← Общие книги

Общие книги · id 30910

الأمة الوسط والمنهاج النبوي في الدعوة إلى الله

عبد الله بن عبد المحسن التركي

Полный текст (136 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المقدمة] الأمة الوسط والمنهاج النبوي في الدعوة إلى الله

стр. 2

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ. . أما بعد: فإنَّ هُنَاكَ الْكَثِيرَ منَ الْقضَايَا الَّتِي تتعلقُ بالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، والأمْر بالمعرُوفِ وَالنَّهْي عنِ المنْكر، تَتَطَلَّبُ الْبَحْثَ والْمُنَاقَشَةَ والحوَارَ، منَ المتخصصِينَ، في وَسَائِلِ الإعْلام، وَفِي الْجَامِعَاتِ وَدُورِ العلْمِ، ومؤسَّسَاتِ رِعَايَةِ الشَّبَابِ، وتثقيفِهِ، وتوجيهِهِ. ومن تلْكَ القَضَايَا المهمَّةِ، والموضُوعَات الكبيَرة مَا نَتَنَاوَله في هَذَا الكتَاب منْ بَيَان وَسطية الأمةِ الإسلاميةِ في المسائِلِ العقديةِ، والقَضَايَا الفقهيةِ والتشريعيةِ، وفي منهاجِ الدعوةِ إِلَى

стр. 3

الله، وتوضِيح أهمية الاستقَامة عَلَى تلكَ الوسطيةِ التي أرَادَهَا اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ. والكتاب كَانَ في الأصل مُحَاضرة بعنوان: "الأمة الوسط، والمنهاج النبوي في الدعوة إلى الله " ألقيتها في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران في ١٧ / ٦ / ١٤١٨ هـ. تلكم الجامعة التي قطعت مراحل متقدمة في العلم والمعرفة، وأهَّلت أعدادًا كبيرة من أبناء وطننا الغالي، المملكة العربية السعودية، وثلة من أبناء الدول العربية والإسلامية. لَقَدْ أَسْهَمَ خِرِّيجُو هَذِهِ الْجَامِعَةِ الْمُبَارَكَةِ منْ أَبْنَاءِ الْمَمْلَكَةِ، فِي تَنْمِيَةِ بِلَادِهِمْ، وتقدمها علميًا وحضاريًا، دون أن يفرطوا فيما يوجبه عليهم

стр. 4

دينهم. وذلك انسجامًا مع ما تسير عليه المملكة العربية السعودية، تخطيطًا وتنفيذًا، من التوازن والاعتدال، والتمسك بالثوابت الإسلامية والوطنية، والأخذ بما يجدُّ من العلم والمعرفة، مما تستدعيه نهضة المملكة، وأخذها بأسباب القوة والتقدم؛ لتمثل في واقعها المجتمع المسلم المهتدي بالإسلام، الذي لا يتصادم مع العلم، ولكنه يوجهه، ويستفيد منه، في تحقيق الخير والنفع، وعبادة الله سبحانه، التي خلق الله من أجلها الجن والإنس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (الذاريات الآية ٥٦) كانت المناسبة فرصة لأثير بعض القضايا التي

стр. 5

تحتاج إلى تذكير ومتابعة، مما يهمنا جميعًا أن يكون عليه شباب الأمة الإسلامية جمعاء، وشبابنا في المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، لما للمملكة من واقع إسلامي متميز، في تكوينها ونشأتها، وتطبيقها للإسلام، وتعاونها مع المسلمين أينما كانوا، نشرًا للدين، ودعوة إلى الاهتداء بهديه. ولما ينبغي أن يكون عليه شبابها من استقامة واعتدال، وفق منهاج الإسلام؛ لكي يؤدوا ما ينتظرهم من مهمات جسيمة، في خدمة دينهم ووطنهم وأمتهم. والجامعات، هي محضن الشباب، ومكان إعدادهم وتأهيلهم، لما ينبغي أن يكونوا عليه.

стр. 6

وَجَامِعَاتُنَا فِي الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السَّعُودِيَّةِ بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٍ، ثُمَّ بِمَا تُولِيهِ حُكُومَتُنَا الرَّشِيدَةُ مِنِ اهْتِمَامٍ وَعِنَايَةٍ، تَبْذُلُ جُهُودًا كَبِيرَةً فِي رِعَايَةِ أَبْنَائِهَا، وَتَرْبِيَتِهِمُ التَّرْبِيَةَ الصَّالِحَةَ عِلْمِيًّا وَسُلُوكِيًّا وَتَوْجِيهِيًّا. وَمَادَةُ التَّوْجِيهِ الْأَسَاسِيَةُ فِي جَامِعَاتِ الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السَّعُودِيَّةِ، هِيَ نُصُوصُ الْقُرْاَنِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا اسْتَنْبَطَهُ الْعُلَمَاءُ الْمُسْلِمُونَ مِمَّا اسْتندَ إِلَيْهِمَا. إِنَّ الشَّبَابِ الْمُسْلِمَ فِي كُلِّ شُعُوبِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، هُوَ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الْعِبْءُ الْأَكْبَرُ فِي مُسْتَقْبَلِ حَيَاتِهَا، فِي إِقَامَةِ الدِّينِ، وَالْقِيَامِ بِالْأَمَانَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَحَمَّلَهَا الْإِنْسَانُ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] (الأحزاب الآية ٧٢) . من أجل إقامة الدين وتأدية الأمانة، ينبغي للمسلم أن يعرف المنهاج الأعدل والأكمل في القيام بهذه الأمانة. والشباب أحوج ما يكون إلى معرفة المنهاج الرباني الذي اختص الله به هذه الأمة، وهو منهاج تفرد به الإسلام دون سواه. لقد جعل الله هذه الأمة أمةً وسطًا، ومن الضروري أن نتعرف على منهاج الوسطية، وهو منهاج عام للأمة الإسلامية كلها. والشباب المسلم أحوج ما يكون إلى اتباع هذا المنهاج في فهم أحكام الشريعة، وفي الدعوة إلى

стр. 7

الله على أساسه؛ لأن الأمة الإسلامية، هي الشاهدة على غيرها من الأمم يوم القيامة، ولأنها - بما هي عليه من الحق- شاهدةٌ على الخلق في هذه الدنيا، وقادرة على إصلاح نفسها، وإصلاح غيرها بما لديها من هدي الكتاب والسنة. أسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. الرياض في ١ / ٧ / ١٤١٨ هـ عبد الله بن عبد المحسن التركي

стр. 8

[الأمة الوسط في القرآن الكريم] الأمة الوسط في القرآن الكريم يُعَد الوحي الإلهي من الكتاب والسنة أساس التشريع، ومصدر الفكر الإسلامي. ومنذ نزول القرآن الكريم، وختم الرسالات الإلهية بالإسلام، تمت صياغة فكر المسلمين في أصوله وثوابته على هدي القرآن الكريم والسنة النبوية. وهذه الأصول والثوابت، ظلت أهم مرتكزات فكر المسلمين في جميع العصور، على اختلاف الزمان والمكان، وتنوع البيئات والأعراف والثقافات في البلاد التي ساد فيها الإسلام، منذ القرن الأول الهجري، وما تلاه

стр. 9

من انتشار للإسلام في أقطار واسعة، كان لبعضها ثقافات مميزة. وإذا كانت الأمة الإسلامية، قد بدأ بزوغها في المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية، وبدت ظاهرة قوية في حجة الوداع، حين خاطب النبي صلوات الله وسلامه عليه عشرات الألوف من المسلمين. فإن هذه الأمة لم تعد قاصرة على العرب، أو سكان شبه الجزيرة العربية، التي توحدت لأول مرة في تاريخها تحت سلطان المسلمين. لقد بدأت الأمة الإسلامية بالعرب، سكان شبه الجزيرة، ثم امتدت فيما بعد لتضم إليها شعوبًا أخرى في المشرق والمغرب، لا سيما في

стр. 10

القرنين الثاني والثالث الهجريين. ومعلوم أن وحدة الأمة الإسلامية، ولزوم جماعة المسلمين، وعدم التفرق من أجلِّ المقاصد الإسلامية، وأسمى الغايات الدينية، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (آل عمرن الآية ١٠٣) . وقال رسول الله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيلَ وقال وكثرة السؤال

стр. 11

وإضاعة المال» . (رواه مالك، وأحمد، ومسلم) . قال النووي ﵀: (وأما قوله ﷺ : ولا تفرقوا، فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين، وتأليف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام) . وفي حديث زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم» . (رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والدارمي) . ولما كانت تلك الوحدة التي تعد من قواعد الإسلام تقتضي توحد الأمة في منهاج التفكير.

стр. 12

فقد كان القرآن الكريم، هو الأساس الأولى في صياغة العقل المسلم على المستوى الفردي، وعلى المستوى الجمعي أيضًا، في شعوب تختلف أصولها العرقية، وبيئاتها، وأعرافها، وتراثها الحضاري والثقافي. وكان انتشار اللغة العربية، وسيادتها في كثير من البلاد التي فتحها المسلمون، من أهم العوامل التي ساعدت على توحد منهاج التفكير؛ إذ اللغة وعاء الفكر، ووسيلة التعبير عنه، وطريق انتقاله وذيوعه. [الأمة في القرآن الكريم] الأمة في القرآن الكريم: ورد لفظ (الأمة) في القرآن الكريم مرات عديدة، نحو خمسين مرة:

стр. 13

منها قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] (البقرة الآية ١٢٨) . وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] (البقرة الآيتان ١٣٤، ١٤١) . وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] (البقرة الآية ٢١٣) .

стр. 14

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] (المائدة الآية ٦٦) . وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥] (يوسف الآية ٤٥) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] (النحل الآية ١٢) وقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] (الزخرف الآية ٢٢) .

стр. 15

وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] (المؤمنون الآية ٥٢) . وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] (البقرة الآية ١٤٣) . [معاني الأمة في القرآن الكريم] وكلمة (أمة) في القرآن لها معانٍ عدةٌ: فدعوة إبراهيم وإسماعيل أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة، قيل: يعني العرب. قال ابن كثير: (والصواب أنه يعم العرب

стр. 16

وغيرهم؛ لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل) . وفي قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] (البقرة الآية ١٣٤) . الأمة: بمعنى السلف الماضي. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى: ٨] (الشورى الآية ٨) . ليس الخطاب هنا لهذه الأمة، بل لجميع الأمم التي أرسل إليها رسلًا بشرائع عدة، حتى اختتمت الشرائع بالشريعة الخاتمة، شريعة الإسلام. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] (النحل الآية ١٢٠) .

стр. 17

الأمة هنا: بمعنى الإمام الذي يقتدى به، أو الذي يعلِّم الخير. وقيل: أمة وحده، أي: كان مؤمنًا وحده. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] (يوسف الآية ٤٥) الأمة هنا: بمعنى المدة، أو النسيان. أي: ذكر صاحب يوسف وصيته له بعد مدة، أو بعد نسيان. [المعنى الغالب لكلمة أمة في القرآن الكريم] والمعنى الغالب لكلمة (أمة) في القرآن الكريم، هو معنى الجمع من الناس في مكان وزمان معين، وقد تكون بمعنى الجماعة من أي خلق من مخلوقات الله تعالى، كما في قوله :

стр. 18

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] (الأنعام الآية ٣٨) . أي: أصناف مصنفة. قال قتادة: الإنس أمة، والجن أمة، والطير أمة. [معاني الأمة في اللغة] وأما في اللغة، فإن لكلمة (أمة) معاني كثيرة، أشهرها وأشيعها أنها بمعنى الجماعة؛ إذ لا يكاد يفهم عند الإطلاق إلا هذا المعنى، قال ابن منظور في اللسان: وأمة الرجل: قومه، والأمة: الجماعة. ولفظ الأمة مفرد، ومعناه الجمع، كما نص عليه الأخفش، فإن أريد جمع لفظه قيل: أمم، قال الله تعالى:

стр. 19

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] (الأنعام الآية ٤٢) . وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٠] (الرعد الآية ٣٥) . وهذا المعنى الغالب للكلمة، هو المعنى السائد في تعريف (الأمة) في اللغات الأجنبية، الذي يدل عليه لفظ (NATION) بالإنجليزية، وهو نفس اللفظ في اللغة الفرنسية مع اختلاف النطق. والأمة أسبق من الدولة التي لم تظهر قبل التاريخ المدون، بينما سبقت الأمم بالظهور. فالأمة: جماعة كبيرة من الناس، تختمي إلى أصل عرقي واحد، يوجد بين أفرادها لغة

стр. 20

مشتركة، أو تاريخ مشترك ومصالح كبرى، فضلًا عن الوجود الجغرافي والتاريخي، لقرون طويلة في أرض بعينها. وهي تختلف عن الدولة، التي هي كيان قانوني يشتمل على ثلاثة عناصر، هي: الشعب، والأرض، وسلطة السيادة. فالأمة: كائن حي عبر العصور. أما الدولة: فهي كيان قانوني اقتضاه الواقع. والدولة قد تضم عدة أمم؛ إذ قد تتوسع دولة، وتضم أقاليم تختلف عنها في الأصل العرقي، أو في اللغة، أو في العقيدة، فتكون تلك الدولة قد ضمت أممًا مختلفة، مثل الإمبراطوريات القديمة في التاريخ، كالإمبراطورية الفارسية،

стр. 21

والرومانية، ومثل المد الاستعماري في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. فقد كانت الدول الاستعمارية، تضم أجناسًا من أعراق شتى، وعقائد مختلفة، ولغات متعددة، تنتمي لأمم معينة، ولكنها تخضع لسلطة الدولة المستعمِرة، التي تختلف عنها أو عن بعضها عرقيًا ولغويًا وحضارة وتاريخًا. [الوسط في القرآن الكريم] الوسط في القرآن الكريم: ورد لفظ (الوسط) ومشتقاته في القرآن الكريم في مواضع عدة: منها قول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] (البقرة الآية ٢٣٨) .

стр. 22

قيل: إن معنى الوسطى: الفضلى، وسميت بذلك؛ لتوسطها بين صلاتي الليل وصلاتي النهار. وقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (المائدة الآية ٨٩) . وأوسط الطعام هنا: هو الطعام الجيد الذي يأكل منه الإنسان. وقيل في (الأوسط) : ما بين القلة والكثرة. ويظهر من أقوال المفسرين: أن معنى الأجود والأفضل، هو المعنى الغالب.

стр. 23

وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨] (القلم الآية ٢٨) . قيل: الأوسط، هو الأعدل، وهو ظاهر لما قاله من طلب التسبيح والنصح بالمعروف. وقيل: أوسطهم عمرًا. والأول هو الأقرب للصواب. وقوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ٥] (العاديات الآية ٥) . الوسط هنا: بمعنى التوسط بين طرفين، وهو المعنى المناسب، والموقع الوسط، هو الأفضل في الغالب.

стр. 24

إن لفظ (الوسط) لغة: هو ما يكون بين طرفين. ويأتي الوسط بمعنى الاعتدال، والبعد عن الغلو. والوسط بطبيعته محمي من العوارض والآفات التي قد تصيب الطرفين. وهذا الوصف نظرًا لأصله، لا يتغير بتغيير موصوفه، يقال: رجل وسط، وأمة وسط. أما ما وصف الله به الأمة الإسلامية في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (البقرة الآية ١٤٣) . فقد ذكر للوسطية في الآية الكريمة ثلاثة معانٍ:

стр. 25

١ - العدالة: قال ﷺ بعد تلاوته للآية الكريمة: «والوسط: العدل» . (رواه البخاري في كتاب التفسير) . ٢ - الخيار والأجود: قال ابن كثير - رحمة الله- في تفسير الآية: (والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها) . ٣ - الاعتدال والتوسط: قال ابن جرير ﵀: (وأرى أن الله تعالى ذكره، إنما وصفهم بأنهم وسط، لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غُلُوٍّ فيه، غُلُوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقِيلِهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصيرٍ فيه،

стр. 26

تقصيرَ اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك؛ إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها، وأما التأويل، فإنه جاء بأن الوسط العدل وذلك معنى الخيار؛ لأن الخيار من الناس عدولهم) . ولا تزاحم بين هذه المعاني الثلاثة، فكلها صحيحة، والآية صالحة، وهي متلازمة مترابطة. فالآية تعني: أن الله جعلهم خيارا عدولا؛ ليشهدوا على الأمم أن رسلهم بلغتهم، ولا يشهد إلا العدل من الناس.

стр. 27

ووسط الشيء، خيره وأعدله. قال الشاعر يمتدح الرسول ﷺ : يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم ... وأكرم الناس أُمًّا برَّةً وأَبَا فمعنى الأمة الوسط: أنها خير الأمم، وأعدلها بالشهادة على غيرها من الأمم. والمعني: أن الأمة الوسط تحميها وسطيتها من الآقات والعوارض التي تلم بالأمم التي تغلو وتجانب الوسطية. والشهادة على الأمم، ميزة تتمتع بها الأمة الإسلامية، وهي ميزة مرتبطة بسببها، وهي أنها خير الأمم، وأعدلها، وأبعدها عن الغلو الذي يصيب العقول والأفهام، فينحرف بها إلى الفسوق أو الابتداع.

стр. 28

إِنَّ الْوَسَطِيَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ، تَتَمَيَّزُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي شرُفت بنزول القرآن، وحَفظَها القران بعد ذلك من أن تضمحل أو تنزوي، أو تصبح من اللغات القديمة، كاللغة الآرامية، والإغريقية، واللاتينية. فمعنى الوسطية الواردة في القرآن وصفا للأمة الإسلامية بجعل الله لها كذلك، يرتبط ارتباطا وثيقًا بدلالة اللغة، وباللسان العربي المبين الذي نزل به القرآن الكريم. والوسطية، إسلامية، وَلَيْسَتْ عَرَبِيَّةً؛ لأن المقصود بالأمة في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (البقرة الآية ١٤٣) . هو الأمة الإسلامية، التي تعتبر الأمة العربية

стр. 29

أهم مفرداتها. [المفهوم الفلسفي للوسطية] إن الوسطية هنا، ليست فلسفية، وليست خصيصة عرقية، ولكنها تتبع الإسلام، وهي خصيصة إسلامية، وميزة دينية أيضًا. فهي ليست وسطية فلسفية، كما هي عند أرسطو الذي تعني الوسطية عنده، تداخل الشيئين؛ لكي يتكون منهما في النهاية شيء آخر ثالث، يلغيهما، ويقف بدلًا منهما. وقد ظهرت وسطية أرسطو في مباحث الأخلاق. فالشجاعة مثلًا: حد جديد، مقتضاه إلغاء حدين آخرين: الجبن والتهور، ولكنه غيرهما، وهو فضيلة ووسط بين رذيلتين.

стр. 30

وقد انتُقدت الوسطية الفلسفية في مجال الأخلاق بالذات، بأنها تحاول أن تضع للأخلاق موازين حسابية أو هندسية. وَهَذَا الْمِقْيَاسُ لا يصحُّ، كَمَا ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ محمود عباس العقاد ﵀ إلا إذا كان مفروضًا على الإنسان أن يختار بين رذيلتين محققتين، فيختار التوسط بينهما. إِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْكَرَمِ لا تُعَدُّ فِي كُل حال إسرافًا، والزيادة في الشجاعة لا تعد دائمًا تهورًا. إذ إن ذلك يتوقف على ظروف عديدة، وبواعث نفسية، ومصالح عامة، بحيث تصبح زيادة الشجاعة، أو المبالغة في الكرم، زيادة في

стр. 31

الفضل، دعت إليها ظروف أو بواعث، أو مصالح اجتماعية. إِنَّ الْمَفْهُومَ الْإِسْلَامِيَّ لِلْوَسَطِيَّةِ، لا يلغِي الطَّرَفَيْنِ؛ لِيَتَكَوَّنَ مِنْهُمَا حدٌّ ثَالِثٌ، وَإِنَّمَا يَبْقَى فِيهِ الطَّرَفَانِ مُتَجَاوِرَيْنِ، وَيَحْتَفِظُ كُلُّ طرفٍ بوجُودِهِ، وذلك مما يتفق مع الطبيعة البشرية، التي ينتقل فيها الإنسان من حال إلى حال، ويختار بين المفترقات أو المتناقضات، بحسب دوافعه النفسية وحاجات الزمان أو المكان وظروفهما. وَلَعَلَّ مِنْ خَصَائِصِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْوَحْيُ الْإِلَهِيُّ، القرآن الكريم، أنها في معنى الوسطية، لا تنحو منحى ماديًا في اعتبار الوسط

стр. 32

موقعًا بين طرفين، أو درجة بين الأعلى والأدنى. بل يظهر في معنى الوسطية اللغوية، أنها الفضل والعدل والأجود، كما يظهر فيها أيضًا بدلالة اللغة، أنها الوسط بين طرفين، وبذلك يكون اللفظ جامعًا لمعان عديدة، مما يسهم في فهم شامل لمعنى الوسطية الإسلامية، وفي بيان مجالات تطبيقها، بحيث تصبح الأمة الوسط في الآية الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (البقرة الآية ١٤٣) . هي أمة الخير، والعدل، والشهادة، والتوسط بين الأمور.

стр. 33

[خيرية هذه الأمة] خيرية هذه الأمة: وثمة حقيقة ينبغي الالتفات إليها، وهي أن أي أمة من الأعم السابقة، لم توصف بأنها الأمة الوسط؛ لأن تلك الصفة إنما تتفق وتتمشى مع خيرية هذه الأمة، التي جاءت وصفًا آخر لها في قول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران الآية ١١٠) . وخيرية هذه الأمة من وجوه عدة: ١ - أمرها بالمعروف، ونهيها عن المنكر، وإيمانها بالله، كما في الآية الكريمة السابقة. ٢ - كونها أكثر الأمم نفعًا للناس، كما فسر أبو هريرة ﵁ الآية الكريمة بقوله:

стр. 34

«خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام» . ٣ - كونها أكثر الناس استجابة للأنبياء، قال ﷺ : «أنا أول شفيع في الجنة، لم يصدَّق نبي من الأنبياء، ما صُدقت، وإن من الأنبياء نبيًا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد» . (رواه مسلم) . ٤ - كونها لا تجتمع على ضلالة. ٥ - كون كتابها خير الكتب السماوية، ونبيها أفضل الأنبياء، وتقديمها على الأم في الحشر، كما في الحديث عن رسول الله ﷺ : «نحن الآخِرون السابقون يوم القيامة» . (متفق عليه) .

стр. 35

٦ - كونها أكثر أهل الجنة، كما قال ﷺ : «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» . (رواه مسلم) . لقد كان الهدف من بسط القول في لفظ (الأمة) ، ولفظ (الوسط) ، أن يتبين المعنى، وينجلي المقصود من اللفظين في لغة القرآن الكريم. فالأمة لا تقتصر على جماعة من الناس أو المخلوقات، كالطير مثلًا، وإنما يشير اللفظ إلى التفرد بخصائص وميزات. وهكذا لفظ (الوسط) الذي يكاد ينحصر معناه، في غير لغة القرآن الكريم، في أنه موقع بين طرفين، أو درجة بين الأعلى والأدنى، فإنه

стр. 36

يمتد في لغة القرآن الكريم إلى معنى الفضل والخير والعدل، فيصل إلى الدرجة الأعلى في الكمال أو الاكتمال. وبذلك يتوافق معنى الوسطية في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (البقرة الآية ١٤٣) . مع معنى الخيرية في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران الآية ١١٠) .

стр. 37

[الوسطية في المنهاج الإسلامي إجمالا] الوسطية في المنهاج الإسلامي إجمالا جاء وصف الأمة الإسلامية بالأمة الوسط، في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] (البقرة الآية ١٤٣) . وفي الحديث الشريف، أن الرسول ﷺ قال: «يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من

стр. 38

أحد، فيقال لنوح من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته، قال: فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: والوسط: العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم» . (رواه البخاري) . وفي تفسير ابن كثير عند تفسير الآية: (أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، هو اختبار للأمة وامتحان لها، ليعلم من يتبعُ عن يقين وإيمان، ومن ينقلب على عقبيه؛ لتكون خير الأمم شهيدةً على الأمم كلها، ولما جعل الله الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج، فالوسط هو العدل) . تبدو وسطية الإسلام واضحة وظاهرة، في

стр. 39

منهاجه الأعدل والأقوم. فالمنهاج الإسلامي القائم على الإيمان بالله، ووحدانيته، وتنزيهه، وإفراده بالعبادة، هو وحده الذي يضمن للبشر أن يتخلصوا من عبادة غير الله . فهو المنهاج الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، فلم تتخذ الأمة الإسلامية، السائرة على صراط الله المستقيم، أندادًا لله سبحانه، ولم يصفوا الله بأوصاف لا تليق به، كما فعلت اليهود، حين وصفوه بالفقر، وأن يده مغلولة. ولم تضل كما ضلت النصارى، الذين شبهوا المخلوق بالخالق، وأضفوا على عيسى - عليه

стр. 40

السلام- خصائص الألوهية، فغلت فيه، وجعلته شريكًا لله. إن منهاج الأمة الإسلامية، هو المنهاج الوسط المعتدل في أنبياء الله ورسله، حيث آمنوا بهم جميعًا، ولم يفرقوا بين أحد منهم، أو ينقصوه، أو يقتلوا أنبياء الله، كما فعلت اليهود: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠] (المائدة الآية ٧٠) . ولم يغلوا في أحد منهم، كما فعلت النصارى معِ عيسى ابن مريم ﵇ وإنما قدَّروهم حق قدرهم. قال ﷺ :
следующие страницы →