← Общие книги

Общие книги · id 30910

الأمة الوسط والمنهاج النبوي في الدعوة إلى الله

عبد الله بن عبد المحسن التركي

Полный текст (136 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يمتد في لغة القرآن الكريم إلى معنى الفضل والخير والعدل، فيصل إلى الدرجة الأعلى في الكمال أو الاكتمال. وبذلك يتوافق معنى الوسطية في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (البقرة الآية ١٤٣) . مع معنى الخيرية في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران الآية ١١٠) .

стр. 37

[الوسطية في المنهاج الإسلامي إجمالا] الوسطية في المنهاج الإسلامي إجمالا جاء وصف الأمة الإسلامية بالأمة الوسط، في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] (البقرة الآية ١٤٣) . وفي الحديث الشريف، أن الرسول ﷺ قال: «يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من

стр. 38

أحد، فيقال لنوح من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته، قال: فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: والوسط: العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم» . (رواه البخاري) . وفي تفسير ابن كثير عند تفسير الآية: (أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، هو اختبار للأمة وامتحان لها، ليعلم من يتبعُ عن يقين وإيمان، ومن ينقلب على عقبيه؛ لتكون خير الأمم شهيدةً على الأمم كلها، ولما جعل الله الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج، فالوسط هو العدل) . تبدو وسطية الإسلام واضحة وظاهرة، في

стр. 39

منهاجه الأعدل والأقوم. فالمنهاج الإسلامي القائم على الإيمان بالله، ووحدانيته، وتنزيهه، وإفراده بالعبادة، هو وحده الذي يضمن للبشر أن يتخلصوا من عبادة غير الله . فهو المنهاج الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، فلم تتخذ الأمة الإسلامية، السائرة على صراط الله المستقيم، أندادًا لله سبحانه، ولم يصفوا الله بأوصاف لا تليق به، كما فعلت اليهود، حين وصفوه بالفقر، وأن يده مغلولة. ولم تضل كما ضلت النصارى، الذين شبهوا المخلوق بالخالق، وأضفوا على عيسى - عليه

стр. 40

السلام- خصائص الألوهية، فغلت فيه، وجعلته شريكًا لله. إن منهاج الأمة الإسلامية، هو المنهاج الوسط المعتدل في أنبياء الله ورسله، حيث آمنوا بهم جميعًا، ولم يفرقوا بين أحد منهم، أو ينقصوه، أو يقتلوا أنبياء الله، كما فعلت اليهود: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠] (المائدة الآية ٧٠) . ولم يغلوا في أحد منهم، كما فعلت النصارى معِ عيسى ابن مريم ﵇ وإنما قدَّروهم حق قدرهم. قال ﷺ :

стр. 41

«لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» . (رواه البخاري) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى-: (فالمسلمون وسط في أنبياء الله وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. . . ولا جَفَوْا عنهم كما جفت اليهود، فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق. . . ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المنهاج، فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة، كما تقول النصارى، ولا كفروا به، وقالوا على مريم بهتانًا عظيمًا، حتى جعلوه ولد بغية، كما زعمت

стр. 42

اليهود، بل قالوا: هو عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم. . . وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله) . ووسطية أهل الإسلام المستقيمين على هديه، تبدو في الاعتدال والتوازن بين مطالب الدنيا والنظرة إليها، ومطالب الآخرة والعمل لها، والأخذ بالأسباب المؤدية إلى ذلك، دون إفراط أو تفريط، ودون إسراف أو تقتير، قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] (القصص الآية ٧٧) . يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال

стр. 43

الجزيل، والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات. . . . ولا تنس نصيبك من الدنيا، أي: مما أباح الله لك فيها من المآكل والمشارب والملابس والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا) . فالإسلام وسط بين من غلا في أمر الدنيا، ولم يهتم بالآخرة، وبين من غلا في أمر الآخرة، ونظر إلى الدنيا نظرة ازدراء وابتعاد. وهكذا التوازن بين مطالب البدن ومطالب القلب. فقد بلغ الرسول ﷺ أن ثلاثة رهط، أراد أحدهم أن يصلي الليل أبدًا، وأراد ثانيهم أن يصوم الدهر ولا يفطر، وعزم الثالث على أن

стр. 44

يعتزل النساء، فقال ﷺ : «أنتم قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أنا أصلي، وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» . (متفق عليه) . ومن ذلك الاعتدال في تناول الطيبات: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] (الأعراف الآية ٣١) . والاعتدال والتوازن في الإنفاق: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] (الإسراء الآية ٢٩) . ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (الفرقان الآية ٦٧) .

стр. 45

[الوسطية في العقيدة] الوسطية في العقيدة لقد خلص التوحيد في عقيدة المسلمين لله سبحانه مما شابه- بفعل تقادم العهد- من الشرك بالله، واتخاذ الأوثان والأصنام آلهة. كما خلص من كل دعوات التشبيه والتعطيل، التي ابتدعها أصحاب المذاهب التي استمدت من ثقافات غير إسلامية. وخلص من كل الأفكار الضالة والمنحرفة عن كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ . لقد سادت بين أهل السنة والجماعة عقيدة التوحيد الخالص، ولم يتأثروا بما واجهوه من انحرافات وأباطيل، وقاوم فقهاء أهل السنة

стр. 46

وعلماؤها التيارات المنحرفة، وهم أهل الاستقامة، وأصحاب الصراط المستقيم، والفرقة الوسط. لقد كان لهؤلاء العلماء أكبر الأثر في الحفاظ على وسطية الأمة وفكرها العقدي المستمد من القرآن الكريم ومن السنة النبوية، وقد لقي بعضُ الفقهاء في ذلك عنتًا وشدة، كما حدث للإمام أحمد بن حنبل ﵀ الذي تصدى لفتنة القول بخلق القرآن التي ثارت في عهد المأمون. لقد كانت الوسطية بمعناها القرآني، هاديًا وسراجا للدعاة والفقهاء، وسط تيارات عقدية تريد أن تزحزح الوسطية بمعناها القرآني عن مكانتها في الفكر الإسلامي.

стр. 47

لقد ساد في الفكر الإسلامي الصحيح، التوازن الظاهر بين الدين والدنيا، وبين العقل والنقل، وبين عَالَم الغيب وعَالَم الشهادة، وبين النفس والبدن. يقول الغزالي ﵀ في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد: (إن نظام الدين لا يكتمل إلا بنظام الدنيا، وإن نظام الدنيا شرط لنظام الدين) . فالوسطية الإسلامية، ليست سمة لفكر علماء معينين، ولكنها سمة العقيدة الإسلامية التي تمسَّك بها أهل السنة والجماعة في عصور المسلمين المختلفة، واعتبروا كل من يخرج عن هذه الوسطية في الاعتقاد أو السلوك، خارجًا عن الأعدل والأوسط، وذَمَّ هؤلاء العلماء كل

стр. 48

غلو أو تطرف يريد الإخلال بصفة الوسطية بمعناها القرآني، ويفرض الانحراف الفكري أو السلوكي في المجتمع الإسلامي. لقد سادت الوسطية في التفكير الإسلامي، سواء تعلق ذلك بالعقائد أم بالتشريع، وهو مجال رحب لظهور وسطية الإسلام. وقد استدل علماء المسلمين على مقولاتهم في العقيدة، أو الفقه، بالنقل الذي لا يخالفه العقل السليم، وميزوا بين الواقع والمثال، وبين الغايات والوسائل، واستدلوا بما في القرآن الكريم من الحوار والحِجَاج العقلي والمنطقي، وقياس الأمور على أشباهها وأمثالها. إننا نجد في القرآن الكريم في الإيمان بالله

стр. 49

ووحدانيته، ووجوب إفراده بالعبادة سبحانه، توجيهًا للإنسان للنظر في الكون المشهود، للاستدلال به، إلى جانب عَالَم الغيب الذي وردت في القرآن حقائق عنه، وكثير من مشاهده، يقول الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ - وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١] (الداريات الآيتان ٢٠، ٢١) . ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] (البقرة الآية ١٦٤) .

стр. 50

والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا. وفي مجال النبوات والوحي، ترد الأدلة في القرآن الكريم بما تخضع له العقول السوية والمنطق السليم. وفي تصديق الرسول والرسالة الخاتمة، والتدليل على صدقه ﷺ ، يقول الله تعالى على لسان نبيه محمد ﷺ ، مخاطبًا المنكرين: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] (يونس الآية ١٦) . ويأخذ على الكفار فساد حجتهم في قولهم: إنما يعلِّمه بشر، فيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (النحل الآية ١٠٣) .

стр. 51

وهذا التدليل، يجمع بين الفطرة الإنسانية السليمة القابلة للإيمان بالله، وبين الدليل العقلي أو الحِجَاج المنطقي. وهي وسطية، تخلو من التطرف والغلو الذي عابه ابن حزم على من أوجبوا لصحة الإيمان اصطناع الدليل العقلي بمقدمات ونتائج. فلم يترك أهل السنة والجماعة التدليل العقلي، مع ما في أيديهم من حجة الكتاب والسنة، وهي الحجة البالغة. ولم يستسلموا للعقل وحده في قضية الإيمان والوحدانية وعَالَم الغيب، كما فعلت الفلسفات القديمة، أو العلمانية الحديثة، حين اقتصرت على الدليل العقلي أو المنطقي، أو القياس

стр. 52

الفاسد بين عَالَم الغيب وعَالَم الشهادة، في قضايا الإيمان والوحي والرسالات السماوية، فجاء فكرها منقوصًا ومنقوضًا ومتصفا بالغلو والتطرف، في تقديس العقل وإهمال النقل، وقصور المنهاج، وكذلك لم يسلكوا مسلك الأشاعرة الذين ألغوا دلالة العقل في الأحكام الشرعية، ولا مسلك المعتزلة الذين قالوا باستقلالية العقل في التشريع، وهو ما يسمونه التحسين والتقبيح العقلي. إن المسلمين هم أول من سعى لإزالة التعارض الظاهري بين العقل والنقل، وأفردوا تلك القضية بمؤلفات عظيمة تدل على رسوخ قدمهم في المسائل العقلية، والحجج المنطقية، إلى، جانب حيازتهم قصب السبق في العلوم النقلية،

стр. 53

على غرار ما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الفريد (درء تعارض العقل والنقل) . وبذلك لم يدخل علماء المسلمين في متاهات الفلسفة الإغريقية، التي لم تنتج شيئًا له قيمة في قضية الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وشَبَّهها بعض فلاسفة الغرب المحدَثين بأنها حرث في الماء.

стр. 54

[توسط أهل السنة والجماعة بين الفرق الإسلامية] توسط أهل السنة والجماعة بين الفرق الإسلامية أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية من بين الفرق الإسلامية، وهم أصحاب المنهاج الحق، الذي يمثل وسطية الأمة الإسلامية. يقول الإمام ابن تيمية ﵀: (وهذه الفرقة الناجية هم وسط في النِحل، كما أن الإسلام وسط في الملل) . ويقول: (وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان) .

стр. 55

فأهل السنة وسط في مبحث الإيمان، والوعد والوعيد، ومرتكب الكبيرة، فلم يقولوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، لا يضره ارتكاب الكبيرة شيئًا، كما قالت المرجئة، ولم يقولوا: إنه كافر مخلد في النار، كما قالت الخوارج، ولم يقولوا: إنه يخرج من الإسلام ولا يدخل في الكفر، بل في منزلة من المنزلتين، كما قالت المعتزلة. بل توسَّط أهل السنة في ذلك، فقالوا: إنه مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهو تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذَّبه، ولا يخلد في النار، بل يدخل الجنة.

стр. 56

وتوسط أهل السنة في مبحث القضاء والقدر، فلم يقولوا: إن العبد مجبور على فعله، لا قدرة له، ولا إرادة، كقول الجبرية، ولا أنه يخلق فعل نفسه، وأن الله ليس بخالق لأفعال العباد، كقول المعتزلة. بل قالوا: إن للعبد إرادة، وهو فاعل لأفعاله في الحقيقة ومسؤول عنها، والله سبحانه خالق للعبد وأفعاله. وأهل السنة وسط في باب صفات الله، بين المعطلة النفاة، والمشبهة الممثلة، حيث يصف أهل السنة ربهم- بما وصفه به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يثبتون

стр. 57

لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، وينزهونه عن أي نقص: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (الشورى الآية ١١) . وتوسط أهل السنة في القول في الصحابة رضوان الله عليهم، فلم يكفروا أحدا منهم، كما فعلت الخوارج، أو يفسقوه، كما فعلت المعتزلة، ولم يروا العصمة لأحد منهم، أو يغلوا فيه، بل هم بشر يخطئون ويصيبون، وحملوا أعمالهم على أفضل المحامل. وتوسط أهل السنة والجماعة في تعظيم رسول الله ﷺ ، فلم يرفعوه عن مقام الرسالة، ويدَّعوا له شيئًا من خصائص الألوهية، مثل طائفة

стр. 58

البريلوية، ولم يتخذوا قبره عيدًا، ولم يفرطوا في حقه، مثل: غلاة الرافضة، فيفضلوا أحدًا من الناس مهما كان عليه. بل يعتقدون أنه عبد الله ورسوله، وأنه أفضل المرسلين، وسيد الخلق أجمعين، ويرون وجوب محبته، وأنها من الإيمان، ومن لوازمها طاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأنه خاتم النبيين، ولا يعلم من الغيب إلا ما علَّمه الله، وأنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، ويحذرون من الغلو فيه. وكذلك لم يرفع أهل السنة الصالحين فوق منزلتهم، ويفرطوا في تعظيهم، كما هو شأن بعض الفرق، مثل: الرافضة والصوفية، ولم

стр. 59

يقصروا في هذا الجانب، كما هو شأن طوائف أخرى، مثل: المعتزلة والجهمية. بل رأوا موالاة الصالحين، وذكر محاسنهم، والدعاء لهم، وأنهم أولياء الله، وأن لهم كرامات، ولا يفضلونهم على الأنبياء، أو يقولون بعصمة أحد منهم، ولا يجيزون بناء المساجد والقباب على قبورهم. ومن صفات أهل السنة والجماعة، العمل بالعلم، فقد روي عن الرسول ﷺ قوله: «طوبى لمن عمل بعلمه» . (رواه الطبراني والبيهقي) . وتوسطوا بين من لا يعملون بعلمهم، ومن يعملون بلا علم. كما لا يُزهِّدون الناس في العلم ويُنفِّرونهم

стр. 60

منه، كما نُقل عن بعض الصوفية. هذا هو منهاج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، المنهاج الوسط الذي جاء من عند الله، وبيَّنه رسوله ﷺ ، ودعا إليه، وسار عليه الصحابة- رضوان الله عليهم-، ومن تبعهم بإحسان.

стр. 61

[الوسطية في التشريع الإسلامي] الوسطية في التشريع الإسلامي لا شك أن التشريع الإسلامي، هو التشريع الوسط والأكمل بين الشرائع. ولذلك أهميته الكبرى؛ لأن الشريعة الملزمة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، هي الأساس في وحدة الأمة الفكرية والنفسية والعملية. وينبغي التمييز الحاسم والواضح بين أحكام الشريعة، متمثلة في نصوص الكتاب والسنة، وبين الاجتهاد والنظر في هذه النصوص. ولذلك، فإن الوسطية تبدو في حقيقتها، وفي أكمل صورها في النصوص الشرعية ذاتها. والفقه الإسلامي في جملته، والاجتهاد في

стр. 62

أحكام الشرع،. يستلهم تلك الوسطية المثلى القائمة في النصوص. وقد كانت الوسطية الإسلامية بمعناها القرآني، غائبة تمامًا عن كل القوانين الوضعية، ولا سيما في أصولها القديمة، وحتى إذا كانت هذه القوانين تنشد العدالة، فإن العدل بوصفه قيمة، تتغير صورته بحسب الزمان والمكان. وعلى سبيل المثال، فقد كان القانون الروماني، يحرم الأرقاء من كل مشاركة في الحياة العامة، وكان يجيز قتل كل الأرقاء الذين في خدمة النبيل إذا ثبت تآمر واحد منهم عليه، وكان من حق الدائن قتل المدين العاجز عن السداد، أو استرقاقه إلى الأبد، وطبقا لأحكام

стр. 63

ذلك القانون، كانت المرأة تدخل بيت زوجها عن طريق البيع أو وضع اليد، فيشتري الزوج زوجته بإجراءات البيع والشراء، وظل ذلك فترة طويلة. أما الوسطية القرآنية، فإنها تتجلى في منهاج التشريع الإسلامي كله. ويبدو ذلك وأضحًا في تنظيم المال والملكية، والاعتراف بملكية الفرد للمال، إلى جانب أنه يملكه استخلافا من الله ؛ لكي يؤدي رسالته في الحياة: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] (الحديد الآية ٧) . كما يبدو المنهاج الوسط، في الإقرار بحق

стр. 64

الفرد في المال، إلى جانب الاعتراف بأن للجماعة فيه حقًّا مقدرًا أو محددًا، يخصص لفقراء الجماعة، وهو الزكاة: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] (الذاريات الآية ١٩) . ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ - لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] (المعارج الآيتان ٢٤، ٢٥) . وقد أضيف المال في القراَن الكريم إلى صاحبه، كما في الآيتين السابقتين، وأضيف ملك السماوات والأرض وما فيهن إلى الله ، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] (المائدة الآية ١٢٠) .

стр. 65

كما أضيف المال بخصوصه إليه تعالى، قال سبحانه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] (النور الآية ٣٣) . وهذا المنهاج في النظر إلى المال، والهدف منه، وكيفية اكتسابه، وكيفية إنفاقه، هو المنهاج الأكمل والأعدل، في تنظيم أمر هام وجوهري في حياة الإنسان، وهو يتفق مع فطرة الإنسان وغريزته في حب التملك والاستئثار، ويوازن بينها وبين حق المجتمع في مال الله، وأن المال - ولو كان مملوكًا للفرد- فيه حقوق لله أو للجماعة. ذلك هو المنهاج الأمثل الذي يحفظ مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، ويوازن بينهما موازنة

стр. 66

عزَّت على أصحاب المذاهب والنظريات البشرية قديمَاَ وحديثًا. إن الموازنة واضحة في التشريع الإسلامي بين حقوق الله وحقوق العباد، مع أن الله تعالى هو المالك لكل شيء، وإليه يرجع الأمر كله. ورحمة من الله بالإنسان، قضى بأن يتمكن من التصرف في بعض الحقوق كما يريد؛ لأنه يحتاج إلى ذلك في حياته ومعاشه، بينما هناك حقوق لا تتعلق به وحده، حتى وإن كان ظاهرها يومئ إلى ذلك. ففي حد السرقة مثلًا، لا يصح للإنسان المسروق ماله أن يطلب إعفاء السارق من عقوبة الحد، إذا توافرت شروطه الشرعية، مع أن المال

стр. 67

المسروق ملكه، وكان يستطيع أن يهبه للسارق قبل أن تقع الجريمة، وتستكمل أركانها، وشروط توقيع الحد؛ لأن التنازل عن حد السرقة يدعو إلى شيوعها في المجتمع، وهو ما يقف دونه الشرع. وفي جريمة القتل العمد، وهي تقع على القتيل، ويقع ضررها على أقرب الناس للمقتول، وتضر بأمن المجتمع، نجد لأولياء القتيل حق العفو نظير دية، أو بغير مقابل، ونجد حق الولي أيضا في طلب القصاص، أخذًا بالعدل وشفاء للنفوس. هذا المنهاج التشريعي الأكمل والأعدل، يوازن بين الحقوق، ولا يضيف حقاَ لأحد على

стр. 68

حساب الآخر، ويتلافى عيوب مناهج أخرى عديدة، جعلت أولياء الدم لا سلطان لهم على الإطلاق، أو جعلت عقوبة القتل لازمة في كل حال، أو ألغت عقوبة القتل كلية، دون سند من عدل أو مصلحة، تعود على الفرد أو على المجتمع. وفي التشريع الإسلامي، موازنة دقيقة بين التكليف وبين الاستطاعة، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والمشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات. وفي مجال العبادات اعتبر الشرع أعذارًا عديدة تعفي المكلف، وإن لم تكن المشقة متحققة؛ نظرًا إلى أن العذر يؤدي إليها غالبًا، أو أن العذر مظنة للمشقة.

стр. 69

ومن تلك الأعذار، السفر في قصر الصلاة وإباحة الفطر، وكذلك الحيض في إعفاء المرأة من الصلاة أيامًا، يرجح فيها مشقة القيام بالتكليف بالصلاة أثناء حيضها، الذي هو من فطرتها التي فطرها الله عليها. لقد بُعث رسول الله ﷺ رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (الأنبياء الآية ١٠٧) . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (التوبة الآية ١٢٩) . وقال ﷺ : «إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا» . (رواه مسلم) .

стр. 70

فمنهاج الإسلام مبني على اليسر، ورفع الحرج، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (البقرة الآية ١٨٤) . وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (الحج الآية ٧٦) . وكان ﷺ يترك بعض الأفعال خشية المشقة على أمته، وكان إذا خُيِّر بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. ولما بَعث ﷺ معاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري إلى اليمن قال لهما: «يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا» . (متفق عليه) . ومن أقواله المشهورة- ﷺ : «إن الدين يسر

стр. 71

ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا. .» الحديث ". (رواه البخاري) . وللإنسان أن يأخذ بالأشد من المشروع، كأن يصلي صلاة طويلة، ولكن ليس له أن يُلزم الناس بذلك، فقد كان ﷺ أطول الناس صلاة إذا صلى لنفسه، ولكنه كان يخفف صلاته إذا صلى بالناس، مراعاة لأحوالهم. ولما سمع ﷺ بعزم نفر من أصحابه على الانقطاع للعبادة، قال: «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» . (متفق عليه) . إن منهاج الإسلام هذا وسط بين اليهود الذين

стр. 72

فرطوا في جنب الله، وحرصوا على الدنيا وملذاتها، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] (البقرة الآية ٩٦) . والنصارى الذين غلوا وابتدعوا رهبانية لم يشرعها الله، كما قال الله عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] (الحديد الآية ٢٧) . لقد ذمهم الله لابتداعهم في دينه ما لم يأذن به، وفي عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة تقربهم إلى الله. إن تشريع الله في العبادة، تشريع متوسط معتدل، بين الإفراط والتفريط، والغلو والتقصير:

стр. 73

﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] (الإسراء الآية ١١٠) . وعن جابر بن سمرة - رصي الله عنهما- قال: «كنت أصلي مع النبي ﷺ الصلوات، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا» . (رواه مسلم) . أي: كانت معتدلة، وسطًا بين الطول والقصر. ولا نستطيع في هذا المجال، أن نفصِّل وسطية التشريع الإسلامي، وعدله، وأفضليته في الأحكام الشرعية كلها، في العبادات، وفي المعاملات، وفي قواعده العامة، وأصوله الكلية، فهذا يحتاج إلى دراسة مقارنة دقيقة، بين منهاج التشريع الإسلامي، وبين ما هو

стр. 74

موجود في قصور المناهج الوضعية كلها، قديمًا وحديثًا. إن وسطية التشريع الإسلامي، تعني أنه الأكمل والأقوم والأعدل لحياة الإنسان بالمعنى القرآني للوسطية. فتشريع العبادات في هيآتها ومقاديرها وتكاليفها ومراتب وجوبها على المكلف، تتفق مع الأعدل والأقوم، وفطرة الإنسان، في الجمع بين الدنيا والآخرة. وفي أحكام المعاملات كما أشرنا، لا سيما في النظر إلى المال وملكيته، وحق الفرد وحق الجماعة فيه، تحصيلًا وكسبًا وإنفاقًا، نجد الوسطية ظاهرة.

стр. 75

وذلك لكي يدوم هذا التشريع الإلهي، صالحًا للناس في كل زمان ومكان، مما يجنب الأمة الإسلامية مخاطر التطرف والغلو والشطط، وغير ذلك مما نراه في كثير من شرائع البشر التي تختلف وتتعارض بحسب الزمان والمكان، والظروف والأهواء.
следующие страницы →