واحد على رأي بأن فلانا يرتكب المعاصي في بيته جاز دخول البيت دون إذن.
مما سبق تتضح لنا أهم الشروط الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وشروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا توفرت شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا، وإذا اختل شرط من شروط الوجوب السابقة سقط الوجوب وبقي الحكم دائرا بين الاستحباب أو الحرمة.
أ) بعض الحالات التي يكون فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحبا لا واجبا:
من الحالات التي يسقط فيها الوجوب ويبقى الاستحباب (١) .
١ - أن يغلب على ظنه عدم الفائدة لكن يستحب له أن يأمر وينهى؛ ليبقى صوت الشرع مسموعا معلنا يذكر الناس بأنه قائم لم يمت وأنه للظالمين بالمرصاد.
يقول الإمام الغزالي في هذا المعنى: أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره، ولكنه لا يخاف مكروها فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، لكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين (٢) .
стр. 72
٢ - أن يكون المنكر قد انتهى أو متوقعا، فيستحب له أن يعظ وأن يذكر بالله وآلائه ويخوف من حسابه وشديد عذابه، ويدعوهم لطاعته ويطمعهم في رحمته وأنه سبحانه: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] (١) .
٣ - أن يتوقع مكروها يمكنه احتماله في نفسه أو جاهه، فيستحب له أن يأمر وينهى وأن يصبر لتتوطد أركان الحق ويعتز بأهله (٢) قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] (٣) يقول الغزالي في هذا المعنى: " أن يعلم أنه يصاب بمكروه ولكن يبطل المنكر بفعله كما يقدر أن يرمي زجاجة الخمر فيكسرها ويريق الخمر أو يضرب العود الذي في يده ضربة مختلطة فيكسره في الحال ويتعطل عليه هذا المنكر، ولكن يعلم أنه يرجع إليه فيضرب رأسه فهذا ليس بواجب وليس بحرام بل هو مستحب " (٤) ويقول أيضا: " يجوز للمحتسب بل يستحب له أن يعرض نفسه للضرب. . . إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر أو في كسر جاه الفاسق أو في تقوية قلوب أهل الدين (٥) .
стр. 73
ب) ومن الحالات التي يحرم فيها الأمر والنهي:
١ - أن يترتب عليه فتنة في الأمة، أو فساد أكبر منه: يقول ابن القيم ﵀: " إنما أوجب على الأمة إنكار المنكر ليحصل به المعروف الذي يحبه الله ورسوله، ولكن إذا أفضى إنكار المنكر إلى حدوث آخر شر منه لم يجز "، ثم يقول: إنكار المنكر أربع درجات: الأولى أن يزول ويخلفه ضده، الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان والثالثة موضع اجتهاد والرابعة محرمة - ثم يقول مفصلا ذلك - فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك. وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من تفرغهم لما هو أعظم من ذلك. وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع الضلال والسحرة فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه - يقول:
стр. 74
مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله والصلاة وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم (١) .
ويقول العلامة عز الدين بن عبد الملك في معرض حديثه عن شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: " أن يغلب على ظنه أنه إن نهاه لا يلحقه مضرة ولا يزيد المنهي عنه أيضا في منكراته متعنتا لإنكار إذا حدث رد فعل سيئ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له نوعان: أحدهما أن يصيب القائم به أذى، والآخر أن لا يضر بنفسه ولكن تحدث مفسدة أخرى نحو أن يقتل رجل بريء، أو يزيد مرتكب المنكر تماديا وإصرارا، وغير ذلك. أما النوع الثاني من رد الفعل فأجمع العلماء، على عدم القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هذا الوجه " (٢) .
٢ - أن يترتب عليه ضرر يصيب غيره من أهله، أو جيرانه في أنفسهم أو حرماتهم. يقول الإمام الغزالي: " فإذا كان يتعدى الأذى من حسبته إلى أقاربه وجيرانه فليتركها فإن إيذاء المسلمين
стр. 75
محذور كما أن السكوت على المنكر محذور " (١) ويقول أيضا في أوجه المكروه التي قد تصيب المحتسب " فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو أقاربه أو رفاقه فلا تجوز له الحسبة، بل تحرم لأنه عجز عن دفع المنكر إلا بأن يفضي ذلك إلى منكر آخر " (٢) . هذه بعض الحالات التي يسقط فيها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتحول إلى الاستحباب أو إلى الحرمة.
стр. 76
[خامسا الفرق بين النهي عن المنكر وتغييره]
خامسا: الفرق بين النهي عن المنكر وتغييره يجدر بنا في نهاية هذا الفصل أن نبين الفرق بين النهي عن المنكر وتغيير المنكر؛ لأن كثيرا من الناس يخلطون بين النهي عن المنكر وتغيير المنكر، وبينهما فروق عديدة من أهمها (١) .
١ - أن تغيير المنكر هو في الحقيقة إزالة عينه كفض مجلس شراب أو إراقة خمر أو أدوات ميسر، أما النهي فوعظ أو تحذير أو تهديد.
٢ - أن التغيير يكون حال قيام المنكر، ووقوعه فحسب، وأما العقوبة على ما وقع أو الزجر على ما يتوقع وقوعه فهو من اختصاص الحاكم. أما النهي فيكون قبله وأثناءه وبعده لا يتوقت.
٣ - أن التغيير يحتاج إلى قدرة واستطاعة خاصة للإزالة الفعلية، أما النهي فيقدر عليه كل إنسان بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.
٤ - أن تغيير المنكر - كما صرح بذلك جمهور الفقهاء، فرض كفاية على الأمة، وفرض عين على من علمه واستطاعه أولا، أما النهي عن المنكر فلسهولة القيام به وانتفاء الفتنة عند القيام به، فهو فرض عين على كل مسلم في كل حالة قدر استطاعته.
стр. 77
[الفصل الثالث أهم القواعد والمبادئ العامة التي تحكم طريقه القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
[أولا الشريعة الإسلامية هي الأصل في تقرير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
أولا: الشريعة الإسلامية هي الأصل في تقرير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانيا: العلم بحقيقة ما يؤمر به وحقيقة ما ينهى عنه.
ثالثا: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة في الشريعة الإسلامية.
رابعا: البدء بالأهم فالمهم وتقديم الكليات على الجزئيات.
خامسا: عدم التجسس على الناس واقتحام دورهم بالظنون.
سادسا: كيفية أداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأساليبها.
سابعا: الدرجات التنفيذية التي حددها العلماء لتغيير المنكر وإزالته.
- هل يحق للعامة استعمال القوة لتغير المنكر؟
стр. 78
أهم القواعد والمبادئ العامة التي تحكم الطريقة التي تقام بها فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقد عني بعض العلماء بذكر واستنباط القواعد والمبادئ العامة التي تحكم الطريقة التي تقام بها فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: " الحسبة في الإسلام "، والماوردي وأبو يعلى في كتابي " الأحكام السلطانية "، والإمام الغزالي في " إحياء علوم الدين "، وابن حزم في " المحلى " و " الفصل "، وأبو بكر الخلال في كتاب " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ".
وأهم هذه القواعد والمبادئ العامة ما يلي:
أولا: الشريعة الإسلامية هي الأصل في تقرير المعروف المنكر والأصل في ذلك هو الكتاب والسنة، فالذي تقره الشريعة الإسلامية وتستحسنه وتأمر به يجب أن يكون معروفا، وإذا استقبحت الشريعة الإسلامية أمرا أو نهت عنه أو حكمت عليه بأنه منكر فيجب أن يكون كذلك.
стр. 79
فإذا اكتشفت عقولنا فكرة وراجت لدى الناس وأعجبوا بها واستحسنوها، فإنها لا تدعى " معروفا " إلا إذا كانت معروفا بنص القرآن الكريم أو السنة الشريفة، وكذلك ما لا يعرفه عقلنا ولا يحبه، وليس بشائع مألوف في الناس لن يكون منكرا ما دامت الشريعة الإسلامية لا تحكم بكونه منكرا. ومن الممكن أن يكون عمل من الأعمال معروفا عند حكماء العصر وهو في الشريعة الإسلامية منكر كما يرون آخر منكرا، وهو في الشرع معروف.
وقد بين العديد من العلماء ﵏ أن الميزان والمعيار الذي يعول عليه في معرفة المعروف والمنكر هو الشرع، وفيما يلي نستعرض أقوال بعض العلماء:
١ - يقول ابن منظور في لسان العرب: " وقد تكرر ذكر المعروف في الحديث، وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع، والمنكر ضد المعروف وهو كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر " (١) .
٢ - ويقول ابن أبي جمرة: " تعلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع من أعمال البر سواء جرت به العادة أم لا " (٢) .
стр. 80
٣ - ويقول ابن الأثير وهو يعرف المعروف: " المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة، أي أمر بالمعروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه " (١) . ويقول في تعريف المنكر: " المنكر. . . ضد المعروف وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر " (٢) .
٤ - ويقول الإمام ابن تيمية: " الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم، فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، ويؤمر بالمعروف الذي أمر الله به. . ورسوله وينهى عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، وإلا فلا بد أن يأمر وينهى ويؤمر وينهى، إما بما يضاد ذلك وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله، وإذا اتخذ ذلك دينا كان دينا مبتدعا " (٣) .
٥ - وقال ابن حجر الهيتمي: " المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر بواجبات الشرع، والنهي عن محرماته " (٤) .
стр. 81
٦ - وقال أبو بكر الجصاص: " المعروف هو أمر الله. . . والمنكر هو ما نهى الله عنه " (١) .
٧ - ويقول عبد القادر عودة: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل فيه الأمر بكل ما أوجبت الشريعة عمله، أو حببت للناس فعله من صلاة وصيام وحج وتوحيد وغير ذلك. والنهي عن المنكر النهي عن كل ما خالف الشريعة من أفعال وعقائد فيدخل فيه النهي عن التثليث وعن القول بصلب المسيح وقتله، ويدخل فيه النهي عن شرب الخمر وعن أكل لحم الخنزير وغير ذلك مما تخالف فيه الشريعة الإسلامية الأديان الأخرى (٢) .
يتبين مما قاله هؤلاء العلماء وغيرهم في تقرير أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: " أن المعروف والمنكر من الكلمات التي لا يصلح لأحد أن يطلقها على ما شاء بل هي تعرب عن رضا الله تعالى وسخطه، والحكم بأن العمل معروف أو منكر ليس من شأن الإنسان، وإنما هي شريعة الله تعالى التي تدل على المعروف والمنكر من الأعمال، ومن يدعي لنفسه بحق الحكم بكون الشيء معروفا أو منكرا دون شريعة الله فإنه يرى نفسه شارعا فوق الله (٣) .
стр. 82
[ثانيا العلم بحقيقة ما يؤمر به وحقيقة ما ينهى عنه]
ثانيا: العلم من القواعد والمبادئ العامة التي تحكم القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العلم بحقيقة المعروف للدعوة إليه وحقيقة المنكر للنهي عنه، إذ لا يمكن العمل بهما مع الجهل بحقيقتهما والأحكام المتعلقة بهما، يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في هذا الصدد عند حديثه عن شروط الأمر والنهي: " ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلم وفقه. . . . وهذا ظاهر، فإن العمل إن لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا، واتباعا للهوى، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام، فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر في التمييز بينهما، ولا بد من العمل بحال المأمور وحال المنهي " (١) . ويقول أيضا: " وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا - ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد " لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه " (٢) .
ويقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مخاطبا الداعية إلى الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وموضحا له الأخلاق
стр. 83
والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بها وأن يسيروا عليها، يقول أمد الله في عمره: " أن تكون على بينة في دعوتك أي على علم، لا تكن جاهلا بما تدعو إليه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] فلا بد من العلم، فالعلم فريضة، فإياك أن تدعو على جهالة وإياك أن تتكلم فيما لا تعلم، فالجاهل يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، فاتق الله يا عبد الله، إياك أن تقول على الله بغير علم، لا تدع إلى شيء إلا بعد العلم به والبصيرة بما قاله الله ورسوله، فلا بد من بصيرة وهي العلم، فعلى طالب العلم وعلى الداعية أن يتبصر فيما يدعو إليه وأن ينظر فيما يدعو إليه ودليله، فإن ظهر له الحق وعرفه دعا إلى ذلك سواء كان ذلك فعلا أو تركا يدعو إلى الفعل إذا كان طاعة لله ورسوله ويدعو إلى ترك ما نهى الله عنه ورسوله على بينة وبصيرة " (١) .
ويقول فضلية الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - حفظه الله - مؤكدا على أهمية العلم للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر الداعين إلى الله (٢) " أن يكون الداعية على علم فيما يدعو إليه، على علم صحيح مرتكزا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لأن كل علم يتلقى من سواهما
стр. 84
فإنه يجب أن يعرض عليهما أولا وبعد عرضه فإما أن يكون موافقا أو مخالفا، فإن كان موافقا قبل، وإن كان مخالفا وجب رده إلى قائله كائنا من كان، فقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر، إذا كان هذا في قول أبي بكر وعمر ﵄ الذي يعارض به قول رسول الله ﷺ ، فما بالكم بقول من دونهما في العلم والتقوى والصحبة والخلاف؟ إن رد قوله إذا خالف كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ من باب أولى، ولقد قال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (١) . قال الإمام أحمد ﵀: " أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ".
وإن أول زاد يتزود به الداعية إلى الله أن يكون على علم مستمد من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، الصحيحة المقبولة، وأما الدعوة بدون علم فإنها دعوة على جهل، والدعوة على جهل ضررها أكبر من نفعها؛ لأن الداعية قد نصب نفسه موجها ومرشدا، فإذا كان جاهلا فإنه بذلك يكون ضالا مضلا والعياذ بالله، ويكون جهله هذا جهلا مركبا، والجهل المركب أشد من الجهل البسيط. فالجهل البسيط
стр. 85
يمسك صاحبه ولا يتكلم ويمكن رفعه، ولكن المشكلة كل المشكلة في حال الجاهل المركب، إن هذا الجاهل المركب لن يسكت بل سيتكلم ولو على جهل وحينئذ يكون مدمرا أكثر مما يكون منورا. . . إن الدعوة إلى الله على غير علم خلاف ما كان عليه النبي ﷺ ، ومن اتبعه. . استمعوا إلى قول الله تعالى آمرا نبيه محمدا ﷺ ، حيث قال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) فقال: أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، أي أن من اتبعه ﷺ ، فإنه لا بد أن يدعو إلى الله على بصيرة لا على جهل، وتأمل أيها الداعية لله قول الله تعالى (على بصيرة) أي على بصيرة في ثلاثة أمور:
١ - على بصيرة فيما يدعو إليه بأن يكون عالما بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه؛ لأنه قد يدعو إلى شيء يظنه واجبا وهو في شرع الله غير واجب، فيلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، وقد يدعو إلى ترك شيء يظنه محرما وهو في دين الله غير محرم فيحرم على عباد الله ما أحل الله لهم.
٢ - على بصيرة من حالة المدعو، ولهذا «لما بعث النبي صلى الله عليه سلم معاذا إلى اليمن قال له: إنك ستأتي قوما أهل كتاب» ، ليعرف حالهم
стр. 86
وليستعد لهم، فلا بد أن تعلم حال هذا المدعو ما مستواه العلمي؟ وما مستواه الجدلي؟ حتى تتأهب له فتناقشه وتجادله لأنك إذا دخلت مع مثل هذا في جدال وكان عليك لقوة جدله في هذا نكبة عظيمة على الحق وأنت سببها، ولا تظن أن صاحب الباطل يخفق بكل فإن الرسول ﷺ قال: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع» . فهذا يدل على أن المخاصم وإن كان مبطلا قد يكون ألحن بحجته من الآخر فيقضي بحسب ما تكلم به هذا المخاصم، فلا بد أن تكون عالما بحال المدعو.
٣ - على بصيرة في كيفية الدعوة قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) .
وبعض الناس قد يجد المنكر فيهجم عليه، ولا يفكر في العواقب الناتجة عن ذلك لا بالنسبة له وحده، ولكن بالنسبة له ولنظرائه من الدعاة إلى الحق؛ لذا يجب على الداعية قبل أن يتحرك أن ينظر إلى النتائج ويقيس، قد يكون في تلك الساعة ما يطفئ لهيب غيرته فيما يصنع، لكن سيخمد هذا الفعل نار غيرته وغيرة غيره في المستقبل. قد يكون في المستقبل القريب دون البعيد، لهذا أحث أخواني الدعاة على
стр. 87
استعمال الحكمة والتأني، والأمر وإن تأخر قليلا لكن العاقبة حميدة بمشيئة الله تعالى.
وإذا كان هذا - أعني تزود الداعية بالعلم الصحيح المبني على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو مدلول النصوص الشرعية، فإنه كذلك مدلول العقول الصريحة التي ليس فيها شبهات ولا شهوات؛ لأنك كيف تدعو إلى الله وأنت لا تعلم الطريق الموصل إليه، لا تعلم شريعته كيف يصح أن تكون داعية (١) .
هذا بالنص ما قاله فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين عن العلم كأحد الأسس المهمة التي تقوم عليها مهمة الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما قاله - حفظه الله - ما هو في حقيقة الأمر إلا تقرير وتعليل لما قاله العلماء ﵏ من أنه لا بد للداعية إلى الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون على علم بحقيقة المعروف الذي يدعو إليه وعلى علم بحقيقة المنكر الذي ينهى عنه.
стр. 88
[ثالثا درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة]
ثالثا: إن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة من القواعد والمبادئ العامة التي تحكم القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يدرك الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن درء المفسدة مقدم على طلب المصلحة؛ لذا عليه أن يفقه المصالح الحاصلة من أمره ونهيه والمفاسد الناتجة عن ذلك، وإيضاح ذلك أنه:
١ - إن حصلت مصلحة أعظم من المفسدة وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٢ - إن كانت المفسدة أعظم من المصلحة لم يجب عليه بل يحرم.
٣ - إذا حصل التساوي والتكافؤ بين المعروف والمنكر لم يؤمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
٤ - اختلاط المعروف بالمنكر: عند ذلك يدعى إلى المعروف دعوة مطلقة، ينهى عن المنكر نهي مطلق.
وقد أوضح ابن تيمية ﵀ هذه القاعدة العامة بقوله: " وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة، فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد.
стр. 89
فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما، إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته.
لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه إذا كان من أهل الاجتهاد لمعرفة الأشباه والنظائر. وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالاتها على الأحكام.
وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرق بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعا أو يتركوهما جميعا، لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا ينهوا عن المنكر، بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وزوال فعل الحسنات.
وإن كان المنكر أغلب نهي عنه وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر
стр. 90
المتلازمان، لم يأمر بهما، ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة.
وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا وينهى عن المنكر مطلقا، وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة، يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها ويحمد محمودها ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات معروف أكثر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أكبر منه أو فوات معروف أرجح منه. وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن، حتى يتبين له الحق فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية. وإذا تركها كان عاصيا، فترك الأمر الواجب معصية وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية (١) .
стр. 91
[رابعا البدء بالأهم فالمهم وتقديم الكليات على الجزئيات]
في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر البدء بالأهم فالمهم من القواعد والمبادئ التي تحكم القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " جهاد فيه بذل جهد ومشقة، فينبغي على المسلم أن يوجه هذا الجهد إلى إصلاح القضايا الأكثر أهمية، والجرح الأعظم اتساعا، وأصول الفساد والمنكر، ولا يجب أن يصرف همه وجهده ووقته كله في علاج الجزئيات والفروع البسيطة، إذا كان فسادها ناشئا عن فساد أصل من الأصول.
على أن هذا لا يعني إهمال الجزئيات والفروع، فالدين لله وليس منه شيء يجوز أن يهون من شأنه أو أن يتجاهل أو يهمل، وإنما هناك أولويات شرعية، وسلم هذه الأولويات الشرعية يبدأ بتعليم أصول العقيدة ثم فعل الفرائض وترك المحرمات ثم أداء السنن وترك المكروهات، وهي كالضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينات " (١) وسلم الأولويات هذه يتطلب البدء بأمور العقيدة وتقديم الكليات على الجزئيات، فأنت حين
стр. 92
ترى على إنسان مجموعة أخطاء فمن الحكمة أن تبدأ بالخطأ الأكبر قبل الأصغر، فليس معقولا أن تلومه على ترك بعض الأذكار المسنونة وهو يخل بواجبات الصلاة أو أركانها، وابدأ في معالجة المنكر بأهمه وأخطره بتدرج، والتدرج في الدعوة ثابت في وصية النبي ﷺ ، لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فقال: «إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (١) .
فتقديم الأهم فالمهم شريعة نبوية، كانت جزءا من منهجه في الدعوة العملية وهي جزء من وصيته.
إن المطلوب من الغيورين على دينهم الداعين إلى الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يوجهوا جهودهم لما يكون أكثر جدوى في سد منافذ المنكر وأن يشتغلوا بالأهم، ويمنحوه النصيب الأكبر من اهتمامهم (٢) .
стр. 93
يقول العز بن عبد السلام - رحمه الله تعالى - في بيان درجات الوسائل الموصلة للمصالح: " يختلف أجر وسائل الطاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها، فالوسيلة إلى المقاصد أفضل من سائر الوسائل، فالتوسل إلى معرفة الله تعالى ومعرفة ذاته وصفاته أفضل من التوسل إلى معرفة أحكامه، والتوسل إلى معرفة أحكامه أفضل من التوسل إلى معرفة آياته، والتوسل بالسعي إلى الجهاد أفضل من التوسل بالسعي إلى الجماعات، والتوسل بالسعي إلى الجماعات في الصلوات المكتوبات. . . . وكلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها، فتبليغ رسالات الله من أفضل الوسائل، لأدائه إلى جلب كل صلاح دعت إليه الرسل، وإلى درء كل فاسد زجرت عنه الرسل، والإنذار وسيلة إلى درء مفاسد الكفر والعصيان، والتبشير وسيلة إلى جلب مصالح الطاعة والإيمان، وكذلك الأمر بالمعروف وسيلة إلى تحصيل ذلك المعروف المأمور به رتبته في الفضل والثواب مبنية على رتبة مصلحة الفعل المأمور به في باب المصالح، فالأمر بالإيمان أفضل أنواع الأمر بالمعروف، وكذلك الأمر بالفرائض أفضل من الأمر بالنوافل، والأمر بإماطة الأذى عن الطريق من أدنى مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " (١) .
стр. 94
ويبين أيضا درجات الوسائل المؤدية إلى المفاسد ". . . وهكذا تختلف رتب الوسائل باختلاف قوة أدائها إلى المفاسد. . . وكذا النهي عن المنكر وسيلة إلى دفع مفسدة ذلك المنكر المنهي عنه ورتبته في الفضل والثواب مبنية على رتبة درء مفسدة الفعل المنهي عنه في باب المفاسد، ثم تترتب رتبه على رتب المفاسد إلى أن تنتهي إلى أصغر الصغائر، فالنهي عن الكفر بالله أفضل من كل نهي في باب النهي عن المنكر " (١) .
وقد ضرب الإمام الغزالي ﵀ مثلا لمن يشتغل في الأمور الأقل أهمية ويترك الأمور الخطيرة فيقول: " فمن غصب فرسه ولجام فرسه، فاشتغل بطلب اللجام وترك الفرس، نفرت عنه الطباع، ويرى مسيئا " (٢) .
ومرة أخرى نريد التأكيد على أن الاهتمام بالكليات لا يعني إهمال الجزئيات بحال من الأحوال، وكل ما نريد تقريره أن الأمور الأكثر أهمية، يجب أن تنال الأولوية في مجال أداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 95
[خامسا عدم جواز التجسس على الناس واقتحام دورهم بالظنون]
خامسا: عدم جواز التجسس على الناس واقتحام دورهم بالظنون من القواعد والمبادئ العامة التي تحكم القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه لا يجوز لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يتجسس على الناس ويقتحم دورهم بالظنون، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع عند الحديث عن شروط المنكر الذي يجب إنكاره، ومن هذه الشروط كونه ظاهرا بدون تجسس.
جاء في الأحكام السلطانية: " ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات، فإن غلب على الظن استسرار قوم بها؛ لأمارات دلت وآثار ظهرت فلذلك ضربان: أحدهما أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها: مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله. . . فيجوز له في مثل هذه الحالة أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات.
والضرب الثاني: ما كان دون ذلك في الريبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف الأستار عنه " (١) .
стр. 96
[سادسا كيفية أداء فريضة الأمر بالمعروف وأساليبها]
سادسا: كيفية أداء فريضة الأمر بالمعروف وأساليبها من القواعد والمبادئ العامة التي تحكم القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن لهذه الفريضة كيفية معينة تؤدى بها، ولها أساليب خاصة لتحقيق أهدافها وقد بين الله - جل وعلا - كيفية الدعوة إلى الله وأسلوبها في كتابه العزيز وفيما جاء في سنة نبيه ﷺ ، وتقوم هذه الكيفية على أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وقد تحدث العلماء عن كيفية الدعوة إلى الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعن أسلوبها بكل تفصيل ودقة في شتى العصور الإسلامية، وممن تحدث في هذا الموضوع في العصر الحديث سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، ولأن ما كتباه - حفظهما الله - عن هذا الموضوع كفيل بإذن الله بتحقيق ما نريد تحقيقه في هذا الموضوع، فإننا سوف نكتفي باستعراض ما كتباه.
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عن كيفية الدعوة وأساليبها والتي يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركنها الأساس (١) أما كيفية الدعوة وأسلوبها فقد بينها الله في
стр. 97
كتابه الكريم وفيما جاء في سنة نبيه ﵊ ومن أوضح ذلك قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]
فأوضح سبحانه الكيفية التي ينبغي أن يتصف بها الداعية ويسلكها. يبدأ أولا بالحكمة والمراد بها: الأدلة المقنعة الواضحة الكاشفة للحق والداحضة للباطل، ولهذا قال بعض المفسرين المعني بالقرآن: لأنه الحكمة العظيمة؛ لأن فيه البيان والإيضاح للحق بأكمل وجه، وقال بعضهم: معناه بالأدلة من الكتاب والسنة، وبكل حال فالحكمة كلمة عظيمة معناها الدعوة إلى الله بالعلم والبصيرة والأدلة الواضحة المقنعة الكاشفة للحق والمبينة له، وهي كلمة مشتركة تطلق على معان كثيرة، تطلق على النبوة وعلى العلم والفقه في الدين وعلى العقل وعلى الورع وعلى أشياء أخرى وهي في الأصل كما قال الشوكاني ﵀ الأمر الذي يمنع عن السفه، هذه هي الحكمة، والمعنى: أن كل كلمة وكل مقالة تردعك عن السفه، وتزجرك عن الباطل فهي حكمة، وهكذا كل مقال واضح صريح في نفسه فهو حكمة، فالآيات القرآنية أولى بأن تسمى حكمة، وهكذا السنة الصحيحة أولى بأن تسمى بعد كتاب الله، وقد سماها الله حكمة في كتابه العظيم كما جاء في قوله : ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] (١) يعني السنة، وكما في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]
стр. 98
(١) فالأدلة الواضحة تسمى حكمة، والكلام الواضح المصيب للحق يسمى حكمة كما تقدم، ومن ذلك الحكمة التي تكون في فم الفرس - وهو بفتح الحاء والكاف، سميت بذلك لأنها تمنع الفرس من المضي في السير إذا جذبها صاحبها بهذه الحكمة، فالحكمة كلمة تمنع من سمعها من المضي في الباطل وتدعوه إلى الأخذ بالحق والتأثر به والوقوف عند الحد الذي حده الله ، فعلى الداعية إلى الله أن يدعو بالحكمة ويبدأ بها ويعنى بها، فإذا كان المدعو عنده بعض الجفاء والاعتراض دعوته بالموعظة الحسنة بالآيات والأحاديث التي فيها الوعظ والترغيب، فإن كان عنده شبهة جادلته بالتي هي أحسن، ولا تغلظ بل تصبر عليه، ولا تعجل ولا تعنف بل تجتهد في كشف الشبهة وإيضاح الأدلة بالأسلوب الحسن، هكذا ينبغي لك أيها الداعية أن تتحمل وتصبر ولا تشتد؛ لأن هذا أقرب إلى الانتفاع بالحق وقبوله وتأثر المدعو وصبره على المجادلة والمناقشة، وقد أمر الله - جل وعلا - موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون أن يقولا له قولا لينا وهو أطغى الطغاة، قال الله في أمره لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وقال الله سبحانه في نبيه محمد ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
стр. 99
(١) فعلم بذلك أن الأسلوب الحكيم والطريق المستقيم في الدعوة أن يكون الداعي حكيما في الدعوة بصيرا بأسلوبها لا يعجل ولا يعنف بل يدعو بالحكمة، وهي المقال الواضح للحق من الآيات والأحاديث، وبالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لك في الدعوة إلى الله ، أما الدعوة بالجهل فهذا يضر ولا ينفع؛ لأن الدعوة مع الجهل بالأدلة قول على الله بغير علم، وهكذا فإن الدعوة بالعنف والشدة ضررها أكثر، وإنما الواجب والمشروع هو الأخذ بما بينه الله في آية النحل وهي قوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية، إلا إذا أظهر المدعو العناد والظلم فلا مانع من الإغلاظ عليه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [العنكبوت: ٤٦]
هذا ما قاله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عن كيفية الدعوة وأساليبها، وما قاله سماحته ليس بحاجة إلى إيضاح. ويقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين بهذا الصدد: " الزاد الثالث: الحكمة، فتدعو إلى الله بالحكمة، وما أمر الحكمة على غير ذي الحكمة، الدعوة إلى الله بالحكمة ثم بالموعظة الحسنة ثم بالجدال بالتي هي أحسن
стр. 100
لغير الظالم، ثم الجدال بما ليس أحسن للظالم، فالمراتب إذن أربع. قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٢) .
إن الحكمة إتقان الأمور وإحكامها بأن تنزل الأمور منازلها وتوضع في مواضعها، ليس من الحكمة أن تتعجل وتريد من الناس أن ينقلبوا من حالهم التي هم عليها إلى الحال التي كان عليها الصحابة بين عشية وضحاها، ومن أراد ذلك فهو سفيه في عقله بعيد عن الحكمة؛ لأن حكمة الله تأبى أن يكون هذا الأمر، ويدلك هذا أن محمدا رسول الله ﷺ وهو الذي ينزل عليه الكتاب نزل عليه الشرع متدرجا، حتى استقر في النفوس وكمل.
فرضت الصلاة في المعراج قبل الهجرة بثلاث سنوات، وقيل سنة ونصف، وقيل خمس سنين، على خلاف بين العلماء في هذا. . ومع هذا لم تفرض على وضعها الآن، أول ما فرضت كانت ركعتين للظهر والعصر والعشاء والفجر، وكان المغرب ثلاثا لأجل أن تكون وترا للنهار، وبعد الهجرة وبعد أن أمضى رسول الله ﷺ ، ثلاث عشرة سنة في مكة،
стр. 101
زيدت صلاة الحضر فصارت أربعا في الظهر والعصر والعشاء، وبقيت صلاة الفجر على ما هي عليه لأنها تطول فيها القراءة، وبقيت المغرب ثلاثا لأنها وتر النهار، والزكاة فرضت في السنة الثانية من الهجرة، أو فرضت في مكة لكنها لم تقدر تقديرا في أنصبائها وواجبها، لم يبعث النبي السعاة لأخذ الزكاة إلا في السنة التاسعة من الهجرة، فكان تطوير الزكاة ثلاث مراحل في مكة: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] (١) . ولم يبين الواجب ولا مقدار ما يجب فيه ذلك الواجب وجعل الأمر موكولا إلى الناس، وفي السنة الثانية من الهجرة بينت الزكاة بأنصبائها، وفي السنة التاسعة من الهجرة صار النبي ﷺ ، يبعث السعاة إلى أهل المواشي والثمار لأخذها. فتأمل مراعاة أحوال الناس في تشريع الله وهو أحكم الحاكمين. وكذلك في الصيام لا يخفى علينا أنه تطور في تشريعه فكان أول ما فرض يخير الإنسان بين أن يصوم أو يطعم، ثم تعين الصيام وصار الإطعام لمن لا يستطيع الصوم على وجه مستمر.
أقول إن الحكمة تأبى أن يتغير العالم بين عشية وضحاها فلا بد من طول النفس، واقبل من أخيك الذي تدعوه ما عنده اليوم من الحق، وتدرج معه شيئا فشيئا حتى تنشله من الباطل، ولا يكون الناس عندك على حد سواء فهناك فرق بين الجاهل والمعاند " (٢) .
стр. 102
[سابعا الدرجات التنفيذية التي حددها العلماء لتغيير المنكر]
سابعا: الدرجات التنفيذية التي حددها العلماء لتغيير المنكر من القواعد والمبادئ العامة التي تحكم القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجود درجات تنفيذية لتغيير المنكر، ومقتضى هذه الدرجات أن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغييره إذا روعيت القواعد والمبادئ العامة التي تحكم القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي تحدثنا عن بعضها، يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقدر الاستطاعة، فإن استطاع المسلم التغيير باليد كان هذا هو الواجب في حقه، فإن كان عاجزا عن التغيير باليد وكان بمقدوره النهي باللسان كان ذلك فرضا عليه، وإن كان عاجزا عن التغيير باللسان وجب عليه الإنكار بالقلب وكراهة المنكر، وهذا في مقدور كل إنسان، فلذا لا يسقط عن أحد، قال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (١) .
وإنما وجب هذا على المسلم؛ لأن الأصل أن تكون محبة المسلم وبغضه وإرادته لهذا الشيء وكراهته لذاك موافقة (٢) لحب الله وبغضه وإرادته.
стр. 103
فهذا عمل القلب لا يقبل منه إلا هذا القدر، وأما تسخير الجوارح لفعل المحبوب ودفع المكروه فيكلف به المسلم بقدر استطاعته؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها (١) .
هذا وقد ذكر الإمام الغزالي درجات تنفيذية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه عبر عنها بدرجات الحسبة، كما سماها عبد القادر عودة وسائل دفع المنكر (٢) وفيما يلي نلخص ما ذكره العلماء عن هذه الدرجات.
الدرجة الأولى: درجة التعرف وهو طلب المعرفة بجريان المنكر، يقول الإمام الغزالي عن هذه الدرجة: " الدرجة الأولى وهي التعرف، وتعني طلب المعرفة بجريان المنكر، وذلك منهي عنه وهو التجسس. . . فلا ينبغي أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الأوتار، ولا أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر، ولا أن يستخبر من جيرانه ليخبروه بما يجري في داره. نعم لو أخبره عدلان ابتداء من غير استخبار بأن فلانا
стр. 104
يشرب الخمر في داره أو أن في داره خمرا أعد للشرب، فله إذ ذاك أن يدخل الدار ولا يلزمه الاستئذان (١) .
الدرجة الثانية: التعريف: ويكون إذا أقدم الشخص على المنكر وهو يجهل أنه منكر، فالوسيلة الصالحة لدفع المنكر في هذه الحالة هي تعريف فاعل المنكر أن فعله منكر. ويجب أن يكون تعريفه باللطف من غير عنف؛ لأن في التعريف نسبته إلى الجهل وهذا في حد ذاته إيذاء، ولكن لا بد منه لدفع المنكر، فوجب أن يكون التعريف في غاية اللطف حتى لا يكون إيذاء دون مبرر؛ لأن إيذاء المسلم محرم (٢) .
الدرجة الثالثة: النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله تعالى وصفاته وأيامه، وهذه لا تكون إلا مع من عرف على المنكر فأصر عليه، بعد أن عرف كونه منكر، فيجب أن يوعظ ويخوف بالله تعالى، ويذكر باليوم الآخر وما فيه من العذاب لمن عصى الله تعالى، وحسن الثواب لمن تاب وأصلح، ويكون ذلك كله باللطف والشفقة من غير عنف وغضب، وينبغي للمسلم وهو يقوم بهذه الدرجة أن لا يتعالى على الناس وأن لا يشعرهم أنه أحسن منهم وأعلم، حتى لا ينفروا منه ولا يقيموا وزنا لغلامه ونصحه.
стр. 105
الدرجة الرابعة: السب والتعنيف بالقول الخشن، وتكون هذه الدرجة بعد العجز عن درء المنكر بسابقتيها، وبعد ظهور الإصرار على المنكر والاستهزاء بالوعظ والتعريف، إلا أنه ينبغي أن يلاحظ في هذه الدرجة أن لا يتكلم المسلم بالفحش، وأن لا يقع في القذف، فيجب عليه أن لا ينطق إلا بالصدق، وأن لا يسترسل فيها، فيطلق لسانه الطويل بما لا يحتاج إليه، بل يقتصر على الحاجة.
الدرجة الخامسة: درجة التغيير باليد وذلك ككسر الملاهي وإراقة الخمر. . . وينبغي أن لا يلجأ إلى هذه الدرجة إلا بعد اليأس من الدرجات السابقة، وإذا لجأ إليها فيجب الاقتصار على قدر الحاجة منها، وعدم الاسترسال فيها، وعدم استعمال الأساليب المهينة المذلة المستخرجة للحقد.
الدرجة السادسة: التهديد والتخويف بما يجوز التهديد به، ولا يجوز التهديد بما يحرم التهديد به كالتهديد بضرب ولده أو أخذ زوجته أو نهب داره أو سرقة ماله.
الدرجة السابعة: مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه شهر سلاح. وهذا جائز للأفراد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة في الدفع، فإذا اندفع المنكر فلا يجوز الاستمرار فيه.
هذه هي الدرجات التي حددها العلماء لإنكار المنكر وتغييره، فإذا
стр. 106
عجز المسلم عن الإنكار بإحدى الدرجات السابقة كان عليه أن ينكر المنكر بقلبه بحيث يعلم الله منه أنه كاره لما رأى من المنكر، غير أنه لا يكتفي منه بمجرد الكره بالقلب، وإنما ينبغي أن يصحب ذلك مقاطعة أهل المنكر إذا يئس من الإصلاح واجتناب مجالسهم التي يقترفون فيها الإثم؛ لأن هذا من ثمرات الكره الذي يطوي عليه قلبه للمنكر وإلا فليس كارها للمنكر ولا منكرا له بقلبه، من يشارك أهل المنكر فيؤاكلهم ويشاربهم ويجالسهم، ومجالسهم لا تخلوا من معصية الله (١) وقد قال رسول الله ﷺ : " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " (٢) .
مما سبق من استعراض الدرجات التنفيذية لإنكار المنكر وإزالته نستطيع أن نقسم هذه الدرجات التي ذكرها العلماء إلى قسمين: أحدهما إنكار المنكر وإزالته وتغييره بالوعظ والنصح والإرشاد، والآخر إزالة المنكر وتغييره بالقوة على هذا الترتيب، أي يحاول إزالة المنكر وتغييره بالوعظ والنصح والتلطف أولا، فإن لم يفلح جهده فعليه أن يصلح بالقوة، ولا يجوز النوع الثاني ما لم يتثبت من عدم تأثير الأول،
стр. 107
ويبدو - والله أعلم - أن درجات تغيير المنكر المذكورة في الحديث «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (١) يبدو أن الترتيب في هذا الحديث الشريف لدرجات تغيير المنكر من حيث القوة، لا من حيث الدعوة، فأقوى وسائل تغيير المنكر اليد ثم اللسان ثم القلب، ولا يعني هنا بحال أن نبدأ التغيير والإصلاح بالقوة (٢) .
ومما يؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] (٣) ففي هذه الآية الكريمة أمر الله المسلمين إذا اختلفت طائفتان منهم لأمر ما بأن يصلحوا بينهما بالحق، ولكن إذا أبت إحداهما الخضوع للحق قوتلت لحماية المظلوم، فأمر الله سبحانه بالسعي للإصلاح أولا ثم القتال إذا لم يتحقق الصلح، ولذلك ذكر العلماء أن استخدام القوة لا يجوز ما دام الإصلاح بالوعظ والنصح مأمولا. يقول العلامة أبو بكر الجصاص في هذا المعنى: " أمر الله بالدعاء إلى الحق قبل القتال، ثم إن أبت الرجوع قوتلت " (٤) .
стр. 108
ويقول الزمخشري: " يبتدئ بالسهل، فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب " (١) .
ويقول ابن العربي المالكي: " إن الله سبحانه أمر بالصلح قبل القتال، وعين القتال عند البغي " (٢) .
ويقول القرطبي: " فالمنكر إذا أمكن إزالته باللسان للناهي فليفعل، وإن لم يكن إلا بالعقوبة. . . فليفعل " (٣) .
стр. 109
[هل يحق للعامة استعمال القوة لتغيير المنكر]
هل يحق للعامة استعمال القوة لتغيير المنكر؟ يتبين مما ذكرناه عن درجات تغيير المنكر أن تغيير المنكر باللسان متقدم على التغيير بالقوة، ولا شك أن كل مسلم يجب عليه بحكم الشريعة أن يذكر بالمعروف ويأمر به ويحذر عن المنكر وينهى عنه. أما استخدام القوة في ذلك، وهل أجازته الشريعة الإسلامية لكل فرد أو إنما هو على الحكام وأولي الأمر فحسب؟ (١) نجد أن العلماء قد أسهبوا الكلام في ذلك وأطنبوا ولا يتسع المقام لاستعراض ما قالوا، ونكتفي هنا برأي الإمام القرطبي حيث يقول: " قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء ويعني عوام الناس " (٢) .
ما ذكره القرطبي عن العلماء في هذه العبارة يقرر أصلا عاما، ومعناه أن الولاية بما أنها صاحبة سلطة وقوة، يجب عليها إقامة المعروف
стр. 110
وإزالة المنكر بالقوة، كذلك العلماء يستطيعون أداء واجب التبليغ والإصلاح والإرشاد، عليهم أن يحضوا الناس على فعل المعروف ويشرحوا لهم شناعة وخطورة وعاقبة المنكر، أما الذين لا يستطيعون ذلك أيضا فليس عليهم إلا أن يحبوا المعروف ويكرهوا المنكر بقلوبهم، ويجب أن لا يفهم من قول العلماء الذي حكاه القرطبي أن يرى أحد معصية تقترف، وليس بيده الحكم والسلطان، فيسكت عليها كل السكوت، ولا يبذل ما يسمعه من الجهد لإزالتها؛ لأن الإسلام يطلب من كل من رأى منكرا أن يغيره بالقول اللين، ولكن إذا لم ينجح في ذلك واستطاع إزالته بالقوة أزاله بالقوة (١) .
والذي نراه فيما يتعلق بهذه المسألة - والله أعلم - أن ينظر إلى موقف الحكومة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع الذي يوجد فيه هؤلاء العامة، فإذا كانت الحكومة قائمة بواجبها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل أمانة وصدق وإخلاص، ويوجد في المجتمع هيئات مؤهلة للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي لا تأخذها في الحق لومة لائم، ولدى هذه الهيئات الإمكانات والقدرة والصلاحيات من ولي الأمر لتغيير المنكر وإزالته، ولديها بالإضافة إلى ذلك الوقت الكافي للوصول إلى مكان ارتكاب المنكر قبل الانتهاء من فعله، فإنه لا ينبغي في