← Общие книги

Общие книги · id 30911

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء الكتاب والسنة

سليمان الحقيل

Полный текст (162 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة الطبعة الثانية] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فمنذ شهور قليلة صدرت الطبعة الأولى، من كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومع أنني كنت أتوقع أن يجد الكتاب إقبالا لدى القراء، نظرا لأهمية الموضوع وحيويته، إلا أنني - والحق يقال - لم أكن أتصور أن يلاقي الكتاب الإقبال الواسع الذي لقيه لدى القراء على اختلاف مشاربهم، إذ نفذت الطبعة الأولى كلها. وهذا فضل من الله جل وعلا وتوفيق منه، أحمده سبحانه وأشكر ما أنعم به من توفيق. وقد شجعني الإقبال على الكتاب على إعادة طباعته مرة ثانية، وقد أبقيت كل شيء فيه كما هو، دون حذف أو تعديل أو إضافة سوى إضافة رسالة هامة تتعلق بالأمور المنكرة وكيفية إنكارها للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أرسلها إلى أحمد بن محمد بن سويلم وثنيان بن سعود. أسأل الله جل وعلا أن يجعل، عملي خالصا لوجهه الكريم وأن يعز دينه ويعلي كلمته إنه نعم المولى ونعم النصير وصلى الله سلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤلف الأستاذ: الدكتور سليمان بن عبد الرحمن الحقيل

стр. 2

[تقديم بقلم معالي الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] تقديم بقلم معالي الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر د. عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على المصطفى وعلى الأصحاب الأخيار الشرفاء وبعد: فدونك أيها المسلم كتابا صغيرا في حجمه كبيرا في فوائده، جمع فيه المؤلف ما تناثر، وآلف بينه وفصل في موضوع من أهم ما ينبغي أن يكتب فيه حتى صار مادة سهلة ميسورة يعنى بها المسلمون عموما والمحتسبون خصوصا. . وقد ساق المؤلف - وفقه الله - كلاما كثيرا من العلماء المتقدمين والمتأخرين، ودلل على ذلك بما جاء في التنزيل وفي سنة المصطفى ﷺ . ومن المباحث الجيدة التي تلائم هذا الزمان ما عرضه المؤلف عن احتساب العامة (أي العوام من الناس) ، وفصل القول في ذلك وألزم من كان منهم في هذه البلاد المباركة، ألا يعمد إلى تغيير المنكر باليد ما دامت الهيئة موجودة، والأمر والنهي ظاهر، والمسئولية على تغيير

стр. 3

المنكر العام تقع على عاتقها، فأحسن في ذلك وأجاد. . ومما ينبغي أن يعلم أن الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الجهة التي خولها ولي الأمر (وفقه الله إلى ما يرضيه) بمحاربة المنكرات وفق أسس متينة ثابتة لهي - إن شاء الله - قادرة مستطيعة على إزالة المنكرات الظاهرة متى ما تكاتفت الأيدي وتضافرت الجهود بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، منطلقة في تأدية رسالتها بالتوجيهات والأوامر التي أمرنا بها ربنا - جل وعلا - في كتابه، وبما ثبت عن نبيه محمد ﷺ ، وبطاعة من ولاهم الله أمرنا في المعروف. وأسأل الله لمؤلف هذا الكتاب جزيل الثواب، وعظيم الأجر والذكر الحسن والعمل الصالح المقبول. كما أسأله - جلت قدرته - أن يرفع راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيها، ولله العز والتمكين، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] وأوصي في ختام تصديري لهذا الكتاب رجال الحسبة أن يقرأوا هذا الكتاب ويستفيدوا مما ما جاء فيه من المسائل العلمية، فهي بلا شك زادهم إلى تصحيح ما يرجى تصحيحه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 4

[مقدمة] مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فهذا كتاب أعددته عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعنوان: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ". وهنا أحب أن أقرر حقيقة، وهي أن كل ما قمت به من جهد في إعداد هذا الكتاب يتلخص في أنني قمت - بقدر الاستطاعة - بعملية استقراء واستقصاء لما كتبه بعض علماء الإسلام قديما وحديثا حول موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم حاولت تقرير ما اطلعت عليه من أقوال هؤلاء العلماء لتقديمه إلى القارئ بأسلوب ميسر وعبارات واضحة من أجل بيان حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقواعد والمبادئ العامة التي تحكم طريقة القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. . . . كما أوضحها علماء الإسلام على ضوء ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وأداء للأمانة العلمية، وثقت كل كلمة نقلتها ونسبتها إلى قائلها. . وهذا الكتاب ليس موجها إلى العلماء في ميدانه، لأنه في الواقع ثمرة من ثمرات إنتاجهم. الكتاب موجه إلى الشباب الصلحاء الأخيار

стр. 5

الذين يعدون أنفسهم للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنية صادقة وإيمان عميق، لكي يأمر هؤلاء الشباب بما يجب الأمر به شرعا وينهوا عما يجب النهي عنه شرعا. . . ولتحقيق هذه الغاية جاءت محتويات هذا الكتاب لتجيب على أسئلة عديدة منها: من هم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وما موقف الأمم الماضية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ما مظاهر اهتمام علماء الإسلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ما تعريف المعروف؟ وما معنى الأمر بالمعروف؟ ما تعريف المنكر؟ وما معنى النهي عن المنكر؟ ما أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومدى الحاجة إليه؟ ما الأضرار الناتجة عن إهمال القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ما حكم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ متى يكون الأمر بالمعروف فرض كفاية؟ ومتى يتعين كونه فرض عين؟ ما الحكمة من إيجاب الشريعة الإسلامية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ما الشروط الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟ متى يكون الأمر بالمعروف واجبا، ومتى يكون مستحبا، ومتى يكون محرما؟ ماذا يعني قول العلماء: " درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة " في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ماذا يجب أن يكون عليه موقف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فيما يتعلق بالأمور الكلية والجزئية؟ . ما الكيفية والأساليب التي تؤدى بها فريضة الأمر بالمعروف والنهي

стр. 6

عن المنكر؟ ما الأصل في تقرير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ . هذه بعض الأسئلة التي أعد الكتاب من أجل الإجابة عليها. وقد احتوى هذا الكتاب على أربعة فصول: تضمن الفصل الأول نبذة تاريخية عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفضله ومدى الحاجة إليه وبعض الأضرار المترتبة على عدم القيام به. وتضمن الفصل الثاني: حكم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نوعية الواجب: هل هو فرض كفاية أم فرض عين؟ الحكمة من إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشريعة الإسلامية، الشروط الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما الفصل الثالث فقد تضمن أهم القواعد والمبادئ العامة التي تحكم طريقة القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما الفصل الأخير فقد تضمن بيان الصفات، والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ليتمكن من القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الأكمل. وقد ألحقت بهذا الكتاب رسالة هامة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يبين فيها كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأخير، أسأل الله، جل وعلا أن يجعلنا جميعا من الآمرين بالمعروف

стр. 7

الناهين عن المنكر، وأن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به معده وقارئه. ولا يفوتني أن التمس من أخي المسلم قارئ هذا الكتاب أن يتفضل مشكورا، بإبداء ملاحظاته وتوجيهاته، فإن المؤمن مرآة أخيه المؤمن، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الأستاذ الدكتور سليمان بن عبد الرحمن الحقيل

стр. 8

[الفصل الأول نبذة تاريخية عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] [أولا نبذة تاريخية عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمم الماضية] تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - أهميته - فضله - بعض الأضرار المترتبة على إهماله

стр. 9

أولا: نبذة تاريخية عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ١ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمم الماضية: لقد بعث الله، جل وعلا، أنبياءه وأرسل رسله، وحملهم مهمة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد دل قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] (١) وقوله تعالى في وصية لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] (٢) دلت هذه الآيات الكريمة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانا واجبين في الأمم المتقدمة. ويقول ابن تيمية ﵀: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله من الدين " (٣) . ويقول الرازي: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، إن

стр. 10

هذه الصفات الثلاث كانت حاصلة في سائر الأمم " (١) . ويقول القرطبي: " إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانا واجبين في الأمم المتقدمة وهما فائدة الرسالة وخلافة النبوة " (٢) . ويقول العلامة سيف الدين الآمدي: " ما من أمة إلا وقد أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر كنهيهم عن الإلحاد وتكذيب أنبيائهم " (٣) . وعندما بعث نبينا ﷺ برسالة الإسلام للناس كافة، قام بواجب الأمر بالمعروف بنفسه وكلف بعض أصحابه بالقيام به، وقد وصف الله، جل وعلا، نبيه محمد ﷺ بأنه يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك في قوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٤) . وكان ﷺ كما وصفه ربه تعالى آمرا بالمعروف إذا رآه متروكا، ناهيا عن المنكر إذا وجده مفعولا. ولم يقتصر احتسابه على جانب من جوانب

стр. 11

الحياة بل شمل جميع شئون الحياة (١) كلها ومن أمثلة قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنفسه وإسناده إلى غيره (٢) ما رواه في الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر، ﵄، قال: «أمرني رسول الله أن آتيه بمدية - وهي الشفرة - فأتيته بها فأرسل بها، فأرهفت، ثم أعطانيها، وقال " اغذ علي بها " ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق خمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني، فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي، وأن يعاونوني، وأمرني أن آتي إلى الأسواق كلها فلا أجد زق خمر إلا شققته، ففعلت فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته» (٣) . وبعد وفاة الرسول ﷺ ، قام خلفاؤه وأصحابه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير قيام، وامتد اهتمام المسلمين بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قرونا طويلة، وكان من نتائج القيام بهذا الواجب العظيم أن عاش المجتمع الإسلامي في أنظف حياة وأسعدها وآمنها، لا يكاد يقع فيه منكر حتى يتتابع الإنكار له، ويتداعى

стр. 12

المسلمون إليه فيقضى عليه في مهده، وبهذا عاش مجتمعا مهيبا، طاهرا، لا يتوقح فيه أهل الفساد، ولا يتجرأ فيه أهل المعصية، وكانت العزة فيه لله ولرسوله وللمؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والحافظين لحدود الله، حتى خلفت بعد ذلك خلوف، جعلوا الدنيا أكبر همهم، ومبلغ علمهم، ونسوا الله فأنساهم أنفسهم، فتقطع بينهم، وانفرط عقدهم، فلم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر، إلا قليل ممن رحم ربك فكان ذلك سبب ما أصابهم من ذل واستعمار وفقر ودمار: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣] (١) . لقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بهما، والصبر عليهما السر فيما تحقق للمسلمين من خير وبر وحياة نظيفة ودنيا صالحة واسعة على مدى تاريخهم الطويل (٢) . [تبني الدولة الإسلامية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل رسمي] ٢ - تبني الدولة الإسلامية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل رسمي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غاية الدولة الإسلامية، وهو الأساس المتين الذي بنيت عليه، وهو الغرض المنشود الذي وجدت من أجله الدولة الإسلامية، وهو الذي يميزها عن غيرها من الدول والحكومات، يقول ابن

стр. 13

تيمية ﵀: " إذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو المعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، وهذا نعت النبي والمؤمنين " (١) . ويقول ابن العربي المالكي: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو أصل الدين وخلافة المسلمين " (٢) . " وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملا واحد، من أعمال الدولة الإسلامية بل هو كل عملها، هو الذي تسعى وراء تحقيقه بجميع وسائلها وأسبابها. ويخضع له ويعمل كل قسم من أقسامها وكل شعبة من شعبها " (٣) . يقول الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم كلاهما بلفظ واحد: " جميع الولايات الإسلامية مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " (٤) ويفصل ابن تيمية ﵀ هذا الإجمال فيقول: " والولايات كلها الدينية مثل أمرة المؤمنين، وما دونها من ملك ووزارة وديوانية سواء كانت كتابة خطاب أو كتابة حساب المستخرج أو مصروف أرزاق المقاتلة أو غيرهم، وبكل إمارة حرب وقضاء وحسبة وفروع هذه الولايات إنما

стр. 14

شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " (١) . ولقد بلغ اهتمام المسلمين بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن تبنت الدولة الإسلامية بشكل رسمي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأقامت ولاية الحسبة، لهذه المهمة، وكانت هذه الولاية منبثقة عن رئيس الدولة ومتصلة به مباشرة. وولاية الحسبة كما عرفها علماء المسلمين: " أمر بمعروف ظهر تركه ونهي عن منكر ظهر فعله " (٢) . وقد ذكر عدد من الباحثين (٣) ما يفيد بأن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ هو مؤسس نظام الحسبة. يقول القلقشندي: " وأول من قام بهذا وصنع الدرة عمر بن الخطاب، ﵁ في خلافته ". وفي العصر العباسي ازدهرت الحياة الاجتماعية، واتسعت التجارة ونمت حركة الأسواق، وتعددت المهن وبرزت ولاية الحسبة قوية السلطة. يقول الإمام الماوردي: " لما اتسع نطاق التجارة وأصبحت موردا لأهل الأعواز من كافة البلاد يتناولون فيها حاجتهم من المال، وقع غش فاحش في التجارة، وصارت الصيارف من اليهود وغيرهم يعطون مالهم بالربا،

стр. 15

على أن يعاد عليهم المثل في نهاية العام مثلين وأكثر منه، فأقام الرشيد محتسبا ليكون بالأسواق ولفحص الأوزان والمكاييل من الغش، وينظر في معاملات التجارة على أن تكون جارية على سنن العدل حتى لا تجامل الشرفاء على الضعفاء، والأغنياء على الفقراء " (١) . [اهتمام علماء الإسلام بالحسبة] ٣ - اهتمام علماء الإسلام بالحسبة: من مظاهر اهتمام علماء الإسلام بالحسبة: ما حدث من حركة تأليف في موضوعها، حيث ألفت الكتب التعليمية بهدف توضيح دور المحتسب ومساعدته للقيام بواجباته على الوجه الأكمل. ويبرر الإمام الماوردي ﵀ المتوفى سنة ٤٥٠ هجرية التأليف في الحسبة بقوله: " والحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها، ولكن لما أعرض السلطان عنها وندب لها من هان وصارت عرضة للتكسب وقبول الرشا لان أمرها وهان على الناس خطرها، وليس إذا وقع الإخلال بقاعدة سقط حكمها، وقد أغفل الفقهاء عن أحكامها ما لم يجز الإخلال به، وإن كان أكثر كتابنا هذا يشتمل على ما قد أغفله الفقهاء أو قصروا فيه. . . فذكرنا ما أغفلوه واستوفينا ما قصروا منه " (٢) ويتضح من خلال ما

стр. 16

قاله الماوردي الأسباب التي دعت إلى التأليف في موضوع الحسبة وهي إرشاد المجتمع الإسلامي إلى جادة الصواب وتبصير المحتسب بما له وما عليه من حقوق تجاه المجتمع الإسلامي وقد تشابهت محتويات هذه الكتب لسببين (١) الأول هو أنها جميعا تهدف إلى تدريب وتعليم المحتسب ليقوم بواجب الاحتساب على الوجه الأكمل، والثاني هو أنها ألفت في مجتمع واحد تسوده نفس القيم والأفكار بالإضافة إلى أن كلا منها اقتبس مؤلفه ممن سبقه ويلاحظ أن التأليف في الحسبة مر بمرحلتين: مرحلة كان التأليف في موضوع الحسبة مختلطا بالمباحث الفقهية العامة وهذه هي المرحلة الأولى، أما المرحلة الثانية فهي ظهور الكتب الخاصة بالحسبة. وهذا النوع تأخر ظهوره حتى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري. ومن كتب المرحلة الأولى: كتاب الأحكام السلطانية للماوردي وكتاب الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي، وهذان الكتابان من أهم الكتب التي تعرضت لكل ما يتعلق بالأحكام السلطانية والسياسة الشرعية، سواء ما ارتبط بالحاكم والحكم أو ما ارتبط بشئون المال والجباية والخراج والأموال. وهناك كتب أخرى تعرضت لموضوع الحسبة، وتحدثت عن ولاية الحسبة سواء من الناحية التاريخية أو من الناحية التطبيقية، ومن أهم تلك الكتب: مقدمة ابن خلدون، وصبح الأعشى للقلقشندي وإغاثة الأمة للمقريزي.

стр. 17

أما مؤلفات المرحلة الثانية وهي التي تخصصت في موضوع الحسبة وبخاصة ما يتعلق بكيفية الحسبة على أنواع الحرف كالحسبة على الأطباء والخبازين والجزارين والطباخين، والحسبة على المكاييل والموازين، والحسبة على الأسواق والأبنية، والطرقات، والدروب، والحسبة على المبايعات الفاسدة وتدليس الأثمان، والغش والاحتكار. . . هذه المؤلفات متعددة وكثيرة ويطول بنا المقام لو حاولنا حصرها؛ لذا سوف نذكر نماذج فقط منها. ولعل من أهم هذه الكتب وأقدمها كتاب " أحكام السوق" لمؤلفه يحيى بن عمر الأندلسي الذي ألفه وهو بمدينة سوسة في المغرب. وأما في المشرق الإسلامي فقد ألف في نفس الوقت تقريبا " كتاب الاحتساب " للإمام الناصر للحق الإطروش المتوفى سنة ٣٠٤ هـ. ومن هذه الكتب أيضا كتاب " نهاية الرتبة في طلب الحسبة " لعبد الرحمن الشيرزي، منها كتاب " نهاية الرتبة في طلب الحسبة" لمؤلفه محمد بن أحمد البسام، ومنها كتاب " معالم القربة في أحكام الحسبة" لمؤلفه محمد بن محمد بن أحمد القرشي المعروف بابن الإخوة المتوفى (٧٢٩هـ) . ومن الكتب المهمة في موضوع الحسبة كتاب: " الحسبة ومسئولية الحكومة الإسلامية " لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وبالإضافة إلى هذه الكتب فهناك كتاب في " آداب الحسبة " لمحمد بن أحمد السقطي المالقي الأندلسي، هذه بعض مؤلفات علماء الإسلام في

стр. 18

موضوع الحسبة (١) التي تعد بابا من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويمكن تقسيم ما ذكره العلماء من أعمال ولاية الحسبة إلى ثلاثة أقسام. الأول: إصلاح الأمة الديني والخلقي نحو إلزام الناس بإقامة الصلاة، وتفقد الأئمة والمؤذنين ألا يفرطوا ولا يتهاونوا في أداء واجبهم، ومنع غير الأكفاء عن الإدلاء برأيهم في مسائل الشريعة، وتفقد الناس ألا يأتوا بما يعارض الأخلاق أو الشريعة كالجلوس إلى النساء المحرمة ومخالطتهن وغير ذلك. الثاني: مراقبة الشئون التي لا تدخل في نطاق القضاء أو يصعب رفعها إلى المحكمة نحو البخس والتطفيف في الكيل أو الوزن، أو التدليس في البيع أو ثمن، والغش في المطاعم والمشارب، وبيع الأشياء المحظورة، والعقود المحرمة والاحتكار، وغير ذلك. الثالث: مراقبة المرافق العامة نحو إصلاح شربهم وبناء سورهم ومعونة أبناء السبيل. . . وهدم البنايات المشرفة على السقوط بحيث لا تضر بنفس ولا مال، وغير ذلك (٢) .

стр. 19

[وظائف المحتسب] ٤ - وظائف المحتسب: مما سبق نستطيع القول بأن وظائف المحتسب كثيرة ومتعددة، وقد ذكر المؤلفون في موضوع الحسبة أنواعا مختلفة من مسئوليات المحتسب وكيفية قيامه بتلك المسئولية، وفيما يلي أهم وظائف المحتسب (١) ١. ١ - القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو باب واسع، فالمعروف اسم لكل ما أمر به الشرع من قول أو عمل أو اعتقاد، والمنكر اسم لكل ما نهى عنه الشرع من قول أو عمل أو اعتقاد. ٢ - ومن وظائف المحتسب مراقبة الآداب العامة، فعلى المحتسب أن يعمل على حماية الآداب العامة وعدم السماح بأن ترتكب الفواحش، وأن يتعود الناس على عادات تخالف الآداب الإسلامية في لباسهم وعاداتهم، واختلافهم، وأحاديثهم، وتسليتهم، وأفراحهم، وعلى المحتسب أن يدرك أنه لا يجوز له أن يقيد حريات الناس فيما أجازه لهم الشرع الإسلامي من إباحات وحريات؛ لأن الإسلام لا يمنع من أن يمارس المواطن المسلم حياته السليمة والصحيحة. ٣ - مراقبة الصحة العامة: من وظائف المحتسب مراقبة الأماكن العامة التي يرتادها الناس للعلاج كالمستشفيات، أو للطعام كالمطاعم العامة، أو للإقامة كالفنادق، أو للنظافة كالحمامات

стр. 20

العامة، كما يجب عليه أن يراقب المهن التي ترتبط بنظافتها صحة الناس، كالخبازين والطباخين والجزارين وغيرهم، وذلك للعمل على توفر الشروط الصحية اللازمة. ٤ - مراقبة الأسواق: ومن وظائف المحتسب مراقبة الأسواق العامة والموازين والمكاييل والمبايعات وأنواع الغش والتدليس والاحتكار والمعاملات الربوية. ٥ - مراقبة أماكن التعليم: يجب على المحتسب أن يراقب بدقة أماكن التربية والتعليم وأن يطلع على سير التعليم ومناهجه وأسلوب تلقينه. . فيعمل على منع ما هو فاسد منه وتشجيع ما هو حسن. ٦ - مراقبة الأبنية: ومن وظائف المحتسب مراقبة الأبنية العامة ليرى مدى توافر صفات الإتقان في بنائها لئلا تهدد حياة الساكنين فيها. . هذه أهم وظائف المحتسب كما تحدث عنها علماء الإسلام. ويلاحظ أن اختصاصات وصلاحيات المحتسب المكلف أصبحت من اختصاص العديد من أجهزة الدولة الإسلامية في العصر الحديث، لذا فقد أصبح من واجب هذه الأجهزة بما يتهيأ لها من إمكانات أن تطبق قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقوم بواجبه وفق أحكام الشريعة الإسلامية السمحة. لقد أصبحت الأمانة الآن متمثلة في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصفتها هيئة للحسبة مكلفة، وفي البلديات بمختلف اختصاصاتها

стр. 21

وفروعها، وفي وزارة التجارة والصحة ووزارة المعارف ووزارة التعليم العالي ووزارة العمل والشئون الاجتماعية والرئاسة العامة لتعليم البنات، وفي كل جهاز من أجهزة الدولة التي تشرف على حياة المجتمع، وأن على كل جهاز من هذه الأجهزة واجبا كبيرا ومسئولية ضخمة تجاه تطبيق نظام الحسبة، ونحب أن ننبه إلى أن ما حدث من توزع في اختصاصات وصلاحيات المحتسب في العصر الحديث إنما تتعلق بالمحتسب المكلف من قبل ولي الأمر. هذه لمحة تاريخية موجزة عن الحسبة في الإسلام أوردناها كمدخل للحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعناه الشامل. ونستطيع القول بكل ثقة أن الحسبة قد وفرت الحياة السليمة للمجتمع الإسلامي. [مزايا الحسبة] ٥ - مزايا الحسبة:. وكان من مزايا الحسبة ما يلي: ١ - القدرة على إزالة المنكر وتغييره في الحال، بدون إجراءات طويلة تفلت المذنب. ٢ - الحسم، والسرعة في فصل القضايا، وعدم تعطيل الناس، وذلك للصلاحيات المقررة للمحتسب، فقد كان يجمع في يديه سلطة رجال الضبطية القضائية والتنفيذية (١) .

стр. 22

٣ - وقد ترتب على ذلك: إعزاز سلطان الشرع، وخضوع الناس له رغبة أو رهبة، مما نقى حياة الناس دهرا طويلا من المنكر والبغي وجعلهم يعيشون في سعة وعافية وتعاون على البر والتقوى، فتوفر على أمور العامة رجال يراقبونها في ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وتنصيب الدولة رجالا للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصفة رسمية، يجعل القيام بهذا الأمر واجبا عليهم، وجوبا عينيا بخلاف المحتسب المتطوع فإن وجوبه عليه داخل في فروض الكفاية. وقد حدد العلماء الفرق بين المحتسب المكلف من قبل الدولة الإسلامية والمحتسب المتطوع. [الفرق بين المحتسب والمتطوع] ٦ - الفرق بين المحتسب والمتطوع: والفرق بينهما عند الإمام الماوردي من تسعة أوجه هي: (١) . ١ - أحدها أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخل في فروض الكفاية. ٢ - والثاني أن قيام المحتسب به من حقوق تصرفه لا يجوز أن يتشاغل عنه، وقيام المتطوع من نوافل عمله الذي يجوز أن يتشاغل عنه بغيره.

стр. 23

٣ - الثالث أنه منصوب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاره، وليس المتطوع منصوبا للاستعداء. ٤ - والرابع أن على المحتسب إجابة من استعداه، وليس على المتطوع إجابته. ٥ - الخامس أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرات ليصل إلى إنكارها، ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعة بحث ولا فحص. ٦ - والسادس: " أن له أن يتخذ على إنكاره أعوانا لأنه عمل هو له منصوب، وإليه مندوب، ليكون له أقهر وعليه أقدر وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانا. ٧ - والسابع: أن له أن يعزر في المنكرات الظاهرة، لا يتجاوز إلى الحدود، وليس للمتطوع أن يعزر على منكر. ٨ - والثامن: أن له أن يرتزق على حسبته من بيت المال، ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على إنكار المنكر. ٩ - والتاسع: أن له اجتهاد رأيه فيما يتعلق بالعرف دون الشرع، كالمقاعد في الأسواق، وإخراج الأجنحة فيه فيقر وينكر من ذلك ما أداه اجتهاده إليه، وليس هذا للمتطوع. يتبين لنا مما ذكرناه عن الحسبة وعن تبني الدولة لها، أن الدولة الإسلامية أدركت بكل وضوح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس

стр. 24

بعمل خيرت الدولة الإسلامية بين القيام به أو إهماله (١) ولا بعمل مندوب يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، بل هو فريضة فرضها الله تعالى عليها، وأداء هذه الفريضة من أهم مسئولياتها وأكبر واجباتها، لا يجوز لها التهاون في شيء منها فضلا عن إهمالها، ولأنها هي التي تضفي عليها الطابع الإسلامي.

стр. 25

[ثانيا تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] ثانيا: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحدث كثير من العلماء عن تعريف كل من المعروف والمنكر وسوف نورد فقط نماذج لهذه التعريفات ونحيل القارئ الكريم إلى بعض المراجع للمزيد من المعلومات حول تعريف المعروف وتعريف المنكر، من هذه التعريفات القول: بأن المعروف هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات (١) والمنكر ضد المعروف وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر (٢) والمتبادر من المعروف الطاعات ومن المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع (٣) ويقول ابن منظور في لسان العرب: " وقد تكرر ذكر المعروف في الحديث وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع. . . والمنكر ضد المعروف وهو كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر " (٤) .

стр. 26

هذه نماذج لتعريفات العلماء ومن أراد المزيد فليرجع إلى المراجع المذكورة أدناه (١) وكل ما أورده العلماء في تعريف المعروف والمنكر يقرر بأن المعروف هو كل ما أمر الله به ورسوله، والمنكر كل ما نهى الله ورسوله عنه. وإن معنى الأمر بالمعروف الدعوة إليه والترغيب فيه وتمهيد أسبابه حتى تتوطد أركانه وتتطرق سبله ويعم الخير به. ومعنى النهي عن المنكر: الصد عنه والتنفير منه ومقاومته وأخذ السبل عليه حتى لا يقع أصلا، أو يتكرر.

стр. 27

[ثالثا أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحاجة إليه] ثالثا: أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحاجة إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الجهاد الدائم المفروض على المسلم، وهو أصل مهم من أصول قيام حضارة الإسلام لا قيام لشريعة الإسلام بدونه " وهو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد " (١) ومما يؤكد مكانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام أن الله تعالى قد ذكر من أوصاف الصالحين أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (٢) قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ - يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤] (٣) .

стр. 28

وقد وصف الله تعالى الأمة الإسلامية بأنها خير أمة أخرجت للناس؛ لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (١) وقال تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (٢) . ولهذا قال أبو هريرة ﵁: " كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في القيود والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة. فبين الله سبحانه أن هذه الأمة خير الأمم للناس، فهم أنفعهم لهم، وأعظمهم إحسانا إليهم؛ لأنهم كملوا كل خير ونفع للناس بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة والقدر، حيث أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر لكل أحد " (٣) . ومما يدل على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قول حذيفة ﵁: " الإسلام ثمانية أسهم " وذكر منها الأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له (٤) .

стр. 29

ومما يدل أيضا على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما بينه رسول الله ﷺ من أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة يؤجر المرء على قيامه بها. فقد روى الإمام مسلم عن أبي ذر ﵁ «أن أناسا من أصحاب النبي ﷺ ، قالوا للنبي: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ أن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة» (١) . ومما يدل على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب تكفير الذنوب. قال رسول الله ﷺ : «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (٢) . وتبرز أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هذا الحديث الشريف حيث نص النبي ﷺ ، على كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب تكفير الفتنة (٣) وفي هذا الصدد يقول العلامة العيني: " فإن قلت ما النكتة في تعيين هذه الأشياء الخمسة؟ ، قلت: الحقوق

стр. 30

لما كانت في الأبدان والأموال والأقوال، فذكر من أفعال الأبدان أعلاها وهو: الصلاة والصوم، وذكر من حقوق الأموال أعلاها، وهي الصدقة، ومن الأقوال أعلاها وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١) . وقد بين الإمام النووي رحمه الله تعالى أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول ﵀: " واعلم أن هذا الباب - أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدا وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم " (٢) . ويقول أبو بكر بن العربي: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل في الدين وعمدة من عمد المسلمين، وهو فرض على جميع الناس مثنى وفرادى بشرط القدرة عليه " (٣) .

стр. 31

[رابعا فضل القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] رابعا: فضل القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما سبق من الحديث عن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نستطيع القول بأن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضلا عظيما يتضح هذا جليا من استعراض الحقائق التالية: ١ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أرقى درجات الكمال الإنساني وبيان ذلك: أن الناس في هذه الحياة أصناف شتى (١) . أ) منهم صنف ضال لا خير فيه وهو شر على غيره. ب) ومنهم صنف لا خير فيه ولا شر منه. جـ) ومنهم صنف صالح في ذات نفسه، لكن لا خير فيه لغيره. د) ومنهم صنف صالح في ذات نفسه، لكن فيه خير وإصلاح لغيره. ولا شك أن هذا أكمل الناس نفسا وأرفعهم درجة الذي صلح في ذات نفسه، ثم امتد بالإصلاح والخير إلى غيره، وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، المتبرعون بفعل الخير، الداعون الناس إلى الحق والصواب وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه:

стр. 32

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] (١) أي لا أحد أحسن ممن عرف الحق وعمل به، ودعا إليه. . . ٢ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقام خلافة عن الله ورسوله وكتابه. وكونه مقام خلافة لله فلأن الله جل وعلا يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. وأما كونه مقام خلافة رسول الله، فلأن ذلك عمله في أمته، قال الله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٢) . وأما خلافة كتابه، فلأنه عمل به، ودعوة إليه، ومد لنوره، وتنفيذ لأحكامه وتعاليمه فهو ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] (٣) . ٣ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سر أفضلية الأمة الإسلامية،

стр. 33

قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (١) . ٤ - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] (٢) . ٥ - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنصر والتمكين في الدنيا قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] (٣) . وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (٤) .

стр. 34

[خامسا بعض الأضرار الناتجة عن إهمال القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] خامسا: بعض الأضرار الناتجة عن إهمال القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقد بين رسول الله ﷺ ، الأضرار الخطيرة التي تصيب الأمة بسبب إهمال القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» (١) . فانظر أخي المسلم: كيف بين الرسول ﷺ ، في هذا الحديث الشريف أن هلاك المجتمع إنما هو نتيجة محتومة لترك أصحاب المنكر والعصاة يعيثون في الأرض فسادا، وعدم الأخذ على أيديهم. وإن المنكر قد يرى في أول الأمر هينا وبسيطا، كالخرق في السفينة، فإن ترك مع بساطته وعدم اتساعه، فشا في المجتمع وازداد حتى يؤول في آخر المطاف إلى بلاء عظيم، وقد يؤدي إلى القضاء عليه، وهذه سنة من سنن الله

стр. 35

أشار إليها في قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (١) في هذا الحديث مثل النبي ﷺ ، المجتمع الإنساني بركاب سفينة، ومثل النظم والآداب التي تحفظ هذا المجتمع وتعصمه - بإذن الله - بهيكل السفينة وجوانبها وأصبح واضحا من التمثيل أن على كل راكب أن يحافظ على سلامة حدودها التي حدها الله بها بين الحياة والموت والنجاة والهلاك. ثم قسم ﷺ ، المجتمع بالنسبة للمحافظة على هذه الحدود إلى طبقتين: (٢) . أ) طبقة المحافظين عليها والقائمين على حراستها وهم الطبقة العليا، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. ب) وطبقة المنتهكين لها الواقعين في مخالفتها وهي الطبقة السفلى أهل المنكر والمعصية. ثم وضح ﷺ ، أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة هذا المجتمع فذكر أن الطبقة السفلى ترغب في ارتكاب جريمة إبادة عامة بغباوة وحسن نية وعاطفة حب؛ لأنه صعب عليها أن تتسبب في مضايقة العليا بمرورها بها صاعدة نازلة كلما أرادت شيئا من الماء فهداها تفكيرها الأخرق إلى أن تخرق مكانها من أسفل السفينة لتستقي منه ولا تؤذي جيرانها.

стр. 36

إن أصغر خرق هنا يساوي أوسع حيز لهذا المجتمع كله كما قيل، وإن السكوت على هذه الجريمة النكراء جريمة أخرى أشد نكرا، وأعظم خطرا، وأن ضرورة النجاة تفرض على أهل العقل والطبقة العليا أن يقوموا فورا بالضرب على أيدي الأسفلين الذين يريدون أن يغرقوا المجتمع كله بحمقهم وسوء عملهم. ومما تضمنه هذا الحديث الشريف يتضح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يساوي حياة المجتمع وسلامته وأن أي تهاون في القيام، به لا جزاء له إلا أن تهوى السفينة بالجميع إلى القاع، وأن يصبح الكل من المهلكين المغرقين. ويقول ﷺ ، موضحا أن التخلف عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موجبات سخط الله وعقابه: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم» (١) ففي هذا الحديث يبين الرسول ﷺ ، أن التخلف عن القيام بواجب الأمر بسبب من الأسباب المؤدية إلى سخط الله وعقابه، كما يحول دون استجابة الدعاء. وفي الترهيب من إهمال هذه الفريضة (٢) روى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه قال: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا، اتق الله ودع ما

стр. 37

تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ - تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠] إلى قوله تعالى: (فاسقون) ، ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، لتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم» (١) . ويطول بنا المقام لو حاولنا استقصاء ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، من الوعيد الشديد لمن تقاعس عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونكتفي بالتأكيد على أن أخطر ما يترتب على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إصابة الأمة المهملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعذاب العام، وعدم إجابة دعاء الصالحين، واستحقاق اللعنة وعدم الاستقرار والأمن والأمان. . . .

стр. 38

[الفصل الثاني حكم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] [أولا حكم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] الحكمة من إيجابه في الشريعة الإسلامية الشروط الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

стр. 39

أولا: حكم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب من أعظم واجبات الإسلام، لأنه لب الرسالة وسياج العقيدة، وسر قوة الأمة الإسلامية ووحدتها، والأصل في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (١) وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ - يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤] (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٧١] (٣) . وقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]

стр. 40

(١) قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٢) وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] (٣) وقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] (٤) وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (٥) . وقد تأكدت هذه المعاني جميعها بأحاديث الرسول ﷺ ، ومنها: ١ - قوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٦) . ٢ - وقوله ﷺ : «والذي نفسي بيدي لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم» (٧) .
следующие страницы →