← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 30912

الأديان الوضعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (451 стр.). Показаны 421–451 · переход к 426.

стр. 421

أما الإياردة بكسر الهمزة وفتح الراء وكسرها وفتح الدال، فهي شرح للبازند، أي شرح لشرح الشرح أو تفسير لتفسير التفسير"، يقول العلامة المسعودي في كتابه (مروج الذهب): "ثم عمل علماؤهم بعد وفاة زرادشت، تفسيرا لتفسير التفسير، وسموا هذا التفسير إياردة". رابعا: أسفار أخرى: هذا؛ وقد أضاف المتأخرون من الزرادشتيين، إلى كتبهم المقدسة أسفارا أخرى، منها بتدهاش وسفر الأردارديارف، ونجد في هذه الأسفار المتأخرة، بعض مسائل مكملة للتعاليم الزرادشتية، ومن هنا فإن الزرادشتيين أضافوا أسفارا أخرى، غير المصدر الأساسي الأول وهو الأستاق، حكى فيه علماؤهم بعض أمور العقيدة والشريعة، بل بعض الأمور التي حدثت لهم وشئون البلاد، ونظرا لأن كاتبها من الكهنة الزرادشتيين، فقد أصبح من المصادر، التي يرجع إليها أيضا لمعرفة أمور عقيدتهم. وبعد هذه النظرة حول أهم مصادر الزرادشتية، نذكر ما قاله جيمس هنري برستد في كتابه (انتصار الحضارة) ترجمة الدكتور أحمد فخري عن الزرادشتية يقول: "وكانت هذه الديانة، من أنبل الديانات التي ظهرت في العالم، دعت هذه الديانة كل إنسان، وأهابت به أن يختار أحد الطريقين، إما أن يملأ قلبه بالخير والنور، أو ينغمس في الشر والظلمة، وسواء اتخذ الإنسان هذا السبيل أو ذاك، فإنه سيلاقي جزاءه ويحاسب على ما أتاه، وكانت هذه العقيدة أقدم ديانة ظهرت في أسيا، تقول بالحساب بعد البعث، ولم تكن دعوة زرادشت إلا سموا بالعقائد القديمة، التي كانت منتشرة بين أهله، ورفعا لآلهتهم القديمة إلى المثل الأعلى، ولهذا أبقى زرادشت على احترام الآريين للنار وعبادتهم لها، على أنها رمز ظاهر للخير والنور، كما احتفظ أيضا بفكرة الكهنة مشعلي النار". ولما لم يستطع زرادشت، أن يؤثر في قومه بدعوته الجديدة، هجر الميليين وذهب إلى الفرس يدعو إلى دينه الجديد، ولعله لم يجد في السنوات الأولى، إلا القليل من الاستجابة إليه، إذ تتضح آماله ومخاوفه في تلك المجموعة الصغيرة من التراتيل التي تركها، وهي على الأرجح، كل ما وصل إلينا من أقوال ذلك النبي، فنحن نعرف شدة شغف الآريين بتربية الخيول، ولهذا لا ندهش عندما نقرأ، أن زرادشت استطاع أخيرا، أن يجعل أحد الملوك الأقوياء، يؤمن به عندما شفى جوادا كسيحا كان الملك يعتز به، وقبل أن تحين ساعة هذا النبي، كانت عقيدته الجديدة قد لاقت نجاحا كبيرا وثبت قدمها، ولم يحل عام خمسمائة قبل الميلاد، حتى كانت الزرادشتية هي الديانة الأولى بين الإيرانيين، كما قبلها أباطرة الفرس أيضا، وليس من المستبعد أن يكون الملك دارا شيد مقبرة هذا النبي، ولسنا نعرف من أقوال زرادشت، غير التراتيل التي ذكرناها آنفا، وإلى جانبها بعض تعاليمه، التي احتفظت بها بعض المؤلفات، التي جمعت في العهد المسيحي المبكر، بعد وفاة هذا النبي بعدة قرون، ويجمع هذه التراتيل كتاب الأبستا، الذي يمكننا أن نسميه إنجيل الفرس. ويتحدث الأستاذ ميل فيقول: "نشر متحف جيمي سنة ١٩٢٤، قائلا عن الأفستا: إذا حاول الإنسان قراءة الأفستا، فإنه يدرك لأول وهلة أن قراءتها مستحيلة، ذلك لأن الفصل فيها لا يتلاءم ليكون وحده، ولا يتسق أي جزء مع جزء آخر، فهي أجزاء مفككة يتلو بعضها بعضا، يصدق عليها القول: أنها مجموعة جمل مفككة لا ينظمها عقد واحد، ولا يستطيع المترجم أن ينهض بترجمة الجاثات على وجه سليم وكامل، ويذهب بعض الباحثين، إلى أن العمل القيم في الأفستا، هو تخليص النصوص الموثوق فيها من غيرها، ثم تنسيق هذه النصوص، تنسيقا يحقق الوحدة فيها". والزرادشتية عقيدة البارسس ولا يزالون يعتنقونها إلى اليوم، وكتابه المقدس هو زندا فستا، والكلمة مركبة من كلمتين، زندا ومعناها شرح وفستا

стр. 422

ومعناها النص الأصلي، ومن ثم فمعنى الكتاب النص والشرح، وكتاب البارسس المقدس يتضمن التاريخ الأدبي لأمة، في مدة طويلة من الزمن، مثلهم في ذلك مثل كتاب اليهود المقدس أي العهد القديم، ومن المعروف أن هذا الكتاب المقدس، ظل قرونا طويلة يعتمد على الرواية الشفوية قبل التدوين، وعلى ذلك فالوصول إلى النص الأصلي، أمر لا يمكن القطع به وإن جاز ترجيحه، يضاف إلى ذلك أنه غير مرتب ترتيبا زمنيا. وفي الترجمة الإنجليزية التي قام بها الأستاذ شبيجل، لتروج بين جماعة البارسس بالهند، الذين يعرفون الإنجليزية، نجد الفنديداد هي الفصل الأول، وفيه أهورا مازدا يتحدث إلى زرادشت، ويمنحه أوامر الشريعة تفصيلا، ولكن لا يظن أحد أن هذا منقول عن النبي نفسه، إنما هو من وضع كاهن بعد موته بقرون، وأنه خلا من تعاليمه، ويأتي بعد الفنديداد الفسبرد والياسنا، وهذان للطقوس الدينية وهما تراتيل وكتاب صلوات، وخاصان برجال الدين فحسب دون غيرهم من العلمانيين، وتلاوة نصوصها لا تحتاج إلى جمهور لسماعها، وتنتظم الياسنا الجاثات، التي ينظر إليها الآن على أنها أجزاء الأفستا الوحيدة، التي هي في الواقع من عمل زرادشت، ويتلو هذه خردة أفستا أو الأفستا الصغيرة، التي تتضمن الياشات، وهي تتضمن تمجيد ملائكة أو آلهة صغار، كما تتضمن صلوات خاصة، وبعض المقطوعات عن الشعائر. هذا؛ والأفستا المتأخرة ليست باللهجة القديمة، بينما هي بلهجة العصر الأكميني، ولما قامت الدولة الساسانية، ترتب على ذلك إحياء الديانة الزرادشتية في القرن الثالث المسيحي، قام رجال الدين من المجوس بترجمة النصوص الدينية

стр. 423

الزرادشتية القديمة إلى اللهجة البهلوية، فصاحب هذه الترجمة تشويه للنصوص الأصلية، وإضافات كثيرة من شروحهم لهذه النصوص، ومن ثم فلا يمكن الزعم أن هذه الترجمة البهلوية، تمثل تعاليم زرادشت تمثيلا صادقا، وتطور العقيدة على يديه. والمصدر الذي يراه الباحثون المحدثون، هاما في تصوير العقيدة الزرادشتية، هو الياسنا، والياسنا تتضمن خمس مجموعات من التراتيل تسمى الجاثات، وعدد التراتيل سبع عشرة، ويذهب الباحثون إلى أن الجاثات، تتضمن العناصر القديمة للديانة الزرادشتية، التي يضمها كتاب الزندا فستا، ويقولون: إنها احتفظت ببعض أقوال زرادشت، وعلى ذلك فهي من خير المصادر لعقيدته، ويقولون: إنها منظومة بلغة قديمة جدا، وأوزان النظم فيها يختلف بعضها عن بعض، وأن طابع التأنق يبدو فيها، ويمثلونها بالمزامير في أنها تضمنت بعض المعلومات عن حياة الشخصيات. وتحدث جيمس هنري برستد في (انتصار الحضارة) عن العقيدة الزرادشتية، فقال عن عناصر تكوينها: "تأمل زرادشت الصراع المستمر بين الخير والشر، هذا الصراع الذي كان يراه حوله أينما سار، والذي رآه ممثلا في ديانة الشعب الميدي، وفي عقائدهم وفي آلهتهم، وبدا له أن هذا الصراع قائم بين، مجموعة من قوى الخير ومجموعة من قوى الشر، واعتقد أن الخير ليس إلا كائنا إلهيا، أطلق عليه اسم مازدا، الذي كان اسما لأحد الآلهة القدامى، أو أهورا مازدا ومعناها رب الحكمة، الذي رأى فيه أنه هو الله، وكان يحيط بأهورا مازدا جماعة من الأعوان يشبهون الملائكة، وكان أعظمهم مكانة هو النور فيدعى مثرا، ويقف ضد أهورا مازدا وأعوانه جماعة شريرة قوية، أطلقوا عليها اسم أهرمن، وهو الذي

стр. 424

أخذه اليهود ثم المسيحيون من بعدهم، وعرفوه تحت اسم الشيطان، وهكذا نشأت عقيدة زرادشت، من الصراع القائم في الحياة عينها، ولذا أصبحت قوة هائلة". والناظر إلى هذا القول، يظهر له بوضوح أن الزرادشتية، عقيدة جاء بها صاحبها من النظر إلى الحياة، التي أوحت له بعناصرها، ولكن هذا النظر إلى هذه العقيدة، تدحضه النصوص التي تصور زرادشت على أنه نبي، وهي النصوص التي يرجحون أصالتها، وقد ورد في الجاثات قوله: "إلى أي أرض أفر وإلى أي اتجاه يكون المهرب، إلى النبلاء والسادة وإن يقاطعونني، أم إلى الناس وهم غير راضين عني، أم إلى حكام الأرض الخونة، كيف أبلغ رضاك يا أهورا مازدا، أنا أعرف لماذا لا يصيبني النجاح، لأن عندي قطيعا صغيرا، ولذلك فعندي ناس قليلون، أجأر إليك أن ترعاه يا أهورا، مانحا إياي عونا يعطيه صديق لصديق، وعلمني بالحق كيف أحظى بالفكر الخير". فهو في هذا النص يشكو، ولا يوجه شكواه إلا لربه، ونجده في نص آخر يشير إلى نفسه، بما يفهم منه أنه نبي ينزل عليه الوحي، فقال: "عرفت أنك الإله الواحد يا مازدا أهورا، عندما جاء إلي الفكر الخير، وسألني: من أنت ومن لك، وبأي آية تعين أيام الحساب بيني وبينك؟ فعندئذ قلت له: أولا أنا زرادشت، المبغض الحقيقي بأقصى ما لدي من قوة للرجل الفاسد، والسند القوي للصالح، وبذلك أنال الأشياء الآجلة في المملكة غير المتناهية، بثنائي وترتيلي لك يا مازدا، عرفت أنك الواحد الإله مازدا أهورا، عندما جاء إلي الفكر الخير، بهذا السؤال: لأي الأشياء ستتجه عزائمك؟ عنده أجبته: في كل تقديم تبجيل لنارك، وكلما كانت في قوة فتأملت في الحق، فأرني إذا الحق الذي أناديه".

стр. 425

والذين يذهبون إلى أن العقيدة هي من صنع زرادشت، يقولون: إن أهورا مازدا ليس من ابتداع زرادشت، لأن هذا الاسم كان موجودا من قبل باختلاف يسير في الحروف، كما ثبت ذلك بالنقوش الآشورية، التي هي أبعد في القدم من زرادشت، ومعناه في النقوش الله الواحد الحكيم، أما الفكر الخير والحق، فربما كانا إلهين من الآلهة الصغرى، ولكن المتأمل في النص يتضح له بجلاء، أنهما تابعان لأهورا مازدا أي الإله، ويبدو أن الفكر الخير ملك، وأن الحق صفة من صفات أهورا مازدا، ولا يطعن في هذا الرأي، الإشارة إلى النار المقدسة، لأنها تبدو في النص على أنها رمز، أما تقديسها فمن رواسب الشعائر القديمة، التي انتقلت إلى العقيدة، وتقديس النار يرجع إلى أيام، أن كانت القبائل الشمالية القديمة في حالة بداوة، وتنتقل من مكان إلى مكان تقيم فيه النيران، التي تبعث فيهم أعز مطلب وهو الدفء، في جو قاس شديد البرودة، فكانت لديهم مقدسة. على أن هذا الرأي الذي ننصره، لا يستقيم دائما مع النصوص الموثوق بها وهي الجاثات، التي هي أناشيد موجهة إلى أهورا مازدا، ذلك لأنها نصوص قديمة تدين في وجودها، إلى الرواية الشفوية أولا، فترتب على ذلك شيء من الاضطراب، ومن هنا نجد ما يوهم التعارض، ومن الخير أن نذكر على سبيل المثال، نصا من ترجمة الدكتور مولتن، الذي ترجم الجاثات إلى الإنجليزية بعضها نثرا وبعضها شعرا، جاء في الجاثة الخمسين ما يأتي: "أرجو أن يعلمني خالق الحكمة شرائعه، عن طريق الفكر الخير، حتى يجد لساني لها منفذا، فمن أجلك سأسرج أسرع الجياد المطهمة الممتلئة القوية، في إنجاز التسبيح لك، حتى تأتي إلى هنا يا مازدا، الحق والفكر الخير وتكون مستعدا لعوني، وبأشعار عرفت بحمية التقوى، سأمثل أمامك بيدين مبسوطتين أمامك، أنت أيها الحق بصلاة المؤمن، وأمامك بجهد الفكر الخير، وبهذه الصلوات أقدم

стр. 426

وأسبح لك يا مازدا والحق بأعمالي الفكر الخير، ولو كنت سيد مصيري كما أريد إذا، ليتجه التفكير نحو حماية العقلاء بنفس السبيل، تلك الأعمال التي سأصل إليها، وتلك التي تمت من قبل، وتلك أيها الفكر الخير، التي هي ثمينة في العين أشعة الشمس، وانبثاق الأيام الوضاحة، هي جميعا تسبح لك أيها الحق أهورا مازدا، سأعلن نفسي مادحا لك مازدا، وأظل أيها الحق كذلك ما دامت في قوة وقدرة، وأرجو أن يتم خالق العالم بالفكر الخير تحقيقا، وكل ما هو استجابة تامة لإرادته". ففي هذا النص يبدو ظاهره، أن الحق والفكر الخير صفتان لأهورا مازدا، كما في العبارة الثانية، وذوا كيان مستقل عن أهورا مازدا في غيرها، ولكن المتأمل في النص يلاحظ فيه اضطرابا، ذلك لأن الفكر الخير في النص، يقوم بتعليم الحكمة، وبجهده في التعليم يكون السعي إلى أهورا مازدا، وشخصية على هذا الوجه المستقلة، وليست صفة لأهورا مازدا، فكيف إذا يكون صفة، اللهم إلا إذا كانت الرواية الشفوية، حرفت النص فشوهته، على أنه يمكن التماس تفسير، أن الفكر الخير في كل حالة شخصية مستقلة، بتقدير أنه ممثل لأهورا مازدا، وهذا يؤيد الرأي القائل، باستقلال شخصيته ويزيل اللبس والغموض. فكرة الحساب والشفاعة، والأعياد والأخلاق عند الزرادشتيين فكرة الحساب والشفاعة: فنجد في الياسنا الرابعة والأربعين نصا، ننقله عن ترجمة الدكتور مولتن، يقول: "عن هذا أسألك فأبلغني يقينا، وقل على التحقيق أيها الإله المقدس، كيف أقوم بعبادة تليق بك أيها الملك المعبود، علمني أيها الواحد الحكيم كما يعلم السماوي الأرضي، كصديق حدثني كصديق، أو يأتي الحق الرءوف بعونه في حينه، ومع

стр. 427

الفكر الخير السماوي، تنزل إلينا الحماية بقدرته الرحيمة، قل لي على التحقيق وأبلغني يقينا، فأنا أتوسل أيها الملك المقدس، عندما تنبلج أسمى الحياة عند مدخل مملكتك، هل من مقدرات الحكمة السماوية، إعطاء كل امرئ حقه، حقا إنه هو النبي المرسل، الذي توضع لروحه الساهرة كل خطايا البشر، ومع ذلك فدأبه كصديق، تحيا عوالم الحياة من جديد"، وهنا نجد الزرادشتية تعترف بيوم الحساب، إلا أنها تجعل في يدي نبيها، تقرير المصير لأخطاء البشر، وغير واضح إن كان هذا يتأتى عن طريق الشفاعة، فهو حق مقرر لنبي الزرادشتية كما يعلنه هذا النص. ويخط ئ بولكيه في تشبيه هذه العقيدة بالعقيدة الإسلامية عن الشفاعة، التي تجعل مصير خطيئة الإنسان في يد الله، وهو سبحانه الذي يقرر الحكم فيها أولا وأخيرا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالشفاعة في الإسلام مقصورة على المسلمين وحدهم، لا على البشر كافة كما هي في النص الزرادشتي، هذه الفكرة الدينية فكرة الشفاعة، لا تنسب إلا لرسول، وهذه الرسالة تقررها الياسنا الحادية والثلاثون، في قولها: "العبادة للحق ولمازدا، أو لأي من الآلهة يكون هناك، القدر والواجب يحثانني أيها الفكر الخير، فالتمس لي كل قوة الله حربا على الفساد حتى ينال النصر". وبهذا تبدو الديانة سماوية وبشرية في آن واحد، سماوية بشر بها نبي هو زرادشت، وبشرية لما نالها من التحريف، الذي شوه بعض معالمها وأساء إليها، لأنها ظلت قرونا طويلة، تنتقل من جيل إلى جيل بالرواية الشفوية، حتى دونت آخر الأمر، بعد أن عمل فيها الخيال وما ألف الناس، حقا إن هذه العقيدة وجدت لها نصيرا، في أوائل القرن الثالث الميلادي، بعد أن قامت الدولة الساسانية في إيران،

стр. 428

تلك الدولة التي رأت في انتصارها لهذا الدين، ما يدعم ويثبت كيانها، ولكن هذه العقيدة على الرغم من فوزها بهذا النصير، عاشت بين أيدي المجوسية، وهؤلاء إلى جانب ما نال العقيدة، من تشويه أثناء روايتها الشفوية، أضافوا إليها شروحا أتت بما يعرف بالزندا فاستا، وهذه الشروح تأثرت بوجه من الوجوه بالفكر اليوناني، الذي انتقل إلى فارس بصور مختلفة، منها هجرة بعض الإغريق إلى هذه البلاد، ثم تطورت هذه العقيدة بعد ذلك بتأثير الحكم الإسلامي، الذي بسط سلطانه على إيران منذ القرن السابع الميلادي، ونتج عن ذلك كتب دينية، ذات اتجاه يصور هذا التأثير الإسلامي. ومهما يكن من أمر فإن العقيدة الزرادشتية، تعيش الآن في الهند بين طائفة تعرف بالبارسيس، والمعروف أن كهنة هذه الطائفة، غير ميالين إلى الاجتهاد في عقيدتهم، الأمر الذي يترتب عليه عاجلا أو آجلا، إلى إجبارهم إلى الأخذ بمعالم الحضارة الحديثة، وتنسيق الأفكار الدينية مع العقل الحديث، أو إلى ترك المثقفين لهذه العقيدة، والانحياز إلى عقيدة أخرى، تتلاءم مع تطورهم العقلي. ونضيف قائلين: ولذا ففي الزرادشتية المتأخرة الإله الواحد، ليس متفردا في قدرته، وإنما قبالته كمصدر للخير يقف له مناوئا مصدر الشر، وعلى هذه الساحة المستعرة، كان القتال بين هاتين القوتين النور والنار والشر والظلام، وكلاهما مازدا وأهرمان يقف بجنوده المؤلفة من الملائكة أو من الشياطين، وهذا يعد حزب الإله وهذا يعد حزب الشيطان، ومن ثم آلت الزرادشتية إلى الثنائية، أو ما يعرف بالثنوية، حيث إله الخير والشر أو إله النور والظلام، كما حرصت الديانة الزرادشتية. على أن يوقد في كل هيكل من هياكلها شعلة من النار، وأن تظل هذه الشعلة متوهجة مضيئة، يتعاهدها الموابذة كبار رجال الدين، والهرابذة وهم صغار

стр. 429

رجال الدين، فيقومون لها خمس مرات في اليوم، وقودا من خشب ومشتملا على أعشاب ومواد عطرية، فيمتلئ الهيكل بعرفها الطيب وريحها الزكي، وترتل حولها الأدعية وتقام لها الصلوات، فانتهى الأمر في الزرادشتية، إلى تقديس وعبادة النار، والاعتقاد بأنها ابنة الإله أهورا مازدا، ولذلك فلا يمكن أن يخلو بيت من بيوت الزرادشتيين الآن، من موقد النار رمز الإله وابنة الإله في آن واحد، وكان يشارك النار في التقديس، ثلاثة عناصر أخرى من عناصر أرضية، وهي التراب والهواء والماء، وإن كانت في مستوى أقل من مستوى النار. ورغم هذا يقول الزرادشتيون: إنهم يقدسون النار ولا يعبدونها، ومن أجل ذلك تحملوا تلك المهمة، وحافظوا على إشعال النار وإحراقها في المعابد، وكانوا يأتون الهيكل خمس مرات في اليوم، ليقدموا للنار وقودا من خشب الصندل وغيره، ولكن ما ورد في أدعيتهم وتراتيلهم، من خلال نظراتهم إلى النار يكذب هذا الادعاء، ويترتب القول بأن الزرادشتيين يتوجهون بالعبادة للنار، وقد بالغ الزرادشتيون في تقديس نار الهيكل، فأوجبوا على رجل الدين أن يتلثم عند اقترابه من النار، خشية أن يصل زفيره إليها فيلوثها، وكان عليه أن يتذكر حين يدنو منه هذه القوة الأرضية، أن هذا النور الفياض إنما يرمز إلى الإله أهورا مازدا، وهكذا قدس الزرادشتيون النار والشمس، وبقية العناصر الأربعة: التراب والهواء والماء، وقدسوا كذلك الثور والكلب. يقول صاحب كتاب (الديانة الزرادشتية): "إن احترام النور يحتل مكانا قدسيا مرموقا في الديانة الزرادشتية، لاعتقادهم أن الإله أهورا مازدا قد خلق النور والإنسان في آن احد، وقدسوا كذلك الكلب، فالكلب في الديانة الزرادشتية له أكرم منزلة، أما عن بقية المقدسات، فالزرادشتيون ينظرون إلى الماء والتراب والهواء والنار نظرة تقديس".

стр. 430

يقول صاحب كتاب (زرادشت الحكيم): "وتكاد الطقوس والتعاليم الدينية الزرادشتية، تدور على محور واحد هو تقديس النار"، وفي موضع آخر يقول: "في جميع أنحاء إيران تقاد النيران، التي نظروا إليها نظرة قدسية خاصة، الأولى نار العظمة الربانية، التي كانت بهيكل كابول، والثانية نار الأبطال، وكانت تشعل في هيكل على جبل أزنون، على سواحل جزيرة أورمية على مقربة من مسقط رأس زرادشت، والثالثة نار العمال، وكانت تشعل على جبل يوتنت بخراسان، فالنار أصبحت مقدسة عند كل زرادشتي، بل توجهوا إليها بالعبادة والتضرع في صلواتهم". أما عن تقديس بقية العناصر، فلم يقف الزرادشتيون عند تقديس الشمس والنار، بل إنهم كانوا يقدسون سائر العناصر الأربعة وهي التراب والماء والهواء، ولأمر ما لم تدفن جثة الميت في التراب، ولم تحرق في النار، ولم يذر رمادها في الهواء، كما يفعل بعض أرباب الديانات الأخرى قبل الهندوسية، ولكن الزرادشتيين نظرا لاعتقادهم نجاسة الميت، فإنهم لا يضعونه في العناصر المقدسة، ولا يجعلونه يمسك خشبة، أن ينجس الميت في اعتقادهم هذه العناصر الطاهرة. ورغم كل هذا يزعم الزرادشتيون أنهم موحدون، لا يعبدون ولا يقدسون إلا إلها واحدا، وكان أول عهد يأخذه الزرادشتي على نفسه، كما جاء في الأفستا المقدسة: "لن أقدم على سلب أو نهب ولا تخريب أو تدمير، ولن آخذ بالثأر، وأقر أني أعبد الإله الواحد أهورا مازدا، وأني أعتقد دين زرادشت، وأقر أني سألتزم التفكير في الخير والكلام الطيب والعمل الصالح". وهكذا انتهت عقيدة الزرادشتيين، إلى عبادة المخلوقات مع الإله أهورا مازدا، ووصفه بصفات النقص، وتقديس بعض أمور الطبيعة، من نار وماء وتراب وهواء

стр. 431

وشمس، وأشياء أخرى مثل الثور والكلب، كما ينظر الزرادشتيون نظرة تقديس إلى العناصر الأربعة، وبهذا توجد سمة اعتقاد بأشياء طيبة وأخرى خبيثة، ويؤمن الزرادشتيون أيضا بالملائكة والشياطين، ففي الزرادشتية يوجد فضائل سبع تمثل الملائكة السبع الخيرة، هذه الفضائل هي: العقل الخير والنور والحكمة والخير والتقوى والخلود والأمر الصالح، وهناك جماعة الأرواح المقدسة، التي تتألف من ستة ملائكة ذكور وست ملائكة من الإناث، وتبيح الزرادشتية أن تتولى النساء وظائف الكهنوت، ويوجد في الزرادشتية ملائكة كثيرة. وأما بالنسبة للشياطين؛ فالشيطان في الزرادشتية يدعى بأهرمان وله جنود كثيرون، فهو إله الشر الذي يقف ضد أهورا مازدا، وهو يستنهض عددا من الكائنات الشريرة، فراحوا يتهيئون للانقضاض على كل عمل طيب يصدر عن أهورا مازدا، فبعد خلق الكون كما يعتقد الزرادشتيون، حاول أهرمان إفساد نظام الكون، فاقتحم قبة السماء فشدها، وشتت النجوم وأفسد ماء البحر وجفف الينابيع وسم النبات، وبث الأفاعي في الصحارى وعاث في الأرض فسادا. وهكذا يعتقد الزرادشتيون نفاذ قدرة أهرمان الشيطان، على إفساد الكون وعلى إلحاق الضرر، وقتما شاء بالمخلوقات وكما شاء، وعن عدد هؤلاء الشياطين كثر، يبلغ كما ذكر أحد الباحثين تسعة آلاف ومائة وتسع وتسعون شيطانا أسودا يساعدون روح الشر، ولكن هذه العقيدة وهذا العدد مخالف للمعتقد الصحيح، إذ إن الشيطان ليس له القدرة على ما زعمه الزرادشتيون، من إفساد نظام الكون الذي ينسبونه لأهرمان، فليس للشيطان سبيل على تشويه السماء، أو تشتيت النجوم أو إفساد ماء البحر، إلى غير ذلك من أمور الكون، وما هو إلا مخلوق من مخلوقات الله .

стр. 432

هذا؛ ويمكن القول بأن العبادات عند الزرادشتية كل ما يتوجه به المرء إلى إلهه ومعبوده يطلق عليه جانب العبادات، ومن أهم العبادات في الزرادشتية، عبادة النار وتقديسها، ويسمونها أتار، وتحاول كل أسرة أن تبقي نار بيتها متقدة أبدا، كما عبد الزرادشتيون الشمس وقدموا لها الصلوات؛ لأنها تمثل أهورا مازدا إله النور، فهم يتوجهون بالعبادة والدعاء إلى النار في تراتيلهم وصلواتهم، ويقولون: أيتها النار يا بنة أهورا مازدا. وقد فرض زرادشت على أتباعه خمس صلوات في اليوم والليلة، وكان واحدة منها عند بزوغ الشمس، وواحدة عند الظهر، وواحدة عند غروب الشمس، والصلاة عنده دعاء، يوجه إلى أهورا مازدا في شتى المناسبات، وخلاصته ترجمة دعائه المأثور: "أرجو منك أيها الرب الخالق المطلق القدير، أن تغفر لي ما ارتكبت من سيئات، وما دار بخلدي من تفكير سيئ، وما صدر عني من قول أو عمل غير صالح، إلهي إنني أرجو منك أن تباعد بيني وبين الخطايا، حتى أحشر يوم الدين مع الأطهار الأخيار". وهكذا فإن من أهم أمور العبادة، الدعاء والتضرعات للنار المقدسة وعبادتها، وكذلك عبادة الصلوات الخمس، التي يقيمونها ويؤدونها أمام هيكل وموقد النار. وليس في الزرادشتية صوم؛ لأنهم يعتقدون أن الصوم إرهاق للجسد، وتعطيل لعمل العقل، والزرادشتية دين كفاح نفس وعمل روحي ونظام دنيوي، لا يتطلب إلا عمل العقل، وعمل العقل مع صحة البدن، لهذا حرمت الزرادشتية الصوم، وعلى هذا فإن الصوم ممنوع عندهم، لأنه يتنافى في اعتقادهم مع المبادئ، التي دعت إليها الزرادشتية، من إنماء النسل والمحافظة على قوة البدن، وعلى مجابهة قوى الشر ومحاولة سحقها، ولا يستطيع أن يفعل ذلك ويقوم به إلا الرجال الأقوياء، والصوم كما يظنون يخالف ويضاد هذا.

стр. 433

كذلك تدعو الزرادشتية إلى التصوف وإعانة الفقراء والمعدومين، تقول صاحبة كتاب (الدين في الهند والصين وإيران) عن تعاليم زرادشت: "إنها تحث الإنسان أن يؤدي الصدقة العملية، فإن من يعاون الفقير البائس، يسهم في إقامة دولة أهورا مازدا". وعندهم شرائع تحث على الزواج، والتوالد توالد الكائن البشري، من أجل نشر الديانة الزرادشتية، وتوطيد وترسيخ دعائم المملكة الدينية الإلهية، والانتصار للقضايا الخيرة. وأما أعياد الزرادشتيين، فعندهم عيد النيروز ٢١ مارس أول أيام الربيع، وعيد كهنبار الذي يحتفل به في السنة ست مرات، وواجشت وهو احتفال يقام قبل مراسم كهنبار، ويوزدي ويسمى دار طلب المدين، وعيد آخر يسمى عيد السفك، وربما لهم أعياد أخر. وأما الأخلاق عند الزرادشتية، فقد بات واضحا أن الزرادشتية، دعت إلى أخلاق فاضلة ونهت عن أخلاق سيئة، بل شددت النكير على مرتكبها، وأول ما تنادي به الزرادشتية من أخلاق الفكر الطيب والقول الطيب والعمل الطيب، ولذلك أصبحت هذه الثلاث علامة على الزرادشتية، حتى أصبح يعرف كل من يدين بهذا الدين، إذا تكلم بدت من فلتات لسانه هذه الكلمات الثلاث، الاعتقاد الصادق والكلم الطيب والعمل الصالح، هي أمهات الفضائل الجوهرية في الديانة الزرادشتية، كما نهت عن الأخلاق السيئة، التي تتناقض مع الفكر الطيب والقول الصالح والعمل الخير، ونهت عن الكبر وعن مصادقة الأشرار وعن الانغماس في الشهوات والملذات، وغير ذلك من الأخلاق السيئة، فيما يتوافق في اسمه وظاهره مع الإسلام الحنيف، الذي دعا إلى كل فضيلة ونهى عن كل رذيلة. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله صحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 434

الدرس: ٢٠ مقارنة بين عقائد المانوية والزرادشتية في: الله، والنفس، والمصير .

стр. 435

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العشرون (مقارنة بين عقائد المانوية والزرادشتية في: الله، والنفس، والمصير) عقائد المانوية والزرادشتية في الله - عز جل - الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: بعد أن حدثتك عن زرادشت والزرادشتية؛ من حيث التأسيس والنشأة والتطور، ومن حيث المصادر والعقائد؛ ها أنا ذا أعقد مقارنة بين عقائد المانوية والزرادشتية؛ في الله والنفس والمصير. ونذكر عقيدة زرادشت في الله - عز جل، ثم نقارنها بعقائد المانوية. وخلاصة ما جاء به زرادشت من جديد في الديانة، أنه أنكر الوثنية وجعل الخير المحض من صفات الله، ونزل بإله الشر إلى ما دون منزلة المساواة بينه وبين الإله الأعلى، وبشر بالثواب وأنذر بالعقاب، وقال بأن خلق الروح سابق لخلق الجسد، وحاول جهده أن يقصر الربانية على إله واحد، موصوف بأرفع ما يفهمه أبناء زمانه من صفات التنزيه، وليست المجوسية كلها من تعاليم زرادشت، أو تعليم كاهن واحد من كهان الأمة الفارسية، فقد سبقه الفرس إلى عقائدهم، في أصل الوجود وتنازع النور والظلام، ولكنه تولى هذه العقائد بالتطهير، وحملها على محمل جديد من التفسير والتعبير. فالمجوس كانوا يعتقدون أن هرمز وأهرمن، مولودان لإله قديم يسمى زروان ويكنى به عن الزمان، وأنه اعتلج في جوفه وليدان، فنذر السيادة على الأرض والسماء لأسبقهما إلى الظهور، فاحتال أهرمن بخبثه وكيده، حتى شق له مخرجا من الوجود، قبل هرمز الطيب الكريم، فحقت لأهرمن سيادة الأرض والسماء، وعز على أبيهما أن ينقض نذره، فأصلحه بموعد ضربه لهذه السيادة، ينتهي بعد تسعة آلاف سنة، ويعود الحكم بعده لإله الخير خالد بغير انتهاء، ويؤذن له يومئذ في القضاء على إله الشر، وتبديل غياهب الظلام. وزعموا أن مملكة النور ومملكة الظلام، كانتا قبل الخليقة منفصلتين، وأن هرمز طفق في مملكته يخلق عناصر الخير والرحمة، وأهرمن غافل عنه في قراره السحيق، فلما نظر ذات يوم ليستطلع خبر أخيه، راعه اللمعان من جانب مملكة أخيه، فأشفق على نفسه من العاقبة، وعلم أن النور يوشك أن ينتشر ويستفيض، فلا يترك له ملاذا يعتصم به، ويضمن فيه البقاء، فثار وثارت معه

стр. 436

خلائق الظلام وهي شياطين الشر والفساد، فأحبطت سعي هرمز وملأت الكون بالخبائث والأرزاء، وران هذا البلاء على الكون، حتى كانت معركة زرادشت، فكان البشير بانتهاء زمان وابتداء زمان، ولكنه لم يختم صراع العدوين اللدودين، بل آذن بتحول النصر من صف إلى صف، وتراجع الشر والظلام عن مملكة الخير والنور، وسيدوم هذا الصراع اثني عشر ألف سنة، ينجم على رأس كل ألف منها بشير من بيت زرادشت، فيعزز جحافل هرمز ويوقع الفشل في جحافل أهرمن، وتنقضي المدة فينكث أهرمن على عقبيه مخلدا في أسفل سافلين، لا فكاك له أبد الأبيد، من هاوية الظلمات وسجن المذلة والهوان. وتدل تسمية الإلهين دلالة واضحة، على انتقال فكرة الإلهية طبقة فطبقة، من صورة التجسيم إلى صورة التنزيه، فإن هرمز مأخوذ من أهورا بمعنى السيد، ومازدا بمعنى الحكيم، وأهرمن مأخوذ من أنجرو بمعنى السيئ وماينوش بمعنى الفكر والروح، والمعنيان معا من عالم الفكر المجرد أو القريب من التجريد، ثم أصبحت كلمة أور مزدا مرادفة لروح القدس، وكلمة أهرمان مرادفة لروح الشر أو روح الأذى والفساد. وقيل في مجمل الأساطير المجوسية: إن أهرمان إنما هو فكرة سيئة، خطرت على بال زروان فكان منها إله الظلام. ويخيل إلينا أن زرادشت، كان خليقا أن يسمو بعقيدة المجوس، إلى مقام أعلى من ذلك المقام في التنزيه، وأن يسقط بأهرمن من منزلة الند إلى منزلة المارد المطرود، لولا أن وجود أهرمن كان لازما، لبقاء الكهانة الفارسية، في عهود المحن والهزائم التي منيت بها الدولة، وتجرعت فيها الأمة غصص الذل والانكسار، فلو قال الموابذة للمؤمنين بهرمز: إنه هو الإله المتفرد في الكون بالتصريف والتقدير، لكفروا بدينهم وحاروا في أمرهم، ولكنهم يكبرون من قوة أهرمن، ويجعلون

стр. 437

انتصاره عقوبة للناس على تركهم للخيرات وحبهم للشرور. ثم يبشرونهم بغلبة الإله الحكيم الرحيم بعد الهزيمة، فتهدأ وساوسهم إلى حين. على أن زرادشت، قد استخلص من أخلاط المجوسية عقيدة وسطا، بين العقيدة الوثنية الأولى والعقيدة الإلهية الحديثة، سواء في تصحيح الفكرة الإلهية، أو مسائل الأخلاق ومسائل الثواب والعقاب، فالله في مذهب زرادشت، موصوف بأشرف صفات الكمال، التي يترقى إليها عقل بشري، يدين على حسب نشأته بالثنائية وقدم العنصرين في الوجود، فالخير عند زرادشت غالب دائم، والشر مغلوب منظور إلى أجل مسمى، وما زال أهرمن يهبط في مراتب القدرة والكفاية على هذا المذهب، حتى عاد كالمخلوق الذي ينازع الخالق سلطانه، ولا محيص له في النهاية من الخذلان. وفي الزند فستا يقول زرادشت: " إنه سأل هرمز: يا هرمز الرحيم صانع العالم المشهود، يا أيها القدس الأقدس، أي شيء هو أقوى القوى جميعا في الملك والملكوت؟ فقال هرمز: إنه هو اسمي، الذي يتجلى في أرواح عليين، فهو أقوى القوى في عالم الملكوت، فسأله زرادشت أن يعلمه هذا الاسم، فقال له: إنه هو السر المسئول، وأما الأسماء الأخرى فأولها هو واهب الأنعام، وثانيها هو المكين، وثالثها هو الكامل، ورابعها هو القدس، والاسم الخامس هو الشريف، والاسم السادس هو الحكمة، والاسم السابع هو الحكيم، والاسم الثامن هو الخبرة، والاسم التاسع هو الخبير، والاسم العاشر هو الغني، والاسم الحادي عشر هو المغني، والاسم الثاني عشر هو السيد، والاسم الثالث عشر هو المنعم، والاسم الرابع عشر هو الطيب، والاسم الخامس عشر هو القهار، والاسم السادس عشر هو محق الحق، والاسم السابع عشر

стр. 438

هو البصر، والاسم الثامن عشر هو الشافي، والاسم التاسع عشر هو الخلاق، والاسم العشرون هو مزدا أو العليم بكل شيء". وقد حرم زرادشت عبادة الأصنام والأوثان، وقدس النار على أنها هي أصفى وأطهر العناصر المخلوقة، لا على أنها هي الخلاق المعبود، وقال: "إن الخلائق العلوية كلها، كانت أرواحا صافية لا تشاب بالتجسيد، فخيرها الله بين أن يقصيها من منال أهرمن، أو يلبسها الجسد لتقدر على حربه والصمود في ميدانه، لأن عناصر الفساد لا تحارب بغير أجساد، فأبت أن تعتصم بمعزل عن الصراع القائم بين هرمز وأخيه، واختارت التجسد لتؤدي فريضة الجهاد في ذلك الصراع". ويتخيل زرادشت هرمز أو أورمزد أو أهورا مازدا أو يزدان، على اختلاف اللهجات في نطقه، ومستويا على عرش النور، محفوظا بستة من الملائكة الأبرار، تدل أسماؤهم على أنهم صفات إلهية، كالحق والخلود والملك والنظام والصلاح والسلامة، ثم استعيرت لها سمات الذوات، بعد تداول الأسماء أو تداول الأنباء عما تفعله، وما تؤمر به وما تتلقاه من وحي الله، وتفيض أقوال زرادشت كلها باليقين من رسالته واصطفاء الله إياه، للتبشير بالدين الصحيح والقضاء على عبادة الأوثان، ومن أمثلة هذا اليقين قوله: "أنا وحدي صفيك الأمين، وكل من عداي فهو عدو لي مبين"، وإن الله أودع الطبائع عوامل الخير جميعا، فإن هي حادت عن سواء السبيل، كان إرسال الرسل للتذكير والتحذير، آخر حجة لله على الناس، وإن زرادشت هو هذه الحجة، التي أبرزها الله إلى حيز الوجود، لتهدي من ضل وتذكر من غفل، وتستصلح من فيه بقية للصلاح، وكلما انقضى ألف عام، برز إلى حيز الوجود خليفة له من سلالته،

стр. 439

ولكن الأرواح التي تحف بالعرش، هي التي تحمل بذرته إلى رحم عذراء، تلهمها تلك الأرواح أن تتطهر في تلك الساعة بالماء المقدس، في عين صافية مدخرة في ناحية الأرض ليومها الموعود. ويتخيل زرادشت أنه يناجي هرمز ويسمع جوابه، ويسأله سؤال المتعلم المسترشد لمرشده وهاديه، فيناديه: "ربي هب لي عونك، كما يعين الصديق أخلص صديق، ويسأله ربي ألا تنبئني عن جزاء الأخيار، أيجزون يا ربي بالحسنة قبل يوم المعاد، أو يسأله من أقر الأرض فاستقرت، ورفع السماء فلا تسقط، ومن خلق الماء والزرع، ومن ألجم للرياح سحب الفضاء وهي أسرع الأشياء"، ولا يبعد أن يكون من أصحاب الطبائع، التي تغيب عن الوعي أو تسمع في حالة وعيها، أصواتا خفية من هاتف ظاهر أو محجوب، كما روي عن سقراط وأمثاله من الموهوبين والملهمين. ورواية الخليقة في مذهب زرادشت، أن هرمز خلق الدنيا في ستة أدوار، فبدأ بخلق السماء ثم خلق الماء ثم خلق الأرض ثم خلق النبات ثم خلق الحيوان ثم خلق الإنسان، وأصل الإنسان رجل يسمى كيمورث، قتل في فتنة الخير والشر، فنبت من دمه ذكر يسمى ميشا وأنثى تسمى ميشانة، فتزاوجا وتناسلا، وساغ من أجل ذلك عند المجوس زواج الأخوين. ويفرق المجوس بين الخلائق جريا على مذهبهم، في اشتراك الخلق بين خالق الطيبات وخالق الخبائث، أو بين إله النور وإله الظلام، فالأحياء النافعة من خلق أرمز، كالثور والكلب والطير البريء، والأحياء الضارة من خلق أهرمن، كالحية وما شابهها من الحشرات والهوام، والناس محاسبون على ما يعملون، فكل ما صنعوه من خير أو شر، فهو مكتوب في سجل محفوظ، وتوزن أعمالهم بعد

стр. 440

موتهم، فمن رجحت عنده أعمال الخير صعد إلى السماء، ومن رجحت عنده أعمال الشر هبط إلى الهاوية، ومن تعادلت عنده الكفتان، ذهب إلى مكان لا عذاب فيه ولا نعيم إلى أن تقوم القيامة، ويتطهر العالم كله بالنار المقدسة، فيرتفعون جميعا إلى حضرة هرمز في نعيم مقيم. وتوزن الأعمال عند قنطرة تسمى قنطرة شنفاد، تتوافى إليها أرواح الأبرار والأشرار على السواء، بعد خروجها من أجسادها، فيلقاها هناك فشنود ملك العدل ومترا رب النور، وينصبان لها الميزان، ويسألانها عما لديها من الأعذار والشفاعات، ثم يفتحان لها باب النعيم أو باب الجحيم، ونعيم المجوس من جنس الحسنات، التي تجزى بذلك النعيم، لأن المجوس لا يستحبون الزهد في الحياة، ولا يصدفون عن المتاع المباح، فمن عاش في الدنيا عيشة راضية، وكسب رزقه بالعمل الصالح، وأنشأ أبناءه نشأة حسنة، فجزاؤه في النعيم، رغد العيش وجمال السمت وطيب المقام بين الأقرباء والأصفياء، ويسقى من لبن بقرة مقدسة، درها غذاء الخلود، ومن كسب رزقه من السحت والحرام، فجزاؤه في الجحيم، عيشة ضنكا وألما كألم الجوع والعري، والذل والاغتراب عن الأحباب. وهذه الخلاصة ترسم لنا اتجاه مذهب زرادشت، ولكنها لا ترسم لنا شعب المجوسية، التي يشتبك بها هذا المذهب في مواضع، ويفترق عنها في مواضع أخرى، وقد أجمل الشهرستاني بيان هذه المذاهب في كتابه (الملل والنحل)، فقال في فصل مطول عن المجوس وأصحاب الاثنينية والمانوية وسائر فرقهم المجوسية: "كانت الفرق في زمان إبراهيم الخليل، راجعة إلى صنفين، أحدهما الصابئة والثانية الحنفاء، فالصابئة كانت تقول: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى،

стр. 441

ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه إلى متوسط، لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا، وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب، والجسماني بشر مثلنا، يأكل مما نأكل ويشرب مما نشرب، يماثلنا في المادة والصورة، قالوا ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (المؤمنون: ٣٤). والحنفاء كانت تقول: إنا نحتاج في المعرفة والطاعة، إلى متوسط من جنس البشر، تكون درجاته في الطهارة والعصمة والتأييد والحكمة فوق الروحانيات، يماثلنا من حيث البشرية ويمايزنا من حيث الروحانية، فيلتقي الوحي بطرف الروحانية، ويلقى إلى نوع الإنسانية بطرف البشرية، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (فصلت: ٦)، قال جل ذكره: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٣). ثم لما لم يتطرق للصابئة، الاقتصار على الروحانيات البحتة، والتقرب إليها بأعيانها والتلقي منها بذواتها، فزعت جماعة إلى هياكلها وهي السيارات السبع وبعض الثوابت، فصابئة الروم مفزعها السيارات، وصابئة الهند مفزعها الثوابت، وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص، التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن الإنسان شيئا، والفرقة الأولى هم عبدة الكواكب، والثانية هم عبدة الأصنام، وكان إبراهيم مكلفا بكسر المذهبين على الفرقتين، وتقرير الحنيفية السمحة السهلة. ثم قال عن الثنوية: إنهم أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين، يقتسمان الخير والشر والنفع والضر والصلاح والفساد، ويسمون أحدهما النور والثاني الظلمة، وبالفارسية يزدان أهرمان، ولهم في ذلك تفصيل مذهب، ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين، أحدهما بيان سبب امتزاج النور بالظلمة، والثانية سبب خلاص النور من الظلمة،

стр. 442

وجعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص معادا، إلا أن المجوس الأصليين زعموا أن الأصلين، لا يجوز أن يكونا قديمين أزليين، بل النور أزلي والظلمة محدثة. ثم لهم اختلاف في سبب حدوثها، أمن النور حدثت، والنور لا يحدث شرا جزئيا، فكيف يحدث أصل الشر، أم شيء آخر، ولا شيء يشترك مع النور في الإحداث والقدم، وبهذا يظهر تخبط المجوس، وهؤلاء يقولون: المبدأ الأول في الأشخاص كيومورث، وربما يقولون: زروان الكبير، والنبي الآخر زرادشت، والكيموثرية يقولون: كيومورث هو آدم ﵇، وقد ورد في تاريخ الهند والعجم كيومورث آدم، ويخالفهم سائر أصحاب التواريخ. ثم قال عن الكيومثرية: إنهم أثبتوا أصلين، يزدان وأهرمن، وقالوا: يزدان أزلي قديم، وأهرمن محدث مخلوق، قالوا: إن يزدان فكر في نفسه، أنه لو كان لي منازع كيف يكون، وهذه الفكرة رديئة غير مناسبة لطبيعة النور، فحدث الظلام من هذه الفكرة وسمي أهرمن، وكان مطبوعا على الشر والفتنة والفساد والضرر والإضرار، فخرج على النور وخالفه طبيعة وقولا، وجرت محاربة بين عسكر النور وعسكر الظلمة، ثم إن الملائكة توسطوا فصالحوا، على أن يكون العالم السفلي خالصا لأهرمن، وذكروا سبب حدوثه، وهؤلاء قالوا: سبعة آلاف سنة، ثم يخلي العالم ويسلمه إلى النور، والذين كانوا في الدنيا قبل الصلح، أبادهم وأهلكهم. ثم بدأ برجل يقال له: كيمورث وحيوان يقال له: ثور؛ فقتلهما، فنبت من مسقط ذلك الرجل ريباس، وخرج من أصل ريباس رجل يسمى ميشا، وامرأة اسمها ميشانة، وهما أبوا البشر، ونبت من مسقط الثور الأنعام وسائر الحيوانات، وزعموا أن النور خير الناس وهم أرواح بلا أجساد، بين أن يرفعهم

стр. 443

عن مواضع أهرمن، وبين أن يلبسهم الأجساد فيحاربوا أهرمن، فاختاروا لبس الأجساد ومحاربة أهرمن، على أن يكون لهم النصر من عند النور، والظفرة بجنود أهرمن وحسن العاقبة، وعند الظفر به وإهلاك جنوده يكون الغاية، فذاك سبب الامتزاج وذاك سبب الخلاص. إلى أن قال عن الزرادشتية: زعموا أن الله خلق في وقت ما، في الصحف الأولى والكتاب الأعلى من ملكوته خلقا روحانيا، فلما مضت ثلاثة آلاف سنة، أنفذ مشيئته في صورة من نور متلألئ على تركيب صورة الإنسان، وأحف به سبعين من الملائكة المكرمين، وخلق الشمس والقمر والكواكب والأرض، وبني آدم غير متحرك ثلاثة آلاف سنة، ثم جعل روح زرادشت في شجرة أنشأها في أعلى عليين، وغرسها في قلة جبل من جبال أذربيجان يعرف بأسمويتدور، ثم مازج شبح زرادشت بلبن بقرة، فشربه أبو زرادشت فصار نطفة ثم مضغة في رحم أمه، فقصدها الشيطان وغيرها، فسمعت أمه نداء من السماء، فيه دلالات على برئها فبرئت. ثم لما ولد زرادشت ضحك ضحكة تبينها من حضر، واحتالوا على زرادشت حتى وضعوه، بين مدرجة البقر ومدرجة الخيل ومدرجة الذئب، وكان ينتهض كل واحد منهم بحمايته من جنسه، ونشأ بعد ذلك إلى أن بلغ ثلاثين سنة، فبعثه الله نبيا ورسولا إلى الخلق، فدعا كشتاسف الملك فأجابه إلى دينه، وكان دينه عبادة الله والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتناب الخبائث، وقال: النور والظلمة أصلان متضادان، وكذلك يزدان وأهرمن وهما مبدأ موجودات العالم، وحصل التراكيب من امتزاجهما، وحدثت الصور من التراكيب المختلفة، والباري تعالى خالق النور والظلمة ومبدعهما، وهو واحد لا

стр. 444

شريك له ولا ضد ولا ند، ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة، كما قالت الزروانية. لكن الخير والشر والصلاح والفساد والطهارة والخبث، إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، ولو لم تميزها لما كان وجود للعالم، وهما يتقاومان ويتغالبان إلى أن يغلب النور الظلمة والخير الشر، ثم يتخلص الخير إلى عالم والشر إلى عالم، وذلك هو سبب الخلاص، والباري تعالى هو مزجها وخلطها، وربما جعل النور أصلا، وقال: إن وجوده حقيقي، وأما الظلمة فتبع كالظل بالنسبة إلى الشخص، فإنه يرى أنه موجود وليس بموجود حقيقة، فأبدع النور وحصل الظلام تبعا، لأن من ضرورة الوجود التضاد، فوجوده ضروري واقع في الخلق، لا بالقصد الأول كما ذكرنا في الشخص والظل. وله كتاب قد صنفه وقيل: أنزل ذلك عليه وهو (زندستا)، يقسم العالم قسمين ميتا وكيتي يعني الروحاني والجسماني والروح والشخص، وكما قسم الخلق إلى عالمين، يقول: إن ما في العالم ينقسم إلى قسمين أخشش وكنس، ويريد به التقدير والفعل، وكل واحد مقدر على الثاني، ثم يتكلم في موارد التكليف وهي حركات الإنسان، فيقسمها ثلاثة أقسام: منش وكنس وكنش، يعني بذلك الاعتقاد والقول والعمل، وبالثلاثة يتم التكليف. ولم تختم المذاهب المتجددة في المجوسية، بمذهب زرادشت وتفسيراته المتعددة، بل بقيت هذه المذاهب تتجدد، إلى ما بعد شيوع المسيحية بعدة قرون، وأشهرها وأهمها في تاريخ المقابلة بين الأديان، مذهب مترا ومذهب ماني المعروف بالمانوية". انتشر مذهب مترا في العالم الغربي، بعد حملات بومبي الآسيوية، وتدفق الأسيويين من جنده إلى حواضر سوريا وأسيا الصغرى، وأيده القياصرة لأنه كان يرفع سلطان الملوك إلى عرش السماء، ويقول: "إن الشمس تشع عليهم، قبسا

стр. 445

من نورها وهالة من بركاتها، فيرمزون بعروشهم على الأرض، إلى عرش الله في عليين"، وشاع هذا المذهب بعض الشيوع في القرن الثاني قبل الميلاد، قصر وأتباعه على الذكور دون الإناث، وجعل لهم درجات سبعا، يرتقونها إلى مقام العارفين الواصلين، رمزا إلى الدرجات التي تصعد عليها الروح بعد الموت، من سماء إلى سماء، حتى تستقر في نهاية المرتقى عند حظيرة الأبرار، ويحتفل بالمريد كلما انتقل من درجة إلى درجة، في وليمة يتناول فيها الخبز المقدس، ويسمح بالماء الطهور، ولا يطلع قبل الدرجة الرابعة على أسرار المحراب، بل يقتصر في العلم بتلك الأسرار على التقليد، ثم يترقى في معرفة السر الأعظم، إلى أن يعرف كلمة الله الخالقة في مقام العارفين الواصلين. وأصل مترا قديم في الديانة الآرية، يدين به الهنود كما يدين به الفارسيون، وقد هبط في الديانة الزرادشتية، إلى مرتبة الملك الموكل بهداية الصالحين، ولكنهم جعلوه في الديانة المترية إله الشمس، ورب الكون وخالق الإنسان وقاهر أهرمن، بعد جلاد طويل، ولا يسبقه في الوجود شيء غير الأبد أو الزمان، أبو الأرباب عندهم وأبو كل موجود. ويمثلون مترا حين تجسد على الأرض، مولودا من صخرة نائية في مكان منفرد، لم يعلم بمولده أحد غير طائفة من الرعاة، ألهموا معرفته فتقدموا إليه بالهدايا والقرابين، ومضى بعد مولده فستر عريه بورق من شجرة التين، وتغذى بثمرها حتى جاوز سن الرضاع، وكان أهرمن يحاربه ويتعقبه بالكيد، ويحبط كل عمل له من أعمال الخير والفلاح، فأرسل مترا على الأرض طوفانا أغرقها، ولم ينج معه إلا رجل واحد، حمل آله وأنعامه في زورق صغير، وجدد على الأرض بعد ذلك حياة الإنسان والحيوان، ثم طهر الأرض بالنار وتناول مع ملائكة الخير

стр. 446

طعام الوداع وصعد إلى السماء، حيث هو مقيم يتولى الأبرار بالهداية، ويعينهم على النجاة من حبائل الشيطان. وكان أتباعه يفردون لعبادته يوم الشمس أو يوم الأحد، ويحتفلون بمولده في الخامس والعشرين من ديسمبر، لأنه موعد انتقال الشمس وتطاول ساعات النهار، ويقيمون له عيدا سنويا في اليوم السادس عشر، من الشهر السابع في تقويم الفرس القديم، وقد كان المسيحيون الأولون يقابلون ذلك، بعد ظهور المسيحية وانتشارها، بتمجيد السيد المسيح في الأيام التي كان عباد مترا ينصرفون فيها إلى تمجيد هذا الإله الشمسي القديم. أما المانوية: فهي مذهب ماني بن فاتك، الذي يرجح أنه ولد في أوائل القرن الثالث بعد الميلاد، ومذهبه يخالف مذاهب المجوس الأقدمين في زعمه أن آدم من خلق الشيطان لا من خلق الله، وأن الشيطان أودعه كل ما استطاع أن يختلسه من نور السماء، ليكفل له البقاء، فلما بصر به الملائكة ولمحوا فيه قبس النور، ذهبوا يستخلصونه من قبضة الشيطان، ليرتفعوا به إلى العالم الذي هم فيه، ولا يزالون يعملون في استخلاصه، حتى يرجع إلى السماء آخر قبس من الضياء المسروق، فيتجلى الله في سمائه ومن حوله تلك الأرواح النورانية، ويتخلى الملائكة الذين يحملون الدنيا عن حملهم، فتتساقط كسفا وتلتهمها النيران، تطهيرا لها من بقايا الرجس والمكيدة، ويتم الانفصال يومئذ بين عالم النور وعالم الظلام. قال الشهرستاني عن صاحب هذا المذهب: "إنه أخذ دينا بين المجوسية والنصرانية، ويقول بنبوة المسيح ﵇ ولا يقول بنبوة موسى ﵇. حكا محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق، وكان في الأصل مجوسيا عارفا بمذاهب القوم، أن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين، أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم، وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان، وفي الحيز متحاذيان تحاذي الشخص والظل. ثم ذكر أمثلة من اختلاف بين جوهر النور وجوهر الظلمة، فقال: إن جوهر النور حسن فاضل كريم صاف نقي الريح حسن المظهر، وإن جوهر الظلمة قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر، وإن أجناس النور خمسة، أربعة منها أبدان والخامس روحها، فالأبدان هي النار والنور والريح والماء وروحها النسيم، وإن أجناس الظلمة أربعة منها أبدان والخامس روحها، والأبدان هي الحريق والظلمة والسموم والضباب وروحها الدخان". وقد أصاب الشهرستاني حين قال: "إن هذه الثنوية، هي ألزم سمات المذاهب المجوسية، لأنها تتراءى في كل مذهب منها بلا استثناء، وهي كذلك أبقى ما بقي منها في مجال التفكير، ومجال الاعتقاد على السواء، لأننا نرى منها ملامح واضحة، في مباحث التفرقة بين العقل والمادة، ولاسيما مباحث حكماء اليونان". وأما عند المانوية الذين هم أصحاب ماني بن فتك الحكيم، الذي ظهر في زمن شابور بن أردشير، وقتله بهرام بن هرمز بن شابور، وذلك بعد عيسى ﵇، أخذ دينا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح ﵇ ولا يقول بنبوة موسى ﵇، فحكا محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق، وكان في الأصل مجوسيا عارفا بمذاهب القوم أن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين،

стр. 447

أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم، وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان، وفي الحيز متحاذيان تحاذي الشخص والظل. وإنما يتبين جواهرهما وأفعالهما في هذا الجدول: النور الجوهر، جوهره حسن فاضل كريم صاف نقي طيب الريح حسن المنظر. الظلمة الجوهر جوهرها قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر. النفس: نفس خيرة كريمة حكيمة نافعة عالمة النفس. النفس: نفسها شريرة لئيمة سفيهة ضارة جاهلة. الفعل: فعله الخير والصلاح والنفع والسرور والترتيب والنظام والاتفاق. الفعل: فعلها الشر والفساد والضر والغم والتشويش والتبتير والاختلاف. الحيز: جهة فوق وأكثرهم على أنهم ارتفعوا من ناحية ال شمال، وزعم بعضهم أنه بجنب الظلمة. الحيز: جهة تحت وأكثرهم على أنها منحطة من ناحية الجنوب، وزعم بعضهم أنها بجنب النور. أجناسها خمسة: أربعة منها أبدان، والخامس روحها، فالأبدان هي الحريق والظلمة والسموم والضباب وروحها الدخان، وهي تدعى الهامة وهي تتحرك في هذه الأبدان. الصفات: حية طاهرة خيرة زكية، وقال بعضهم: كون النور لم يزل على مثال هذا العالم، له أرض وجو، وأرض النور لم تزل لطيفة على غير صورة هذه الأرض، بل هي على صورة جرم الشمس، وشعاعها كشعاع الشمس ورائحتها الطيبة أطيب رائحة، وألوانها ألوان قوس قزح، قال بعضهم: ولا شيء إلا الجسم، والأجسام على ثلاثة أنواع، أرض النور وهي خمسة، وهناك جسم آخر ألطف منه، وهو الجو وهو نفس النور، وجسم آخر وهو ألف منه، وهو النسيم وهو روح النور، قال: ولم يزل يولد ملائكة وآلهة وأولياء، ليس على سبيل المناكحة، بل كما تتولد الحكمة من حكيم، والنطق الطيب من الناطق، وملك ذلك العالم وروحه، ويجمع عالمه الخير والحمد والنور. الصفات: خبيثة شريرة بخسة دنسة، قال بعضهم: كون الظلمة لم يزل على مثال هذا العالم، لها أرض وجو، فأرض الظلمة لم تزل كثيفة على غير صورة هذه الأرض، بل هي أكثف وأصلب، ورائحتها كريهة أنتن الروائح وألوانها لون السواد، قال بعضهم: ولا شيء إلا الجسم، والأجسام على ثلاثة أنواع، أرض الظلمة وشيء آخر أظلم منه، وهو السموم، قال: ولم تزل تولد الظلمة شياطين أراكنة وعفاريت، لا على سبيل المناكحة، بل كما تتولد الحشرات من العفونات، قال: وملك ذلك العالم وهو روحه، يجمع عالمه الشر والذميمة والظلمة. ثم اختلفت المانوية، في المزاج وسببه والخلاص وسببه، قال بعضهم: إن النور والظلام، امتزجا بالخبط والاتفاق لا بالقصد والاختيار، قال أكثرهم: إن سبب المزاج، أن أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغل، فنظرت إلى الروح فرأت النور، فبعث الأبدان على ممازجة النور، فأجابتها لإسراعها إلى الشر، فلما رأى ذلك ملك النور، وجه إليه ملكا من ملائكته في خمسة أجزاء من أجناسها، فاختلطت الخمسة النورية بالخمسة الظلامية، فخالط الدخان النسيم، وإنما الحياة والروح في هذا العالم من النسيم، والهلاك والآفات من الدخان، وخالط الحريق النار والنور الظلمة والسموم الريح والضباب الماء، فما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن أجناس النور، وما فيه من مضرة وفساد وشر فمن أجناس الظلمة، إلى آخر هذه الأساطير، التي اعتقدها هذا المانوي في القديم أو في خلق العالم، أو في الذات الإلهية، حيث إنه يرى أن العالم مركب من شيئين نور وظلمة، وهما قديمان لم يزالا ولا يزالان. وأحالوا حدوث شيء من الصنعة والتركيب، إلا من أصل قديم، وقالوا: لم نر إلا حساسين قويين دراكين سميعين بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، ومتضادان في الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل حسن مختص بالصفاء والنقاء، وطيب الريح وحسن المنظر، ونفسه خيرة كريمة نفاعة، وكل خير وصلاح وسرور من فعلها، ليس فيها شيء من الشر ولا من الضرر، وجوهر الظلمة على ضد ذلك من النقص والكدورة ونتن الريح وقبح المنظر، ونفسها نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة ضارة، وكل شر وضرر وغم وفساد فمنها يكون. وزعموا أنهما لم يزالا متباينين، ثم امتزجا من بعد، وزعموا أن عالميهما غير متناهيين من كل جهاتهما، إلا من جهة تلاقيهما، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إن النور لم يزل فوق الظلمة وهي تحته على الاستواء. فهكذا زعم ماني، أن مبدأ العالم كونان أحدهما نور والآخر ظلمة، كل واحد منهما منفصل من الآخر، فالنور هو العظيم الأول ليس بالعدد، وهو الإله ملك جنان النور، وله خمسة أعضاء الحلم والعلم والعقل والغيب والفطنة، وخمسة أخر روحانية وهي الحب والإيمان والوفاء والمروءة والحكمة، وزعم أنه بصفاته هذه أزلي، ومعه شيئان أزليان أحدهما الجو والآخر الأرض، قال ماني: "وأعضاء الجو خمسة: الحلم والعلم والعقل والغيب والفطنة، وأعضاء الأرض النسيم والريح والنور والماء والنار. والكون الآخر وهو الظلمة أعضاؤها خمسة: الضباب والحريق والسموم والسم والظلمة. قال ماني: وذلك الكون النير مجاور للكون المظلم لا حاجز بينهما، والنور يلقي الظلمة بصفحته، ولا نهاية للنور من علوه ولا يمنته ولا يسرته، ولا نهاية للظلمة في الصف ولا في اليمنة واليسرة"، إلى آخر ذلك الهراء. عقائد المانوية والزرادشتية في النفس أما عن مسألة النفس أو الإنسان: قال ماني: "فلما شابك إبليس القديم بالإنسان القديم بالمحاربة، اختلط من أجزاء النور الخمسة بأجزاء الظلمة الخمسة، فخالط الدخان النسيم، فمنها هذا النسيم الممزوج، فما فيه من اللذة والترويح عن الأنفس وحياة الحيوان فمن النسيم، وما فيه من الهلاك والإيذاء فمن الدخان، وخالط الحريق النار فمنها هذه النار، فما فيها من الإحراق والهلاك والفساد فمن الحريق، وما فيها من الإضاءة والإنارة فمن النار، خالط النور الظلمة فمنها هذه الأجسام الكثيفة، مثل الذهب

стр. 448

والفضة وأشباه ذلك، فما فيها من الصفاء والحسن والنظافة والمنفعة فمن ال نور، وما فيها من الدرن والكدر والغلظة والقساوة فمن الظلمة، خالط السموم الريح فمنها هذه الريح، فما فيها من المنفعة واللذة فمن الريح، وما فيها من الكرب والتعويل والضرر فمن السموم، وخالط الضباب الماء فمنها هذه الماء، فما فيه من الصفاء والعذوبة والملاءمة للأنفس فمن الماء، وما فيه من التغريق والتخنيق والإهلاك والثقل والفساد فمن الضباب". وقال ماني: "وأمر ملك عالم النور، بعض ملائكته بخلق هذا العالم، وبنائه من تلك الأجزاء الممتزجة، لتخلص تلك الأجزاء النورية من الأجزاء الظلمية". وأما ابتداء التناسل على مذهب ماني قال: "ثم إن أحد أولئك الأراكنة والنجوم والزجر والحرص والشهوة والإثم تناكحوا، فحدث من تناكحهم الإنسان الأول الذي هو آدم، والذي تولى ذلك أركونان ذكر وأنثى، ثم حدث تناكح آخر فحدث منه المرأة الحسناء التي هي حواء، فلما رأى الملائكة الخمسة، نور الله وطيبه الذي استلبه الحرص وأسره في ذينك المولودين، سألوا البشير وأم الحياة والإنسان القديم وروح الحياة، أن يرسلوا إلى ذلك المولود القديم من يطلقه ويخلصه، ويوضح له العلم والبر ويخلصه من الشياطين، قال: فأرسلوا عيسى ومعه إله، فعمدوا إلى الأركونين فحبسوهم واستنقذوا المولودين". قال: "فعمد عيسى فكلم المولود الذي هو آدم، وأوضح له الجنان والآلهة، وجهنم والشياطين والأرض والسماء والشمس والقمر، وخوفه من حواء وأراه زجرها، ومنعه منها وخوفه أن يدنو إليها ففعل، ثم إن الأركون عاد إلى ابنته التي هي حواء، فنكحها بالشبق الذي فيه، فأولدها ولدا أشوه الصورة أشقر واسمه قاين الرجل الأشقر، ثم إن ذلك الولد نكح أمه، فأولدها ولدا أبيض

стр. 449

سماه هابيل الرجل الأبيض، ثم رجع قاين فنكح أمه فأولدها جاريتين، سمى إحداهما حكيمة الدهر والأخرى ابنة الحرص، فاتخذ ابنة الحرص قاين زوجة، ودفع حكيمة الدهر إلى هابيل فاتخذها امرأة له". وهكذا مضت مسألة التسلسل أو التناسل على نحو تلك الأساطير التي قال بها المانوية أو الثنوية. عقائد المانوية والزرادشتية في المصير وأما مسألة المصير عندهم: فمن بدعة ماني في المصير أو في المعاد، أنه إذا حضرت وفاة الصديق، أرسل إليه الإنسان القديم، إلها نيرا بصورة الحكيم الهادي ومعه ثلاثة آلهة، ومعهم الركوة واللباس والعصاب والتاج وإكليل النور، ثم أظله شيطان الحرص والشهوة والشياطين، فإذا شاهدهم الصديق استغاث بالآلهة، التي على صورة الحكيم والآلهة الثلاثة، فيقربون منه وحين تراهم الشياطين تولي هاربة، وتأخذ الآلهة ذلك الصديق، وتلبسه التاج والإكليل واللباس وتعطيه الركوة بيده، وبعد هذا يعرجون به في عامود السبح إلى فلك القمر، وإلى الإنسان القديم وإلى النهنهة أم الأحياء، إلى ما كان عليه أولا في جنان النور، ويبقى هذا الجسد ملقى، فتجتذب منه الشمس والقمر والآلهة النيرون، القوى التي هي النسيم والماء والنار، فيرتفع إلى الشمس ويصير إلها، ثم يقذف باقي جسده التي هي ظلمة إلى جهنم. وإذا حضرت وفاة الإنسان المحارب، القابل للدين والبر، الحافظ لهما وللصديقين، حضر أولئك الآلهة الذين ذكرتهم وحضرت الشياطين، واستغاث بما كان يعمل من البر وحفظ الدين والصديقين، فيهبون لتخليصه من الشياطين، فلا يزال العالم شبه الإنسان، الذي يرى في منامه الأهوال ويغوص في الوحل والطين، وهكذا إلى أن يتخلص نوره وروحه لاحقا، بملحق الصديقين ولابسا لباسهم بعد

стр. 450

مدة طويلة من تردده. وإذا حضرت وفاة الإنسان الأثيم، المستعلي عليه الحرص والشهوة، حضرته الشياطين فأخذوه وعذبوه وأروه الأهوال، وهنا يحضر أولئك الآلهة ومعهم ذلك اللباس، فيظن ذلك الإنسان الأثيم أنهم قد جاءوا لخلاصه، والواقع أنهم حضروا لتوبيخه وتذكيره أفعاله، وإلزامه الحجة في ترك إعانته الصديقين، ولا يزال يتردد في العالم في العذاب إلى وقت العاقبة فيلقى في جهنم. وبذلك يكون هناك ثلاثة طرق، لتقسيم نسمات الناس؛ أحدها إلى الجنان وهم الصديقون، والثاني إلى العالم والأهوال ومحافظة الدين ومعين الصديقين، والثالث إلى جهنم وهو الإنسان الأثيم. ومن تعاليم المانوية في أمر المعاد أيضا: أن الإنسان القديم يأتي من عالم الجدي، والبشير من المشرق، والبناء الكبير من اليمن، وروح الحياة من عالم المغرب، فيقفون على البنيان العظيم، الذي هو الجنة الجديدة مطيفين بتلك الجحيم، وهنا ينظرون إليها، وبعد ذلك يأتي الصديقون من الجنان إلى ذلك النور، فيجلسون فيه ويتعجلون إلى مجمع الآلهة، فيقومون حول تلك الجحيم، ويقع نظرهم على عملة الإثم، متقلبين ومترددين ومتضورين في تلك الجحيم، وإن تلك الجحيم لا قدرة لها على الإضرار بالصديقين، فإذا نظر أولئك الآثمون إلى الصديقين، يسألونهم ويتضرعون إليهم فلا يجيبونهم، إلا بما لا منفعة لهم فيه من التوبيخ، وبذلك يزداد الأثمة ندامة وغما وهما، وهذه صورتهم أبد الأبد وهو أيضا جزاؤهم. لعلنا بذلك نكون إن شاء الله تعالى، قد ذكرنا المقارنة بين عقائد المانوية والزرادشتية، في الله والنفس والمصير، وإن كان كل ما قالته المانوية أو الزرادشتية، لا يعدو إلا أن يكون تخريفا وتحريفا، وأنه من الضلال بمكان ومن الشرك والكفر بمكان، ونحن نحمد الله جل وعلا على نعمة الإسلام، كما نحمده على نعمة التوحيد، وعلى نعمة وضوح هذا الدين وسهولته، نحمده على نعمة القرآن ويسريته، وعلى نعمة السنة وعظمتها وبيانها وتفصيلها وشموليتها، ونحمد الله جل وعلا على أن جعلنا من أهل السنة

стр. 451

والجماعة، لا من أهل الفرقة ولا الضلالة، فلم يجعلنا من أولئك الفلاسفة ولا الملاحدة ولا الخوارج ولا المرجئة ولا الرافضة ولا المعتزلة، ولا غيرهم من فرق الضلالة وأهل النار والعياذ بالله، الحمد لله على هذه النعم العظيمة. الحمد لله على نعمة الإسلام ومنة الإيمان ونعمة القرآن والسنة، وأننا من أهل السنة والجماعة، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله أولا وآخرا، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات على كل خير حبانا به، والحمد لله على كل حال، على كل شر ألم بنا أو بالأمة، أو بما كنا نتحدث عنه من عقائد وفلسفات وضلالات، ارتبطت بهذه الديانات الوضعية، التي بذكرها نعرف ما نحن فيه من عظمة هذا الدين، وكما قيل: وبضدها تتميز الأشياء، كم كانت النفس تتألم وتتحسر وهي تقرأ مثل هذا وتنقله، لكن لا بد من العلم بالشيء، فمن لم يعرف أمور الجاهلية وقع فيها، وما عرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية ومثل هذه المعلومات عن هذه الديانات الوضعية، لهي جديرة بأن تعرف الإنسان بعظمة هذا الدين، وتزيده إيمانا على إيمانه، وتجعله يشكر الرحمن كما يلهم النفس، أن هداه للإيمان وأن عرفه الإسلام، والحمد لله رب العالمين. الله نسأل كما هدانا للإسلام من غير أن نسأله أن يثبتنا على الإسلام حتى نلقاه، ونحن نسأله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، أن يحسن خاتمتنا أجمعين، وأن يقر أعيننا بنصرة هذا الدين، والحفاظ على المسجد الأقصى، وتطهيره من الأسر من أيدي أبناء القردة وإخوان الخنازير، حسبنا الله ونعم الوكيل. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله صحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، أستغفر الله لكل كلام قلته نقلا دون اعتقاد، الحمد لله رب العالمين أن ناقل الكفر يس بكافر، فالحمد لله على نعمة الإيمان، ونعوذ بالله من الكفر والخذلان، وفقني الله وإياك أيها الطالب طالب العلم، لما يحبه الله ويرضاه، وثبتنا وإياك على الحق حتى نلقاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.