشفيات المخصصة للأمراض العقلية أن "كل مجنون خُصِّص له خادمان يخدمانه، فينزعان عنه ثيابه كل صباح، ويحممانه بالماء البارد، ثم يلبسانه ثيابًا نظيفة، ثم يفسحانه في الهواء الطلق، ويسمع في الآخر أصوات جميلة، والنغمات الموسيقية اللطيفة (٤)، وذكر الرحالة ابن جبير أنه عاين في أحد البيمارستانات بالقاهرة جناحًا خاصًا، متسع الفناء، فيه مقاصير عليها شبابيك حديد، اتُّخذت للمجانين، وأنه كان يتم تفقدهم كل يوم (٥).
стр. 53
وقد انتشرت أوقاف البيمارستانات الخاصة بالمجانين في كل المدن الإسلامية، فأورد ابن عبد ربه في "العقد الفريد" أن هناك بيمارستانًا خاصًّا بالمجانين في بغداد، وهو "دير هرقل القديم"، على مرحلة من واسط (١)، كما كان هناك بيمارستان آخر للمجانين في دمشق (٢)، وآخر في فاس .. وغيرها (٣).
وتعددت المدارس الوقفية في العصر العباسي؛ فكان منها لتدريس القرآن الكريم وتفسيره وحفظه وقراءته، ومنها مدارس للحديث خاصة، وأغلبها مدارس للفقه، ومنها مدارس للطب، وأخرى للأيتام، كما شهد هذا العصر ميلاد المدارس النظامية التي أنشأها الوزير السلجوقي "نظام الملك" (ت ٤٨٥ هـ/١٠٩٢ م)، فقد أنشأ في عام ٤٥٩ هـ/ ١٠٦٧ م نظامية بغداد ونظامية نيسابور ونظامية طوس، وكانت أول من طبق نظام المخصصات المالية والخدمية الخاصة بالأساتذة والطلبة على حدٍّ سواء، وقد وقف نظام الملك أوقافًا كثيرة على تلك المدارس، وكانت أوقاف نظامية بغداد - على سبيل المثال - تقدر بـ ٦٠ ألف دينار (٤)، يقدر ريعها السنوي بـ ١٥ ألف دينار (٥).
وكان "نظام الملك" ينفق ٦٠٠ ألف دينار على التعليم (٦)، وذكر سبط ابن الجوزي أن "نظام الملك" وقف في عام ٤٦٢ هـ / ١٠٧٠ م سوق المدرسة وضياعًا وكتبًا على نظامية بغداد (٧)، وقد رأى الرحالة ابن الجبير حين زار بغداد نحوًا من ثلاثين مدرسة، لها أوقاف عظيمة وعقارات واسعة؛ للإنفاق على الفقهاء والمدرسين والطلبة (٨).
стр. 54
وفي عصر الخليفة العباسي "المستنصر بالله" (٩٢٣ - ٦٤٠ هـ / ١٢٢٦ - ١٢٤٢ م) شهد العراق في عام ٦٣١ هـ / ١٢٣٤ م ميلاد "المدرسة المستنصرية"، التي تعدُّ أكبر وقفية ثقافية في العصر العباسي، وأول جامعة إسلامية نُظِّمت على غرار المدارس النظامية؛ إذ جمعت بين الدراسات الفقهية على المذاهب الأربعة في بناية واحدة، كما درست علوم القرآن والدين واللغة، والطب والرياضيات، وجُهِّزت أقسامها الداخلية بكل ما يلزم الطلبة، وزُوِّدت بالمطابخ والحمامات، وأُلحقت بها دار كتب ضخمة، أُودع فيها ثمانون ألف مجلد، كلها وقف، فضلًا عن مستشفى للتطبيب والتدريس، وقد بلغت نفقات هذه المدرسة سبعمائة ألف دينار، وقد درس فيها فطاحل العلماء، وقيل: إن قيمة ما وُقف عليها يساوي مليون دينار، وإن واردات هذه الأوقاف بلغت نيفًا وسبعين ألف مثقال من الذهب في السنة (١).
ومن الشروط التي وضعها المستنصر في حُجة وقفه للمدرسة: أن تجعل خزانة الكتب الملحقة بها برسم من يطالع ويستنسخ من الفقهاء، وتوفير الورق والأقلام لمن يريد النسخ، وأن يكون لها خازن ومشرف ومناول، وكانت تشمل كل فروع المعرفة، وقد وقف عليها من القِرى والأجربة ما يفوق الحصر، حتى أن وقفها - كما يقول الذهبي - جاء في خمسة كراريس، ولا يُعلم وقف في الدنيا كوقفها أصلًا، سوي أوقاف جامع دمشق، وقد يكون وقفها أوسع، كما وقف الأمراء بعد المستنصر بالله على المدرسة كثيرا من الكتب (٢).
ويؤكد كل من القزويني وابن كثير ما قاله الذهبي، فقال القزويني عن المدرسة المستنصرية: "لم يُعرف موضع أكثر منها وقفًا، ولا أرفه منها سكنًا" (٣)، ويذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" في حوادث سنة إحدى وثلاثين وستمائة أنه: "فيها كمال بناء المدرسة المستنصرية في بغداد، ولم يُبن مدرسة قبلها مثلها، ووُقفت على المذاهب الأربعة، من كل طائفة اثنان وستون فقيهًا، وأربعة معيدين، ومدرس لكل مذهب،
стр. 55
وشيخ حديث، وقارئان، وعشرة مستمعين، وشيخ طب، وعشرة من المسلمين بيشتغلون بعلم الطب، ومكتب للأيتام، وقدر للجميع من الخبز واللحم والحلوى والنفقة، ما فيه كفاية وافرة لكل واحد ... ووُقفت خزائن كتب لم يُسمع بمثلها في كثرتها وحسن نسخها وجودة الكتب الموقوفة بها" (١)، وقد شاءت الأقدار أن تبقى آثار هذه المدرسة إلى اليوم، ولعلها الوحيدة التي بقيت من مدارس بغداد التي تعود للعصر العباسي.
وفي أواخر العصر العباسي - وبالتحديد عام ٦٣٩ هـ/ ١٢٤١ م - ظهرت مؤسسة وقفية ذات رسالة سامية لرعاية اللقطاء، فقد أنشأ الأمير عبد القاهر بن عيسى" المعروف بـ" ابن التَّنَّبيّ" دارَّا لرعاية اللقطاء، أُطلق عليها "الخانقاه التَّنَّبِيّة" (٢).
ويسجل تاريخ الوقف في العصر العباسي اهتمام الخلفاء والأمة في هذا العصر بوقف الربط؛ التي كانت تأوي الفقراء والغرباء وعابري السبيل، وتعمل جنبًا إلى جنب مع المدارس على رعاية شؤون الطلبة الفقراء وإيوائهم (٣)، ومن أشهر هذه الربط "الرباط الظاهري" في غربي بغداد، الذي أنشأه الخليفة العباسي "الناصر الدين الله" عام ٥٨٩ هـ/ ١٠٩٦ م، وزُوِّد بمكتبة غنية، وقد عُدَّ من أفضل الريط، ومنها "رباط المأمونية" في بغداد أيضًا، الذي حفلت مكتبته بنوادر المخطوطات (٤)، ومنها "رباط الشرابي" في مكة المكرمة الذي وقف في عام ٦٤١ هـ/١٢٤٤ م عند باب بني شيبة، وكانت مكتبته حافلة بالكتب الموقوفة عليه في مختلف فنون المعرفة، أما "رباط النيار" في مكة (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م) فقد وقفه عز الدين أبو المكارم الحسين بن أبي منصور البغدادي بن النيار الأسدي، وألحق به مكتبة، وأجرى الجرايات عليه من خالص ماله (٥).
стр. 56
وقد أسندت الدولة العباسية إدارة الأوقاف إلى رئيس يسمى: "صدر الوقوف"، يعاونه عدد من الموظفين، وكان عليه أن يقدم حساباته في نهاية كل سنة للقاضي، فإذا أقرَّ القاضي صحة الحساب؛ قُسِّم في سبلة على أهل الوقف، وقد بقيت هذه الوظيفة حتى بعد سقوط بغداد على يد المغول (٦٥٦ هـ / ١٢٥٨ م)، حيث حرصوا على إسنادها إلى كبار العلماء (١).
وهكذا توسَّع الوقف في العصر العباسي وتطور إداريًّا وأصبح له ديوانٌ مستقلٌّ، وعم بنفعه كل شرائح المجتمع الضعيفة، وظهرت أنواع جديدة من الأوقاف لمعالجة ظواهر اجتماعية مستجدة، كما هو الحال بالنسبة للقطاء والمجانين، كما يلاحظ في هذا العصر الاهتمام بالوقف الصحي من خلال كثرة الأوقاف المخصصة للمستشفيات، ويلاحظ أيضًا ميلاد عديد من المجمعات الوقفية التي تدل على نضج العمل المؤسسي في تلك الحقبة، كما سجل هذا العصر ميلاد أوقاف المدارس النظامية التي تعد نقطة تحوُّل في التاريخ الوقفي والثقافي الإسلامي، كما مثَّل وقف المكتبات والربط ظاهرة واضحة في أواخر العصر العباسي، فضلًا عن الظاهرة الأبرز؛ وهي العناية بوقف المساجد ورعاية الحرمين الشريفين، ومن الملاحظ أيضًا أن الخلفاء والولاة، والأمراء، وزوجات الخلفاء .. كان لهم الأثر الأبرز في حركة الوقف في العصر العباسي، ولعل ما قامت به السيد زبيدة يمثل شامة نشاط نساء العصر العباسي الوقفي.
وكان طول فترة العصر العباسي، وكثرة العناصر المؤثرة به، وكثرة تقلُّب السلطة في بغداد، وتنافس الحكام على خطب ودِّ الرعية؛ لإضفاء شرعية على سلطتهم، ناهيك عن الازدهار الاقتصادي .. كلها عوامل أثَّرت في مسيرة الوقف خلال ذلك العصر.
стр. 57
المبحث السادس الأوقاف في العصر الزنكي (٥١١ - ٥٦٩ هـ / ١١١٨ - ١١٧٤ م)
يمثِّل العصر الزنكي محطة مهمة من محطات التاريخ الإسلامي، ويمثل علامة فارقة ونقطة مضيئة في تاريخ الأمة، فقد قاد حكام هذا العصر حركة شمولية للتحرر؛ تحرير الأوطان من الاستعمار الصليبي، وتحرير الإنسان من الجهل والفقر والمرض، وقد أدركوا بأنه لا يمكن دحر الصليبين إلا بجبهة موحدة، لا يشعر فيها أحد من أفراد الأمة بالتهميش أو الإقصاء أو الإلغاء؛ لذا تضافرت جهود الحكام مع جهود أبناء الأمة في برنامج لإحياء روح التكافل، عن طريق تلمُّس حاجات الشرائح الضعيفة وسدِّ خلتها، فكثرت الأوقاف وتنوعت لتشمل مختلف جوانب حياة الناس، بخاصة في زمن الملك العادل "نور الدين محمود زنكي" (٥٤١ - ٥٦٩ هـ/ ١١٤٩ - ١١٧٤ م)، الذي اشتُهرت الدولة في عهده بالحرص على فعل الخيرات، ويناء المبرات والمنشآت والمرافق العامة، وتمويلها عن طريق الأوقاف، فقد أمر "نور الدين" بإنشاء المدارس والخانقاوات والبيمارستانات، وأكثر منها في كل بلد، ووقف عليها الوقوف الكثيرة، وأمر ببناء الريط والخانات في الطرق؛ لخدمة المسافرين وأبناء السبيل المنقطعين (١).
لقد تعددت في هذا العصر المدارس الموقوفة بتعدد العلوم الشرعية، والمذاهب الفقهية، التي لا يزال بعضها ماثلًا للعيان حتى الآن في دمشق وغيرها من المدن، وكان القائد "نور الدين زنكي" في طليعة المحبسين لبناء المدارس، فبنى عديدًا من المدارس في دمشق، وحمص، وحماة، وحلب، وبنى المدرسة العادلية والمدرسة النورية للأحناف بدمشق، والجامع النوري بالموصل (٢)، ودار الحديث في دمشق، وهي أول دار للحديث في الإسلام، وبنى مكاتب كثيرة للأيتام وأجرى عليهم وعلى معلميهم الجرايات الوافرة، وبني كثيرًا من المساجد ووقف عليها وعلى من يقرأ بها القرآن
стр. 58
أوقافًا كثيرة، يقول العماد الأصفهاني: "ولو شُغلت بإحصاء وقوفه وصدقاته في كل بلد؛ لطال الكتاب ولم أبلغ إلى حدٍّ" (١)، وهناك من يذكر أن وقوف نور الدين زنكي بلغت في عام ٦٠٨ هـ/ ١٢١٢ م تسعة آلاف دينار صورية في كل شهر (٢).
ومن أجلِّ أوقاف "نور الدين زنكي" التي تعبر عن شفافية أحاسيسه وتعاطفه مع الضعفاء والفقراء؛ ذلك القصر الجميل الذي بناه بريوة دمشق للفقراء، فإنه لما رأى قصور الأغنياء عزَّ عليه ألا يستمتع الفقراء مثلهم بالحياة في مثل هذه القصور، فعمر ذلك القصر، ووقف علية قرية "داريا"؛ وهي أعظم قرى الغوطة وأغناها، وظلت "داريا" وقفًا عامًا على فقراء دمشق تفرق غلاتها على الفقراء إلى القرن الحادي عشر الهجري (٣).
ولعل "البيمارستان الكبير النوري" الذي وقفه "نور الدين زنكي" في دمشق يعدُّ أكبر الأوقاف الصحية التي شهدتها دمشق للفقراء والضعفاء، وقد جاء في شرط وقفه: أنه على الفقراء والمساكين، وإذا لم يجد بعض الأدوية التي يعجز وجودها إلا فيه، فلا يمنع منه الأغنياء، ومن جاء إليه مستوصفًا فلا يمنع من شرابه، ويذكر ابن كثير: إنه لم تخمد منه النار منذ أن بُني عام ١٥٤٩/ ١١٥٤ م إلى زمان ابن كثير، الذي توفي عام ١٧٧٤/ ١٣٧٣ م (٤).
وقد وصف ابن جُبير البيمارستان النوري عندما دخل دمشق عام ٥٨٠ هـ/ ١١٨٤ م؛ فقد قال: "وبها بيمارستان قديم وحديث، والحديث أحفلهما وأكبرهما، وجرايته في اليوم نحو الخمسة عشر دينارًا، وله قومه، وبأيديهم الأزمَّة المحتوية على أسماء
стр. 59
المرضى، وعلى النفقات التي يحتاجون إليها في الأدوية والأغذية .. وغير ذلك، حسبما يليق بكل إنسان منهم، والأطباء يبكِّرون إليه كل يوم، ويتفقدون المرضى، ويأمرون بإعداد ما يُصلحهم من الأدوية والأغذية، وللمجانين المعتقلين أيضًا ضرب من العلاج، وهذا البيمارستان مفخرة عظيمة من مفاخر الإسلام (١)، وقد ألحق "نور الدين زنكي" بالبيمارستان النوري مكتبة غنية بالكتب المتنوعة، فقد كان هذا البيمارستان مدرسة طبية عمل فيها خيرة الأطباء آنذاك (٢).
لقد كان "نور الدين زنكي" قدوة حسنة لرعيته في أعمال البر والإحسان؛ فقلدته حاشيته ورعيته، وتأسوا به في بناء المرافق الخادمة لشرائح المجتمع المختلفة، فقام على سبيل المثال "أسد الدين شيركوه الكبير" بوقف "المدرسة الأسدية" بدمشق حوالي عام ٥٦٤ هـ / ١١٦٩ م (٣)، كما وقف الوزراء عديدًا من الأوقاف؛ ولعل من أشهرهم: أبو الفضل الشهرزوري، وعبد الله بن أبي عصرون، وغيرهم من كبار رجال الدولة، وحذا حذوهم نساؤهم، فوقفت "الست خاتون عصمت الدين" زوجة نور الدين زنكي المدرسة الخاتونية الجوانية، وخانقاه خاتون بباب النصر، وأوقافًا كثيرة في دمشق (٤)، أما المدرسة الخاتونية البرانية فقد وقفتها "الست زمرد خاتون" زوجة عماد الدين زنكي والدة نور الدين محمود زنكي، وقفتها على المذهب الحنفي بدمشق، ووقفت "خاتون" ابنة نور الدين أرسلان ابن أتابك الموصل عام ٦٤٠ هـ / ١٢٤٣ م "المدرسة الأتابكية"، كما بنت "دار الحديث الأشرفية" التي درس فيها كبار العلماء فيما بعد؛ أمثال: الذهبي، والسبكي، وابن الصلاح (٥).
стр. 60
واشتهرت في بلاد الشام في العهد الزنكي خوانق عديدة، في كل من دمشق وحلب وغيرهما من المدن الشامية، وكانت مثار إعجاب الرحالة المارين بها، وممن سجل إعجابه بها الرحالة الأندلسي "ابن جبير" حين زار الشام عام ٥٨٠ هـ/ ١١٨٤ م (١)، كما يلاحظ في هذا العصر والعصور التي تلته انتشار ظاهرة الوقف على الريط في مختلف الأرجاء، والتي اشتهرت بتقديم خدمات اجتماعية وتعليمية رائدة، ومن هذه الربط على سبيل المثال: "رباط قصر حرب" بالموصل، الذي كان مقصدًا لطلاب العلم في هذا العصر (٢)، وهنالك من الريط ما كان مخصصًا لسكن الفقراء في المدينة المنورة، مثل الرياط الذي وقفه الوزير "جمال الدين الأصفهاني" (ت ٥٥٩ هـ/١١٦٤ م) وخصصه للفقراء والزائرين، ووقف عليه الأوقاف المناسبة للصرف عليه (٣)، ومن الربط ما كان مخصصًا للنساء؛ ومن أشهرها "رباط عذراء خاتون" داخل باب النصر بدمشق، وقد كان في كل رباط من هذه الريط شيخة تتولى تعليم النساء المقيمات في الرباط وتثقيفهن، وكانت هذه الرُّبط تخضع لأنظمة صارمة، تحرص على حفظ النزيلات وصيانة حرمتهن (٤).
ومما تقدم يمكن ملاحظة أن نشاط الزنكيين انصبَّ على الاستفادة من الوقف في تنشيط حركة التعليم: من خلال تكثيف وقف المساجد والمدارس والرُّبط بالدرجة الأولى، وإن كان نشاطهم الوقفي في المجالات الحضارية الأخرى لا يمكن الاستهانة به، فقد كان نشر المعرفة جزءًا من مشروع "نور الدين زنكي"، الذي كان يهدف إلى تطهير بلاد الشام من الاستعمار الصليبي، والذي رأى أنه لا يتم إلا بنشر المعرفة والعلم وإحياء الدين في نفوس أبناء الأمة.
стр. 61
المبحث السابع الوقف في العصر الأيوبي (٥٦٩ - ٦٤٨ هـ/١١٧٣ - ١٢٥٠ م)
يمثل العصر الأيوبي صفحة مضيئة في تاريخنا الحضاري، ففي هذا العصر حُرِّر بيت المقدس من الاحتلال الصليبي عام ٥٨٣ هـ / ١١٨٧ م، وتم إحياء فكرة وحدة الأمة، حيث تمكَّن صلاح الدين الأيوبي من توحيد مصر تحت سلطان الدولة الأيوبية، وتم إعادة تفعيل دور "الجامع الأزهر" في تأدية رسالته التي تخدم العلم والعلماء والمسلمين بمختلف شرائحهم.
إن الظروف التي وُلدت بها الدولة الأيوبية حتَّمت عليها العمل بكل طاقاتها لتحصين الجبهة الداخلية، عن طريق نشر المعرفة ومبادئ العقيدة الصحيحة، والأخذ بأيدي الشرائح الضعيفة؛ حتى لا تشعر بالتهميش والإقصاء، وحتى لا تكون فريسة سهلة للاختراق من قبل أعداء الأمة، وعلى رأسهم الصليبيون في سواحل الشام، كما تطلب الأمر العمل بكل جدٍّ واجتهاد على تقوية المؤسسة العسكرية، والمحافظة على جاهزيتها لمواجهة الخطر الصليبي، المتحفِّز في سواحل بلاد الشام لإعادة احتلال مدينة القدس من جديد، ومن أجل تحقيق هذه الأهداف عمل الأيوبيون على استغلال لوقف ومتحصلاته لتعزيز الهوية العربية الإسلامية للأقاليم التي مسخ الاحتلال الصليبي هويتها في بلاد الشام، وعلى وجه الخصوص مدينة القدس، فكانت معظم واردات أوقافهم تنفَق على التعليم بمؤسساته المختلفة؛ من مدارس، ومساجد، ورُبط، وزوايا، وخانقاوات، وفكاك أسرى المسلمين من أيدي الفرنج، وكفالة الأيتام، ورعاية الأرامل، وتأمين الحياة الكريمة للفقراء والمساكين، وغيرها من المصارف التي تهدف إلى تأمين الحياة الكريمة لكل من يتفيأ ظلال الدولة الأيوبية، وتدل المصادر التاريخية والمخلفات الأثرية على كثرة الأوقاف التي وقفها صلاح الدين الأيوبي وبقية أفراد أسرته، وحاشيته، وكبار قادته؛ حيث أكثروا من أعمال البر والإحسان اقتداءً به (١).
стр. 62
وقبل الحديث عن نماذج من الأوقاف في العصر الأيوبي يمكن تسجيل الملاحظات الآتية على حركة الوقف في تلك الحقبة الذهبية من تاريخنا الوقفية:
١. إن الوقف كان يمثل ركيزة مهمة من ركائز ازدهار الدولة الأيوبية، وعاملًا مهمًّا من عوامل محبة الرعية لحكامها والتفافهم حول القيادة الأيوبية.
٢. إن الأوقاف كانت تمثل العمود الفقري للمؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية.
٣. إن القادة الأيوبيين وأسرهم كانوا يمثلون القدوة الحسنة لرعاياهم في أعمال البر والإحسان.
٤. إن رعاية المذاهب الفقهية الأربعة كان يمثل أولوية بالنسبة للدولة الأيوبية؛ فكثفت الأوقاف لصالحها وخدمة أهدافها.
٥. تنوع الأوقاف وتعدد مصارفها؛ بحيث شملت كلَّ الشرائح التي تحتاج إلى مساعدة.
٦. ازدهار الوقف على الخانقاوات والزوايا والرُّبط.
٧. كان المدينة القدس النصيب الأوفر من الاهتمام الوقفي في هذا العصر إلى جانب الحرمين الشريفين.
٨. كان الجهاد وفكاك الأسرى يمثل مصرفًا مهمًا من مصارف الوقف في العصر الأيوبي.
٩. كانت للنساء بصمات واضحة في حركة الوقف في العصر الأيوبي.
١٠. إن الأوقاف الأيوبية قامت بدور فاعل ونشط في كل المناطق التي خضعت لسيطرتهم في مصر والشام واليمن والحرمين الشريفين.
لقد كان صلاح الدين الأيوبي صاحب فكر مبدع في مختلف المجالات، وعلى رأسها الوقف، فكان أول من وقف الأوقاف للأمهات المرضعات؛ حيث وقف في دمشق وقفًا فريدًا في رسالته، أُطلق عليه وقف: نطفة الحليب، حيث جعل في أحد أبواب القلعة ميزابًا يسيل منه الحليب، وآخر بجواره يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، وعيّن للأمهات المرضعات يومين في الأسبوع ليأخذن خلالهما من الوقف حاجتهن من الحليب والسكر (١).
стр. 63
وفي مصر اشتهرت عدة أوقاف لصلاح الدين الأيوبي؛ من أبرزها: وقف عديد من القرى لرعاية الأرامل وأيتامهن (١)، ووقف "خانقاه سعيد السعداء" في عام ٥٦٩ هـ/ ١١٧٣ م على الفقراء الواردين إلى مصر من مختلف البلاد الإسلامية، ووقف عليها الأوقاف الغنية للصرف عليها وعلى المنقطعين (٢)، أما وقف "صادر الفقهاء والفقراء" في مدينة الإسكندرية، والذي تم رصده على المدارس والكتاتيب في عام ٥٧٢ هـ/ ١١٧٦ م؛ فقد استمرَّ حتى العصر العثماني، وعُرف بالوثائق العثمانية بـ "صادر الفقهاء والفقراء بالثغر السكندري" (٣)، وكان يشرف على هذا الوقف في العصر العثماني ديوان يسمى "ديوان الخمس وصادر الفقهاء" (٤)، ليصرف ما تم تحصيله سنويًّا على العلماء والخطباء بالمدارس والمساجد والكتاتيب، ومما يميز هذا الوقف أنه في حالة وفاة أحد العلماء المرصد لهم مرتب من هذا الوقف، ينتقل إلى زوجته وأولاده، وبالتالي يكفل هذا الوقف العلماء وأسرهم من بعدهم (٥).
وقد حرص صلاح الدين على وقف الأوقاف لخدمة الحرمين الشريفين؛ فعلى سبيل المثال: وقف ثلث ناحية سندبيس من أعمال القليوبية، وبلدة نقادة من أعمال قوص على أربعة وعشرين خادمًا؛ لخدمة المسجد النبوي الشريف في عام ٥٦٩ هـ/ ١١٧٣ م (٦).
ومن مآثر صلاح الدين الوقفية الأخرى "المدرسة الصلاحية" في القدس التي وقفها على الشافعية عام ٥٨٨ هـ/ ١١٩٨ م، وكانت عليها أوقاف عظيمة؛ منها: "سوق العطارين" في القدس، وقرى سلوان ووادي سلوان، وغيرها من المباني والعقارات (٧).
стр. 64
ووقف كذلك أوقافًا كثيرة على المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، فهناك عشرات القرى في ضواحي القدس وفي أنحاء مختلفة من فلسطين وخارج فلسطين جارية في وقف الحرم القدسي، وكانت تصرف لخطباء ومدرسين المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة رواتب من الأوقاف، كما مكنت الأوقاف المسجد الأقصى من أن يتحول إلى جامعة من كبريات الجامعات (١)، كما أن الأوقاف ساهمت في ازدهار الحياة الثقافية في القدس حتى غدت الهمَّ العام لأهل بيت المقدس، وهذا ما يصوره العماد الأصفهاني أجمل تصوير حين قال بعد تحرير بيت المقدس من الصليبين: "فما ترى إلا قارئًا باللسان الفصيح، وراويًا للكتاب الصحيح، ومتكلمًا في مسألة ... وذاكرًا لحكم مذهبي، وسائلًا عن لفظ لغوي ومعني نحوي" (٢)، وكذلك أكَّد هذا المعنى الرحالة المشهور ابن بطوطة حين زار القدس عام ٦٢٧ هـ/ ١٣٢٥ م (٣)، كما تؤكد المصادر المقدسية أن هناك تسع مدارس كبرى في القدس يعود تاريخها للعصر الأيوبي (٤).
ومن الأمور التي جعلها صلاح الدين في بؤرة اهتمامه تحرير الأسرى من أيدي الصليبين والعمل على فدائهم، فنجده يقف الأوقاف لصالح فكاك أسرى المسلمين، فجعل - على سبيل المثال - مدينة "بلبيس" وقفًا على فك أسرى المسلمين الذين أسرهم الصليبيون في حملتهم على مصر عام ٥٦٤ هـ/ ١١٩٨ م (٥)، وغيرها من الأوقاف وأعمال البر والإحسان التي انتشرت في أقاليم الدولة الأيوبية.
стр. 65
وتنافس أبناء البيت الأيوبي وحاشية صلاح الدين في وقف الأوقاف لخدمة المصالح العامة؛ الثقافية منها والاجتماعية، فوقف الملك العزيز "طغتكين بن أيوب" (٥٧٩ - ٥٩٣ هـ / ١١٨٣ - ١١٩٦ م) أحسن أراضية الزراعية في وادي زبيد في اليمن على بعض دور العلم والعبادة في اليمن ولصالح الحرم المكي، ووقف الملك "المعز إسماعيل بن طغتكين" بسخاء على مدرسته المعروفة بـ "السيفية"، التي أنشأها في تعز عام ٥٩٣ هـ / ١١٩٦ م، والمنسوبة إلى والده سيف الدين طغتكين، ووقف أيضًا أفضل أراضيه في اليمن على "المدرسة المعزية" التي بناها في زبيد عام ٥٩٤ هـ /١١٩٧ م (١)، كما يعد الأمير "عثمان الزنجيلي" (ت ٥٨٣ هـ/ ١١٨٧ م) أشهر أمراء بني أيوب تقديمًا للأوقاف في اليمن (٢).
وتذكر المصادر اليمانية أن الأيوبيين هم أول من استحدث المباني المدرسية في اليمن في أواخر القرن السادس الهجري، ووقفوا عليها أراضٍ واسعة لضمان ديمومة نشاطها (٣).
وتعد "المدرسة الصالحية" التي أنشأها الملك الصالح "نجم الدين أيوب" عام ٦٤١ هـ/ ١٢٤٤ م بمصر، ووقف عليها أوقافًا ضخمة، أول مدرسة درست المذاهب الأربعة بمصر في مكان واحد (٤)، كما تعددت أوقاف الأمراء والقادة في مدينة القدس، فوقف الأمير "فارس الدين أبو سعيد" خازندار صلاح الدين الأيوبي عام ٥٩٣ هـ/١١٩٩ م "المدرسة الميمونية" (٥)، ووقف الملك "المعظم عيسى" عام ٦٠٤ هـ/ ١٢٠٧ م "المدرسة النحوية"
стр. 66
في القدس، واشترط أن يشتغل في هذه المدرسة بالقراءات السبع، وأن يُصرف وقفها على الأحناف (١)، وكذلك وقف "بدر الدين محمد بن القاسم الهكاري" - أحد أمراء الملك المعظم عيسى - "المدرسة الهكارية" على فقهاء الشافعية في عام ٦١٠ هـ /١٢١٣ م (٢).
وحظيت مدينة دمشق بنصيب وافر من الأوقاف الأيوبية، ومن هذه الأوقاف "المدرسة الدخوارية الطبية"، التي أنشأها "مهذب الدين دخوار" (ت ٦٢١ هـ/ ١٢٢٤ م)، وكان واقفها يعد من كبار أطباء عصره (٣)، ويذكر الرحالة ابن جبير في رحلته حين زار دمشق في عام ٥٨٠ هـ/ ١١٨٤ م أنه كان فيها نحو عشرين مدرسة موقوفة على طلبة العلم، وكانت لها أوقاف عظيمة، وهي مفخرة من مفاخر الإسلام (٤)، وكفى برهانًا على كثرة الأوقاف على المدارس الموقوفة في دمشق أن الإمام يحيى بن شرف الدين النووي (ت ٦٧٧ هـ/ ١٢٧٨ م) الفقيه المحدث لم يأكل من فواكه دمشق طيلة حياته! لأن أكثر غوطاتها وبساتينها كانت أوقافًا على المدارس (٥).
وشملت الأوقاف الأيوبية أيضًا أبناء السبيل، والغرباء، والأسرى، ومن هذه الأوقاف التي شملت برعاياها أبناء السبيل، ما قام به "بهاء الدين قراقوش" من بناء خان للسبيل، وكان ملحقًا به طاحون وساقية (٦)، كما خصَّص القاضي "الفاضل عبد الرحيم" (ت ٥٩٦ هـ/ ١١٩٩ م) وقفًا عظيمًا لفكاك الأسرى (٧).
стр. 67
ونافست النساء الأيوبيات الرجال في أعمال البر والإحسان؛ مما أثار إعجاب الرحالة الذين زاروا دمشق في العصر الأيوبي، يقول ابن جبير: "ومن النساء الخواتين ذوات الأقدار تأمر ببناء مسجد أو رباط أو مدرسة، وتنفق فيها الأموال الواسعة، وتعين لها من مالها الأوقاف" (١).
ومن أبرز النساء اللواتي خلدن ذكرهن ببناء المدارس ودعم المسيرة العلمية في المرحلة الأيوبية؛ "الست حظ الخير خاتون" (ت ٥٧٨ هـ/١١٨٢ م)؛ زوجة شاهنشاه بن أيوب أخي صلاح الدين، التي وقفت "المدرسة الفرخشاهية" على أصحاب المذهب الحنفي في دمشق (٢)، أما "المدرسة العذراوية" في دمشق فقد وقفتها "الست العذراء" بنت نور الدولة شاهنشاه بن أيوب أخي صلاح الدين وقفتها على الشافعية (٣)، واشترطت "السيدة خطبلسي خاتون" بنت الأمير كوكجا أن لا يدرِّس في "المدرسة القصاعية" التي وقفتها في دمشق عام ٥٩٣ هـ/١١٩٧ م إلا أعلم الحنفية (٤)، ووقفت "ربيعة خاتون" بنت نجم الدين أيوب "المدرسة الصاحبية" على المذهب الحنبلي (٥)، ووقفت "زهرة خاتون" بنت السلطان العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب عام ٦٠٩ هـ /١٢١٣ م "المدرسة العادلية الصغرى" في دمشق (٦)، وبَنَت "زمرد خاتون" (ت ٥٥٧ هـ/ ١١٩٢ م) "المسجد الكبير" في صنعاء (٧).
وهكذا شهد الوقف في العصر الأيوبي نهضة شاملة، بفضل دعم سلاطين وأمراء الدولة الأيوبية وعلى رأسهم صلاح الدين الأيوبي، كما أسهمت الأوقاف مساهمة فاعلة في إعادة الهوية العربية الإسلامية للمدن الشامية، وعلى رأسها القدس، بعد ما مسخ هويتها الاستعمار الصليبي، وقد واصلت هذه النهضة الوقفية مسيرتها في العصر المملوكي كما سنرى في الصفحات الآتية.
стр. 68
المبحث الثامن الوقف في العصر المملوكي (٦٤٨ - ٩٢٣ هـ/ ١٢٥٠ - ١٥١٧ م)
وصل الوقف إلى قمة الازدهار في هذا العصر الذي امتد أكثر من قرنين ونصف من الزمان، فقد انتشرت الأوقاف انتشارًا عظيمًا، وتعزز دورها في المجتمع، وأصبح الإشراف عليها مسؤولية يتولاها جهاز منظم في الدولة، كما تعددت مصادر الأوقاف وأوجه الصرف منها في هذا العصر، حتى شملت جوانب كثيرة من حياة المجتمع المعاصر آنذاك.
لقد كان للأوقاف في هذا العصر الأثر الأبرز في ازدهار الحياة العلمية، وانتعاش الحياة الاقتصادية، واستقرار الأوضاع السياسية والاجتماعية في المناطق التي خضعت لنفوذ المماليك، كما أن الأوقاف أضفت الشرعية على حكم المماليك؛ حيث أظهرتهم بمظهر المجاهدين المحسنين بعد أن أعادوا الاعتبار إلى الخلافة العباسية بعد سقوطها ببغداد بثلاث سنوات، ثم دحروا التتار، وطهروا سواحل الشام من بقايا الصليبيين، ووقفوا كثيرًا من الأوقاف التي لاقت ترحيبًا وقبولًا من الرعية.
وقد عرفت الأوقاف في عصر المماليك ثلاثة دواوين للإشراف عليها، ديوان الأحباس يترأسه "دوادار السلطان"، ويعاونه عدة كُتّاب ومُدبّر، وتشمل اختصاصات هذا الديوان في مصر الأراضي التي خصِّصت للقيام بمصالح المساجد والزوايا ونحوها من جهات البر، ويختص الديوان الثاني بالأوقاف الحكمية بمصر والقاهرة، ويترأسها قاضي القضاة الشافعي، ويقال لمن يلي هذا الديوان: "ناظر الأوقاف"؛ والذي كان من صلاحياته الإشراف على الأوقاف المحبوسة على الحرمين الشريفين، وعلى الصدقات والأسرى وأنواع القرب، ويشرف الديوان الثالث على الأوقاف الأهلية، ولها ناظر خاص، وهو من أولاد الواقف، أو أولاد السلطان، أو القاضي، ومن أبرز أوقاف هذا الديوان: الأراضي الموقوفة من أعمال بلاد مصر والشام وبلاد أخرى على الخوانق والمدارس والمساجد والترب، وقد خُصِّص النوعان الأول والثالث من الأوقاف لبناء المؤسسات العلمية والدينية؛ لذلك نالت نصيب الأسد من هذه الأوقاف (١).
стр. 69
ويذكر القلقشندي أن وظيفة "ناظر الأحباس" كانت وظيفة عالية المقدار، يتحدث صاحبها في رُزُق الجوامع والمساجد، والأربطة، والزوايا، والمدارس .. من الأرضين المفردة لذلك (١)، ومن ناحية أخرى كان للأوقاف عامة أثرها الاقتصادي المؤثر في شتى المجالات، فمن عائداتها أنفق على المؤسسات التعليمية ودور الثقافة والمشافي كما قال بروكلمان (٢).
ويعد الاهتمام بالأيتام مظهرًا بارزًا من مظاهر حركة الوقف في العصر المملوكي، فقلما يوجد سلطان أو أمير إلا وقف للأيتام مكتبًا لتعليمهم والصرف عليهم، وقلما وجد مسجد في العصر المملوكي لا يوجد بجواره مكتب لتعليم الأيتام، بل إن بعض السلاطين أحدثوا في بعض الأمصار الإسلامية منصب "ناظر الأيتام" بعد أن كثرت الأوقاف المخصصة لهم (٣).
وقد استرعت انتباه الرحالة ابن جبير ظاهرة كثرة المدارس والمحاضن التي تُعني بالأيتام في المشرق، فقد عدَّها من أغرب ما يحدث به من مفاخر البلاد الشرقية من العالم الإسلامي، ثم ذكر بعض ما شاهده من أمور مرتبة لهؤلاء الأيتام (٤).
ولم تتوقف رعاية الأيتام على توفير المأكل والكسوة والمساعدات المادية فقط، بل حرص الواقفون على توفير الأدوات التعليمية؛ مثل: الأقلام، والمداد، والألواح، والدورى (المحابر)، والحصر التي يجلسون عليها، وقد حرص الواقفون في نصوص وقفياتهم على الأيتام على تحديد كل ما يتعلق بالأيتام ورعايتهم بتفصيل دقيق، ومن ذلك تحديد المناهج وطرق التدريس، والتأديب والتربية، فضلًا عما اشترطوه من مواصفات محددة في المؤدب (٥).
стр. 70
ويأتي السلطان "الظاهر بيبرس" على رأس قائمة السلاطين المماليك الذين اهتموا بالأيتام وبالأوقاف وتنظيمها، والمحافظة عليها من الاغتصاب والتعدي عليها، فقد استعاد عددًا من الأوقاف التي اغتصبت قبل توليه السلطة (١)، وأنشأ مكتبًا للسبيل بجوار مدرسته، وقرر لمن فيه من الأيتام المسلمين الخبز في كل يوم، بالإضافة لكسوة الشتاء والصيف، وكذلك أنشأ السلطان "قلاوون" مكتبًا لتعليم الأيتام، ورتَّب لكل طفل جراية في كل يوم، وكسوة في الشتاء وأخرى في الصيف (٢)، كما وقف "الطواشي ظهير الدين مختار" - أحد أمراء دمشق في القرن السابع الهجري مكتبًا للأيتام على باب قلعة دمشق، ورتَّب لهم رواتب شهرية وكسوة، وكان يشرف عليه بنفسه، ويجري لهم الاختبارات بنفسه، ويفرح بذلك (٣).
ومن أبرز مآثر "الظاهر بيبرس" أيضًا أنه أنشأ وقفًا أطلق عليه "وقف الطرحاء"؛ برسم تغسيل فقراء المسلمين وتكفينهم ودفنهم (٤)، وقد انتشرت أوقاف مغاسل الموتي في مصر وغيرها، والتي كانت تتكون عادة من عمارة كبيرة تضم مغسلًا للموتى، ينقسم إلى قسمين: أحدهما خاص بالرجال، والآخر خاص بالنساء، أما المصلاة الملحقة بالمغسل فكان بها ميضأة بها فسقية للماء؛ فضلًا عن حوض لسقي دواب المشيعين، وقد وجد في القاهرة في القرن التاسع الهجري الخامس عشر ميلادي ما ينيف على خمسة عشر من هذه المغاسل والمصليات، ومن أشهر هذه المغاسل التي كانت تُقام على أطراف المدن بالقرب من المقابر ما أقامه الأمير "يَشْبَكُ بن مهدي" قرب مدرسة السلطان حسن، عند الطرف الشمالي الشرقي من مدينة القاهرة، وذلك عام ٨٧٣ هـ / ١٤٦٩ م، وقد أشار إليه كل من السخاوي وابن تغري بردي وابن إياس.
стр. 71
ولعل من أشهر الأوقاف التي عرفتها القاهرة في العصور الوسطى "البيمارستان الكبير المنصوري" أو "دار الشفاء"، أو "مارستان قلاوون" الذي ابتناه السلطان "قلاوون" في عام ٦٨٣ هـ/ ١٢٨٤ م، وقد نصت وقفية البيمارستان على توفير العلاج والطعام والمراوح المصنوعة من الخوص؛ لتخفيف حدة الحر عن المرضى، وأن يصرف للمريض عند خروجه من البيمارستان مبلغًا من المال، فضلًا عن تحمل نفقات تكفين من يموت في البيمارستان ودفنه (١)، وقد أثنى الرحالة ابن بطوطة على هذا البيمارستان بقوله: "وأما المارستان الذي بين القصرين عند تربة الملك المنصور قلاوون؛ فيعجز الواصف عن محاسنه، وقد أعمد فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصى، ويذكر أن مجباه ألف دينار كل يوم" (٢)، وقد وقف الملك "المنصور" عليه كثيرًا من الأملاك والحمامات والفنادق والأحكار والضياع في مصر والشام، كانت تغل ما يقارب مليون درهم في كل سنة، ورتب مصاريف المارستان، والقبة والمدرسة، ومكتب الأيتام، وجاء في نص وقف هذا المجمع الصحي الاجتماعي الثقافي: أنه على الملك والمملوك والكبير والصغير والحر والعبد والذكر والأنثى، وجعل لمن يخرج منه من المرضى عند برئه كسوة، ومن مات جهزه وكفنه ودفنه، وكان في هذا البيمارستان كل التخصصات الطبية، ورتب الفراشين والفراشات، والقومة لخدمة المرضى وإصلاح أماكنهم وتنظيفها وغسل ثيابهم وخدمتهم في الحمام، وجهزت الأسرة والفرش لكل مريض، وأفرد لكل طائفة من المرضى أمكنة تختص بهم، وأفردت أماكن لطبخ الطعام والأشربة والأدوية والمعالجة وتركيب الأكحال، ورتب فيه مكان يجلس فيه رئيس الأطباء لإلقاء الدروس على طلبة الطب، وكان لا يتولى الإشراف على هذا البيمارستان إلا الوزراء ومن في معناهم، وكان السلطان المملوكي يصدر بنفسه مراسيم تعيين المدرسين في البيمارستان، وكانت كل الخدمات العلاجية تقدَّم مجانًا (٣).
стр. 72
ويسجل التاريخ المملوكي زيادة ملحوظة في عدد المدارس الوقفية بمختلف تخصصاتها، فيذكر الرحالة ابن بطوطة أن عدد المدارس في مصر لا يمكن حصره لكثرتها (١)، ويذكر المقريزي أنه كان في مصر في العصر المملوكي (٧٥) مدرسة (٢)، وكان في القدس (٤٠) مدرسة وقفية (٣)، وفي دمشق عشرات المدارس، وهكذا في كل المدن الرئيسة في الشام، ومصر، واليمن، والحجاز، وسوف نذكر نماذج من تلك المدارس في بعض المدن لتكتمل الصورة عن حركة الوقف في هذا المجال الحيوي.
فقد كان في القدس وحدها - على سبيل المثال - أربعون مدرسة وقفية في العصر المملوكي، ولعل المدرسة الأشرفية التي تقع في رواق بيت المقدس الغربي، والتي وقفها السلطان المملوكي "الأشرف قايتباي" .. من أغنى المدارس أوقافًا، فقد كانت أوقافها تتألف من ٢٨ قرية، منها ٢٢ قرية تابعة لغزة، و ١٤ مزرعة وقطعة أرض، وبساتين وحمام، ودكاكين، ومعصرة، وخان، وفرن بغزة، وقد بلغ عدد العقارات الموقوفة على هذه المدرسة ٥٢ عقارًا (٤)، وكانت تدفع للطالب ٤٥ درهمًا شهريًا، ولناظر المدرسة ٦٠٠ درهم شهريًا، وكان شيخها يتقاضى ٥١٠ درهمًا شهريًا (٥).
وتُشير المصادر إلى "المدرسة الظاهرية" في دمشق، التي وقفها "الظاهر بيبرس" عام ٦٦٢ هـ/ ١٢٦٤ م، ووقف عليها الأوقاف، وخصص لها مكتبة ضخمة تحتوي سائر العلوم، في حين تخصصت "المدرسة الدُّنَيسَريَّة "بالطب التي وقفها "عماد الدين الربيعي الدُّنَيسَريُّ" (٦٨٦ هـ/١٢٨٧ م)؛ الطبيب المشهور، والمدرسة الطبية الأخرى
стр. 73
هي "المدرسة اللبودية النجمية" التي أنشأها "نجم الدين اللبودي" (٦٧٠ هـ/ ١٢٧٢ م (١)، وقد حظيت "المدرسة التنكزية" التي وقفها الأمير المملوكي "سيف الدين تنكز" نائب الشام عام ٧٣٠ هـ/ ١٣٣٠ م بكثير من الأوقاف؛ منها: خان، وحمامان، وعدد كبير من الدكاكين، ودور مختلفة، وقرية عامرة تُدعى "عين قينية" قرب رام الله (٢)، وكانت المدرسة التنكزية" تدفع للفقيه المنتهي ٢٠ درهمًا شهريًا، ونصف رطل خبز يوميًا، وللفقيه المتوسط ١٥ درهمًا شهريًا، ونصف رطل خبز يوميًا، وللفقيه المبتدئ ١٠ دراهم شهريًا، ونصف رطل خبز يوميًا، ولطالب الحديث ٧ ونصف درهم فضة شهريًا، وثلث رطل زيت، وثلث رطل صابون شهريًا، وكان راتب المدرس ٦٠ درهمًا فضيا شهريًا وثلثا رطل خبز يوميا، وراتب شيخ المحدثين ٤٠ درهمًا، ورطل من الخبز يوميا، وراتب شيخ الصوفية ٦٠ درهما شهريًا، وثلث رطل زيتون، وثلث رطل صابون، ورطل من الخبز يوميًا (٣).
أما "المدرسة الباسطية" المخصصة للأيتام في القدس؛ فكان اليتيم يتقاضي في عام ٨٣٤ هـ / ١٩٣١ م (١٥) درهمًا شهريًا، وكان يعطى في عيد الفطر (٣٠) درهمًا بدل كسوة، وكانت المدرسة الحسنية تدفع للطالب (١٠) دراهم شهريًا وربع رطل خبز في كل يوم (٤).
وتميزت مدينة دمشق بكثرة مدارسها، فقد كان فيها سبع دور للقرآن الكريم، منها "دار القرآن الخَيُضَريّة" (٨٨٧ هـ /١٤٨٢ م)، التي أنشأها قاضي القضاة محمد الخَيضَريِّ ووقف عليها أوقافًا كثيرة، و "دار القرآن الجزرية"، التي وقفها شمس الدين الجزري (٧٥١ - ٨٣٣ هـ/ ١٣٥٠ - ١٤٣٠ م)، و "دار القرآن السنجارية" (٧٣٥ هـ / ١٣٣٥ م)، و"الصابونية" التي أنشأها شهاب الدين الصابوني (٨٣٣ هـ/ ١٤٣٠ م)، وقد شرط
стр. 74
الواقف فيها قراءة البخاري كل ثلاثة أشهر، وبنى مكتبة لعشرة أيتام مع شيخ يدرسهم (١)، و "دار الحديث البهائية" (٧٢٣ هـ/١٣٢٣ م)، و "دار الحديث الحمصية" (٧٤٢ هـ/١٣٦٢ م) .. وغيرها (٢)، وكانت هناك ثلاث مدارس جمعت بين القرآن والحديث؛ وهي: دار القرآن والحديث الصبانية (٧٣٨ هـ/ ١٣٣٨ م)، ودار الحديث المعبدية (٧٤٦ هـ/ ١٣٤٥ م)، ودار القرآن والحديث التنكزية (٧٤١ هـ/ ١٣٤١ م).
وقد حرص الواقفون في العصر المملوكي على أن يلحقوا بكل مدرسة خزانة كتب، يشرف عليها خازن للكتب (أمين للمكتبة)، وقد حددت وثائق الوقف المملوكي مهمة أمين المكتبة بالتفصيل (٣)، ومن الجدير بالذكر أنه توافرت عدة عوامل أدت إلى ازدهار المكتبات في العصر المملوكي؛ منها: بذل السلاطين والأمراء الأموال لاقتناء الكتب، واشتداد التنافس بين العلماء في طلب العلم، وحرصهم على اقتناء الكتب، وتوجه المجتمع نحو الاعتناء بالكتب فنيًا؛ من حيث النسخ والتجليد والتذهيب والحفظ، والتباهي والتفاخر بذلك كمظهر اجتماعي يدل على الثراء والثقافة، وساعد على ذلك انتشار الأسواق المتخصصة بصناعة الكتاب، فضلًا عن وراثة المماليك للمكتبات الأيوبية الكثيرة والمتنوعة، ناهيك عن هجرة العلماء مع كتبهم من الأندلس، عندما بدأت المدن الأندلسية تتهاوى بأيدي الإسبان، إلى جانب هجرة علماء بغداد بعد نكبتها على يد التتار، فالمكتبة المملوكية كان لها الفضل بعد الله في حفظ تراث الأمة من الضياع، بعد أن أحرق التتار الكتب عند دخولهم بغداد عام ٦٥٦ هـ / ١٢٥٨ م؛ لذا لا غرابة أن نرى جلَّ المخطوطات من الكتب المحفوظة في دور الكتب المحلية والعالمية تعود للعصر المملوكي وقد تعددت المكتبات الموقوفة في العصر المملوكي، فوجدت مكتبات المساجد، ومكتبات المدارس، والمكتبات الخاصة، ومكتبات الزوايا والأربطة، فقد كان جلُّ المساجد ملحق بها مكتبة، فإذا علمنا بأن المساجد تعد بالآلاف أدركنا درجة الثقافة التي وصلت إليها الأمة آنذاك، يقول المقريزي: إن عدد المساجد التي يصلى بها
стр. 75
الجمعة في القاهرة لوحدها (١٣٠) مسجدًا (١)، ويقول خليل بن شاهين الظاهري (٨٧٣ هـ/١٤٦٨ م): إن بمصر والقاهرة داخل السور وخارجه ألف خطبة ونيف (٢)، ولعل من أشهر مكتبات المساجد مكتبات المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومسجد قبة الصخرة، والمسجد الأموي بدمشق، والأزهر الشريف، وغيرها، كما أن جلَّ البيمارستانات الكبرى كان ملحق بها مكتبات لخدمة العلماء وطلبة العلم.
وقد انتشرت ظاهرة وقف الزوايا، والربط، والخانقاوات في العصر المملوكي، مع انتشار التصوف واتساع نطاقه في هذا العصر، حيث عدَّ المقريزي (٢٦) زاوية في القاهرة وحدها، وكانت هذه الزوايا عبارة عن دور علم وعبادة، ومكان إقامة للمتصوفة والفقراء والأيتام (٣)، كما زادت عدد الخانقاوات زيادة كبيرة، وارتبط اسم كثير منها بأسماء كبار شخصيات الدولة من السلاطين والأمراء، ويكفي أن يُشار إلى خانقاه سرياقوس" الذي أنشأه "الناصر محمد بن قلاوون" عام ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٥ م؛ لنعرف ما وصلت إليه الخانقاوات في العصر المملوكي من الشمول في الخدمات والارتقاء في التنظيم، حتى ذُكر أنه بها مائة خلوة المائة صوفي، وبجانبها جامع تقام فيه الجمع، ومكان برسم ضيافة الواردين، وحمام ومطبخ .. وغير ذلك من المرافق المساعدة (٤).
ويذكر للمرأة المملوكية بصماتها الواضحة في دفع عجلة الوقف بكل أنواعه، فقد قامت "تذكار باي خاتون" ابنة السلطان الظاهر بيبرس عام ٦٨٤ هـ/ ١٢٨٥ م بوقف "رباط البغدادية" الذي خصصته للنساء، حيث كانت تودع فيه النساء اللائي