← Общие книги

Общие книги · id 30911

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء الكتاب والسنة

سليمان الحقيل

Полный текст (162 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إن أصغر خرق هنا يساوي أوسع حيز لهذا المجتمع كله كما قيل، وإن السكوت على هذه الجريمة النكراء جريمة أخرى أشد نكرا، وأعظم خطرا، وأن ضرورة النجاة تفرض على أهل العقل والطبقة العليا أن يقوموا فورا بالضرب على أيدي الأسفلين الذين يريدون أن يغرقوا المجتمع كله بحمقهم وسوء عملهم. ومما تضمنه هذا الحديث الشريف يتضح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يساوي حياة المجتمع وسلامته وأن أي تهاون في القيام، به لا جزاء له إلا أن تهوى السفينة بالجميع إلى القاع، وأن يصبح الكل من المهلكين المغرقين. ويقول ﷺ ، موضحا أن التخلف عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موجبات سخط الله وعقابه: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم» (١) ففي هذا الحديث يبين الرسول ﷺ ، أن التخلف عن القيام بواجب الأمر بسبب من الأسباب المؤدية إلى سخط الله وعقابه، كما يحول دون استجابة الدعاء. وفي الترهيب من إهمال هذه الفريضة (٢) روى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه قال: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا، اتق الله ودع ما

стр. 37

تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ - تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠] إلى قوله تعالى: (فاسقون) ، ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، لتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم» (١) . ويطول بنا المقام لو حاولنا استقصاء ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، من الوعيد الشديد لمن تقاعس عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونكتفي بالتأكيد على أن أخطر ما يترتب على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إصابة الأمة المهملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعذاب العام، وعدم إجابة دعاء الصالحين، واستحقاق اللعنة وعدم الاستقرار والأمن والأمان. . . .

стр. 38

[الفصل الثاني حكم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] [أولا حكم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] الحكمة من إيجابه في الشريعة الإسلامية الشروط الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

стр. 39

أولا: حكم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب من أعظم واجبات الإسلام، لأنه لب الرسالة وسياج العقيدة، وسر قوة الأمة الإسلامية ووحدتها، والأصل في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (١) وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ - يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤] (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٧١] (٣) . وقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]

стр. 40

(١) قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٢) وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] (٣) وقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] (٤) وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (٥) . وقد تأكدت هذه المعاني جميعها بأحاديث الرسول ﷺ ، ومنها: ١ - قوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٦) . ٢ - وقوله ﷺ : «والذي نفسي بيدي لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم» (٧) .

стр. 41

٣ - وقوله ﷺ : «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (١) . هذه بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد أجمعت الأمة الإسلامية على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا تجد من العلماء المتقدمين أو المتأخرين ممن يعتد به من لم يجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساسا للدين وفريضة من فرائض الإسلام (٢) . وقد أكد الفقهاء على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس حقا للأفراد يأتونه إن شاءوا ويتركونه إذا شاءوا، وإنما هو واجب على الأفراد ليس لهم أن يتخلوا عن أدائه وفرض لا محيص لهم من القيام بأعبائه (٣) .

стр. 42

وفيما يلي نستعرض بعض أقوال العلماء بشأن حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها " (١) ويقول أبو بكر الجصاص: " أكد الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبينه رسول الله ﷺ ، في أخبار متواترة عنه فيه، وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه " (٢) ويقول النووي ﵀: " قد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهو أيضا من النصيحة التي هي من الدين " (٣) . ويقول ابن حزم ﵀: " اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحدهم " (٤) . وقال الضحاك: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الله كتبها على المؤمنين " (٥) . ويقول الشوكاني: " وجوبه ثابت بالكتاب والسنة وهو من أعظم واجبات

стр. 43

الشريعة وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها " (١) . وقد بدأ الإمام الغزالي حديثه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: (الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفضيلته والمذمة في إهماله وإضاعته، ويدل على ذلك إجماع الأمة عليه، وإشارة العقول السليمة والآيات والأخبار والآثار) (٢) . والخلاصة أن علماء الإسلام قديما وحديثا أجمعوا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب مستدلين على ذلك بما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ويجدر بنا في هذا المقام أن نشير إلى المفهوم الصحيح للآية الواردة في سورة المائدة وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] (٣) هذه الآية الكريمة لا تدل على عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد صحح أبو بكر ﵁ الفهم الخاطئ، فقد روى أبو داود ﵀ في سننه بإسناده عن قيس قال: " قال أبو بكر بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وتضعونها على غير موضعها "، قال عن خالد: وأنا سمعنا

стр. 44

النبي ﷺ ، يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه» (١) وليس في هذه الآية الكريمة " ما يدل على عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما أراد الله سبحانه أن يعلم عباده بأنه لا يطلب منهم هداية العباد، ونتائج أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإنما واجبهم جهاد المنكر وأما تحقيق النتائج فهو أمر يختص به رب العالمين، فلا يجوز إذن أن يعتذر أحد عن تقاعسه عن هذا الواجب بصدود الناس وعدم استجابتهم، إذ ليس عليه هداهم ولكن عليه نهيهم عن المنكر وأمرهم بالمعروف " (٢) . يقول ابن تيمية ﵀: " والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجب لم يضره ضلال الضلال " (٣) . ويقول الزمخشري في تفسير الآية: " ليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد، وإنما هو بعض الضلال الذي فصلت الآية بينهم وبينه " (٤) . ويقول أبو السعود: " ولا يتوهمن فيه رخصة في ترك الأمر بالمعروف

стр. 45

والنهي عن المنكر من استطاعهما، كيف لا ومن جملة الاهتداء أن ينكر على المنكر حسبما تفي له الطاقة " (١) . ويقول الجصاص: " ومن الاهتداء اتباع أمر الله في أنفسنا وفي غيرنا فلا دلالة فيها على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " (٢) . وبالجملة فإن هذه الآية الكريمة لا تنفي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل تؤكد فرضيته أبلغ التأكيد.

стр. 46

هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية أو فرض عين؟ اتضح لنا مما سبق من الحديث عن حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب لا يجوز تركه وهذا باتفاق العلماء المعتد بعلمهم. والعلماء وإن كانوا اتفقوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أنهم اختلفوا في تحديد صفة هذا الواجب. حيث انقسم العلماء فريقين (١) في تحديد صفة الوجوب فقال البعض: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أي واجب محتم، وعلى كل مسلم أن يؤديه بنفسه على قدر استطاعته ولو كان هناك من هو أقدر منه على تأديته أو من هو على استعداد لتأديته أو من هو متفرغ لتأديته، وهم يشبهونه بفريضة الحج، فهي فرض عين، ولكن على المستطيع، وعندهم أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آكد من فريضة الحج، ولم تشترط فيها الاستطاعة؛ لأنها مستطاعة دائما، فالاستطاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممكنة لجميع الأفراد، فالجاهل يستطيع أن يأمر بالمعروف فيما هو ظاهر كأداء الصلاة والصوم

стр. 47

وينهى عن المنكر فيما لا يخفى كالسرقة والزنا، والعالم يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيما هو ظاهر وفيما هو خفي، ويرى أصحاب هذا الرأي أن في جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين حفاظا للأمة وحرزا لها من الفساد والتحلل. ومن العلماء الذين قالوا إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين: ابن كثير ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا، وقد نسبه الجصاص والرازي في تفسيريهما إلى قوم دون ذكرهم (١) . ورأى الفريق الآخر وهم جمهرة الفقهاء، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات كالجهاد، فهو واجب حتم على كل مسلم، ولكن هذا الواجب يسقط عن الفرد إذا أداه غيره، وممن قال بهذا الرأي ابن تيمية ﵀ حيث يقول: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن، ولما كان الجهاد من تمام ذلك، كان الجهاد أيضا من فروض الكفاية " (٢) . ومن العلماء الذين قالوا بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية ابن تيمية وأبو بكر الجصاص، والماوردي وأبو يعلى

стр. 48

الحنبلي، والغزالي، وابن العربي، والقرطبي، والنووي، والسيوطي، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي (١) . هذه آراء العلماء في نوعية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد استدل كل فريق بأدلة على ما ذهب إليه، وفيما يلي نستعرض بإيجاز أدلة كل فريق. [القائلون بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين وأدلتهم] ١ - أدلة القائلين بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين: ١ - استدل القائلون بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (٢) . قالوا: إن من في قوله تعالى (منكم) للتبيين وليست للتبعيض، ومعنى الآية الكريمة كونوا كلكم أمة تدعون إلى الخير وتأمرون بالمعروف وتنهون عن

стр. 49

المنكر، يقول الثعالبي: " ذهب الزجاج وغيره إلى أن معنى ولتكونوا كلكم أمة يدعون، و (من) لبيان الجنس، ومعنى الآية على هذا: أمر الأمة بأن يدعوا جميع العالم إلى الخير فتدعون الكفار إلى الإسلام، والعصاة إلى الطاعة، ويكون كل واحد في هذه الأمور على منزلته من العلم والقدرة " (١) . ٢ - واستدلوا أيضا بقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] قالوا: أكدت الآية أن الفلاح مختص بأولئك المتصفين بالصفات المذكورة في الآية، وهي الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وحيث إن الحصول على الفلاح واجب عيني لذا يكون الاتصاف بتلك الصفات واجبا عينيا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " (٢) . وسبب اختصاص الفلاح بأولئك المتصفين بتلك الصفات وجود ضمير فصل (هم) بين المبتدأ والخبر، وفي هذا يقول القاضي أبو السعود (هم) ضمير فصل يفصل بين الخبر والصفة، ويؤكد النسبة، ويفيد اختصاص المسند بالمسند إليه " (٣) .

стр. 50

٣ - مما استدل به العلماء القائلون بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (١) . قالوا بين الله تعالى أن من شروط الانتماء إلى هذه الأمة الاتصاف بثلاث صفات وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله تعالى وحيث إن الانتماء إلى هذه الأمة واجب عيني يكون الاتصاف بتلك الصفات واجبا عينيا أيضا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. [القائلون بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية وأدلتهم] ٢ - أدلة القائلين بأن الأمر بالمعروف النهي عن المنكر فرض كفاية:. استدل أصحاب هذا الرأي بعدة أدلة لإثبات رأيهم ومنها: (٢) . أ) استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (٣) . فقالوا: إن (من) في قوله تعالى: منكم للتبعيض، وهذا يدل على أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية.

стр. 51

ب) استدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] (١) فقالوا: " إن التفقه في الدين فرض كفاية؛ لأن الله تعالى طلب خروج طائفة من المؤمنين وليس جميع المؤمنين، وعلى هؤلاء تقع مسئولية الإنذار وليست على عامة الناس " (٢) . جـ) ومما استدلوا به قولهم: لو بدأ عامة الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر يخشى أن يأمروا بالمنكر وينهوا عن المعروف، ويغلظوا في مكان يقتضي اللين ويلينوا في مقام يقتضي الشدة، وبذلك يكون ضرر احتسابهم أكثر من نفعه. وفي هذا الصدد يقول القاضي أبو السعود: " ولأنها من عظائم الأمور وعزائمها التي لا يتولاها إلا العلماء بأحكامه تعالى ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها، فإن من لا يعلمها يوشك أن يأمر بمنكر وينهى عن معروف، ويغلظ في مقام اللين ويلين في مقام الغلظة، وينكر على من لا يزيده الإنكار إلا التمادي والإصرار " (٣) .

стр. 52

د) ومما استدلوا به قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] (١) . فقالوا: عين الله تعالى في هذه الآية للاحتساب من مكن في الأرض وهم بعض الناس وليسوا كلهم، يقول القرطبي في هذا المعنى: " قلت القول الأول أصح، فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عينهم الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الحج: ٤١] الآية، وليس كل الناس مكنوا " (٢) . هـ) ومما استدلوا به سقوط الاحتساب بقيام بعضهم به عن الآخرين، ولو لم يكن فرضا على الكفاية ما كان قيام بعضهم به سبب سقوطه عن الآخرين، وقد أشار إلى هذا المعنى أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن حيث يقول: " والذي يدل على صحة هذا القول - كونه فرض كفاية - أنه إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين كالجهاد وغسل الموتى وتكفينهم، والصلاة عليهم ودفنهم، ولولا أنه فرض كفاية لما سقط عن الآخرين بقيام بعضهم به " (٣) . مما سبق من استعراض أدلة القائلين من العلماء بأن الأمر بالمعروف

стр. 53

والنهي عن المنكر فرض عين، وأدلة القائلين بأنها فرض كفاية يتضح الخلاف بين العلماء في نوع وجوب هذه الفريضة ومع ذلك فقد ذكر العلماء. . . وجود أحوال يصير فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين. [الأحوال التي أجمع العلماء على أنها فرض عين] ٣ - الأحوال التي أجمع العلماء على أنها فرض عين كثيرة منها: أ) يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين على من تعينه الدولة الإسلامية للقيام به، يقول نظام الدين النيسابوري: " إن نصب لذلك رجل تعين عليه بحكم الولاية وهو المحتسب " (١) ويقول الماوردي: " إن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية وفرضه على غيره داخل في فروض الكفاية " (٢) . ب) إذا كان المعروف في موضع تطمس معالمه والمنكر يقترف فيه، ولا يعرف ذلك إلا رجل واحد تعين عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٣) يقول الإمام النووي: " إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية ثم إنه قد يتعين إذا كان في موضع لا يعلم به

стр. 54

إلا هو (١) . جـ) إذا احتاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى جدال واحتجاج ومناقشة كان فرض عين على كل من يصلح لذلك، يقول ابن العربي المالكي: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية. . . وقد يكون فرض عين إذا عرف المرء من نفسه صلاحية النظر والاستقلال بالجدال أو عرف ذلك منه " (٢) وبين الإمام النووي هذا الأمر بأسلوب آخر فقال: " ثم إنه قد يتعين إذا كان لا يتمكن من إزالته إلا هو كمن يرى زوجته أو ولده أو خلافه على منكر أو تقصير في المعروف " (٣) . د) إذا كان أحد يقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يقوم به غيره فهو فرض عين عليه، يقول الإمام ابن تيمية: " وهو فرض كفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره " (٤) . هـ) عند كثرة المنكرات وقلة الدعاة يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين، يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - حفظه الله -: فعند قلة الدعاة وعند كثرة المنكرات، وعند غلبة

стр. 55

الجهل كحالنا اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد حسب طاقته (١) . هذه هي بعض الأحوال التي ذكر العلماء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون فرض عين فيها.

стр. 56

[ثانيا الحكمة من إيجاب الشريعة الإسلامية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] ثانيا: الحكمة من إيجاب الشريعة الإسلامية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هدفت الشريعة الإسلامية من إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى عدة أهداف عظيمة من شأن تحقيقها تحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، ومن هذه الأهداف: ١ - حفظ الإسلام من الشرك والبدع. ٢ - إثبات معاني الخير والصلاح في الأمة الإسلامية. ٣ - إزالة عوامل الفساد والشر من حياتها والقضاء عليها أولا بأول حتى تسلم الأمة وتسعد. ٤ - تهيئة الجو المناسب الصالح الذي تنمو فيه الآداب والفضائل وتختفي فيه المنكرات والرذائل، ويتربى في ظله الضمير العف، والوجدان اليقظ الذي لا يسمح للشر أن يبدأ فضلا عن أن يبقى أو يمتد. ٥ - تكوين الرأي المسلم الواعي الذي يحرس آداب الأمة وفضائلها وأخلاقها وحقوقها ويجعل لها شخصية وسلطانا هو أقوى من القوة وأنفذ من الأنظمة والقوانين.

стр. 57

٦ - بعث الإحساس بمعنى الإخوة والتكامل والتعاون على البر والتقوى واهتمام المسلمين بعضهم ببعض. وذلك مما يوطد الأمن ويبعث الطمأنينة على الحقوق والحرمات وأنها في حراسة الأمة وبأعينها مما يؤكد الثقة والمحبة والاعتزاز بالجماعة في قلوب المؤمنين.

стр. 58

[ثالثا الشروط الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر] ثالثا: الشروط الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر حدد جمهرة الفقهاء شروطا معينة لا بد من توافرها في من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بعض هذه الشروط يرجع إلى طبيعة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى مبادئ الشريعة الإسلامية العامة، وبعض هذه الشروط متفق عليه، وبعضها مختلف فيه. وقد ذكر الإمام الغزالي منها خمسة شروط، هي: التكليف، والإيمان، والعدالة، والولاية أو كونه مأذونا من جهة الوالي، والقدرة (١) . ولنا أن نسمي الثلاثة الأولى منها وهي، الإيمان والعدالة والولاية أو إذنها، شروط الصحة، كما نعد التكليف والقدرة من شروط الوجوب. فإن الثلاثة الأول تدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يصح بدونها. أما الشرطان الأخيران فيشيران إلى الظروف التي يجب فيها والتي يسقط فيها الوجوب وينتقل إلى حكم آخر (٢) .

стр. 59

وفيما يلي تفصيل لهذه الشروط: أ) الإيمان: الإيمان أول شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فللمؤمن وحده أن يقوم بهذا الواجب العظيم، وقد أشار الإمام الغزالي - يرحمه الله - إلى سبب اشتراطه لهذا الشرط فقال: " لأن هذا نصرة للدين، فكيف يكون من أهله من هو جاحد لأصل الدين وعدو له " (١) . ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرة للدين وحماية لذماره، كان من الطبيعي أن يكون المؤمنون به وحدهم أهلا له ومسئولين عنه. أما الذين لا يؤمنون به فهم غير صالحين للقيام به ولا مطالبين بأدائه (٢) . ب) العدالة: اشترط بعض الفقهاء هذا الشرط فيرون أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يصح أن يكون فاسقا ويحتجون بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] (٣) وبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] (٤) كما يحتجون بالحديث الشريف، فعن

стр. 60

أسامة بن زيد ﵁ قال: " سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها، كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان: ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه» (١) . كما استدلوا بالقياس " وعندهم أن هداية الغير فرع للاهتداء وتقويم الغير فرع للاستقامة، وأن العاجز عن إصلاح نفسه أشد عجزا عن إصلاح غيره. ولكن الراجح لدى الفقهاء: أن للفاسق أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأنه لا يشترط في الآمر أو الناهي أن يكون معصوما عن المعاصي كلها؛ لأن في اشتراط هذا الشرط سدا لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال سعيد بن جبير: " إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء " (٢) . ويقول الإمام الغزالي: " وإنما الحق أن للفاسق أن يحتسب، وبرهانه هو أن نقول هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي كلها، فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع ثم حسم لباب

стр. 61

الاحتساب إذ لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم " (١) ويرى أبو بكر الجصاص: " أن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضا غيرها، ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات، فكذلك من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه " (٢) . ويقول الحافظ بن كثير: " ذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره وهذا ضعيف، والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه. . . لكنه والحالة هذه مذموم على تركه الطاعة وفعله المعصية لعلمه بها ومخالفته على بصيرة، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم " (٣) . يتضح من استعراض آراء العلماء - والله أعلم - أن العدالة في ميدان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست شرطا لصحة القيام بهذا الواجب وإنما هي شرط كمال وأدب؛ لأن الفاسق كما يجب عليه أن ينتهي عن فسقه، يجب عليه أن ينهى الناس عنه، فإن ارتكابه المنكر لا يبيح له السكوت عليه، فالمعصية لا تبرر ترك الواجبات مهما كانت تلك المعصية ومهما كانت الواجبات. نعم يجب على المرء أن يأمر نفسه

стр. 62

بالمعروف وينهاها عن المنكر قبل أمر الناس ونهيهم، حتى لا يواجه الناس بحال نفسه ويقولوا له هلا أمرت نفسك قبل أن تأمرنا ونهيتها قبل أن تنهانا، ولكن عدم قيامه بهذا الواجب لا يجعل له عذرا في ترك غيره من الواجبات التي من أهمها أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فقد يكون لكلامه أثر في بعض الناس مما لا يكون لكلام غيره، فإن النفوس تختلف في تقبل الوعظ باختلاف الواعظين (١) . جـ) الإذن: " يشترط بعض الفقهاء فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يأذن الإمام أو الحاكم له بذلك وحجتهم أن الإمام أو الحاكم يستطيع اختيار من يحسن القيام بهذه الوظيفة، وأن تركها إلى الأفراد دون قيد أو شرط يؤدي إلى الفساد والفتن. ولكن جمهرة الفقهاء على خلاف هذا الرأي لا يشترطون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذن شخص أو هيئة ما، ويرون أن تخصيص أناس من قبل الإمام لأداء هذه الوظيفة لا يمنع غيرهم من القيام بها. . . والذين يشترطون إذن الإمام يقصدون من هذا الشرط تنظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يقصدون تحريمهما على من لم يؤذن له (٢) .

стр. 63

د) التكليف: يشترط لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان مكلفا بحكم الشريعة فإن غير المكلف لا يلزمه أمر، واعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا لا يمنع غير المكلف من الأمر والنهي باعتبارهما قربة من القربات؛ لأن غير المكلف أهل للقربات، وله أن يأتي القربات ولو أنها لا تجب عليه ولا يجوز منعه من إتيانها، ولكن له إن شاء أن يمتنع من نفسه عن إتيانها، كصلاة الصغير وصومه، فإن الصلاة لا تجب عليه وكذلك الصوم، فإذا أتى أحدهما كان عمله قربة ولم يجز لأحد أن يمنعه من الصوم والصلاة، ولكن إذا أراد الصغير أن يمتنع فلا إثم عليه في الامتناع ما دام لم يصل سن التكليف، وعلى هذا فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يكن واجبا على غير المكلف فهو حق له يأتيه إن شاء ويتركه إن شاء. هـ) القدرة: يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الآمر والناهي قادرا على الأمر والنهي وتغيير المنكر، فإن كان عاجزا فلا وجوب عليه إلا بقلبه، أي عليه أن يكره المعاصي وينكرها ويقاطع فاعليها. قال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (١) .

стр. 64

ومن وجوه عدم القدرة: العجز الجسمي، فلا يجب الأمر بالمعروف على من كان من ضعف البنية وتخاذل القوى بحيث لا يستطيع إقامة معروف ولا محو منكر، يقول الإمام الغزالي: " ولا يخفى أن العاجز ليس عليه حسبة إلا بقلبه " (١) ومن وجوه العجز وعدم القدرة: عدم المعرفة (٢) فالذي يجهل المعروف والمنكر غير مسئول عن الأمر بالأول والنهي عن الثاني. ونطاق المعروف والمنكر واسع جدا، فهو يشمل من أحكام الدين ما لا بد لكل مسلم من الاطلاع عليه ك، ما يعم ما يحتاج لفهمه ومعرفته إلى بصيرة واجتهاد ودقة ملاحظة، فلا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المسلم إلا بقدر ما يعرفهما؛ لأنه ربما يضر الدين إن تجاوز حده في الدعوة والحسبة والمؤاخذة وهو يريد الخير وخدمة الدين، ولذلك صرح العلماء بأن العامة لا تأمر ولا تنهى إلا في المعروفات المعلومة والمنكرات المشهورة أما الأمور الاجتهادية الدقيقة فهي موكلة إلى أهل العلم (٣) . يقول إمام الحرمين: " إن الحكم الشرعي إذا استوى في إدراكه الخاص والعام ففيه للعالم وغير العالم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا اختص مدركه بالاجتهاد فليس للعوام فيه أمر ونهي بل

стр. 65

الأمر فيه متروك إلى أهل الاجتهاد " (١) . ويقول الإمام النووي: " إنما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء " (٢) . ويقول الإمام الغزالي: " العامي ينبغي له أن لا يحتسب إلا في الجليات المعلومة " (٣) . وسقوط الواجب لا يترتب على العجز الحسي والعلمي بل يلحق بهما خوف الآمر والناهي من أن يصيبه مكروه أو أن يؤدي نهي الناهي إلى منكر شر من المنكر الذي نهى عنه، في هاتين الحالتين يسقط الواجب، يقول الإمام الغزالي: " لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي بل يلتحق به ما يخاف عليه مكروها يناله، فذلك في معنى العجز " (٤) . ويقول ابن بطال المحدث: " والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم

стр. 66

الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى فهو في سعة " (١) " ومن علم أن أمره ونهيه لن ينفع وأنه سيضرب إذا تكلم لم يجب عليه أمر أو نهي وعليه فقط أن يكره المعصية وينكرها بقلبه ويقاطع فاعلها وأن لا يحضر مواضع المعاصي والمناكير، ومن علم أن نهيه إذا نهى عن منكر سيؤدي إلى إزالته أو إلى أن يزول ويخلفه ما هو أقل منه رتبة فقد وجب عليه النهي عن المنكر، وإذا علم أن النهي عن المنكر سيؤدي إلى منكر آخر في درجته فهو بالخيار إن شاء منع المنكر ونهى عنه، وإن شاء تركه بحسب ما يؤديه اجتهاده، أما إذا علم أن إزالة المنكر ستؤدي إلى ما هو شر منه سقط عنه الواجب بل حرم عليه النهي، ومن الأمثلة على ذلك أن يجد مع شخص شرابا حلالا نجس بسبب وجود نجاسة فيه ويعلم أنه لو أراقه لشرب صاحبه الخمر فلا معنى لإراقته، ومثل ذلك ما حدث من ابن تيمية ﵀ فقد مر وبعض أصحابه في زمن التتار بقوم يشربون الخمر، فأنكر عليهم أصحاب ابن تيمية شرب الخمر ولكن ابن تيمية أنكر على أصحابه قولهم، وقال لهم: إنما حرم الله الخمر لإنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعوهم وخمرهم (٢) .

стр. 67

ومن علم أن أمره أو نهيه لا يفيد ولكن لم يخف مكروها فلا يجب عليه الأمر والنهي (١) لعدم فائدتهما، ولكن يستحب له أن يأمر وينهى لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين (٢) .

стр. 68

[رابعا شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] رابعا: شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف ليس له شروط خاصة؛ لأن الأمر بالمعروف نصيحة وإرشاد وتعليم، وكل ذلك جائز في كل وقت وفي كل مناسبة، قال رسول الله ﷺ : «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١) . أما النهي عن المنكر وتغييره فله شروط خاصة يجب توفرها لوجوب النهي أو التغيير، وهذه الشروط هي (٢) . ١ - وجود منكر، والمنكر كل معصية حرمتها الشريعة الإسلامية، وهو كل ما كان محذور الوقوع في الشرع، ويستوي أن يكون فاعل المنكر مكلفا أو غير مكلف، فمن رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر فعليه أن ينكر عليه، وكذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو يأتي بهيمة فعليه أن يمنعه. ٢ - أن يكون المنكر موجودا في الحال: بمعنى أن تكون المعصية راهنة وصاحبها مباشرا لها وقت النهي أو التغيير كشرب الخمر وخلوته بأجنبية، فإذا فرغ من المعصية فليس ثمة مكان للنهي عن المنكر

стр. 69

أو تغييره، وإنما هناك محل عقاب على المعصية، والعقاب من حق السلطات العامة وليس للأفراد، وقد أشار الإمام الغزالي إلى هذا الحكم بقوله: " المعصية لها ثلاثة أحوال: أحدها: أن تكون منصرمة، فالعقوبة على ما تصرم منها حد أو تعزير، وهو إلى الولاة إلى الآحاد، الثانية: أن تكون المعصية راهنة وصاحبها مباشر لها، كلبسه الحرير وإمساكه العود والخمر، فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن ما لم تؤد إلى معصية أفحش منها أو مثلها، ذلك يثبت للآحاد والرعية، والثالثة: أن يكون المنكر متوقعا كالذي يستعد بكنس المجلس وتزيينه وجمع الرياحين لشرب الخمر وبعد لم يحضر الخمر فهذا مشكوك فيه؛ إذ ربما يعوق عنه عائق فلا يثبت للآحاد سلطة على العازم على الشرب إلا بطريقة الوعظ والنصح، فأما التعنيف والضرب فلا يجوز للآحاد وللسلطات إلا إذا كانت تلك المعصية علمت منه بالعادة المستمرة، وقد أقدم على السبب المؤدي إليها، ولم يبق لحصول المعصية إلا ما ليس له فيه إلا الانتظار " (١) . ويقول العلامة ابن نجيم وهو يبحث في التعزير: (قالوا لكل مسلم إقامته حال مباشرة المعصية، وأما بعد الفراغ فليس ذلك لغير الحاكم) (٢) .

стр. 70

وعلل ذلك في كتب الفقه: " لو عزره حال كونه مشغولا بالفاحشة فله ذلك، وأنه حسن لأن ذلك نهي عن المنكر، وكل واحد مأمور به، وبعد الفراغ ليس ينهى عن المنكر؛ لأن النهي عما مضى لا يتصور فيتمحص تعزيرا، وذلك إلى الإمام " (١) . ٣ - أن يكون ظاهرا، فلو كان مستترا، فلا يجوز التجسس عليه؛ لأن الله حرم التجسس، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] (٢) وقال النبي ﷺ : «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم» (٣) وفي رواية أخرى: «إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم» (٤) وقيل لعبد الله بن مسعود: إن فلانا تتقطر لحيته خمرا، فقال: " إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به " (٥) . والأصل أن من أغلق باب داره وتستر بحيطانه فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه لتعرف المعصية إلا أن يظهر في الدار ظهورا يعرفه من هو خارج الدار، كظهور رائحة الخمر وأصوات السكارى (٦) أو أخبر ابتداء من غير استخبار شخصان أو شخص

стр. 71

واحد على رأي بأن فلانا يرتكب المعاصي في بيته جاز دخول البيت دون إذن. مما سبق تتضح لنا أهم الشروط الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وشروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا توفرت شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا، وإذا اختل شرط من شروط الوجوب السابقة سقط الوجوب وبقي الحكم دائرا بين الاستحباب أو الحرمة. أ) بعض الحالات التي يكون فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحبا لا واجبا: من الحالات التي يسقط فيها الوجوب ويبقى الاستحباب (١) . ١ - أن يغلب على ظنه عدم الفائدة لكن يستحب له أن يأمر وينهى؛ ليبقى صوت الشرع مسموعا معلنا يذكر الناس بأنه قائم لم يمت وأنه للظالمين بالمرصاد. يقول الإمام الغزالي في هذا المعنى: أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره، ولكنه لا يخاف مكروها فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، لكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين (٢) .

стр. 72

٢ - أن يكون المنكر قد انتهى أو متوقعا، فيستحب له أن يعظ وأن يذكر بالله وآلائه ويخوف من حسابه وشديد عذابه، ويدعوهم لطاعته ويطمعهم في رحمته وأنه سبحانه: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] (١) . ٣ - أن يتوقع مكروها يمكنه احتماله في نفسه أو جاهه، فيستحب له أن يأمر وينهى وأن يصبر لتتوطد أركان الحق ويعتز بأهله (٢) قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] (٣) يقول الغزالي في هذا المعنى: " أن يعلم أنه يصاب بمكروه ولكن يبطل المنكر بفعله كما يقدر أن يرمي زجاجة الخمر فيكسرها ويريق الخمر أو يضرب العود الذي في يده ضربة مختلطة فيكسره في الحال ويتعطل عليه هذا المنكر، ولكن يعلم أنه يرجع إليه فيضرب رأسه فهذا ليس بواجب وليس بحرام بل هو مستحب " (٤) ويقول أيضا: " يجوز للمحتسب بل يستحب له أن يعرض نفسه للضرب. . . إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر أو في كسر جاه الفاسق أو في تقوية قلوب أهل الدين (٥) .

стр. 73

ب) ومن الحالات التي يحرم فيها الأمر والنهي: ١ - أن يترتب عليه فتنة في الأمة، أو فساد أكبر منه: يقول ابن القيم ﵀: " إنما أوجب على الأمة إنكار المنكر ليحصل به المعروف الذي يحبه الله ورسوله، ولكن إذا أفضى إنكار المنكر إلى حدوث آخر شر منه لم يجز "، ثم يقول: إنكار المنكر أربع درجات: الأولى أن يزول ويخلفه ضده، الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان والثالثة موضع اجتهاد والرابعة محرمة - ثم يقول مفصلا ذلك - فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك. وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من تفرغهم لما هو أعظم من ذلك. وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع الضلال والسحرة فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه - يقول:

стр. 74

مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله والصلاة وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم (١) . ويقول العلامة عز الدين بن عبد الملك في معرض حديثه عن شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: " أن يغلب على ظنه أنه إن نهاه لا يلحقه مضرة ولا يزيد المنهي عنه أيضا في منكراته متعنتا لإنكار إذا حدث رد فعل سيئ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له نوعان: أحدهما أن يصيب القائم به أذى، والآخر أن لا يضر بنفسه ولكن تحدث مفسدة أخرى نحو أن يقتل رجل بريء، أو يزيد مرتكب المنكر تماديا وإصرارا، وغير ذلك. أما النوع الثاني من رد الفعل فأجمع العلماء، على عدم القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هذا الوجه " (٢) . ٢ - أن يترتب عليه ضرر يصيب غيره من أهله، أو جيرانه في أنفسهم أو حرماتهم. يقول الإمام الغزالي: " فإذا كان يتعدى الأذى من حسبته إلى أقاربه وجيرانه فليتركها فإن إيذاء المسلمين

стр. 75

محذور كما أن السكوت على المنكر محذور " (١) ويقول أيضا في أوجه المكروه التي قد تصيب المحتسب " فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو أقاربه أو رفاقه فلا تجوز له الحسبة، بل تحرم لأنه عجز عن دفع المنكر إلا بأن يفضي ذلك إلى منكر آخر " (٢) . هذه بعض الحالات التي يسقط فيها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتحول إلى الاستحباب أو إلى الحرمة.
следующие страницы →