Полный текст (451 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الزكاوات"، "رسالة حدابا في الحمامة"، "رسالة أفكوريا في الزمان"، "رسالة زاكو في الزمان"، "رسالة سهراب في العشر".
"رسالة الكرح والعراب"، "رسالة سهراب في الفرس"، "رسالة أبراحيا"، "رسالة أبي يسام المهندس"، "رسالة أبراحيا الكافر"، "رسالة المعمودية"، "رسالة يحيا في الدراهم"، "رسالة أفعاندي في الأعشار الأربعة"، "رسالة أفعندي في السعدي الأول"، "رسالة سوء في ذكر الوسائل"، "رسالة يوحنا في تدبير الصدقة"، "رسالة السماعين في الصوم والنذر"، "رسالة السماعين في النار الكبرى"، "رسالة الأهواز في ذكر الملك"، "رسالة السماعين في تعبير يزدان بخض"، "رسالة مينق الفارسية الأولى"، "رسالة مينق الثانية"، "رسالة العشر والصدقات"، "رسالة أردشير ومنيق"، "رسالة سلم عنصرا"، "رسالة حطا"، "رسالة خبر هات في الملك"، "رسالة أبراحيا في الأصحاء والمرضى"، "رسالة أردد في الدواب"، "رسالة أجا في الخفاف"، "رسالة الحملان النيرة"، "رسالة مانا في التصليب"، "رسالة مهر السماء"، "رسالة فيروز وراسيل"، رسالة عبد بال في سفر الأسرار"، "رسالة سمعون وراميل"، "رسالة عبد مال في الكسوة".
وهكذا نلاحظ أن أمثال هذه المذاهب تستشعر في نفسها الضعف، وتتوقع الانهيار في كل مكان وزمان، ولذا تحاول الاعتماد على كثير من الأتباع المخلصين الذين يقومون لها بالدعوة دائمًا، وأهم من هذا كله أن صاحب هذا المذهب يحاول تثبيت مذهبه بتأليف الكتب العديدة والرسائل المتنوعة التي تساعد على توضيح تعاليم الأستاذ في نفوس أتباعه، وفي أذهان بقية الناس، وقد فعل هذا إخوان الصفا، حيث ألفوا رسائلَ متعددةً، كل منها تمثل جانبًا من مذهبهم الباطني، وكل منها تغوص في التأويل الباطني أعمق من الذي سبقتها، وهذا شيء طبيعي بالنسبة لهذه المذاهب الضالة.
стр. 387
منهج الدخول في الدين:
من رأي "ماني" أنه ينبغي للذي يريد الدخول في الدين أن يمتحن نفسه، فإن وجدها قادرةً على قمع الشهوة والحرص، وتَرْك أكل اللحمان، وشرب الخمر والتناكح، وترك أذية الماء والنار والسحر والرياء، فليدخل في الدين، وإن لم يلمس من نفسه القدرة على هذا جميعه فلا يدخل في الدين، وإذا كان يحب الدين ولم يقدر على قمع الشهوة والحرص، فليغتنم حفظ الدين والصديقين، وليكن له بإزاء أفعاله القبيحة أوقات يتجرد فيها للعمل والبر والتهجد، والمسألة والتضرع؛ لأن ذلك يقنعه في عاجله وآجله، وتكون صورته الصورة الثانية في المعاد.
هذا؛ ومما يُذكر عن المانوية أيضًا مسألة التناسخ:
حيث ظهرت بدعة التناسخ في خيال بعض الفلاسفة الذين قالوا بقدم العالم، وبإبطال البعث بعد الموت، وقالوا بتناسخ الأرواح في الأجساد المختلفة، والصور المتعددة، كأن تُنقل روح الإنسان إلى حيوان أو روح الحيوان إلى إنسان!! كما زعموا أن من أذنب في قالب ناله العقاب على ذلك الذنب في قالب آخر، وينطبق هذا عندهم على الثواب. وقد ذهبت المانوية أيضًا إلى اعتقاد التناسخ، مستندين إلى تعاليم "ماني" الذي يرى أن الأرواح التي تفارق الأجسام نوعان: أرواح الصديقين، وأرواح أهل الضلالة، أرواح الصديقين إذا فارقت أجسادها سرت في عمود الصبح إلى النور الكائن فوق الفلك، وتبقى في ذلك العالم على سرور لا ينقطع، أما أرواح أهل الخطايا والضلال فإنها إذا فارقت أجسادها، وأرادت اللحوق بالنور الأعلى
стр. 388
رُدت منعكسةً إلى السفر، وبذلك تتناسخ في أجسام الحيوانات إلى أن تصفو من شوائب الظلمة، ثم تلتحق بالنور العالي.
والسبب في انتشار عقيدة التناسخ في العالم اليوناني القديم هو "الأورفيا" التي كانت تمثل الجانب الخفي في الحياة العقلية لدى اليونانيين، وكذلك وردت هذه العقيدة عن "الفيثاغورية" و"الأفلاطونية المحدثة"، لقد كانت فكرة الخطيئة الأولى ذات تأثير بالغ الخطورة على الفكر الإنساني، فالإنسان الأول قد طُرد من الجنة بعد اقترافه الخطيئة، والبدن هو الذي دنس هذا الإنسان بعد أن كان موجودًا عقليًّا محضًا قبل ظهوره على الأرض، وقبل اتصاله بهذا البدن، فاتصال النفس بالبدن هو ثمرة الخطيئة، حيث إن سلوك النفس صار أقربَ إلى الشر منه إلى الخير، وكذلك ذهب بعض اليهود إلى التناسخ، زاعمين أنه وُجد في كتاب "دانيال" أن الله تعالى مسخ "بوختنصر" في سبع صور من صور البهائم والسباع، وعذبه فيها كلها، ثم بعثه في آخرها موحدًا.
ومما يؤسَف له أن ظهرت هذه البدعة لدى بعض غلاة فرق الإسلام، مثل البيانية والجناحية والخطابية والرواندية من الروافض الحلولية، وفلاسفة الصوفية، فكلهم قالوا بتناسخ روح الإله في الأئمة بزعمهم!!
حال الإمامة بعد "ماني"، وتنقل المانوية في البلاد، وأشهر رؤسائهم
هذا؛ وقد اختلفت المانوية في الإمامة بعد "ماني":
يزعم المانوية: أن "ماني" ارتفع إلى جنان النور، لكنه أقام قبل ارتفاعه "سَيْس" الإمام بعده، فكان يقيم دين الله وطهارته إلى أن توفي، وكان الأئمة يتناولون الدين واحدًا عن واحد، لا اختلاف بينهم. وظلوا على هذا الوفاق إلى أن ظهرت خارجة منهم يُعرفون بـ"الدينابورية" فطعنوا على إمامهم، وأعلنوا امتناعهم عن طاعته، وكان معلومًا بينهم أن الإمامة لا تتم إلا "ببابل" فلا يصح أن يكون إمام
стр. 389
في غيرها، وقد قالت "الدينابورية" بخلاف ذلك، ولم يزالوا عليه وعلى غيره من الخلاف الذي لا فائدة في ذكره.
وظل الحال على ذلك إلى أن أفضت الرئاسة الكلية إلى "مُهر"، في ملك الوليد بن عبد الملك في زمن ولاية خالد بن عبد الله القسري بالعراق، وانضم إليه رجل يقال له: "زاد هرمز" فمكث عندهم مدةً، ثم فارقهم، مع أنه كان صاحب دنيا عريضة، لكنه تركها خارجًا إلى "الصديقوت" وزاعمًا أنه يرى أمورًا ينكرها، وقد أراد اللحوق بـ"الدينابورية" وهم وراء نهر "بَلْخ" ولما أتى المدائنَ كان بها كاتب للحجاج بن يوسف ذو مال كثير، كانت بينهما صداقة فشرح له حاله والسبب الذي أخرجه من الجملة، وأنه أراد خُراسان؛ لكي ينضم إلى "الدينابورية" فقال له الكاتب: أنا خراسانك، وأنا أبني لك البيع، وأقيم لك ما تحتاج إليه، فأقام عنده، وأنشأ يبني له البيع، وقد كتب "زاد هرمز" إلى "الدينابورية" مستدعيًا منهم رئيسًا يقيمه، لكنهم ردوا عليه: بأنه لا يجوز أن تكون الرئاسة إلا في وسط المُلك "ببابل"، فسأل عمن يصلح لذلك، فلم يجد سواه، فلما حضرته الوفاة سألوه أن يجعل لهم رئيسًا، فقال: هذا "مِقلاص" عقد عرفتم مكانه وأنا أرضاه، وأثق بتدبيري لكم. ولما مضى "زاد هرمز" أجمعوا أمرهم على تقديم "مِقلاص".
وبذلك سارت المانوية فرقتين: المهرية، والمقلاصية، وقد خالف "مقلاص" والجماعة إلى أشياء من الدين، منها في أصلات، إلى أن قدم أبو هلال الديحوري من إفريقيا، وقد انتهت إليه الرئاسة المانوية، وكان هذا في زمن أبي جعفر المنصور، فدعا المقالصة إلى ترك ما رسمه لهم "مقلاص" في الوصالات، فأجابوه إلى ذلك، وقد ظهر من المقالصة رجل يُدعى "بزرمهر" فاستمال جماعة منهم وأحدث أشياءَ أُخر، فلم يزل أمره على ذلك، إلى أن انتهت الرئاسة إلى
стр. 390
أبي سعيد رحا، فردهم إلى رد المهرية في الوصالات، وذلك هو الذي لم يزل الدين عليه في الوصالات.
وقد ظلوا على هذا الحال إلى أن ظهر في خلافة المأمون رجل منهم يُدعى "يزدن دخت" فخالف في الأمور ومالت إليه فئة منهم.
وهناك أمور نقمتها المقالصة على المهرية، منها أنهم زعموا أن خالد القسري حمل مهرًا على بغل وختمه بخاتم فضة، وخلع عليه ثياب ووشي، وكان رئيس المقالصة في أيام المأمون والمعتصم أبو علي سعيد، ثم خلفه بعدُ كاتب ناصر بن هرمز السمرقندي، وكان من عادتهم أن يرخصوا لأهل المذهب والداخلين فيه أشياء محظورة في الدين، وكانوا يخالطون السلاطين ويواكلونهم، كما كان من رؤسائهم أبو الحسن الدمشقي، وقُتِل "ماني" في مملكة مهران بن سابور، ولما قتله صلبه نصفين، النصف الواحد على باب والآخر على باب آخر من مدينة "جندسابور".
تنقل المانوية في البلاد:
كانت المانوية من أول الأديان المدعاة التي دخلت بلاد ما وراء النهر، ويرجع السبب في هذا إلى أن "ماني" لما قتله كسرى وصلبه، وحرَّم على أهل مملكته الجدل في الدين، أخذ يقتل أصحاب "ماني" في أي موضع وجدهم، فاستمروا في الفرار منه إلى أن عبروا نهر "بلخ" ودخلوا في مملكة خان، فكانوا عنده، وخان بلسانهم -أي: بلغتهم- لقب يلقبون به ملوك الترك. وحين نزل المانوية بما وراء النهر إلى اندثر أمر الفرس وقوي أمر العرب، فعادوا إلى هذه البلاد خصوصًا في فتنة الفرس.
стр. 391
وفي عصر بني أمية كان خالد بن عبد الله القسري يعني بهم، إلا أن الرئاسة ما كانت تعقد إلا "ببابل" في تلك الديار، وكثيرًا ما كان الرئيس يمضي إلى حيث يأمن من البلاد، وقد انجلوا آخر ما انجلوا في أيام المقتدر، فإنهم لحقوا بخراسان؛ خوفًا على أنفسهم، ومن تبقى منهم ستر أمره مع تنقلهم في تلك البلاد.
وقد اجتمع منهم بسمرقند نحو خمسمائة رجل فاشتهر أمرهم، فأرسل إليهم ملك الصين وأراد صاحب خراسان أن يقتلهم، فأرسل إليه ملك الصين يقول: إن في بلادي من المسلمين أضعاف ما في بلادك من أهل ديني، ويحلف له إن قتل واحدًا منهم قتل الجماعة به، وأخربَ المساجدَ، وترك الأرصاد على المسلمين في سائر البلاد، فقتلهم، ولهذا كَف عنهم صاحب خراسان، وأخذ منهم الجزية.
وبعد هذه الأحداث قلوا في المواضع الإسلامية، لكن بقيت فلول منهم في مدينة "السند" أيام معز الدولة نحو ثلاثمائة.
ومن رؤساء المانوية في الدولة العباسية، من هؤلاء الجعد بن درهم، وهو الذي يُنسب إليه مروان بن محمد فيقال: مروان الجعدي، وكان مؤدبًا له ولده، فاستطاع أن يقذفه في الزندقة، وقد تولى قتل الجعد هشام بن عبد الملك في خلافته، وذلك بعد أن طال حبسه في يد خالد بن عبد الله القسري، وكان أهل الجعد قد رفعوا قصةً إلى هشام يشكون ضعفهم وطول حبس الجعد، فقال هشام: أهو حي بعد؟ وكتب إلى خالد في قتله، فقتله يوم أضحى جاعلًا إياه بدلًا من الأضحية، بعد أن قال ذلك على المنبر بأمر هشام، وقد كان خالد يُرمى بالزندقة، وكانت أمه نصرانيةً.
هذا، وقد كان بعض المتكلمين متهمين بهذه الزندقة من أمثال ابن طالوت، وأبي شاكر، وبشار بن بُرد، وسلم الخاسر، والبرامكة، إلا محمد بن خالد.
أعاذنا الله تعالى، وقانا شر هذه المذاهب الضالة، والديانات الكافرة الفاسدة، ونسأل الله الهدايةَ إلى الحق، وأن يهدينا جميعًا سواءَ السبيل.
وبذا انتهى هذا الفيلم الهندي أو الفيلم الأمريكي، لست أدري!! لكن الحمد الله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمةً، ونعوذ بالله أن عافانا من تلك العفانة.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة وبركاته.
стр. 392
الدرس: ١٨ الديانة الزرادشتية (١) .
стр. 393
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن عشر
(الديانة الزرادشتية (١))
أديان الفرس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فسنتحدث -إن شاء الله عن الزرادشتية.
وبما أن المنهج يتناول الأديان الوضعية التي يدين بها معظم بلاد جنوب شرق أسيا وشرق أسيا، فتأتي هذه الديانة -التي هي من ديانات الفرس القديمة- في تلك المنطقة.
يمهد للحديث عن الزرادشتية تحت عنوان: أديان الفرس:
والفرس من الأمم ذات الحضارات العريقة والموغلة في القدم، وقد اهتم بدراسة آثار الفرس العديد من العلماء المتخصصين في العلوم المختلفة؛ لما لهم من سبق حضاري قديم تمثل في إقامة إمبراطورية تقاسمت السيطرة على العالم مع الدولة الرومانية بقسميها الشرقي والغربي، وقد قامت الحضارة الفارسية على دعائم عديدة حيث حازت على نظام سياسي وإداري كامل، نشط فيها العلماء والمفكرون في عدد من الاتجاهات، وقد تم فتح بلاد فارس ودخلت في الإسلام في عصر أبي بكر وعمر ﵄ وصارت جزءا من الخلافة الإسلامية، وقد اهتم علماء الأديان بدراسة أديان الفرس القديمة بعدما وجدوا أنفسهم أمام دين متكامل الجوانب، شامل للعقيدة والشريعة والسلوك الأمر الذي يعطي لهذا الاهتمام ضرورة معينة من أجل المعرفة.
ومن خلال دراستنا سنتناول القضايا التالية:
تعريف مصادر أديان الفرس، التعريف بزرادشت، التعريف بجوانب الدين كما وضحتها المصادر، مناقشة آراء العلماء واتجاهاتهم في نشأة الدين عند الفرس وتطوره؛ وذلك كله في إيجاز وتركيز مع المحافظة على إعطاء صورة متكاملة عن أديان الفرس منذ الزمن القديم على النحو التالي:
أولًا: مصادر أديان الفرس:
برغم أن أديان الفرس ذات تاريخ قديم فإن كتبها المقدسة التي توضح الدين وتفصل جوانبه لم تعرف إلا على يدي زرادشت، فلقد أحياها وشرحها ودعا الناس إليها ولذلك نجدها لا تعرف إلا به، ووصل الأمر ببعض العلماء أن جعلوه مؤسس الدين الفارسي، وبدؤوا بحثهم في أديان الفرس من زمن هذا الحكيم الكبير، والمصادر الدينية عند الفرس مجموعة من الكتب يضمها كتاب واحد يعرف بالفستا، وهو الكتاب الرئيس للدين الفارسي ومعناه في العربية النص الأصلي ويطلق عليه العرب اسم الأبستاق، وقد ظل هذا
стр. 394
الكتاب يتداول شفويا طيلة قرون عديدة باللغة الفهلوية القديمة، والكتاب في الجملة يؤرخ للفرس ودينهم وأدبهم بلا ترتيب زمني، ويشتمل الكتاب الموجود في العصر الحديث على ثلاثة أقسام أو فصول هي:
القسم الأول: أوامر الشريعة:
ويتناول حديث الإله أهورامزدا إلى زرادشت حيث يعلمه أوامر الشريعة تفصيلا، كما يتناول قصة خلق العالم وتكوينه ويبين بعض النظم الاجتماعية، ويسمى هذا القسم الفنديداد.
القسم الثاني: الطقوس الدينية:
ويتناول توضيح الطقوس الدينية، وهي عبارة عن تراتيل وصلوات خاصة برجال الدين الفارسي، وتلاوة هذا القسم لا تحتاج إلى جمهور يسمعها ويعرف هذا القسم بالفسبرد
القسم الثالث: تمجيد الملائكة والأخلاق:
ويتناول تمجيد الملائكة ويتحدث عنهم كآلهة صغار، كما يتناول بيان الصلوات وشعائرهم الدينية، وهذا القسم له اهتمام خاص لدرجة أن البعض يعتبره الجزء الذي لم يحرف من الفستا، ويعرف هذا القسم بالفاستا، وقد دارت حول الفستا أساطير كثيرة نقلها بعض العلماء على أنها حقائق مسلمة، من هذه الروايات أنه كتب في اثني عشر ألف مجلد من جلود البقر والثيران والماعز، وأنه كتب حفرا على الجلد ونقشا بالذهب وأنه حفظ في حوافظ كبار رجال الدين الفارسي مع كتابته على النحو المذكور.
стр. 395
والذي يجعلنا نلحق هذه المعلومات بالأساطير شبه الإجماع عند علماء الأديان على أن الفستا لم تدون طيلة عدة قرون، كما أن التسليم بهذه الروايات يؤدي إلى عدم ضياعها وتحريفها، بينما المعروف أن أكثر من ثلاثة أرباعها قد فقد. إن أي كتاب ينال هذا الاهتمام حفظا وتدوينا كفيل باستمراره مع الزمن، وبخاصة أنه وجد بين دولة تقدسه وأمة تدين به لكن الثابت عدم استمراره، مما يؤكد أن الروايات المذكورة مبالغ فيها وبعيدة عن الواقع.
وقد اهتم علماء الدين الفارسي بشرح الفستا وإحاطته بالحواشي التي تشرحه وتفصله وتبين شرح شرحه، وذلك واضح من (الزند) وهو كتاب يشرح الفستا وقد ألف بعد الفستا بمدة طويلة و (البازند) وهو شرح لـ (الزند) و (الإياردة) وهو شرح لـ (البازند) وهذه الشروح كتبت باللغة الفهلوية لغة الفرس القديمة وترجمها العلماء في العصر الحديث إلى عدد من اللغات الحية مع ترجمة الفستا، والعلماء المحدثون يرون أن أهم ما يوضح العقيدة الدينية للفرس هو كتاب التراتيل المعروف باسم الياسنا وهو القسم الثالث من الفستا، ويرون أنه يتضمن العناصر القديمة للزرادشتية ويحتوي على أقوال زرادشت، لهذا نجد العلماء يهتمون بدراسة هذا القسم وتحليله أكثر من غيره.
الزرادشتية من حيث التأسيس والنشأة والتطور
من هو زرادشت؟
اختلف علماء الدين في حقيقة شخصية زرادشت فمنهم من يرى أنها شخصية أسطورية لا وجود لها في الحقيقة، وقد صنعها الكهنة ورجال الدين الفارسي في خيال الناس وثنايا الكتب؛ من أجل تدعيم عملهم وتحقيق مكاسب لهم
стр. 396
ولذويهم، وعلى هذا الرأي فكل ما روي على لسان زرادشت اختلاق وتأليف سواء أكان منبعه دينا قديما أم وضعا بشريا محددا، والقائلون بهذا لا يجدون دليلا حقيقيا على ما ذهبوا إليه وكل ما يستدلون به ما يروى عن نشأة زرادشت وحياته، حيث يرون تشابها بين ذلك وبين أحداث تعرض لها رسل الله من أمثال إبراهيم وعيسى ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- مما يدل على محاولة إلباس زرادشت ثوب الرسل.
وهذا الرأي لا يصح التسليم به لقيامه على الفرض المجرد من الدليل بينما الموضوع له أهميته، التي لابد لها من البراهين القوية والأدلة الساطعة، وأيضا فإن المكتشفات العلمية الحديثة تؤكد بطلان هذا الرأي، ومن العلماء من يرى أن زرادشت شخصية حقيقية وأنه كان رسولا مبعوثا، ويزعمون أنه هو إبراهيم ﵇ الذي ورد ذكره في الكتب السماوية التوراة والقرآن الكريم، ويستدل هذا البعض بما ورد في سيرة زرادشت من أحداث تشبه بعض معجزات إبراهيم ﵇ وبعض الأحداث التي حدثت معه مثل نجاة إبراهيم ﵇ من النار بعد أن ألقي فيها، ومثل تأمله ﵇ في الكواكب والنجوم ومثل دعوته إلى الإيمان بالواحد الخالق لكل هذه الظواهر ولجميع المخلوقات.
وهذه الأدلة لا تثبت مدعاها؛ لأن التشابه بين شخصين أو أكثر في بعض الأحداث أمر ممكن، كما أن من أحداث سيرة زرادشت ما يشبه بعض ما حدث مع موسى وعيسى ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- مثل البشريات والإرهاصات العديدة التي جاءت لأمه أثناء مولده، ومثل نجاته بصورة معجزة من محاولات قتله المتكررة ومثل انتصاره على السحرة وإعجازه، ومثل هذا
стр. 397
التشابه جائز من غير أن يكون الشخصان شخصا واحدا، كما أن في إثبات هذه المعلومات شكا يجعل المرء يقف أمامها كأخبار لا دليل عليها.
ومن الحقائق الدينية أن الرسالة الإلهية تحتاج إلى برهان إلهي يؤكدها، وقد حدد القرآن الكريم أسماء خمسة وعشرين رسولا ليس منهم زرادشت، وأيضا فإن الأدلة الثابتة تؤكد أن زرادشت ليس هو إبراهيم ﵇ لأن إبراهيم ﵇ نشأ في بلدة أور ببلاد الكردان بينما زرادشت ولد بأذربيجان، ولأن إبراهيم ﵇ رحل إلى مكة بينما زرادشت لم يرحل إلى بلاد الحجاز ولم تكن له بها صلة، ولأن إبراهيم تزوج من سارة وهاجر بينما زرادشت تزوج من امرأة واحدة هي هافوين، ولأن إبراهيم ﵇ ظهر في القرن السابع عشر قبل الميلاد بينما ظهر زرادشت في القرن السابع قبل الميلاد، وكل هذا يؤكد أن زرادشت شخصية حقيقية وليس هو سيدنا إبراهيم ﵇ وليس هو من الرسل الآخرين، فلقد عرفوا جميعا بأسمائهم وحقيقتهم وإذا ثبت هذا فمن يكون زرادشت.
نقول: ولد زرادشت في مدينة أذربيجان الواقعة غربي بحر قزوين في منتصف القرن السابع قبل الميلاد، ويروى أن أباه كان يرعى ماشيته ذات يوم إذ تراءى له شبحان نورانيان اقتربا منه وقدما له غصنا مقدسا، وأمراه أن يحمل الغصن ويقدمه لزوجته لأنه يحمل في كيانه الطفل الروحاني فصدع أبوه بالأمر فحملت زوجته ليلتها به، وبعد خمسة شهور من الحمل أتت لأمه البشارات المتتالية، وعندما ولد لم يبك كسائر الأطفال وإنما قهقه بصوت عال اهتزت له أركان
стр. 398
البيت وهربت الأرواح الشريرة، وارتعد كبير السحرة فرقا لأنه يعلم أن هذا الوليد سيقضي على السحرة والكهان ويخرجهم من البلاد.
وقد تعرض زرادشت لمحاولات متعددة من السحرة لقتله بأن ألقي في طريق قطيع كبير من الماشية لتدوسه، لكن بقرة أسرعت نحو الطفل ووقفت فوقه تحرسه حتى مر القطيع، وألقي في وكر الذئاب لتأكله أو ليموت جوعا لكن الذئاب تسمرت وأقبلت عنزتان ودخلتا الوكر معه لترضعاه، ولما بلغ زرادشت السابعة من عمره أرسله أبوه إلى حكماء الفرس يتعلم منهم ويتلقى الحكمة، واستمرت هذه الفترة ثمانية أعوام تزوج خلالها وعشق مهنة خدمة المرضى وعلاجهم.
ولم تكن مصاحبة آلام الناس وأحزانهم النهاية في نشاط زرادشت، بل إنها كانت البداية حيث أخذ يتساءل ويبحث عن مصدر الشرور والمتاعب، ويعجب من عدم سيطرة الخير على كل شيء وقرر هجر زوجته والانقطاع للتأمل والبحث فوق جبل سابلان، وذات يوم أدرك من تأمله في الليل والنهار أن العالم يضم الخير والشر كما يضم الليل والنهار، وهكذا في صورة مستمرة من غير طغيان أحدهما على الآخر، ومع اكتشافه لهذه الحقيقة سأل نفسه لماذا خلق الخير والشر معا ولم يدم به التساؤل طويلا، فلقد أتاه كبير الملائكة وقاده إلى الله تعالى أهورامزدا إله النور الأعظم الذي يحيط به ضياء عظيم، حيث تلقى كلمات الحق والحقيقة وتعلم أسرار الوحي المقدسة واستمع إلى أمر النبوة، ونزل زرادشت من الجبل حاملا رسالة الله للإيرانيين ومعه كتاب الوحي، لكنه قوبل بالإعراض والصدود من قومه ومن عشيرته الأقربين.
وقضى في دعوته عشر سنوات متحملا الأهوال صابرا على الأذى محتسبا ذلك عند أهورامزدا، الذي ظل يؤيده ويقوي عزيمته ويثبت عقيدته بالوحي المتوالي
стр. 399
ويقال: إن الله كلمه شفاهة وظهر له كبار الملائكة، وبعد أن جاوز عمره الأربعين آمن أخوه بدعوته وأخبره بأنه يدعو بأفكار صعبة لا يفهمها إلا المتعلمون والخاصة، فبدأ زرادشت لساعته يدعو المتعلمين والخاصة مبتدئا بالملك قشتاسب والملكة والأمراء المقيمين في بلخ، وعقد الملك مناظرة بين حاشيته وبين زرادشت حتى تبين له صدق الدعوة فآمن به واتبعه.
لكن الكهنة دبروا مؤامرة كاذبة لزرادشت أدت بالملك أن يسجنه بتهمة السحر والشعوذة، وحدث أن جواد الملك أصيب بمرض غريب أدى إلى تقلص قوائمه الأربعة ودخوله في بطنه ولم يعد يظهر منها سوى الأطراف، وجمع الملك أشهر الأطباء لعلاج الجواد لكنهم عجزوا وأصيبوا بالحيرة أمام هذا المرض العجيب، وبلغ الخبر زرادشت وهو في السجن فأرسل إلى الملك وأخبره أنه يمكنه علاج الجواد فجيء به على الفور، فلما حضر طلب من الملك شروطا تتحقق إذا أبرأ الجواد فقبل الملك ونفذ الشروط بالفعل، فآمن به حينما برأت ساقه الأمامية اليمنى وآمن ابنه حينما برأت ساقه الأمامية اليسرى، وآمنت الملكة مع شفاء الساق الثالثة، وحاكم الملك المتآمرين على زرادشت بعد شفاء الساق الرابعة.
ومضت الأيام والخوارق تظهر لزرادشت حتى تم له النصر وانتشرت دعوته في إيران بمساعدة الدولة، وعلى رأسها الملك والأمراء، وبعدها اتجه زرادشت بدعوته إلى مملكة توران التي رفضت الدعوة واشتبكوا في حرب مع الإيرانيين، وحاصروا مدينة بلخ واستولوا عليها وأقبلوا على زرادشت وهو يصلي في المعبد وطعنوه في ظهره فسقط صريعا ومعه عدد كبير من الكهنة، وكان ذلك في سنة ثمانمائة وثلاث وخمسين قبل الميلاد تقريبا وعمره سبعة وسبعون عاما.
стр. 400
ولكن هل يعتبر زرادشت رسولا من الله تعالى لقومه على نحو ما سمعنا في قصته؟ هنا يختلف علماء الأديان حيث يذهب البعض إلى التسليم بسائر ما رويناه في نشأته، ويروي ما فيها من إرهاصات ومعجزات، وقيام زرادشت بدعوة قومه إلى توحيد الإله المسمى أهورا مزدا دليلا على رسالته ونبوته، ويمثل هذا الاتجاه الأستاذ حامد عبد القادر في كتابه (زرادشت الحكيم بين قدامى الإيرانيين) حيث يقول: "إن هذا الرجل إذا قيس بمقياس التاريخ وجب أن يعد في صف كبار الأنبياء الذين ظهروا في شتى البيئات والعصور، وأرشدوا الناس إلى طريق الحق والخير لما عرف عنه من دقة استقامة وشدة إخلاصه لربه وتفرغه لتقديسه، وقوة إيمانه برسالته وشدة تحمسه في نشر دعوته".
والكاتب يبين أهم الأسباب الدافعة إلى القول بنبوة زرادشت، ويوجزها في المعجزة ونزول الوحي والدعوة إلى الإيمان بإله واحد هو أهورمزدا أي أنا خالق الكون، يقول الشهرستاني: "ودين زرادشت عبادة الله والكفر بالشيطان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتناب الخبائث. ومن أقوال زرادشت: النور والظلمة أصلان متضادان وهما مبدأ موجودات العالم وحصلت التراكيب من امتزاجهما، وحدثت الصور من التراكيب المختلفة والباري تعالى خالق النور والظلمة ومبدعهما، وهو واحد لا شريك له ولا ضد ولا ند ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة، لكن الخير والشر إنما حصلت لامتزاج النور والظلمة والباري هو الذي مزجهما وخلطهما لحكمة".
стр. 401
ويشير الشهرستاني إلى ما ينسب إلى زرادشت من معجزات ومنها دخول قوائم فرس كشتاسب في بطن الفرس، وإطلاق زرادشت لها بعد أن عجز الأطباء، ومنها أنه مر على أعمى فوصف لقومه حشيشة عصروا ماءها في عين الأعمى فبرئ لتوه، وعلى هذا الاتجاه صار الأستاذ عباس العقاد في كتابه (الله) وقد سلم به ابن حزم بدون قطع وهو يعتبر أهل فارس أهل كتاب بصورة عامة، ويستدل على هذا بأخذ الجزية منهم وهم المجوس.
هذا؛ وهناك فريق آخر يرى أن زرادشت لم يكن رسولا مبعوثا من الله، وأن دعوته عبارة عن محاولة تطوير المجوسية القديمة، وتنقيتها من بعض تعاليمها التي بان فسادها بسبب الرقي العقلي، أو بسبب الاتصال بأصحاب الديانات الأخرى. يستدل أصحاب هذا الاتجاه بأن ما روي عن حياة زرادشت من معجزات وخوارق هي فعل الكهنة ومن الأساطير التي روجها العامة، كما أن دعوة زرادشت يشوبها الشرك وتعدد الآلهة لأنها تقدس الناس وتدعو لعبادتهم، كما أنها تنظر إلى أهورا مزدا أو أميرمن على اعتبار أنهما إلهان اثنان.
وبالنظر في هذين الاتجاهين نلمح ضعف الرأي الثاني، حيث لا دليل معه حول ما يزعمه من أسطورية نشأة زرادشت، كما أن الشرك وتعدد الآلهة وعبادة النار وجدت في المجوسية وهي ليست دعوة زرادشت. إن المجوسية لون من ألوان الشرك ظهر منذ فجر التاريخ وقد انتشرت في ممالك فارس القديمة، وتمكنت من أن تحرف دعوة زرادشت بعد وفاته، والذي ننبه عليه هنا هو أن المجوسية ليست هي الزرادشتية هذا من جهة، ومن جهة ثالثة لا نؤيد الرأي الأول على إطلاقه لضياع أغلب كتب الزرادشتية، كما أن البعض الباقي
стр. 402
يداخله شك كبير في إثبات صحة نسبته لصاحبه كما لا ننكره على إطلاقه أيضا؛ لأن إرسال الرسل في سائر الأمم أمر مقرر شرعا عند أصحاب الرسالات، ومن الجائز أن يكون زرادشت واحدا من هؤلاء الرسل.
إن الدعوة الإلهية تتضمن بشكل رئيسي الدعوة إلى الله الواحد الأحد المتصف بكل كمال يليق به الخالق لكل شيء، وتتضمن القيام بعبادات ونسك لهذا الإله، كما تشتمل على الأخلاق الفاضلة والتعريف باليوم الآخر بما فيه من حساب. إن أي دعوة تتضمن هذا هي دعوة رسول مرسل، فإن كان الرسول قد ذكر في الكتب السماوية نؤمن برسالته ونصدق بدعوته، وإن لم يرد ذكره في الكتب السماوية فإننا نتوقف مكتفين بالتسليم المجمل في قضية الإيمان بالمرسلين، وقد قال تعالى عن أنبيائه ورسله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (غافر: ٧٨) فلعل زرادشت هذا ممن لم يقصصه الله علينا، وعلى الجملة فإن الأولى هو التوقف في القطع برسالة زرادشت مع الاكتفاء بدراسة تعاليمه، كما وردت عند العلماء والإحاطة بما ذكر في هذا المجال.
كان هذا عن زرادشت واختلاف الناس حوله؛ فماذا عن الزرادشتية؟
نقول: عرف الفارسيون منذ القديم وقبل زرادشت بزمن سحيق الدين، ولكنه كان دينا قائما على تقديس الطبيعة واتخاذ مظاهرها آلهة يعبدونها، وكانت تصوراتهم الدينية لا تزيد عن الأمل في نماء الزرع ووفرة الخير والبركة، وقد ألهوا من بين ما ألهوا التماثيل والأصنام ووظفوا لخدمتهم الرهبان والكهنة، الذين أصبحوا طبقة مميزة عن سائر الإيرانيين جعلتهم يزعمون للناس وساطتهم الحتمية لمن يتقرب للآلهة.
стр. 403
وهكذا كانت فكرة قدامى الإيرانيين عن الدين وهم قدامى المجوس الذين اتبعوا المجوسية، وجعلوها دينا لهم وهم الذين كانوا قبل زرادشت، والمعلومات عن هذه الفترة تعتمد على الظن في أغلبها لعدم تدوينها وحفظها بطريقة ما، وجاء زرادشت وظهرت الكتب المقدسة مفصلة جوانب دين عرف بدين الفرس أو بالزرادشتية، نسبة لهذا الحكيم الذي له الفضل الأكبر في نشره بين الإيرانيين، يقول "جيمس هنري برستد": "الزرادشتية من أنبل الديانات التي ظهرت في العالم القديم حيث دعت كل إنسان، وأهابت به أن يختار أحد الطريقين إما أن يملأ قلبه بالخير والنور أو ينغمس في الشر والظلمة؛ ليلاقي جزاءه ويحاسب على ما آتاه". فما أركان هذه الديانة إذا؟ تتحدث الفستا وشروحها عن جوانب الدين الفارسي كما دعا إليه زرادشت بالتفصيل، وتحدد أهم معالمه وهي كما يلي:
١ - الإيمان بالإله الواحد:
تدعو الزرادشتية إلى الإيمان بإله واحد قديم أزلي مجرد من الشهوات لم يولد ولن يموت، وأقوى الناس يشعرون بضعفهم أمامه ولا يقدر على إدراك حقيقته عقل بشري، ومن أجل أن يتمكن الناس من تصور هذه القوة الغيبية فقد رمز لهذا الإله برمزين ماديين مشاهدين هما الشمس والنار، فالشمس في السماء تمثل روح الإله في صورة يستطيع الإنسان إدراكها لما امتازت به من صفات؛ كالإشراق وبعث الدفء والسمو عن نزعات الشر ومجاله، والنار في الأرض
стр. 404
هي العنصر الذي يمثل للناس قوة الله العليا فهي قوة مطهرة نقية نافعة. ويسمى هذا الإله أهورا مزدا ومعنى هذا الاسم أنا الله الخالق.
ومما يدل على هذه العقيدة من نصوصهم قول زرادشت: "إلى أي أرض أفر إلى أي اتجاه يكون المهرب إلى النبلاء والسادة وهم يقاطعونني، أم إلى الناس وهم غير راضين عني أم إلى حكام الأرض الخونة، كيف أبلغ رضاك يا أهورا مزدا أجأر إليك لتكون لي عونا يعطيه صديق لصديقه، وعلمني بالحق كيف أحظى بالفكر الخير". وهذا النص يشير فيه زرادشت إلى ربه القادر حيث يتوجه إليه بالشكوى ويطلب منه العون، وقد أورد الشهرستاني مساءلات جرت بين زرادشت وبين الإله أهورا مزدا، تبين أن دين الفرس قائم على أن الله واحد. قال زرادشت: "ما الشيء الذي كان ويكون وهو الآن موجود؟ قال الإله: أنا والدين والكلام أما الدين فعامل أهورا مزاد، وأما الكلام فكلام". وصارت بقية الأسئلة والأجوبة حول حكمة خلق الكون وعن أصل الخلق وعن الرسالات السابقة وعن ملائكة الوحي.
ويبدو أن المراد بالفكر الخير في كلام زرادشت يعني أحد هؤلاء الملائكة العظام، وتبدو وحدانية الله عند الزرادشتيين من العهد الذي يجب أن يأخذه الزرادشتي على نفسه وفيه يقول: "لن أقدم على سلب أو نهب أو تخريب أو تدمير ولن آخذ بالثأر وأقر أني أعبد الإله الواحد أهورا مزدا، وأني أعتنق دين زرادشت وأقر أني سألتزم التفكير في الخير والكلام الطيب والعمل الصالح، ومن المسلم أن الله الواحد الخالق قد أوجد عديدا من القوى المخلوقة وفق حكمة معينة، ومنها قوة الخير وقوة الشر". وإليهما ترمز الزرادشتية بالنور والظلمة النور رمز الخير ويطلقون عليه اسم شترا والظلمة رمز الشر ويطلقون عليه اسم أهرمان.
стр. 405
وتؤكد النصوص أن هاتين القوتين عنصران أساسيان في قوام الحياة، أوجدهما الإله الخالق لينشط كل منهما من مجال خاص به، كما جاء في الياسنا الثلاثين ما يلي: "في البداية الروحان اللذان هما توأمان أحدهما الخير والآخر الشر في التفكير وفي الكلمة وفي الفعل، وبين هذين العاقل يحسن الاختيار وليس كذلك الأحمق، وعندما يرتد أحد الروحين على الآخر يعلمان أساس الحياة لا الحياة، وفي النهاية تكون أسوأ الأحوال للأنذال ولكن للأخيار الفكر الخير من هذين الروحين يختار الشر لعمل السيئات، ولكن الروح القدس يكون بجانب العدالة ويعمل آنئذ كل ما من شأنه أن يرضي الله الحكيم بالأعمال الخيرة".
وهذا النص صريح في أن قوة الخير وقوة الشر ليست محددة في شيء مادي معين، لكن يرمز لهما بشيء معين وأنهما من خلق الله وأمجاده، وبعد وفاة زرادشت دخل التغيير والتحريف في هذه العقيدة الموحدة، فظهر من قال بأن هناك إلهين هما إله النور وإله الظلمة، ثم قدست النار وعبدت وأقيمت لها المعابد والبيوت، وأصبحت الديانة الفارسية بعد هذا التحريف تعرف بالمجوسية، ذاك الاسم القديم الذي عرفت به أديان الفرس قديما، وأشهر المحرفين في الزرادشتية ماني ومزدك وديسطاي ومرقيون، وقد عرف الشهرستاني معتقداتهم بالتفصيل وسوف نجملها بعد الانتهاء من الزرادشتية إن شاء الله تعالى.
٢ - الإيمان باليوم الآخر:
تدعو الديانة الزرادشتية إلى الإيمان بالآخرة حيث يحاسب الإنسان على ما عمل قبل الموت؛ لينال جزاءه العادل في الجنة أو في النار، وتبين الزرادشتية منزلة النبي فيها في الآخرة فتذكر أن بيده تقرير المصير لأخطاء الناس،
стр. 406
ومن الياسنا الفقرة الرابعة والأربعين نقرأ: "حقا إنه هو النبي المرسل الذي توضع لروحه الساحرة كل خطايا البشر، ومع ذلك فدأبه كصديق تحيا به عوالم الحياة من جديد". ويلاحظ أن النص وهو يثبت هذه المنزلة لزرادشت لم يوضح سببها وهل تكون في منزلة الشفاعة أو في صورة أخرى، المهم أن عقيدة الفرس تدعو إلى الإيمان باليوم الآخر.
ويلاحظ كذلك أن للمتزوجين منزلة أعلى من العزاب وأن من له بيت وأسرة أفضل في الآخرة ممن لا أسرة له، وتعتبر أكبر الكوارث التي تحل بالرجل أن لا تكون له ذرية، ويذكرون أن أول سؤال يحاسب عليه الميت يدور في هذه المسألة، ولا يفترق تصور العقيدة الزرادشتية لما يحدث في اليوم الآخر عن التصور الإسلامي إلا في مسائل قليلة، فعقيدة الفرس أن الميت يحاسب عقب موته وعندهم أن الموتى يبعثون من رقادهم حينما تقوم الساعة، ويحشرون في مكان للحساب، وعندهم أن الجنة والنار منازل عديدة، ويختلفون عن التصور الإسلامي في أن الشقاء والسعادة في الآخرة تلحق الروح فقط، وفي أن الجنة تقع في أقصى شرقي جبال البرزخ حيث يتخيلون الجبل عاليا إلى مستوى النجوم، وعلى الجملة فإن العقيدة الزرادشتية تؤمن بالآخرة وما فيها.
الأمر الثالث: يتعلق بالعبادات، يقوم الزرادشتي بعبادات معينة يؤديها للإله أهورا مزدا، وأهم العبادات مجموعة من الأدعية يتلوها وهو يناجي الإله أو الملائكة أو الأرواح الهائمة، ودور العبادة تعرف بالهيكل حيث تقام الصلوات فيها خمس مرات في اليوم،
стр. 407
والهيكل على صورة دائرة في وسطه تقاد النار التي يتجه إليها الناس في صلواتهم التي يؤدونها في أوقات مرتبطة بحركة الشمس، كالشروق والزوال والغروب، والصلاة عبارة عن أقوال معينة يرددها المصلي وهو متجه إلى النار في ثبات.
والأقوال هي: "أرجو منك أيها الرب الخالق المطلق القدير أن تغفر لي ما ارتكبت من سيئات وما دار بخلدي من تفكير سيئ، وما صدر عني من قول أو عمل غير صالح. إلهي أرجو منك أن تباعد بيني وبين خطاياي حتى أحشد يوم الدين مع الأطهار الأخيار". وفي مجوسية الفرس المتأخرة نلحظ تقديسا وتعظيما للنار، فلا ينبغي للنار أن تطفأ ولا يوقع عليها ماء ولا تصلها أشعة الشمس والبيت الطيب هو الذي توقد فيه نار ولا يخلو معبد منها، وكانت المعابد تسمى بها وتعرف باسم هيكل النار، ورجال الدين الفارسي يسمون بالموابذة وعملهم الوعظ والتدريس والتعليم، ولهم منزلة كبيرة في المجتمع ولهم معاونون يعرفون بالموابذة، وهو معينون لإقامة الشعائر في المعابد وحراسة النار والمحافظة عليها.
وهذا نص ننقل ترجمته الحرفية من الياسنا الفقرة الرابعة والأربعين، يوضح جوانب العقيدة الزرادشتية وهو على صورة حوار بين زرادشت وأهورا مزدا: "عن هذا أسألك يا أهورا مزدا فأين لي الجواب من كان عند الخلق أول أب للحق؟ من رسم للشمس والنجوم طريقها إذا لم تكن أنت فمن قرر نماء وشحوب القمر؟ أريد أن أعرف هذا أيها الواحد الحكيم عن هذا أسألك فأين لي الجواب؟ من أقر الأرض تحت والسماء من فوق بسحابها لا تتحرك ومن أسرج للريح جيادها عن هذا أسألك فأين الجواب؟ أي صناع خلق الضياء والظلام أي صناع خلق النوم واليقظة؟ من خلق الصبح والضحى والأمسية عن هذا أسألك
стр. 408
فأين لي الجواب؟ من شرع العبادة مقدسة مع الملكوت. ويتحتم على المرء أن يسترشد بالدين وبالعبادة وهي جميعا تجعل العابد في هناء عن هذا أسألك فأين الجواب؟ هل سأصل بعونك إلى هدفي هل سأحظى ثوابا من الحق الآلهة الزائفة؟ هل هي آلهة حقا؟ ". وهذا النص يبين عقيدة الزرادشتيين في الإله والعبادة والثواب بصورة مجملة.
رابعا: الشريعة والأخلاق:
تهتم الديانة الزرادشتية بالشرائع والأخلاق وبخاصة في الشروح التي تعلقت بالفستا، ومن أهم هذه النظم العمل والإنتاج والإنتاج الزراعي وتربية الماشية، كما تحث على النظام والنظافة وصيانة النفس والوطن، كما تدعو إلى مجموعة من فضائل أخلاقية التي أساسها الفكر الطيب والكلم الطيب والعمل الطيب، وفي نصوص الفستا دلالات واضحة على الأخلاق الكريمة التي يجب أن يتحلى بها من يدخل في دين زرادشت. هذه أهم أركان الدين الفارسي كما جاءت في مصادره المقدسة.
ومما تشعب عن ديانة زرادشت الديانه المانوية والمزداكية مأخوذة عن ماني ومزدك، حيث ظهر ماني ومزدك في بلاد فارس وقد نادى كل منهما بدعوة خاصة دينية في إطار الزرادشتية إيجابا أو سلبا، وتعد هاتان الدعوتان أكبر الحركات التحريفية في الدين الفارسي إذ أبعدتاه عن كل مضمون صحيح، أو عن أي التقاء مع بعض المبادئ المسلمة في الأديان الصادقة، وكان لهذين الرجلين آثار واضحة نظرا لصلتهما بالسلطة ورجال الحكم، الأمر الذي ساعدهما على فرض آرائهما بالقوة والعنف، ويلاحظ أن هذين الرجلين ظهرا بعد ظهور
стр. 409
عيسى ﵇ ولذلك كان اختراعهما للدين عبارة عن مزج للفكر البشري، وإدخاله في ثنايا فكر ديني صحيح.
يقول الشهرستاني: "إن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا قويين حساسين دراكين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان وفي الخير متحاذيان تحاذي الظل للشخص أو تحاذي الشخص والظل، وفي رأي ماني أن ما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن أجناس النور وما فيه من مضرة وشر وفساد فمن أجناس الظلمة، وهذان القديمان النور والظلمة يمتزجان ويفترقان وفق فلسفة معينة عند ماني".
ويرجع سبب الامتزاج إلى أن الظلمة قد تشاغلت عن روحها بعض التشاغل، فنظرت الروح فرأت النور قد بدا فمازجته فرأى ملك النور ذلك فبعث خمسة أجناس نورانية امتزجت بخمسة ظلامية، وبذلك خالط الدخان الهواء والحريق النار والنور والظلام والسموم الريح والضباب الماء، ولما ظهر هذا الامتزاج لملك النور خلق العالم كله على هيئة الامتزاج مستعدا لتخلص كل عنصر من غيره، وبذلك يحدث الخلاص التام في يوم القيامة والميعاد.
وحديث ماني عن ملك النور وملك الظلمة يعتبرهما إلهين؛ لأن كلا منهما محيط بعالمه ظاهر وباطن قديم لا أول له ولا آخر له ولا نهاية له، وقد تضمنت دعوة ماني تكاليف معينة كتأدية أربع صلوات في اليوم وإخراج العشر من الأموال، وترك القتل والعدوان والبعد عن السرقة والزنا وهجر عبادة الأوثان والكذب والسحر، كما تتضمن الدعوة إلى الحق والتمسك بالأخلاق الفاضلة، ويعترف ماني برسالة عدد من الرسل منهم عيسى ﵇ وينكر رسالة موسى ﵇.
стр. 410
ولماني تصور معين لقيام الآخرة التي يحاسب فيها الناس على أعمالهم، حيث ترتفع الأعمال النورانية إلى فلك القمر فيكبر شيئا فشيئا وتتغير صوره تبعا لذلك، فإذا بلغ منتهاه يصل للشمس التي توصله بدورها إلى النور الأعلى الخالص، ولا يزال الأمر كذلك حتى لا يبقى نور في الأرض فيسيطر الملك الذي يجذب السموات فيسقط الأعلى على الأدنى، وتأتي النار على كل شيء هذا عن أفكار ماني.
أما مزدك فلقد ظهر زمن الملك قباث قبيل ظهور الإسلام، وكان يقول بالنور والظلمة كأصلين قديمين كما قال ماني، إلا أنه يفترق عنه في أن النور يفعل بالقصد والظلمة تفعل بالصدفة والنور عالم حساس والظلام جاهل أعمى، وأن المزج بالاتفاق والخلاص بالصدفة. ويدعو مزدك إلى الطاعة وترك الكراهية والقتال، كما دعا مزدك إلى شيوعية عامة في المال والنساء حتى لا توجد كراهية بين الناس، ولذلك اعتبر مزدك من أقدم الشيوعيين في العالم، وقد كلف مزدك أتباعه بعبادات معينة وصور الآلهة المعبودة بصورة جسمية، حيث جعله قاعدا على كرسيه العلوي يعاونه أربع قوى من ورائهم سبعة آخرون وهكذا.
آراء العلماء في دين الفرس:
اتخذ العلماء مواقف متعددة في تفسير نشأة الزرادشتية وتطورها؛ فمن قائل بالتطور الديني على أساس أن عقائد الفرس بدأت بالخرافات والأساطير وتأليه الظواهر المحسوسة، مع تعدد الآلهة، وأنها استمرت في التطور حتى عرفت التوحيد الخالص في المراحل الراقية، ومن قائل بأن الرسالات الإلهية ظهرت في بلاد الفرس، وأنها هي التي علمت الناس هناك وحدانية الله تعالى وهكذا.
стр. 411
إن الحقائق العلمية تؤيد القول بوجود رسالات صحيحة في الفرس على الأساس الذي بيناه من قبل؛ وهو إرسال الرسل إلى جميع الأمم، ولأن العقول البشرية لا تصل وحدها إلى التوحيد الخالص بحقائقه التي يأتي بها الرسل.
وأيضا فإن التطور يقتضي الترقي المستمر نحو الأفضل، بينما في أديان الفرس تذهب إلى الأسفل والأدنى، إذ نرى أن دعوة من جاءوا بعد زرادشت كانت انحدارا وانتكاسا، حيث دعا ماني ومزدك وغيرهما إلى تعدد الآلهة بعدما دعا زرادشت إلى التوحيد، ومع ترجيحنا هذا فإن القول بأن زرادشت هو الرسول المبعوث لا نعلق عليه نفيا أو إثباتا؛ حيث لا تنهض الأدلة مثبتة أو نافية، وكل ما يمكن القول به أن النبوة قبل رسول الله ﵌ ليست ممنوعة، لكن الإيمان برسول معين يتوقف على ورود ذكره في القرآن الكريم، فهو الكتاب الذي قص أخبار بعض الرسل وأشار إلى وجود رسل لم يرد لهم ذكر، ولذلك لزم التسليم بإمكانية إرسال رسول لكل أمة من غير تعيين شخصه ما لم يرد له ذكر في القرآن الكريم.
وفاة زرادشت:
بعد حياة حافلة بالعطاء كما يعتقد الزرادشتيون وكما ذكر كثير من الباحثين حانت منية زرادشت، وأتاه الموت بعد عمر يقرب من سبع وسبعين سنة مات زرادشت. يقول صاحب كتاب (الأسفار المقدسة): "وقد قضى زرادشت نحبه حوالي سنة خمسمائة وثلاث وثمانين قبل الميلاد على أرجح الأقوال، وهو في نحو السابعة والسبعين من عمره في أحد الهياكل المقدسة في بلخ، ومات قتيلا وهو يقوم على خدمة النار في أثناء غارة التورانيين على بلاد إيران، فقد وصلوا إلى بلخ بينما كان زرادشت وثمانون من كبار الكهنة يقدمون الوقود للنار في هيكل هذه المدينة،
стр. 412
فهجم عليهم الأعداء وطعنوهم بسيوفهم فخر الجميع صرعى وسالت دماؤهم، فلطخت جدران وموقد النار وامتدت للنار المقدسة نفسها فأخمدتها".
وعلى هذا فقد مات زرادشت بعد عمر بلغ سبعة وسبعين عامًا، وهو أمام الموقد أو أمام موقد النار التي قدسها وعبدها الزرادشتيون فيما بعد، ولكنه إذا كان زرادشت قد مات فإن شرعته ما زالت حية وقائمة ولها مصادرها المقدسة، ولئن كنت قد تحدثت عن أهم تلك المصادر في ديانة الزرادشتية -ألا وهي الفستا- فينبغي أن نذكر بقية المصادر المقدسة للزرادشتية والتي منها: أسفار الأبستان والجانات والسنا والعسبرد والفنديراد والستات والخرداستا وشروح الأبستان وأسفار أخرى.
وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 413
الدرس: ١٩ الديانة الزرادشتية (٢) .
стр. 414
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع عشر
(الديانة الزرادشتية (٢))
أهم المصادر المقدسة للزرادشتية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فتحدثت عن زر ادتش، والزرادشتية من حيث التأسيس والنشأة والتطور. وها أنا ذا أحدثك عن أهم المصادر المقدسة للزرادشتية.
والمصدر الأساسي للزرادشتية الفستا، أما بقية المصادر فتسمى أسفار ال أبستان، ومنها الجانات والسن االفسبرد والفنديارد والس ِّ تات أو الس َّ تات والخردستة، وتأتي ثالثا شروح أبستان، ورابعا أسفار أخرى، ونذكر ذلك بشيء من التوضيح.
فنقول عن المصدر الأساسي للزرادشتية الفستا أو الأستاق، وهو الكتاب المقدس لدى الزرادشتيين: أتى به زرادشت ليكون مرجعا لأتباعه، يرجعون إليه لمعرفة عقائدهم وأحكام شريعتهم. وكلمة أستاق مشتقة من كلمة أستا، وهي كلمة فارسية قديمة، معناها سند أو أساس أو معين أو النص الكامل، لكن أنسب ترجمة لكلمة أستا أنها تعني المتن، لذلك قال صاحب كتاب (معجم ديانات وأساطير العالم): "الأستاق هو المتن"، فكلمة الأستاق تعني المتن أو الأصل، وهو النص الذي يرجع إليه الزرادشتيون، ليأخذوا منه عقيدتهم وشريعتهم، وكان الأستاق يشتمل على واحد وعشرين سفرا، وكانت مجموعة الفصول التي تشتمل عليها هذه الأسفار ألف فصل، يحوي تفصيلا لعقائد الديانة الزرادشتية وعبادتها وشرائعها وتاريخها، وما اجتازته من مراحل تاريخية وتاريخ زرادشت، وقد فقدت جميع نسخ الأستاق بعد غزو الإسكندر لفارس، سنة ثلاثمائة وثلاثين قبل الميلاد، وفقدت معها تفاسيره والمؤلفات التي تشتمل على شيء من أجزائه.
стр. 415
فالأستاق من المصادر الهامة للزرادشتية، إلا أنه لم يحفظ كما كان أولا، ولكنها دخلت عليه عوامل التحريف والتغيير، بعد حرق الإسكندر الأكبر لكتب الزرادشتية، حين غارت على بلاد إيران، مما جعل الزرادشتية فيما بعد يزيدون فيه وينقصون، وها هنا دخل التحريف، وظلت بعد ذلك نصوص الأستاق أو بعضها، في حوافظ الموابذة أي كبار رجال الدين عند الفرس، يتناقلونها ويتناقلها الناس عنهم مشافهة، وفي النصف الأخير من القرن الأول الميلادي، شرع فيلوجيسيس الأول ويسمى بلاش الأول ملك فارس من الأسرة البرتيدة، في تدوين ما بقي من حوافظ الناس من الأستاق، وأكمل عمله هذا في القرن الثالث الميلادي الملك أردشير مؤسس الدولة الساسانية، وبلغ ما تم تدوينه في هذين العهدين واحدا وعشرين سفرا، تشتمل على ثلاثمائة وثمانية وأربعين فصلا من فصول الأستاق، التي كانت تبلغ ألف فصل، أي أنه قد فقد منه نحو الثلثين، هذا إلى ما اعتور الفصول المدونة، من نقص وزيادة وتحريف وتغيير عن أصولها.
وهكذا لما دون الأستاق أكثر من مرة، زيد فيه ونقص منه، فدخله التحريف والتغيير، حتى لقد قال بعض الباحثين في معرض كلامه عن الأستاق الحالي: ويكاد يكون من المتفق عليه، أنه لم يبق من أقسام الأستاق الواحد والعشرين الأصلية، إلا جزء واحد هو الكاناها، فهو القسم الوحيد الباقي، ويعتبر في الوقت نفسه، أقدم ما وصل إلينا من نصوص الأستاق القديمة، ولذا قال أحد الباحثين أيضا: إن الأستاق الذي يرجع إليه حاليا، ما هو إلا ملخص للكتاب الذي دون في أيام زرادشت، وعلى هذا فإن الأستاق الحالي، ما هو إلا شذرات من الأستاق المفقود، بعد زيادة فيه ونقص منه، نتيجة للعوامل التي طرأت عليه.
стр. 416
الثاني: أسفار الأستاق.
الأستاق الحالي الكتاب المقدس لدى الزرادشتية، يحوي أسفارا وهي:
أ- الجاثات:
جمع جاثة وهي التراتيل التي يتفق العلماء، على نسبتها إلى زرادشت نفسه، دون غيرها من الأناشيد التي يحتويها كتاب الأستا، وهي أقدم أجزاء الأبستاق وأكثرها قداسة، ويسوق الباحثون عدة أدلة، على أنها أقدم ما ألف من فصول الأستاق جميعا، ومن هذه الأدلة أنها هي وحدها، التي كتبت في الأصل باللغة أو اللهجة المبيرية، وهي لهجة المنطقة التي ولد فيها زرادشت، فكانت بإذن أول لغة استخدمها في حديثه وتأليفه، ولذلك فالجاثات هي الترانيم التي نطق بها زرادشت، والتي صورت جزءا من عقيدته، ولذلك فهي سفر هام من أسفار الأستاق.
ب- البستا:
من الأسفار الهامة سفر البستا، لأنه يعد من أقدم النصوص في الأستاق، بل هي نفس ما قد ألفه وألقته شفاه زرادشت من تعاليم، وهي تلي سفر الجاثات، والبستا تعني العبادة والتسبيح، وهذا السفر يصور لنا بعض أمور العقيدة الزرادشتية، وبعض الأدعية والتراتيل، التي توجه إلى أهورا مازدا وإلى بعض الملائكة، وفيما يلي بعض نصوص من البستا: "النجدة لهذا الإنسان، النجدة له مهما يكن أمره، ليتفضل علي الخالق الأكبر والحاكم الأعظم، الرب الحي القوتان الأبديتان، نعم إني أتوسل إليك يا أهورا، أن تحمي حمى الهداية، وأن تتفضل علي بها، أنت يا من يبعث في النفوس التقوى، التي لها من العظمة ما لها، فهي النعمة المقدسة وهي حياة العقول الصالحة، إني أتصورك أيها المعطي
стр. 417
الأكبر مازدا جميلا، حينما أشاهد أنك القوة العليا، ذات الأثر الفعال في تطور الحياة، وحينما أرى أنك تكافئ الناس على الأعمال والأقوال، لقد كتب الشر عقابا على الشر، وجعلت السعادة جزاء وفاقا لمن يفعل الخير، وذلك بفضلك العظيم الذي يظهر أثره، حينما تتبدل الخليقة التبدل النهائي"، وهكذا من خلال هذا النص، يبدو تضرع زرادشت لإلهه أهورا مازدا وسؤاله.
ج- الفسبرد:
ويشتمل على أدعية وصلوات مكملة لما في البستا، وتراتيل في مناسبات خاصة، ويبلغ عدد فصوله ثلاثة وعشرون أو سبعة وعشرون فصلا، وقيل يتكون من أربعة وعشرين فصلا، تتعلق بالطقوس الدينية، وهذا السفر من الأسفار الهامة أيضا في الأستاق، حتى إنه يشتمل على بعض الصلوات، التي يتوجه بها الزرادشتيون إلى الإله أهورا مازدا.
د- الغنريارد:
والغنريارد تعني القانون المضاد للشياطين، ويشبه سفر اللاويين في التوراة، فإنه يوضح التعاليم التي يخضع لها رجال الكهنوت من الزرادشتيين، ويتضمن وجهة النظر الزرادشتية في الموت والزواج وغيره من المشكلات الاجتماعية، ويتكون من اثنين وعشرين فصلا، يتحدث أولهما عما خلق أرمزد، من الأراضي المباركة واحدة بعد الأخرى، وعما أوجد الجريونوس من الأرواح الخبيثة الشريرة، معارضا بذلك أرمزد، ومما يتعرض له هذا السفر، الأمور المتعلقة بالنجاسة والغسل والطهارة، ونظافة الموتى وتطهير جثثهم، والتوبة وتطهير الملابس والبدن، وغير ذلك كثير،
стр. 418
ومن ثم يعد أهم مرجع، للوقوف على محتويات الديانة الزرادشتية وتفاصيل شرائعها، وهو سفر يحوي أمورا كثيرة من أمور الشريعة، وبعض أسس التعامل بين الناس في مجالات كثيرة.
هـ- البثتات:
أي الترنيمات أو المزامير، وهي إحدى وعشرون ترنيمة منظومة، تتلى في برج الملائكة المكرمين، والكائنات الروحية التي يسمى كل منها أباشسينات أو إزد، ويشرف كل منها على يوم من أيام الشهر الثلاثين، ويطلق عليه اسمه، وكان لكل كائن روحي، من هؤلاء ترنيمة تتلى باسمه، لأنه لم يبق من هذه الترنيمات إلا واحدة وعشرون، فالظاهر أن تسعا منها فقدت، أي أن ما بقي منها هو نحو فاني الأصل، أي أن ما يحويه هو واحد وعشرون ترنيمة حاليا، وعلى هذا فداخل هذا السفر الحذف، ولا ريب بعد ذلك أن يدخله التحريف والتغيير، في الباقي الذي لم يحذف، وقد كانت البستات نظما ثم شرحت كثيرا، وتداخلت شروحها في المتن الأصلي، فاختلط نظمها بالشرح فاضطربت أوزانها، وهذا أيضا مما يؤكد لنا، تحريف الأستاق عامة وتحريف سفر البستات خاصة.
والخردة أمستا:
أي الأستاق الصغير، وهو سفر جامع لأدعية وصلوات يتلوها عامة الشعب، وقد دونها في عصر متأخر الكاهن الزرادشتي أذريباز مهر سبند، في عهد أردشير الثاني، ويتكون معظم هذا السفر من مختارات من الأستاق كله، أما الباقي فهو توسلات أو أدعية كتبت بلغة البازند، ويشتمل الخردة على أربعة أجزاء هي:
أ- الأوعية الخمسة أجكيش، وهي أوعية تخاطب بها الشمس والقمر وغيرهما.
стр. 419
ب- الكاتاها الخمس.
ج- أدعية الأيام الثلاثين سيروزة الصغرى منها والكبرى.
د- أدعية أربعة تتلى طلبا للبركة أفرينيكان.
ونجد بالخردة آدابا وفروضا دينية، كالدعاء والصلاة والطاعة.
شروح الأستاق:
ترجع شروح الأستاق وشروح شروحه، إلى ثلاث مجموعات، يطلق عليها الزند والبازند والإياردة، وقد فقد معظم الشروح، ولم يصل إلينا منها إلا القليل.
стр. 420
أما الزند فهو الشرح المباشر للأستاق، وقد دون باللغة الفهلوية، وهي الفارسية في مراحلها المتوسطة، وبعض المتزمتين من الزرادشتيين، كانوا يتمسكون بالأبستان وحده ولا يعترفون بالزند، ويعتبرون من يعول عليه خارجا على أصول الشريعة، إلا أن الذي عليه كثير من الباحثين، ويعترف به الزرادشتيون اليوم وخاصة البارتون في الهند، هو أن الزند شرح للأستاق، حتى يكاد يتساوى معه، يقول صاحب كتاب (مروج الذهب): "وذلك أن الفرس حين آتاهم زرادشت به، أي بكتابهم المعروف الأفستا باللغة الأولى، وعمل له التفسير وهو الزند، وكان الزند بالتأويل غير المنزل، وكان من أورد في شريعتهم شيئا غير المنزل الذي هو الأفستا، وعدل إلى التأويل الذي هو الزند، قالوا هذا زندي.
وأما البازند فهو تفسير للزند، أي شرح لشرح الأستاق، وقد كتب باللغة الفهلوية، في مراحلها التالية للفتح الإسلامي، حوالي القرن الثاني والثالث الهجريين، أي حوالي السابع والثامن الميلادي على الراجح.
стр. 421
أما الإياردة بكسر الهمزة وفتح الراء وكسرها وفتح الدال، فهي شرح للبازند، أي شرح لشرح الشرح أو تفسير لتفسير التفسير"، يقول العلامة المسعودي في كتابه (مروج الذهب): "ثم عمل علماؤهم بعد وفاة زرادشت، تفسيرا لتفسير التفسير، وسموا هذا التفسير إياردة".
رابعا: أسفار أخرى:
هذا؛ وقد أضاف المتأخرون من الزرادشتيين، إلى كتبهم المقدسة أسفارا أخرى، منها بتدهاش وسفر الأردارديارف، ونجد في هذه الأسفار المتأخرة، بعض مسائل مكملة للتعاليم الزرادشتية، ومن هنا فإن الزرادشتيين أضافوا أسفارا أخرى، غير المصدر الأساسي الأول وهو الأستاق، حكى فيه علماؤهم بعض أمور العقيدة والشريعة، بل بعض الأمور التي حدثت لهم وشئون البلاد، ونظرا لأن كاتبها من الكهنة الزرادشتيين، فقد أصبح من المصادر، التي يرجع إليها أيضا لمعرفة أمور عقيدتهم.
وبعد هذه النظرة حول أهم مصادر الزرادشتية، نذكر ما قاله جيمس هنري برستد في كتابه (انتصار الحضارة) ترجمة الدكتور أحمد فخري عن الزرادشتية يقول: "وكانت هذه الديانة، من أنبل الديانات التي ظهرت في العالم، دعت هذه الديانة كل إنسان، وأهابت به أن يختار أحد الطريقين، إما أن يملأ قلبه بالخير والنور، أو ينغمس في الشر والظلمة، وسواء اتخذ الإنسان هذا السبيل أو ذاك، فإنه سيلاقي جزاءه ويحاسب على ما أتاه، وكانت هذه العقيدة أقدم ديانة ظهرت في أسيا، تقول بالحساب بعد البعث، ولم تكن دعوة زرادشت إلا سموا بالعقائد القديمة، التي كانت منتشرة بين أهله، ورفعا لآلهتهم القديمة إلى المثل الأعلى، ولهذا أبقى زرادشت على احترام الآريين للنار وعبادتهم لها، على أنها رمز ظاهر للخير والنور، كما احتفظ أيضا بفكرة الكهنة مشعلي النار".
ولما لم يستطع زرادشت، أن يؤثر في قومه بدعوته الجديدة، هجر الميليين وذهب إلى الفرس يدعو إلى دينه الجديد، ولعله لم يجد في السنوات الأولى، إلا القليل من الاستجابة إليه، إذ تتضح آماله ومخاوفه في تلك المجموعة الصغيرة من التراتيل التي تركها، وهي على الأرجح، كل ما وصل إلينا من أقوال ذلك النبي، فنحن نعرف شدة شغف الآريين بتربية الخيول، ولهذا لا ندهش عندما نقرأ، أن زرادشت استطاع أخيرا، أن يجعل أحد الملوك الأقوياء، يؤمن به عندما شفى جوادا كسيحا كان الملك يعتز به، وقبل أن تحين ساعة هذا النبي، كانت عقيدته الجديدة قد لاقت نجاحا كبيرا وثبت قدمها، ولم يحل عام خمسمائة قبل الميلاد، حتى كانت الزرادشتية هي الديانة الأولى بين الإيرانيين، كما قبلها أباطرة الفرس أيضا، وليس من المستبعد أن يكون الملك دارا شيد مقبرة هذا النبي، ولسنا نعرف من أقوال زرادشت، غير التراتيل التي ذكرناها آنفا، وإلى جانبها بعض تعاليمه، التي احتفظت بها بعض المؤلفات، التي جمعت في العهد المسيحي المبكر، بعد وفاة هذا النبي بعدة قرون، ويجمع هذه التراتيل كتاب الأبستا، الذي يمكننا أن نسميه إنجيل الفرس.
ويتحدث الأستاذ ميل فيقول: "نشر متحف جيمي سنة ١٩٢٤، قائلا عن الأفستا: إذا حاول الإنسان قراءة الأفستا، فإنه يدرك لأول وهلة أن قراءتها مستحيلة، ذلك لأن الفصل فيها لا يتلاءم ليكون وحده، ولا يتسق أي جزء مع جزء آخر، فهي أجزاء مفككة يتلو بعضها بعضا، يصدق عليها القول: أنها مجموعة جمل مفككة لا ينظمها عقد واحد، ولا يستطيع المترجم أن ينهض بترجمة الجاثات على وجه سليم وكامل، ويذهب بعض الباحثين، إلى أن العمل القيم في الأفستا، هو تخليص النصوص الموثوق فيها من غيرها، ثم تنسيق هذه النصوص، تنسيقا يحقق الوحدة فيها".
والزرادشتية عقيدة البارسس ولا يزالون يعتنقونها إلى اليوم، وكتابه المقدس هو زندا فستا، والكلمة مركبة من كلمتين، زندا ومعناها شرح وفستا
стр. 422
ومعناها النص الأصلي، ومن ثم فمعنى الكتاب النص والشرح، وكتاب البارسس المقدس يتضمن التاريخ الأدبي لأمة، في مدة طويلة من الزمن، مثلهم في ذلك مثل كتاب اليهود المقدس أي العهد القديم، ومن المعروف أن هذا الكتاب المقدس، ظل قرونا طويلة يعتمد على الرواية الشفوية قبل التدوين، وعلى ذلك فالوصول إلى النص الأصلي، أمر لا يمكن القطع به وإن جاز ترجيحه، يضاف إلى ذلك أنه غير مرتب ترتيبا زمنيا.
وفي الترجمة الإنجليزية التي قام بها الأستاذ شبيجل، لتروج بين جماعة البارسس بالهند، الذين يعرفون الإنجليزية، نجد الفنديداد هي الفصل الأول، وفيه أهورا مازدا يتحدث إلى زرادشت، ويمنحه أوامر الشريعة تفصيلا، ولكن لا يظن أحد أن هذا منقول عن النبي نفسه، إنما هو من وضع كاهن بعد موته بقرون، وأنه خلا من تعاليمه، ويأتي بعد الفنديداد الفسبرد والياسنا، وهذان للطقوس الدينية وهما تراتيل وكتاب صلوات، وخاصان برجال الدين فحسب دون غيرهم من العلمانيين، وتلاوة نصوصها لا تحتاج إلى جمهور لسماعها، وتنتظم الياسنا الجاثات، التي ينظر إليها الآن على أنها أجزاء الأفستا الوحيدة، التي هي في الواقع من عمل زرادشت، ويتلو هذه خردة أفستا أو الأفستا الصغيرة، التي تتضمن الياشات، وهي تتضمن تمجيد ملائكة أو آلهة صغار، كما تتضمن صلوات خاصة، وبعض المقطوعات عن الشعائر.
هذا؛ والأفستا المتأخرة ليست باللهجة القديمة، بينما هي بلهجة العصر الأكميني، ولما قامت الدولة الساسانية، ترتب على ذلك إحياء الديانة الزرادشتية في القرن الثالث المسيحي، قام رجال الدين من المجوس بترجمة النصوص الدينية
стр. 423
الزرادشتية القديمة إلى اللهجة البهلوية، فصاحب هذه الترجمة تشويه للنصوص الأصلية، وإضافات كثيرة من شروحهم لهذه النصوص، ومن ثم فلا يمكن الزعم أن هذه الترجمة البهلوية، تمثل تعاليم زرادشت تمثيلا صادقا، وتطور العقيدة على يديه.
والمصدر الذي يراه الباحثون المحدثون، هاما في تصوير العقيدة الزرادشتية، هو الياسنا، والياسنا تتضمن خمس مجموعات من التراتيل تسمى الجاثات، وعدد التراتيل سبع عشرة، ويذهب الباحثون إلى أن الجاثات، تتضمن العناصر القديمة للديانة الزرادشتية، التي يضمها كتاب الزندا فستا، ويقولون: إنها احتفظت ببعض أقوال زرادشت، وعلى ذلك فهي من خير المصادر لعقيدته، ويقولون: إنها منظومة بلغة قديمة جدا، وأوزان النظم فيها يختلف بعضها عن بعض، وأن طابع التأنق يبدو فيها، ويمثلونها بالمزامير في أنها تضمنت بعض المعلومات عن حياة الشخصيات.
وتحدث جيمس هنري برستد في (انتصار الحضارة) عن العقيدة الزرادشتية، فقال عن عناصر تكوينها: "تأمل زرادشت الصراع المستمر بين الخير والشر، هذا الصراع الذي كان يراه حوله أينما سار، والذي رآه ممثلا في ديانة الشعب الميدي، وفي عقائدهم وفي آلهتهم، وبدا له أن هذا الصراع قائم بين، مجموعة من قوى الخير ومجموعة من قوى الشر، واعتقد أن الخير ليس إلا كائنا إلهيا، أطلق عليه اسم مازدا، الذي كان اسما لأحد الآلهة القدامى، أو أهورا مازدا ومعناها رب الحكمة، الذي رأى فيه أنه هو الله، وكان يحيط بأهورا مازدا جماعة من الأعوان يشبهون الملائكة، وكان أعظمهم مكانة هو النور فيدعى مثرا، ويقف ضد أهورا مازدا وأعوانه جماعة شريرة قوية، أطلقوا عليها اسم أهرمن، وهو الذي
стр. 424
أخذه اليهود ثم المسيحيون من بعدهم، وعرفوه تحت اسم الشيطان، وهكذا نشأت عقيدة زرادشت، من الصراع القائم في الحياة عينها، ولذا أصبحت قوة هائلة".
والناظر إلى هذا القول، يظهر له بوضوح أن الزرادشتية، عقيدة جاء بها صاحبها من النظر إلى الحياة، التي أوحت له بعناصرها، ولكن هذا النظر إلى هذه العقيدة، تدحضه النصوص التي تصور زرادشت على أنه نبي، وهي النصوص التي يرجحون أصالتها، وقد ورد في الجاثات قوله: "إلى أي أرض أفر وإلى أي اتجاه يكون المهرب، إلى النبلاء والسادة وإن يقاطعونني، أم إلى الناس وهم غير راضين عني، أم إلى حكام الأرض الخونة، كيف أبلغ رضاك يا أهورا مازدا، أنا أعرف لماذا لا يصيبني النجاح، لأن عندي قطيعا صغيرا، ولذلك فعندي ناس قليلون، أجأر إليك أن ترعاه يا أهورا، مانحا إياي عونا يعطيه صديق لصديق، وعلمني بالحق كيف أحظى بالفكر الخير".
فهو في هذا النص يشكو، ولا يوجه شكواه إلا لربه، ونجده في نص آخر يشير إلى نفسه، بما يفهم منه أنه نبي ينزل عليه الوحي، فقال: "عرفت أنك الإله الواحد يا مازدا أهورا، عندما جاء إلي الفكر الخير، وسألني: من أنت ومن لك، وبأي آية تعين أيام الحساب بيني وبينك؟ فعندئذ قلت له: أولا أنا زرادشت، المبغض الحقيقي بأقصى ما لدي من قوة للرجل الفاسد، والسند القوي للصالح، وبذلك أنال الأشياء الآجلة في المملكة غير المتناهية، بثنائي وترتيلي لك يا مازدا، عرفت أنك الواحد الإله مازدا أهورا، عندما جاء إلي الفكر الخير، بهذا السؤال: لأي الأشياء ستتجه عزائمك؟ عنده أجبته: في كل تقديم تبجيل لنارك، وكلما كانت في قوة فتأملت في الحق، فأرني إذا الحق الذي أناديه".
стр. 425
والذين يذهبون إلى أن العقيدة هي من صنع زرادشت، يقولون: إن أهورا مازدا ليس من ابتداع زرادشت، لأن هذا الاسم كان موجودا من قبل باختلاف يسير في الحروف، كما ثبت ذلك بالنقوش الآشورية، التي هي أبعد في القدم من زرادشت، ومعناه في النقوش الله الواحد الحكيم، أما الفكر الخير والحق، فربما كانا إلهين من الآلهة الصغرى، ولكن المتأمل في النص يتضح له بجلاء، أنهما تابعان لأهورا مازدا أي الإله، ويبدو أن الفكر الخير ملك، وأن الحق صفة من صفات أهورا مازدا، ولا يطعن في هذا الرأي، الإشارة إلى النار المقدسة، لأنها تبدو في النص على أنها رمز، أما تقديسها فمن رواسب الشعائر القديمة، التي انتقلت إلى العقيدة، وتقديس النار يرجع إلى أيام، أن كانت القبائل الشمالية القديمة في حالة بداوة، وتنتقل من مكان إلى مكان تقيم فيه النيران، التي تبعث فيهم أعز مطلب وهو الدفء، في جو قاس شديد البرودة، فكانت لديهم مقدسة.
على أن هذا الرأي الذي ننصره، لا يستقيم دائما مع النصوص الموثوق بها وهي الجاثات، التي هي أناشيد موجهة إلى أهورا مازدا، ذلك لأنها نصوص قديمة تدين في وجودها، إلى الرواية الشفوية أولا، فترتب على ذلك شيء من الاضطراب، ومن هنا نجد ما يوهم التعارض، ومن الخير أن نذكر على سبيل المثال، نصا من ترجمة الدكتور مولتن، الذي ترجم الجاثات إلى الإنجليزية بعضها نثرا وبعضها شعرا، جاء في الجاثة الخمسين ما يأتي:
"أرجو أن يعلمني خالق الحكمة شرائعه، عن طريق الفكر الخير، حتى يجد لساني لها منفذا، فمن أجلك سأسرج أسرع الجياد المطهمة الممتلئة القوية، في إنجاز التسبيح لك، حتى تأتي إلى هنا يا مازدا، الحق والفكر الخير وتكون مستعدا لعوني، وبأشعار عرفت بحمية التقوى، سأمثل أمامك بيدين مبسوطتين أمامك، أنت أيها الحق بصلاة المؤمن، وأمامك بجهد الفكر الخير، وبهذه الصلوات أقدم
следующие страницы →