Полный текст (136 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا. .» الحديث ". (رواه البخاري) .
وللإنسان أن يأخذ بالأشد من المشروع، كأن يصلي صلاة طويلة، ولكن ليس له أن يُلزم الناس بذلك، فقد كان ﷺ أطول الناس صلاة إذا صلى لنفسه، ولكنه كان يخفف صلاته إذا صلى بالناس، مراعاة لأحوالهم.
ولما سمع ﷺ بعزم نفر من أصحابه على الانقطاع للعبادة، قال: «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» . (متفق عليه) .
إن منهاج الإسلام هذا وسط بين اليهود الذين
стр. 72
فرطوا في جنب الله، وحرصوا على الدنيا وملذاتها، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] (البقرة الآية ٩٦) .
والنصارى الذين غلوا وابتدعوا رهبانية لم يشرعها الله، كما قال الله عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] (الحديد الآية ٢٧) .
لقد ذمهم الله لابتداعهم في دينه ما لم يأذن به، وفي عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة تقربهم إلى الله.
إن تشريع الله في العبادة، تشريع متوسط معتدل، بين الإفراط والتفريط، والغلو والتقصير:
стр. 73
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] (الإسراء الآية ١١٠) .
وعن جابر بن سمرة - رصي الله عنهما- قال: «كنت أصلي مع النبي ﷺ الصلوات، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا» . (رواه مسلم) .
أي: كانت معتدلة، وسطًا بين الطول والقصر.
ولا نستطيع في هذا المجال، أن نفصِّل وسطية التشريع الإسلامي، وعدله، وأفضليته في الأحكام الشرعية كلها، في العبادات، وفي المعاملات، وفي قواعده العامة، وأصوله الكلية، فهذا يحتاج إلى دراسة مقارنة دقيقة، بين منهاج التشريع الإسلامي، وبين ما هو
стр. 74
موجود في قصور المناهج الوضعية كلها، قديمًا وحديثًا.
إن وسطية التشريع الإسلامي، تعني أنه الأكمل والأقوم والأعدل لحياة الإنسان بالمعنى القرآني للوسطية.
فتشريع العبادات في هيآتها ومقاديرها وتكاليفها ومراتب وجوبها على المكلف، تتفق مع الأعدل والأقوم، وفطرة الإنسان، في الجمع بين الدنيا والآخرة.
وفي أحكام المعاملات كما أشرنا، لا سيما في النظر إلى المال وملكيته، وحق الفرد وحق الجماعة فيه، تحصيلًا وكسبًا وإنفاقًا، نجد الوسطية ظاهرة.
стр. 75
وذلك لكي يدوم هذا التشريع الإلهي، صالحًا للناس في كل زمان ومكان، مما يجنب الأمة الإسلامية مخاطر التطرف والغلو والشطط، وغير ذلك مما نراه في كثير من شرائع البشر التي تختلف وتتعارض بحسب الزمان والمكان، والظروف والأهواء.
стр. 76
[الوسطية في الدعوة]
الوسطية في الدعوة من فضل الله على الأمة الإسلامية، أن الرسالة الخاتمة جاءت شاملة لكل ما يحتاجه المسلمون في حياتهم الدينية والدنيوية، موجهة لكل الثقلين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ذلك أن الهدف هو هداية الله للإنسان، دون قصر الدعوة على جنس بذاته، أو مكان معين؛ إذ إن دعوة الرسول- ﷺ موجهة إلى الناس كافة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]
(الأعراف الآية ١٥٨)
стр. 77
وقال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (الأنبياء الآية ١٠٧) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] (سبأ الآية ٢٨) .
وعلى ذلك إجماع المسلمين في كل العصور.
وقد وَضُحَ في القرآن الكريم، والسنة النبوية، كيف يؤدي المسلمون واجبهم في الدعوة إلى الله، وهو جانب من المنهاج الإسلامي الكامل.
وإن واجب المسلم لا يقتصر على نفسه فحسب، دون أن تكون له صلة بالمجتمع من حوله، ودون محاولة لهداية غيره إلى الله، متى كان قادرًا على ذلك.
стр. 78
بل تمتد رسالة المسلم إلى إصلاح غيره، مع إصلاح نفسه، وإلى رعاية حق الآخرين في معرفة طريق الهداية والفلاح.
ويُقصد بوسطية الدعوة، أن منهاج الدعوة إلى الله، هو أوسط المناهج وأعدلها وأقومها، وهو الجدير وحده بالاتباع في كل زمان ومكان، وأن هذا المنهاج جانب من التشريع الإلهي، يجب أن يلتزم به المسلم إزاء الآخرين، سواء أكانوا مسلمين يحتاجون إلى تنمية المعارف، أو تزكية النفوس، حتى يكون اتباعهم للشريعة صحيحًا، أم كانوا غير مسلمين تطلب لهم الهداية.
ويمكن أن نحدد بعض الملامح المهمة في منهاج
стр. 79
الدعوة، التي وردت في القرآن الكريم أو في السنة النبوية.
وهي أمور ينبغي للدعاة جميعًا التقيد بها، لا سيما الشباب من الدعاة إلى الله؛ إذ يتميز هؤلاء بفرط حماسهم إلى جانب إخلاصهم، وقد يرغبون في استعجال الثمرة والشعور بالنجاح في أداء رسالتهم، مما يدفع بعضهم إلى مجاوزة المنهاج الوسط، وهو الأقوم والأعدل في الدعوة إلى الله.
من أبرز الملامح في منهاج الدعوة، أن هداية الناس بيد الله ، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، قال تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (القصص الآية ٥٦) .
стр. 80
وأن مهمة الدعاة التبليغُ والبيان، قال الله تعالى:
﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] (التغابن الآية ١٢) .
وقال تعالى:
﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] (الشورى الآية ٤٨) .
فإذا بذلوا جهدهم في ذلك، فقد قاموا بالواجب، وأدوا الأمانة:
﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] (الشعراء الآية ٣) .
والإنسان يؤمن ويهتدي باختياره، ويكفر ويعصي باختياره كذلك، وسيجازى على عمله، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، قال الله تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
(البقرة الآية ٢٥٥) .
стр. 81
وقال سبحانه في حق الرسول صلوات الله عليه وسلامه:
﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] (يونس الآية ٩٩) .
ومن سنن الله القائمة، اختلاف الناس بين الإيمان والكفر: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] (السجدة الآية ١٣) .
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] (هود الآية ١١٨) .
وهذا من أهم ما يجب أن يعرفه الداعي إلى الله، فهو يدعو ويبذل جهده، ويبسط علمه أمام المدعوين، والله سبحانه يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم.
стр. 82
ومن أهم ملامح منهاج الدعوة إلى الله، وضوح طريقه ووسائله في القرآن الكريم، والسنة النبوية.
وأن الدعوة تكون عبر وسائل ثلاث: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، كما قال الله تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (النحل الآية ١٢٥) .
وهذه الوسائل الثلاث، تشمل كل أصناف المدعوين:
فالحكمة: وهي ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والسنة، تجذب أصحاب العقول والفطر السوية.
стр. 83
والموعظة الحسنة: أي ما في الكتاب والسنة من الزواجر والوقائع بالناس، يذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى.
والداعية بهذه الوسيلة يستميل أولئك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والذين تلين قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق.
أما من يحتاج فهمه إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كما قال الله تعالى:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (العنكبوت الآية ٤٦) .
لقد أمر الله نبيه ﷺ ، ومِن بعده الدعاة على طريقته، بالجدال بالوجه الحسن، وبلين الجانب،
стр. 84
كما أمر به موسى وهارون ﵉ حين بعثهما إلى فرعون في قوله تعالى:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] (طه الآية ٤٤) .
وهذه الأساليب الثلاثة، أهم أساليب الدعوة التي لا يخرج عن نطاقها والتأثر بها من المدعوين إلا من قال الله تعالى فيهم:
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]
(الأعراف الآية ١٤٦) .
ومنهاج الإسلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو باب من أبواب الدعوة إلى الله، منهاج الوسط والاعتدال.
فمن أوصاف الأمة الإسلامية التي استحقت بها الخيرية على الأمم، كونها تأمر بالمعروف،
стр. 85
وتنهى عن المنكر، قال الله تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران الآية ١١٠) .
وقد استحق بنو إسرائيل اللعن بتركهم لهذه الشعيرة، قال الله تعالى:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩] (المائدة الآيتان ٧٨، ٧٩) .
وعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أن يبدأ بنفسه، فيكون قدوة للآخرين، فقد عاب الله من يقول ولا يفعل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] (الصف الآيتان ٢، ٣) .
стр. 86
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يختلف من حال إلى حال.
ومنهاج الإسلام فيه، منهاج الوسط والاعتدال، وتقدير الأحوال والظروف والنتائج، ومراعاة الاستطاعة والقدرة.
لقد قامت الدعوة إلى الله على منهاج الوسطية، وكانت سنة النبي ﷺ مثلا أعلى في تطبيق هذا المنهاج، الذي سار على هديه الخلفاء الراشدون، والتابعون لهم بإحسان.
وفي هذه الفترة القليلة من الزمن في حياة الأمم، دخل الناس في دين الله أفواجًا، وتكوَّن المجتمع المسلم الواحد في عقيدته وشريعته وسلوكه الاجتماعي، على الرغم من امتداد،
стр. 87
الإسلام إلى أقاليم خارج شبه الجزيرة العربية، مثل: مصر والعراق والشام.
وكانت الدعوة إلى الله وفق منهاج الوسطية القرآنية، هي السبيل الأول لانتشار الإسلام ودعوته.
стр. 88
[المنهاج النبوي في الدعوة إلى الله]
المنهاج النبوي في الدعوة إلى الله إن المنهاج النبوي في الدعوة إلى الله، وهو المنهاج الوسط، يستدعي أن يتوفر في الدعاة إلى الله أمران مهمان:
الأمر الأول: الإخلاص لله، بحيث تكون نية الداعي في دعوته متجردة عن الهوى وحب الشهرة أو مغالبة الآخرين، أو تكثير الأتباع والأنصار، أو الحصول على مكاسب دنيوية.
أي: تكون خالصة لله وحده، باعتبار الدعوة عبادة لله سبحانه، وتبليغًا عن رسوله ﷺ مراده سبحانه من رسالة الإسلام.
الأمر الثاني: متابعة رسول الله ﷺ في الدعوة
стр. 89
إلى الله علمًا وعملًا، فهمًا وتطبيقًا. وهذان الأمران هما المرادان من قوله الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (الكهف الآية ١١٠) .
قال ابن كثير: (وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصًا لله، صوابًا على شريعة رسول الله ﷺ .
ومتابعة الداعي لرسوله محمد ﷺ ، تتطلب منه التفقه في دين الله، ومعرفة ما دل عليه الكتاب والسنة فيما يدعو إليه، وما سار عليه السلف الصالح، باعتبارهم جماعة الحق والفرقة الناجية، التي قال عنها رسول الله ﷺ :
стр. 90
«افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا ملة واحدة، قالوا، من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي» . (رواه الترمذي) .
لقد ضلت كثير من الفرق والطوائف في التاريخ الإسلامي قديمًا وحديثًا بسبب عدم التفقه في الدين، وعدم متابعة الرسول ﷺ ، وعدم معرفة ما كان عليه السلف الصالح.
وبذلك لم تتبع هذه الفرق سبيل المؤمنين، بل شاقَّت رسول الله ﷺ ، وخرجت عن الفرقة الناجية التي تمثل أمة الإسلام، الأمة الوسط، فاستحقت وعيد الله في قوله سبحانه
стр. 91
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (النساء الآية ١١٥) .
إن علامة الفرقة الناجية، هي متابعة رسول الله ﷺ ، ولزوم طريق المسلمين، من صحابته رضوان الله عليهم، ومن تبعهم وتابعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ومن مقتضى الإيمان برسول الله ﷺ ، متابعته وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، والاستمساك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، كما قال ﵊ في موعظته البليغة لأصحابه، التي أوصاهم فيها بالسمع والطاعة، وأخبرهم بأنه من يعش منهم
стр. 92
فسيرى اختلاقًا كثيرًا، وأن العاصم من الفتن والمرجع عند الاختلاف، هو العمل بسنته وسنة خلفائه الراشدين: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن ولي عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» . (رواه الإمام أحمد) .
وقال الله تعالى في هذا المعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] النساء الآية ٥٩)
стр. 93
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] (آل عمران الآية ٣١) . وهكذا: إذا أراد أي مسلم النجاة، وعلى وجه الخصوص العالم والداعية، فلا بد أن يتوافر في عمله أمران: إخلاص العمل لله وحده، ومتابعة رسوله ﷺ ، وصحبه الكرام، وسلف الأمة الصالح. وبهذا يكون من الفرقة الناجية المعتصمة بالكتاب والسنة.
стр. 94
[الانحراف عن منهاج الواسطية]
الانحراف عن منهاج الواسطية في آخر عهد الخليفة عثمان ﵁ ظهرت الفتنة بالانحراف عن هذا المنهاج الوَسَطيِّ في الدعوة، وأطلت الفتنة برأسها، وانتهت بمقتل الخليفة عثمان - رضي الله- عنه ظلمًا وعدوانًا.
وكانت هذه بداية الفتنة الكبرى في تاريخ الإسلام، وذلك حينما انحرفت دعوة الإصلاح أو الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الوجه الشرعي الصحيح، وظهر الخوارج عن منهاج الوسطية في الدعوة إلى الله، فكان ظهورهم انحرافًا عن منهاج الإسلام في الدعوة
стр. 95
إلى الإصلاح، وذكَّرهم الخليفة الراشد علي ﵁ بهذا المنهاج الأقوم والأرشد، ولكنهم تنكبوا الطريق، وعَدَوا على ولي الأمر وخليفة المسلمين بعد أن بايعه الناس ورضوه إمامًا لهم، وكان مسلكهم فيما يتظاهرون به من الدعوة إلى الله، على ما تحكي كتب التاريخ الإسلامي، واضح البطلان والزيف.
كانوا يتمسكون لفظًا بشعارات الإسلام، ويرتكبون عمدًا ما تنكره فرائض الإسلام وشريعته، فلم يصلوا إلى أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، وتفرقت جموعهم إلى فرق شتى، بعضها خرج من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية.
стр. 96
تحكي كتب التاريخ أن جماعة من الخوارج التقوا عبد الله بن خباب بن الأرت ﵁ وامرأته حامل متم، فجادلوه وقتلوه وامرأته، وشقوا بطنها عدوانا وظلمًا، ووضع أحدهم تمرة في فمه، فذكَّره زميل له بأنها لا تحل له؟ لأنها من نخل رجل كتابي، فأسرع الخارجي بلفظ التمرة من فمه، كأنه يرى ذلك ذنبًا عظيمًا أكبر في الإثم من قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.
وكفى بذلك وما ذكره المؤرخون من تعسفهم في الفهم، وتأويلهم الباطل، وانحرافهم في القصد، دليلا على مجانبتهم وزيغهم عن الحق، والمنهاج الأوسط والأقوم.
стр. 97
لقد ظل اسم الخوارج منذ انحرافهم الأول يطلق على كل فئة ضالة، تخرج عن منهاج القرآن وسنة الرسول ﷺ في إصلاح القلوب، وتزكية النفوس، وتشق عصا الطاعة، وتخرج على ولي أمر المسلمين، وتفارق الجماعة.
وقد ابتلي العالم الإسلامي في مناطق مختلفة منه بالابتعاد عن منهاج الوسطية في الدعوة، فأضر ذلك كثيرًا بانتشار الإسلام، والتزام المسلمين بأحكامه.
فهناك من فرطوا في الدين، وسعوا إلى تبديل حكم الله، واتباع الأهواء، والابتعاد عن جماعة المسلمين.
وهناك من الدعاة من ظنوا أن ذلك لا يصلحه
стр. 98
إلا التشدد والغلو، واتهام الأولين بالكفر والمروق من الدين، وإباحة دمائهم وأموالهم دون دليل شرعي سليم.
وبدأت تنتشر في العصر الحديث، دعوات وفرق وجماعات من المسلمين، تجانب الوسطية في دعوتها إلى إصلاح القلوب وتزكية النفوس، وهي تجاهر بعدائهما لأمتها، وأولياء الأمر فيها، وسائر الناس، وتخلع الطاعة التي يقوم عليها نظام المجتمع وسلامته، وأمن أفراده، وحرمة أموالهم وأنفسهم.
ومن الغريب أنهم يذهبون في ذلك مذاهب أهل الضلال والغلو من أتباع الأديان الأخرى مما عرف بالأصولية، يستهدفون التشدد والبعد عن
стр. 99
إعمال العقل، ويهتمون بمقاصد سياسية ظاهرة، بقصد السيطرة على المجتمع.
ومع الأسف سرعان ما نسب هذا الغلو والتطرف إلى الإسلام، وكأنه منه، فأصبحت كلمة الأصولية- وهي كلمة أوروبية المنشأ والأصل- وصفا للجماعات الإسلامية التي يعيبها التشدد والغلو، وتكفير الناس، واستباحة الدماء والأموال، والمسارعة إلى الخروج عن الطاعة.
وهذا كله مما يرفضه الإسلام ويدينه، ويرفضه أهل العلم فيه، جرى على ذلك فقه السلف والخلف، منذ ظهر الخوارج في العالم الإسلامي.
стр. 100
وهكذا ساعدت بعض جماعات المسلمين بمسلكها المجانب للوسطية والمخالف لشرع الله، في إلصاق مذاهب أهل الضلال بالإسلام واستيرادها إلى بلاده؛ لتقطع عليها طريق أمنها واستقرارها.
[فتنة التكفير]
فتنة التكفير: ومن أخطر صور الانحراف عن منهاج الوسطية، والبعد عن طريق رسول ﷺ ، وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان، القول بتكفير أصحاب الكبائر وخروجهم من الإسلام، تلك الفتنة القديمة الجديدة: قديمة؛ إذ قالت بها فئة ضالة خرجت على جماعة المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين،
стр. 101
فسماها المسلمون (الخوارج) ، وترتب على ضلالها في التكفير، والقول على الله وعلى رسوله بغير علم، فتن وخلافات بين المسلمين، سُفكت فيها الدماء، وانتهكت فيها الحرمات، وقاسى المسلمون من آثارها المدمرة منذ بدأت إلى الآن، آلامًا عظيمة، ومحنًا كبيرة.
وجديدة؛ لأن بعض الجماعات الإسلامية في الوقت الحاضر تقول بتكفير الحكام المسلمين والمجتمعات الإسلامية، وتدعو للخروج عليهم.
وهذه الجماعات بهذا المسلك تلتقي مع الخوارج في تكفير أصحاب الكبائر، والدعوة إلى الخروج على ولاة الأمر، وإثارة الفتن في
стр. 102
صفوف المسلمين.
ومن أسباب ضلال أصحاب هذه الأقوال، فهمُهم الخاطئ لقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] (المائدة الآية ٤٤) .
فقد فسَّروا الكفر هنا بالخروج من الدين، وأنه لا فرق بين من وقع فيه، وبين أصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام، ولم يرجعوا إلى فهم صحابة رسول الله ﷺ ، وأقوال الأئمة المعتبرين في هذا المجال، ولا إلى معنى لفظ الكفر في اللغة العربية.
وهذا مما يؤكد على ضرورة أن يكون الدعاة على علم بكتاب الله الكريم، وسنة نبيه ﷺ ،
стр. 103
وأقوال السلف الصالح في ذلك، ومدلولات اللغة العربية في نصوص الكتاب والسنة.
إن لفظ الكفر في هذه الآية، لا يدل على معنى واحد فقط، وهو الخروج عن الدين، شأنه شأن الظلم والفسق في الآيتين الكريمتين، وهما قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]
(المائدة الآية ٤٥) .
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]
(المائدة الآية ٤٧) .
فالوصف بالظلم، أو الفسق لا يعني خروج المتصف به عن الإسلام، فكذلك وَصْفُ من وصف بالكفر لا يعني خروجه عن الدين.
стр. 104
وقد بيَّن علماء السلف- ﵏ هذا الموضوع أحسن بيان، إذ قسَّموا الكفر إلى كفر عملي، وكفر اعتقادي.
وقد يراد بهذه الآية الكريمة الكفر العملي، الذي لا يُخرج من الدين بالكلية، ولكنه يدل على المخالفة في هذه الأعمال.
وقد قال ترجمان الأمة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ في هذه الآية: (ليس الكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، هو كفر دون كفر) .
وهذا التفسير هو الذي ينسجم مع النصوص الأخرى، التي وردت فيها كلمة الكفر، وهي لا تعني الخروج من الدين، كما في الحديث عن
стр. 105
رسول الله ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» . (متفق عليه) . فالكفر هنا هو المعصية، والخروج عن الطاعة، وليس الخروج من الملة.
يؤكد ذلك وصف الله تعالى الطائفتين المتقاتلتين بالإيمان في قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] (الحجرات الآية ٩) .
فوصف الله الطائفة الباغية بكونها من المؤمنين، وإن كانت تقاتل الطائفة التي على الحق.
стр. 106
ومثل ذلك ما ورد عنه ﷺ : «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت» . (رواه مسلم) .
وقوله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» . (متفق عليه) .
فجماعات التكفير التي تطلق الكفر على الحكام، أو على المجتمعات، دونما تفصيل ومعرفة للأحوال والواقع، تتابع ما قالته وفعلته الخوارج منذ القدم، في مرتكبي الكبائر وتكفيرهم بذلك.
وقد استغل هذه الأقوال الخاطئة أصحاب الأهواء والمصالح، من أجل تنفير المسلمين من
стр. 107
حكامهم، ودعوتهم للخروج عليهم.
إن على الدعاة أن يكونوا على بصيرة فيما يدعون إليه، وما يتعرضون له، من تفسير لآيات كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
إن قضية التكفير خطيرة لا يجوز بحال التساهل فيها، أو القول فيها بغير علم وبصيرة.
فالكفر والفسق والظلم، منه ما يخرج من الملة، ومنه ما يكون كفرًا عمليًّا ومعصيةً لله ورسوله.
فإذا ثبت للإنسان أن أحدًا استحل ما حرم الله، واعتقد في نفسه ذلك، حكم عليه بالكفر المخرج من الملة.
وإذا لم يثبت ذلك، فإن إطلاق الكفر المخرج
стр. 108
من الملة عليه بمجرد ارتكاب الكبيرة، أو فعل المعاصي، خلاف منهاج أهل السنة والجماعة، وصاحبه متوعد بقول رسول الله ﷺ : «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه» . (متفق عليه) .
وقد أنكر رسول الله ﷺ على أسامة بن زيد ﵁ قتله مشركًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، معتقدًا أنه قالها خوفًا من القتل، حيث قال له ﷺ : «أفلا شققت عن قلبه» . (رواه مسلم) .
فالإنسان لا يعرف ما في قلوب عباد الله الذين يرتكبون المعاصي والكبائر التي هي دون
стр. 109
الشرك والكفر، ما لم يفصحوا عما في قلوبهم من استحلال ما حرم الله.
إن المتأمل لما عليه أهل الضلال من المسلمين فرقًا وأشخاصًا- وإن أظهروا حماسًا للإسلام، واهتمامًا بأمور المسلمين - يدرك أن سبب ضلالهم، هو تنكبهم عن الطريق الصحيح، وفهمهم السقيم للإسلام، والعمل به، وبعدهم عن طريق رسول الله ﷺ وصحابته الكرام.
وهم حينما يثيرون عواطف كثير من الناس يؤلبونهم على حكامهم، وولاة أمرهم، دونما تفريق بين حاكم وحاكم ومجتمع وآخر، ودونما استناد صريح وواضح إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يخالفون طريق رسول الله ﷺ في
стр. 110
دعوته، فقد مكث ﷺ في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى توحيد الله، والدخول في دينه، وإفراده بالعبادة، ويعلِّم أحكام الدين، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، والصبر على ذلك.
وهذا هو الطريق الصحيح للدعوة إلى الله سبحانه.
إننا نجد كثيرًا ممن يكفِّرون الحكام، ويدعون إلى الخروج عليهم، وتأليب الناس عليهم، يقعون في أخطاء شنيعة في حياتهم الخاصة، وتعاملهم مع الناس، وفهمهم لأحكام دينهم، بل قد يتساهلون في أمور لها مساس بالعقيدة، وإفراد الله سبحانه بالعبادة، فيدعون مع الله
следующие страницы →