Полный текст (136 стр.). Показаны 106–136 · переход к 111.
стр. 106
ومثل ذلك ما ورد عنه ﷺ : «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت» . (رواه مسلم) .
وقوله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» . (متفق عليه) .
فجماعات التكفير التي تطلق الكفر على الحكام، أو على المجتمعات، دونما تفصيل ومعرفة للأحوال والواقع، تتابع ما قالته وفعلته الخوارج منذ القدم، في مرتكبي الكبائر وتكفيرهم بذلك.
وقد استغل هذه الأقوال الخاطئة أصحاب الأهواء والمصالح، من أجل تنفير المسلمين من
стр. 107
حكامهم، ودعوتهم للخروج عليهم.
إن على الدعاة أن يكونوا على بصيرة فيما يدعون إليه، وما يتعرضون له، من تفسير لآيات كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
إن قضية التكفير خطيرة لا يجوز بحال التساهل فيها، أو القول فيها بغير علم وبصيرة.
فالكفر والفسق والظلم، منه ما يخرج من الملة، ومنه ما يكون كفرًا عمليًّا ومعصيةً لله ورسوله.
فإذا ثبت للإنسان أن أحدًا استحل ما حرم الله، واعتقد في نفسه ذلك، حكم عليه بالكفر المخرج من الملة.
وإذا لم يثبت ذلك، فإن إطلاق الكفر المخرج
стр. 108
من الملة عليه بمجرد ارتكاب الكبيرة، أو فعل المعاصي، خلاف منهاج أهل السنة والجماعة، وصاحبه متوعد بقول رسول الله ﷺ : «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه» . (متفق عليه) .
وقد أنكر رسول الله ﷺ على أسامة بن زيد ﵁ قتله مشركًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، معتقدًا أنه قالها خوفًا من القتل، حيث قال له ﷺ : «أفلا شققت عن قلبه» . (رواه مسلم) .
فالإنسان لا يعرف ما في قلوب عباد الله الذين يرتكبون المعاصي والكبائر التي هي دون
стр. 109
الشرك والكفر، ما لم يفصحوا عما في قلوبهم من استحلال ما حرم الله.
إن المتأمل لما عليه أهل الضلال من المسلمين فرقًا وأشخاصًا- وإن أظهروا حماسًا للإسلام، واهتمامًا بأمور المسلمين - يدرك أن سبب ضلالهم، هو تنكبهم عن الطريق الصحيح، وفهمهم السقيم للإسلام، والعمل به، وبعدهم عن طريق رسول الله ﷺ وصحابته الكرام.
وهم حينما يثيرون عواطف كثير من الناس يؤلبونهم على حكامهم، وولاة أمرهم، دونما تفريق بين حاكم وحاكم ومجتمع وآخر، ودونما استناد صريح وواضح إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يخالفون طريق رسول الله ﷺ في
стр. 110
دعوته، فقد مكث ﷺ في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى توحيد الله، والدخول في دينه، وإفراده بالعبادة، ويعلِّم أحكام الدين، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، والصبر على ذلك.
وهذا هو الطريق الصحيح للدعوة إلى الله سبحانه.
إننا نجد كثيرًا ممن يكفِّرون الحكام، ويدعون إلى الخروج عليهم، وتأليب الناس عليهم، يقعون في أخطاء شنيعة في حياتهم الخاصة، وتعاملهم مع الناس، وفهمهم لأحكام دينهم، بل قد يتساهلون في أمور لها مساس بالعقيدة، وإفراد الله سبحانه بالعبادة، فيدعون مع الله
стр. 111
غيره، ويبنون القباب والمساجد على القبور، ويفعلون ما يُنكر، من تمسح بها، وطواف حولها، وتقديم النذور والقربات لها، مما قد يصل إلى الإشراك بالله، عياذًا بالله من ذلك. وخلاصة القول فيما يتعلق بفتنة التكفير التي وقعت فيها بعض الجماعات والطوائف في الوقت الحاضر، امتدادًا لما كان عليه الخوارج منذ القدم: أنه ينبغي أن يحذر كل أحد من الدعاة الوقوع فيها، وأن يحرص كل داعية على معرفة طريقة السلف الصالح، والضوابط التي يجب أن تراعى عند إطلاق كلمة الكفر على أحد من الناس.
стр. 112
ومن أهمها: عدم تكفير المسلم بمجرد ارتكاب الكبائر والمعاصي، فلا يحكم بردته حتى يظهر منه ما يناقض الشهادتين، وأنه تجب إقامة الحجة على المسلم إذا ظهر منه ما يوجب الحكم بردته، وأن علامة إسلام المرء الكافر، نطقه بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقراره بمقتضاهما.
وأن يفرَّق بين النوع والشخص، فيقال: من قال كذا فهو كافر، يُحكم على النوع والعمل، دون الشخص.
أما الشخص المعيَّن، فيجب التثبت والاحتياط في وصفه بذلك.
ومما ينبغي الانتباه إليه في هذا المقام، أن
стр. 113
أحكام الناس تجرى على ما يظهر منهم، أما سرائرهم فالله يتولاها.
قال عمر بن الخطاب ﵁: (إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمَّنَّاه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نؤمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة) .
وليس معنى هذا أنه يُحكم بكفره، ما لم يرتكب مكفرًا عليه من الله برهان.
وهكذا كان طريق السلف الصالح، يحكمون
стр. 114
على الظاهر، والله يتولى السرائر.
يحتاطون في أمر التكفير أشد الاحتياط، يجمعون النصوص بعضها إلى البعض، ويفسرون مدلولاتها، دونما تطرف أو غلو أو شطط.
إنهم يحكمون بالكفر والردة على من جحد توحيد الله ، في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، أو استحل ما أجمع المسلمون على تحريمه، أو جحد فريضة ثبتت بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ونحو ذلك مما هو مقرر في مباحثه.
стр. 115
[وجوب التزام الدعاة منهاج الوسطية في الدعوة]
وجوب التزام الدعاة منهاج الوسطية في الدعوة إن منهاج الوسطية، هو أعدل المناهج في نشر دعوة الإسلام، والحفاظ على تماسك المجتمع المسلم، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.
وفي السنة النبوية، بيان للكثير من أحكام الدعوة، فقد بينت لنا آداب الدعوة، وأخلاق الدعاة والمصلحين.
فالداعية لا ينال الأجر إلا من الله ، ولا يطلبه من غيره، وهو يقصد نفع المدعوين بتعريفهم بالدين، وتنمية معارفهم، وإرشادهم
стр. 116
لنفع أنفسهم في دينهم ودنياهم، ولا يسعى الداعي إلى الله إلى نفع نفسه خاصة، أو أن يجمع الناس حوله، أو حول شخص آخر غير رسول الله ﷺ ، أو يتقوى بأحد، وإنما يجمع الناس على الهدى، لمصلحتهم هم ونفعهم هم، وأجره على الله وحده سبحانه، كما قالت الأنبياء والرسل لقومهم.
وفي العصر الذي نعيش فيه، تبدو حاجة المجتمع ماسة إلى جهد الدعاة في الدعوة إلى الله، حفاظًا على الدين، وعلى أحكام الشريعة والأخلاق الإسلامية التي يتعامل الناس بها في المجتمع.
ومع هذه الحاجة كثرت وسائل الإعلام
стр. 117
بالدعوة، وزادت منابرها، وعلا صوتها، وبرزت مشكلات تحتاج للمزيد من العناية والمراجعة، من العلماء والدعاة.
ومن أهم المشكلات التي تواجه الدعاة في هذا العصر، مشكلة الغلو في الدين والتطرف والانحراف عن منهاج الوسطية الذي تحدثنا عنه سابقًا.
إن بعضًا من الشباب، لا سيما من تقل معرفتهم بالأحكام الشرعية، تدفعهم حماستهم ورغبتهم في خدمة الإسلام، إلى الانضمام إلى أية جماعة تعلن على الناس أنها تقوم بواجب الدعوة إلى الله، وتتعاون في سبيل ذلك مع من ينضم إليها.
стр. 118
يُقبل هؤلاء الشباب أحيانًا على هذه الجماعات، دون أن يتبينوا حقيقة أهدافها، ودون أن يكون لديهم معرفة كاملة بصلاح من يوجهون أمورها وعدالتهم، كذلك دون أن يتحققوا من أسلوبها في تبليغ كلمة، الله إلى الناس.
وقد دلت المشاهدة والتجارب في العديد من البلاد الإسلامية على وجود أهداف خفية وراء ممارسة بعض المناشط الدعوية.
قد تكون هذه الأهداف سياسية أو مذهبية منحرفة، وقد يكون فيها خروج على المسلك الصحيح الذي يجب أن يسلكه المسلم تجاه مجتمعه الذي يعيش فيه، وأولي الأمر الذين
стр. 119
ينهضون بمصالحه، وغير ذلك.
فالشباب، مطالب بأن يتحرى الأمور قبل أن يبذل من إخلاصه وجهده وماله في مكان، أو تجمع، أو جماعة لم يتحقق من عدالة من يتولون أمورها، ويتبين اتفاق أسلوبها الدعوي مع منهاج الرسول ﷺ ، وأن العلم طريقها، والعلماء الصادقين هم القائمون بها على بصيرة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] (يوسف الآية ١٠٨) .
ومن أخطاء بعض الدعاة، تنكب المنهاج الأوسط في الدعوة، فيعدل عن الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، إلى إيذاء بحض المدعوين بالقول أو الفعل، ظنًّا
стр. 120
منه أن ذلك أسرع وأنجح في البلاغ، وأدعى للاتباع، وينسى هؤلاء أن الدعوة في الأعم الأغلب، لا توجه إلا للمخطئ والعاصي والجاهل، وأن هؤلاء أحوج ما يكونون إلى الكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، والبيان الشافي من الداعي.
وهكذا كانت سنة النبي ﷺ ، وطريقة صحابته الكرام- رضوان الله عليهم- ومن تبعهم بإحسان، والمصلحين من الدعاة.
لا شيء أضرَّ بالشباب من أن يحاول أحد أن يستخدمهم، بدل أن يخدمهم بتقديم ما ينفعهم، من علم وقدوة وتبصير بالأمور.
فقد يُستعمل حماس الشباب، وإخلاصه،
стр. 121
وقدراته في الإساءة إلى الدعاة الذين يقومون بواجبهم العلمي والدعوي بأمانة وإخلاص، ووفق منهاج النبوة.
وقد يتصدى بعض الشباب بدافع من الحماس أو الغلو، لعلماء أفنوا عمرهم في تحصيل العلم الشرعي من مظانه الأصلية.
وهذا من العيوب التي شابت مسلك بعض الشباب في مجتمعات إسلامية عديدة، وفيه ما فيه من إساءة الظن بالعلماء، وترك التقدير والاحترام لهم.
هذا بعض مما يقع فيه بعض الشباب في بلاد إسلامية عديدة، مما يسيء إلى الدعوة والدعاة أمام غير المسلمين، بل وفي نظر كثير من المسلمين.
стр. 122
والسبب في ذلك ترك المنهاج الوسط الذي تضمَّن الأقوم والأعدل في كل عمل.
إن على العلماء والدعاة إلى الله، أن يخاطبوا الناس بمنهاج الوسطية في كافة أمور الدين علمًا أو إفتاء أو دعوة؟ لأن الدين في أصله يرفض الغلو، والتطرف في كل جوانبه.
إن منهج الإسلام وسط بين من يحبون الدنيا ويذرون الآخرة، وبين من يعتزلون الدنيا كلها: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] (القصص الآية ٧٧) .
وهو وسط بين الإفراط في حكم الشرع، أو التفريط فيه، يقول ﷺ : «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن
стр. 123
قومًا شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم» (رواه أبو داود) .
стр. 124
[الدولة السعودية والدعوة]
الدولة السعودية والدعوة إن التاريخ الإنساني بعد ظهور الإسلام لم يعرف في بلاد المسلمين (عصور الظلام) كما عرفها الأوروبيون في القرون الوسطى من القرن التاسع إلى القرن الرابع عشر الميلادي، وهي التي يعرفها الأوروبيون بأنها عصور التخلف الديني والحضاري.
إن التقسيم السائد في التاريخ غير الإسلامي، يجعل من القرون الستة السابقة مرحلةً تاريخيةً وسطًا بين التاريخ القديم والنهضة الحديثة في العالم غير الإسلامي، فلم يبدأ التجديد إلا بعد انقضاء هذه القرون، بما فيها من جهالة دينية
стр. 125
وتخلف حضاري، وحروب، ومعارك، واستعباد للناس.
لكن هذه القرون في التاريخ الإسلامي، ابتداء من القرن الأول للهجرة النبوية الشريفة، إلى القرن السابع الهجري، كانت أزهى عصور التاريخ الإسلامي، وكانت دولة الإسلام في الجملة تتمتع بالقوة والنفوذ العالمي، لأن النظام الإسلامي في هذه الفترة، خَلَف النظام الروماني القديم، الذي انهار أمام الحضارة الإسلامية.
وكانت الدولة الإسلامية تتميز بمستوى حضاري عال، من أهم مكوناته انتشارُ العلوم الدينية والطبيعية، والنمو الثقافي، وازدهار التجارة، وقيام علاقات سياسية مهمة بين الدول
стр. 126
الإسلامية وبلاد العالم.
ولا ينكر كثير من الغربيين أن الصلات بين الدول الإسلامية وبين كثير من دول الغرب، حتى مع قيام المنازعات والحروب في أوقات معينة، كان لها أثرها الكبير في البدايات الأولى للنهضة الأوروبية الحديثة.
لكن الدولة الإسلامية ضعفت بانهيار الدولة العباسية سنة ٦٥٦ هـ على يد التتار، وما خلفوه من دمار، وساد التفرق والانقسام أجزاء كبيرة من الدولة الإسلامية الواسعة، وأصبحت الخلافة الإسلامية شكلا ورسمًا فحسب، دون أن يكون لها أثر حقيقي في وحدة الأمة، أو نشر الدعوة إلى الله.
стр. 127
وابتداء من القرن التاسع الهجري، بدأ العالم الإسلامي في المشرق ثم في المغرب العربي يقع تحت سلطان العثمانيين، وظل كذلك حتى آل الأمر إلى الضعف أيضًا، بسبب الاستبداد من السلاطين، والانصراف عن اتخاذ أسباب القوة وحماية الأمة الإسلامية، وانتهى أمر الدولة العثمانية سنة ١٣٤٢ هـ.
وفي فترة ضعف العثمانيين، وتخلف المسلمين حضاريًّا، وانصرافهم عن كثير من أحكام الشرع، وقعت معظم بلاد العالم الإسلامي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين في قبضة الاستعمار الغربي.
وكان من أثره وتأثيره خلال عشرات السنين
стр. 128
في المشرق والمغرب العربي، أن زاد انفصال المجتمعات الإسلامية عن أصولها العقدية والتشريعية والاجتماعية، بسبب هجمة التغريب الثقافي والاجتماعي، التي كانت شديدة الوطأة في بعض البلاد.
لقد حمى الله المملكة العربية السعودية من الوقوع في قبضة الاستعمار الغربي، أو التأثر بحركة التغريب الثقافي والاجتماعي، الذي ساد المنطقة العربية.
وكان ذلك راجعًا في المقام الأول إلى فضل الله على بلاد الحرمين الشريفين، ثم إلى جهود الدولة السعودية وقادتها الأشاوس، بدءًا من الإمام المجاهد محمد بن
стр. 129
سعود ﵀ الذي ناصر دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
تلك الدعوة التي ترمي إلى إنقاذ المسلمين من الضلال، وتخليص عقائدهم من الشوائب، وسلوكهم من الانحراف، حتى يعبدوا الله حق العبادة، مخلصين له الدين، ويسلموا قيادهم له، ويرجعوا إلى كتابه الكريم، وسنة نبيه الأمين ﷺ ، وما كان عليه سلفهم الصالح.
فأحيت تلك الدولة والدعوة معًا الإيمان الحق في نفوس المسلمين، وردتهم إلى دين الله وتطبيق شريعته.
ولقد تُوجت تلك الجهود بما قام به الإمام
стр. 130
المجاهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀ في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، من توحيد للمملكة العربية السعودية، رسخ قواعدها على عقيدة الإسلام وشريعته، وحقق لها الأمن على دينها وعروبتها وتراثها وثقافتها، وبدأت المملكة تقدمها ونهضتها؛ لكي تحتل مكانتها في العالم الإسلامي، وعلى المستوى الدولي أيضًا.
وعلى هذا الأساس المتين من توحيد المملكة على يد الملك عبد العزيز ﵀ ومن ترسيخ قواعدها بحفظ الدين، ونشر الأمن في ربوعها، وإقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمعها، انفتح أمام أبناء المملكة
стр. 131
الإسهام في خدمة الدين والوطن على مصراعيه بالدعوة إلى الله والعمل الصالح.
ويسَّر قادة المملكة كل العقبات في طريق الدعوة إلى الله، في عهد الملك عبد العزيز ﵀، ومن خَلَفه من أبنائه الكرام، حتى العهد الحاضر، عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين، حفظهما الله ورعاهما، ونصر بهما دينه، وأعلى بهما كلمته، حيث أقيمت المؤسسات التعليمية والدعوية والتثقيفية لخدمة أبناء المملكة، وإعدادهم إعدادًا يمكِّنهم من خدمة دينهم ودولتهم ووطنهم، والإسهام في ذلك بما يجعل أداء هذه الدولة
стр. 132
المباركة لرسالتها الإسلامية في الداخل والخارج، أداء قويًّا مستمرًّا، وفق الأسس التي قامت عليها.
وهذا يؤكد علينا، وفي مختلف المناسبات، أن نبين ما ينبغي أن يكون عليه شبابنا، من صدق في الانتماء للدين والوطن، وطاعة لولاة الأمر، وقوة فيما هم عليه من الحق، وسلامة فيما يتخذونه من وسائل في التثقيف والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مستمدين ذلك كله من كتاب الله الكريم، وسنة المصطفى ﷺ ، وما سار عليه سلفنا الصالح، وما أحياه وجدده علماء الدعوة وأئمتها في هذه البلاد، بدءًا من الإمام المجدد الشيخ محمد بن
стр. 133
عبد الوهاب ﵀ وتلامذته، ومن تبعهم على ذات المنهاج والطريق.
إن من فضل الله على هذه المملكة، أن أمور الدعوة فيها من أول اهتمامات أولي الأمر، ومن أعظم واجباتهم، وقد قامت على أسس مستمدة من الكتاب والسنة، ووضع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الصورة التي تحقق الهدف منه.
والباب مفتوح أمام أبنائها للإسهام في خدمة دينهم ووطنهم بالعلم والعمل في جميع المجالات، دون غلو أو تطرف، أو خروج على منهاج الوسطية الأقوم والأعدل، الذي جعله الله حقيقة هذه الأمة، التي تمثل المملكة العربية
стр. 134
السعودية به اليوم، الواقع الحي لها، حيث تطبق الشريعة، وتلتزم الفضيلة، وتدعو إلى الخير والبر والإحسان، دونما شطط ولا غلو ولا تطرف، ولا انتماءات حزبية أو سياسية.
بل كيان الدولة والمجتمع، كيان قائم للإسلام، وعلى الإسلام، ومن أجل رسالة الإسلام.
والخشية أن يتأثر أحد من شبابنا في المملكة بما حدث في مجتمعات أخرى، من انتماءات مذهبية أو سياسية، كانت مُفرّقة للصف ومُضعفة للجماعة.
وبلادنا لا تقاس على غيرها من الدول والمجتمعات، فدستورها الكتاب والسنة، ونظام
стр. 135
الحكم فيها قام عليها، التزم بهما، وطبق أحكامهما، فلا يصح فيها وجود التجمعات أو التكتلات، معلَنة أو خفية، مما يتعارض مع ما قامت عليه الدولة، وما تدعو إليه وتعمله من خلال مؤسساتها القائمة.
ولا يصح أن يسلك أحد من شبابها مسلكًا، يكون له أثر قريب أو بعيد في تفريق الكلمة، أو إضعاف كيان الدولة أو الأمة، أو يتخذ وسيلة من الوسائل التي لا تتلاءم مع الطريق الصحيح للدعوة، والأسلوب الأنفع فيها، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة ولي الأمر، والاقتداء بالعلماء الثقات المعتبرين، واحترامهم، والتتلمذ عليهم، والنصح لله
стр. 136
ولأئمة المسلمين وعامتهم، نصحًا يجلب المصالح ويرعاها، ويدرأ المفاسد ويتجنبها.
نسأل الله أن يهدينا جميعًا إلى التي هي أقوم، وأن يوفق ولاة أمرنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن ينصر بهم دينه، ويعلي بهم كلمته، وأن يوفق شبابنا إلى الطريق المستقيم، طاعة لله، ومتابعة لرسوله، وابتعادًا عن مواطن الزلل والانحراف، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد المحسن التركي
وزير الشؤون الإِسلامية والأوقاف والدعوة والإِرشاد