Полный текст (451 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
-[الأديان الوضعية]-
كود المادة: GUSU٥١٠٣
المرحلة: ماجستير
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الدرس: ١ فكرة تمهيدية عن أديان الهند الكبرى وتوزيعها جغرافيا .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الأول
(فكرة تمهيدية عن أديان الهند الكبرى وتوزيعها جغرافيا)
معنى الأديان الوضعية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فينبغي أن يكون الطالب ملمًا بحقيقة الأديان الوضعية التي يدين بها معظم بلدان جنوب شرق آسيا وشرق آسيا، مع التعرف على تاريخ نشأتها، وإلى من تنسب، وما هي شعائرها الدينية، مع البرهان على بطلان هذه الأديان، وموقف الإسلام منها.
وقبل أن ندخل في مفردات المادة أحب ألفت النظر إلى معنى الأديان الوضعية فأقول -وبالله التوفيق-:
الأديان الوضعية هي أحد قسمي الأديان؛ فالأديان إما سماوية أتى بها الأنبياء والرسل من عند الله أو وضعية وضعها البشر من عند أنفسهم، لا عن طريق الوحي، ورغم أنّ رِسالَات الله توالت على البشرية تترى، منذ أول إنسان خلق على وجه الأرض، وهو آدم ﵇ إلا أنّ البشرية أبت إلا أن تُكَذّب الرُّسل، وتعرض عن آيات الله ودينه، ولما حاد الإنسان عن الطريق السوي، واتبع شيطانه وهواه، واتخذ لنفسه آلهة متعددة؛ فمنهم من عبد الحجر، ومنهم من عبد البقر، ومنهم من عبد النجوم والشمس والقمر، ومنهم من عبد البشر ... إلى آخره.
فانتشرت الأديان الوضعية المختلفة على وجه الأرض؛ فكانت ديانة قدماء المصريين، وكانت ديانات الهند، وديانة الفرس، وغيرها من الديانات الوضعية.
стр. 3
والفَرقُ بين الدين الوضعي، والدين السماوي: أنّ الدين الوضعي هو الذي يكون من وضع البشر أنفسهم، وهو عبارة عن مجموعة من المبادئ والقوانين العامة، وضعها بعض الناس المستنيرين لأممهم؛ ليسيروا عليها، ويعملوا بما فيها، والتي لم يستندوا في وضعها إلى وحي سماوي، ولا إلى الأخذ عن رسول مرسل، وإنما هي جملة من التعاليم والقواعد العامة، التي اصطلحوا عليها، وساروا على منوالها، وخضعوا فيها لمعبود معين، أو معبودات متعددة.
والأمثلة على الدين الوضعي كثيرة منها: الديانة البرهمية في الهند، والديانة البوذية فيها أيضًا، وفي شرق آسيا، ومنها ديانة قدماء المصريين، والديانة الفارسية القديمة وغيرها.
أما الدين السماوي؛ فهو تعاليم إلهية من وحي الله تعالى، وإرشادات سماوية من لدن العليم الخبير بنفوس العباد وطبائعهم، وما يحتاجون إليه في إصلاح حالهم في المعاش والمعاد، والدنيا والآخرة؛ إنه مجموعة التعاليم والأوامر والنواهي، التي يجيء بها رسول من البشر أوحى الله تعالى بها إليه، وفي مقدمتها: الإيمانُ بخالق واحد موجه لهذا الكون، لا شريك له في ملكه، يجب صرف العبادة كلها إليه والخضوع له.
والتذلل لهذا الإله الخالق الرازق، ووجوب إفراده وحده بالعبادة، والإيمان باليوم الآخر، والحساب والجزاء، وبالثواب في الجنة والنعيم المقيم، أو النار والعذاب الأليم، وذلك مثل الديانة اليهودية في أصلها، كما جاء بها موسى ﵇، أو الديانة المسماة بالمسيحية، يوم أن جاء بها المسيح ﵇، وفي أفضل صورها وأصحها مثل الدين الإسلامي الذي جاء به النبي محمد ﵌ رحمة للعالمين، وكان هذا الدين خاتمًا لجميع الرسالات السماوية؛ فلا وحي بعد نبوة محمد ﵌ ولا دين بعد الإسلام.
стр. 4
ما الفرق بين الدين الوضعي والدين السماوي؟:
لعله بات واضحًا الفرق بين الدين السماوي، والدين الوضعي، ونستطيع أن نجمل القول بأنّ الدين السماوي ما توافرت له دلائل صحة سنده، وسلامه متنه، بينما الدين الوضعي هو الذي لم تتوفر له دلالة صحة السند، كما لم تتوفر له دلائل سلامة المتن.
وعلى ذلك أرى أن الدين قد يكون باعتبار أصله سماويًّا: لأنّ له نسبة إلى الوحي مثلًا، ولكن يحكم على بعضه بالوضع؛ لما أصاب المتن من تحريف وتغيير، أي: لم تتوفر له سلامة المتن.
يوجز الدكتور عوض الله حجازي الفروق بين الدين السماوي والوضعي قائلًا: إن الدين السماوي دين قائم على وحي الله تعالى إلى البشر، بواسطة رسول يختاره الله منهم، أما الدين الوضعي؛ فهو جملة من التعاليم، وضعها البَشرُ أنفسهم، واتفقوا عليها، واصطلحوا على التمسك بها، والعمل بما فيها، إنه تعاليم ناشئة عن تفكير الإنسان نفسه.
والدين السماوي يدعو دائمًا وباستمرار إلى وحدانية الله تعالى، واختصاص هذا الواحد بالعبادة؛ فلا يخضعُ المَرءُ إلا لله، ولا يستعين إلا به، ولا يذبح إلا بأسمه جل شأنه.
أما الدين الوضعي؛ فإنّه قد يُقَدّس الأحجار والأصنام، ويجيز تعدد الألهة فيجعلها كثيرة ومتغايرة، بل قد تكون متنافرة ومتخالفة، مثل: إله الخير وإله والشر، أو إله الحرب وإله السلم ... إلى آخره.
والدين السماوي ينزه الإله المعبود عن مشابهته لخلقه، فالله لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
стр. 5
أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١ - ٤).
أما الدين الوضعي: فإنه يجيز أن يكو الإله بشرًا مثلهم، أو حيوانًا، أو حجرًا يعبدونه ويخضعون له، ويقدمون له القرابين والهديا؛ فقد عبد بعض الناس الشمس، وعبدوا العجل، واتخذوا فرعون الذي قال لهم: "أنا ربكم الأعلى" إلهًا وعبدوا الأصنام والأوثان، ولا يزال الناس حتى أواخر هذا القرن العشرين عصر العلم والحضارة والمدنية، يُقَدّسون بعض الأشخاص، ويتقربون إليهم، ويعبدون البقر والغنم، كما هو حاصل الآن في الهند وغيرها.
مع أنّ هذه الألهة كلها، التي عبدها ويعبدها البشر من دون الله لا تستطيع أن تخلق شيئًا، ولا أن توجد أضعف المخلوقات، بل أنها لا تملك لنفسها نفعًا أو ضرًّا، قال تعالى في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٧٣، ٧٤).
هذا؛ والدين السماوي بالنسبة لمسائل العقيدة غيرُ قابل للنسخ والتبديل أو التغيير؛ فعقيدة الرُّسل جميعهم واحدة، فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته، والرسل وعصمتهم واليوم الآخر، وما يكون فيه من ثواب أو عقاب، إنّ الخالق عند جميع الرسل واحد، إنّ هذا الخالق تجب عبادته واختصاصه جل شأنه وحده بهذه العبادة، وأن هذا الإله يجب أن يثبت له صفات الكمال، وأن ينزه عن جميع صفات النقص، وأنه سيحاسب النّاس جميعًا على أعمالهم، ويُجازيهم
стр. 6
عليها إن خيرًا فالجزاء خيرًا، وإن شرًا فيكون الجزاء شرًّا وكل هذا قدر مشترك بين جميع الرسالات السماوية.
أما الدين الوضعي؛ فالمعبود فيه قد يتغير من جيل إلى جيل، ومن قبيلة إلى أخرى، كذلك الدين الوضعي يُلازمه النقص وعدم الكمال؛ ذلك أنه من وضع الإنسان، والإنسان لا يمكنه أن يُحيط بجميع حاجات البشر ومتطلباتهم المتجددة دائمًا.
أما الدين السماوي فهو كامل أنه تامًا شامل؛ لأنه من وضع خالق السماوات والأرض، عَلّام الغُيوب الذي لا تغيب عنه صغيرة ولا كبيرة، والذي يحيط بكل شيء علمًا.
وهكذا نَلحظُ أن هذه الفروق إما مردها إلى دلائل السند كالفارق الأول، أو إلى دلائل المتن كالفروق الأخرى. ومما تجدر الإشارة إليه أن الدارس للأديان الوضعية مثل: أديان البرهمية، والبوذية، والجينية مثلًا أو الديانة الفارسية القديمة، أو ديانة قدماء المصريين، مما اصطلح على تسميته دينًا وضعيًّا يجدُ فيها ذكر لصفات الرب المتفرد بالكمال والجلال، أو ذكر اليوم الآخر والجزاء؛ مِمّا لا إمكانية للعقل معه من علم الغيب، ولا قدرة له عليه؛ فلا سبيل لإدراك شيء منه إلا بالسماع والنقل أو الوحي.
وهذا يعني: أنه دليل على بقاء آثار دين صحيح، وهو يتكامل مع قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٤).
стр. 7
وعلى هذا نستطيع القول: بأن اجتهادات الناس التي وضعت لإصلاح حياة أمة بعينها، مِمّا اصطُلِحَ عليه فيما بعد دينًا وضعيًّا، إنّما هي نتاج عقل في موروث جمع بين حق آثار وبقايا دين صحيح وباطل، مما أسفر عنه تدخل العقول في النصوص والتحريف لهذا الدين باتباع الأهواء؛ فكان هذا المزيج وإن كان لاعتبار نسبته إلى إنسان معين؛ عرفناه بأنه دين وضعي.
كذلك الرِّسَالاتُ السَّماوية، مثل اليهودية والنصرانية مثلًا؛ فهي سماوية باعتبار أصلها، لكن واقعها كما هي اليوم بأيدي أربابها نجد فيه أمارات التحريف والكتمان، والزيادة والتغيير؛ كما ثبت ذلك، أعني فيها إمارات للوضع، وإن كانت باعتبارها وحيًا صادقًا، ودينًا سماويًّا صحيحًا؛ فهي بنصوصها شيء آخر.
وخلاصة القول: فإن العلماء اصطلحوا على تقسيم الأديان إلى:
سماوية: وهي ما نُسبت إلى الله وحيًا لرسله.
ووضعية: وهي ما نُسبت إلى الإنسان، ولكن تبقى الدراسة رهينة تحقق دلائل الصحة للسند، والسلامة للمتن للحكم على المضمون والنص، كما أن الفروق بين السماوي والوضعي على هذا الاعتبار يَحْكُمها صفات تنسب إليه، فما لله ذاتي كامل أبدي أزلي، وما للإنسان مكتسب ناقص زائل حادث.
وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنعام: ١٤٩)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ١٩).
стр. 8
فكرة تمهيدية عن أديان الهند الكبرى وتوزيعها جغرافيًّا
الهند بلاد الأسرار والأساطير، كما يقول الدكتور أحمد شلبي في كتابه: (أديان الهند الكبرى). وهي مجتمع شعوب وطبقات، بل مجتمع مجتمعات، تكثر فيها الأديان، وتتعدد اللغات والألوان، فالحديث عن الهند حديث ذو شجون، تعال بنا نورد تعريفًا بالهند، قبل أن نصل بالحديث عن أديانها الكبرى، ومن الواضح أن حديثنا هنا عن الهند يشمل أيضًا ما يُسمى الآن باكستان وبنجلاديش.
لمحة عن جغرافية الهند:
تبلغ مساحة الهند "مليون ومائتين وواحد وعشرين ألف، واثنين وسبعين ميلًا مربعًا، أو ما يعادل مساحة دول أوروبا مجتمعة باستثناء روسيا، والهند ذات موقع مهم على خريطة العالم، وهي شبه جزيرة تشبه في منظرها قارة أفريقيا بوجه عام، فهي عبارة عن مثلث غير منتظم الأضلاع؛ قاعدة إلى أعلى ورأسه إلى أسفل، وقاعدته جبال الهمالايا الشامخة، ورأسه رأس كوماي.
والهند بلاد مقفلة كما يسميها الباحثون، فضلعا المثلث في الشرق والغرب يدور حولهما البحر، أما قاعدة المثلث في الشمال فتحيط بها جبال الهمالايا، وجبال سليمان، ويحتضنها نهران عظيمان:
أحدهما: نهر الأندوس السند، وينبع من جبال الهمالايا، ويَصُبّ في خليج العرب، بعد أن يتصل بأنهار البنجاب؛ الأنهار الخمسة.
والآخر نهر كنكا أو نهر الكينج وهو ينبع أيضًا من جبال الهمالايا ويصب في خليج البنجال بعد أن يتصل بنهر براهما بوترا المقدس.
стр. 9
ويشق الهند عند منتصفها تقريبًا سلسلة من الجبال والأدغال تبدأ من الغرب، وتسير حتى قرب الساحل الشرقي، وهذه السلسلة تقسم الهند قسمين: يَخْتَلِفُ أحدهما عن الآخر في طبيعته، وفي سكانه وحضارته، ومن نهر الأندوس أو السند أشتق اسم الهند، وظهرت كلمة أندوهند، ومعناهما الأرض التي تقع فيما وراء الأندوس، وسمي سكان هذه البلاد الهنود أو الهندوس.
وعن تسميه الهند يقول "جوستاف لوبون": يرى الغربيون أن نهر السند أندوس أعار من اسمه اسمًا للبلاد الحافلة بالأسرار الواقعة فيما وراءه، ولا يُسلم بهذا تمامًا، بل يحتمل اشتقاق اسم الهند من اسم الإله أندرا.
ويجاور الهند ممالك بلخستان، وأفغانستان في الشمال الغربي، والتركستان في الشمال، والصين في الشمال والشمال الشرقي، وبورما في الشمال الشرقي كذلك.
وحضارة الهند قديمة جدًّا وقد أنتجت تربه الهند فلاسفة عظامًا قبل أن يولد سقراط، وانتشرت في الهند معاهد العلم، ووجدت المباني الضخمة في عهد كانت الجزر البريطانية تعيش في بربرية وفوضى، والهند بلاد العجائب والمفارقات حتى يمكن اعتبارها أقطارًا في قطر، فلها كل الأجواء، بسبب اتساعها، وتفاوت ارتفاع بقاعها؛ فبينما يكونُ الحرُّ شديدًا للغاية في سواحل ملبار وكور، ومندل، وسهول البنجاب ترى ربيعًا ساحرًا في قمم بعض الجبال، وثلوجًا تغطي شواهق همالايا، وبينما يغمر الفيضان بعض الأراضي نرى مناطق أخرى أعيا أهلها الجفاف، وطلب السقيا. وبينما ترى الصحارى الجرداء والأرض القاحلة، إذ بك ترى الغابات الكثيفة والمروج الخضراء والمزارع الفينانه.
стр. 10
وعن مفارقات الهند يقول "ريرانس": في الهند الحديثة يتقابل وجهًا لوجه الشرق في عصور بدائيته، مع الغرب في عصور حضاراته وتطوره، ومن مظاهر ذلك: الطائرات النفاثة التي تشق الجو؛ لتقيم شبكة مواصلات بين مدن الهند بعضها والبعض الآخر في حين لا تزال أشهر وسيلة للمواصلات داخل المدن عبارة عن الركشة، وهي مركب ذو ثلاثة عجلات يركبه شخص أو شخصان، ويدفعه حطام من بني آدم.
سكان الهند:
الهند مركز من مراكز الحضارات القديمة في العالم، وهي في هذا تضارع مصر والصين وآشور وبابل، ولكن حضارة الهند التي سبقت العهد الآري، ظلت غير معروفة حتى أظهرت الاكتشافات الحديثة مدى الرقي الذي عرفته الهند في الشئون المعمارية والزراعية والاجتماعية، قبل الميلاد بحوالي ثلاثة آلاف من الأعوام، أي: قبل الغزو الآري بحوالي ألف وخمسمائة عام، ولكن التاريخ الواضح للهند ارتبط بالعهد الآري.
فقد قلنا فيما سبق: أن الهند تعتبر بلاد مقفلة إذ تحيط بها البحار والجبال ويصعب اقتحام الهند عن طريق البحر؛ لتعذر الملاحة في خليج البنجال، ولأن الشاطئ الهندي لبحر العرب عبارة عن جبال عاتية، وعلى هذا لم يكن البحر معبرًا للهند، وبخاصة في الأزمنة السالفة، قبل الرقي بنظم الملاحة، وكما صعب اقتحام الهند عن طريق البحر، صعب أيضًا اقتحامها عن طريق جبال همالايا الشامخة في الشمال، إلا أن هناك معبرين كان كل منهما منفذًا سلكته أجناس من البشر إلى الهند، حيث تكون السكان الذي نريد أن نتكلم عنهم.
ويقع أحد هذين المعبرين في شرقي جبال همالايا، عند وادي نهر برهما بوترا، سمي الباب الشرقي، ويقع الثاني غربي هذه الجبال، ويسمى الباب الغربي،
стр. 11
ومن هذين البابين اقتُحمت الهند عدة مرات بأجناس مختلفة، ولهذا ولاختلاف أجواء الهند أصبح سكان الهند كما يقول "غوستاف لوبون": ذوي أمثلة متباينة؛ ففيها تجد شعوبًا بيضًا بياض الأوروبيين، كما تجد الزنوج والسود وبين هؤلاء وأولئك ألوان وألوان.
فمن الباب الشرقي دخلت الشعوب الصفراء، التورانيين أفواجًا منذ آلاف السنين، يضيق الزمن بينها أو يتسع، وقد فر من وجهها بعض السكان الأصليين، واحتموا بقمم الجبال، أما أغلب السكان الأصليين؛ فقد ارتبطوا بالزاحفين، وتم في الجنسين ألوان من العلاقات؛ أنتجت ما أصبح بعد حين يعرف بالسكان الأصليين، وكان هذا المجتمع الجديد يتكون من جماعتين: إحداهما يغلب فيها الدم التوراني، والثانية يغلب فيها الدم الهندي، أما الذين آووا إلى قمم الجبال؛ فقد أطلق عليهم زنوج الهند.
ومن الباب الغربي اقتحم الآريون بلاد الهند، وبهم ارتبط تاريخ الهند القديم، وأصل الآريين الجنس الأبيض مشكوك فيه، فيرى بعض الباحثين أنهم نشأوا ببلاد الدانوب بأوروبا، ثم هاجروا إلى آسيا عندما ضاقت بهم الأرض؛ متخذين طريق الشرق، حتى بحر مرمره، ثم عبروا البسفور أو الدردنيل، إلى آسيا الصغرى، واستمروا في سيرهم شرقًا، متجنبين الحضارات المزدهرة التي قد نشأت في طريقهم؛ حتى نزلوا فارس بالقرب من تبريز، ومن هناك انحدروا إلى الهند.
ويرى باحثون آخرون -وهو الأرجح-: أن الجنس الآري آسيوي الأصل، كان يعيش في وسط آسيا في بلاد التركستان، بالقرب من نهر جيحون، ثم
стр. 12
زحفت أفواج ضخمة من هذا الجنس، في أزمنة غير واضحة، واتجهت نحو إيران عبر الهند، واتجهت كذلك نحو أوروبا.
ويبدو أنّ الزحف الآري نحو الهند، قد تَمّ في القَرن الخَامس عشر قبل الميلاد، وقد حارب الآريون الممالك التي أقامها الجنس الأصفر بالهند، وانتصروا على الكثير منها، وكونوا لهم بها مناطق نفوذ، ولم يتصل الآريون بسكان الهند بطريق التزاوج، بل حافظوا غالبًا على سلالتهم البيضاء، وساقوا سكان الهند إلى الغابات والجبال، أو أخذوهم أسرى، وسماهم الأدب الآري المبكر أمة العبيد.
واستنصر الآريون عليهم بإلههم "أندرا"، ومن دعائهم في ذلك: "يا إلهانا أندرا، إننا قد أحاط بنا قبائل داسيو عبيد، من جميع الجهات، وهم لا يقدمون الضحايا، وليسوا بآدميين، ولا يعتقدون في شيء، يا مهلك الأعداء أهلكهم، وأهلك نسل داسا العبد". والسبب في أن الآريين لم يتم التزاوج بينهم وبين الهنود هو: أن الآريين دخلوا الهند كشعبٍ مُهاجِر، لا كشعب مُحارب، والفَرْقُ كَبيرٌ بين الحالتين؛ فالجيش يكون عماده الرجال، الذين سرعان ما يتصلون بنساء الشعب المغلوب.
أما الآريون؛ فقد دخلوا بثرائهم ونسائهم وأطفالهم، فلم يحتاجوا لنساء الهند للتزاوج، وكان عدم الحاجة للنساء مع الاستعلاء الذي يصحب النصر، من دواعي نشأة الطبقات، كما كان هذا من أسباب كثرة الألوان في الهند.
أما مدى نفوذ الشعوب الصفراء التورانيين، والبيض الآريين على الهند، فيوضحه "غوستاف لوبون" بقوله: والتورانيون أشد الغزاة تحويلًا لعروق الهند من الناحية الجسمانية، والآريون هم الذين تركوا أقوى الأثر في عروق الهند من
стр. 13
الناحية المدنية؛ فمن التورانيين أخذ سكان الهند نسب أجسامهم، وتقاطيع وجوههم، وعن الآريين أخذ سكان الهند لغتهم ودينهم وقوانينهم، وسجاياهم وطبائعهم.
ولم يتوار الآريون بالامتزاج في الهند بسرعة، كما توارى العرب في مصر؛ لأن عدم التزاوج ثم نظام الطوائف الحاسم، حال دون امتزاجهم في الهند بالتورانيين المقهورين زمنًا طويلًا، ولكن الامتزاج على كل حال، تم بتعاقب القرون، ومع الامتزاج؛ فإننا نستطيعُ أن نَرى أنّ آثار الآريين الجسمانية لا تزال بارزة في الشمال الغربي؛ حتى العهد الحاضر، كما يقول "ويش".
ففي البنجاب نجد السكان أطول قامة، بشرتهم بيضاء، أو أميل إلى البياض، ملامحهم أدق، وهم بهذا يخالفون باقي الهنود، حيث تنتشر ملامح التورانيين، أو حيث توجد ملامح السكان الأصليين بالجنوب، وتقل ملامح الآريين كلما اتجهنا جنوبًا أو شرقًا، وبالتقاء الآريين والتورانيين مع السكان الأصليين بدأت الطبقات في الهند، وأصبحت ذات أهمية كبرى في تاريخ هذه البلاد.
فمن الآريين كانت طبقة رجال الدين البراهمة التي تساوي "برهمن" وطبقة المحاربين "كسترا"، ومن التورانيين تكونت طبقة التجار والصناع "فسيا"، أما الهنود الذين اتصلوا بالتورانيين؛ فلم يَدخلوا التقسيم في أول الأمر، ولكن الحضارة الآرية امتدت إلى بعضهم بمرور الزمن؛ فأوجد الآريين منهم الطبقة الرابعة، وجعلوها طبقة الخدم والعبيد "شودرا".
أما الذينَ لم تمتد لهم الحضارة الآرية من السكان الأصليين؛ لأنهم انعزلوا عن الفاتحين، فقد بقوا بعيدين عن التقسيم، وظلوا طريدي المجتمع أو منبوذين، وسنتكلم فيما بعد عن هذه الطبقة.
стр. 14
ونعود إلى ذوبان الجنس الآري، الذي اقتبسنا الحديث عنه آنفًا من "غوستاف لوبون"؛ لنقرر أنّ هذا الذوبان بدأ عندما أندفع بعض الآريين عن طريق ممر "دلها" الذي يَفصل بين الصحراء الغربية، وبين فروع نهر "الكينج" وفي المهجر الجديد تخلى الآريون عن كثير من خصالهم وتقاليدهم، وتبنوا كثيرًا من أخلاق الهنود، وطرق حياتهم؛ فتوقفوا عن الذبح وأكل اللحوم، إلا فيما يتعلق بالقرابين.
وفقدت المرأة حياة الحرية والطلاقة، التي كانت تحياها في المجتمع الآري، وتوارى كثير من الآلهة التي كانت موضع تقديس في كشمير؛ حيث المهجر الأول للآريين بالهند، واستمر هذا الذوبان ينتشر حتى تم اندماج الآريين في الهند.
ومن العوامل الواضحة الأثر على سكان الهند جميعًا شدة الحرارة؛ ففي ما عدا جبال الهمالايا التي تكسوها الثلوج نجد درجة الحرارة في الهند شديدة طول العام تقريبًا، ويرى "ويش" أنّ شِدّة الحَرارة كان لها أثر في السكان؛ فقد تسبب عنها عزوفهم عن العمل، وسرعة التعب إذا عملوا كما تسبب عنها نقص في القدرة على الابتكار، وفي الكفاية والنشاط على العموم.
أما الناحية الرُّوحية؛ فتمتاز الهند بنصيب كبير فيها، ولكن ليس معنى هذا أن عامة الهنود على شيء من الصفاء الروحي، فإنه ليس في بلاد العالم كلها بلد تنمو فيه الخرافة وتزدهر كما تنمو في الهند، ولكن ذلك لا يقلل من نشاط الاتجاه الروحي في الهند؛ لأنّ الظروف الملائمة للخرافة والبدع، هي نفسها خير الظروف لصفاء النفس، فالاتجاه الروحي إذا سما اخذ وجهته نحو الفكر والعمق، وإذا كان ضحلًا أو مضطربًا أخذ طريقه نحو الخرافة.
стр. 15
اللغات في الهند:
رأينا فيما سبق اختلاف عناصر السكان، واختلاف ألوانهم، ولكن اللغات في الهند كانت أكثر اختلافًا، وأكثر عددًا، وكانت الحياة القبلية المنتشرة بالهند، من أهم أسباب كثرة اللغات؛ فقد كانت كل قبيلة تكاد تكون مستقلة، تَعزِلُها الجِبَالُ أو الغَاباتُ أو الأنهار عن سواها من القبائل، ولها لغة خاصة بها، لا يعرفها سواها من القبائل أيضًا، وعلى هذا بلغت اللغات في الهند نحو مائتين وأربعين لغة، وثلاثمائة لهجة إذا صح ما يقوله "غوستاف لوبون" بالإضافة إلى الفَارسية التي كانت لغة رسمية للقصور، والمجتمعات الراقية في الهندوستان، والبهلوية وهي لغة المجوس.
وعلى هذا لم يكن من الممكن التّفاهم بين سُكّان المناطق المختلفة، وهذا مهد الطريق للغة الإنجليزية؛ لِتكون لغة عامة، بجوار هذه اللغات المحلية، وهناك لغة أخرى تكونت في القرن الخامس عشر الميلادي، وهي اللغة الهندوستانية وأصلها آري، ثم دخلت عليها كلمات كثيرة من اللغات الفارسية، والعربية، والهندية، والتركية، وتسمى آلان: "اللغة الأردية" نسبة إلى الأردو وهو المعسكر إذ كانت لغة معسكرات المغول أولًا.
وانتشرت هذه اللغة بين المسلمين وغير المسلمين، وشجعها الملوك والسلاطين؛ حتى ضارعت اللغة الإنجليزية في عمومها وانتشارها، وأصبحت لغة رسمية بجوار الإنجليزية، ولما تم تقسيم الهند إلى دولتي الهند والباكستان، اعتبرت هذه اللغة لغة إسلامية في نظر كثير من الولايات الهندية؛ فاحتضنتها الباكستان، وترعرعت هذه اللغة في الدولة الإسلامية الكبرى.
стр. 16
أما في الهند فقد عانت الأردية صور من الاضطهاد في بعض الولايات، ولكن ولايات أخرى هندية اعترفت بها، مثل: بُومباي، وأندرو ومدراس، ومن العجب أن الذين كانوا يُهاجمون الأُردية من الهنود، كانوا يهاجمونها بها كما قال "التانتيد نهرو".
أما عن اللغات في الهند بعد التقسيم: فقد اتخذ الدستور الهندي اللغة الهندية، لغة رسمية للبلاد، وهي لغة قامت على انقاض السنسكرتية، ولما كانت هذه اللغة غير شائعة؛ فقد رؤي الاستمرار في استعمال اللغة الانجليزية كلغة رسمية للبلاد؛ حتى تصل اللغة الهندية إلى الانتشار الكافي، وإلى جانب اللغة الهندية اعترف الدستور بثلاث عشر لغة في مختلف ولايات الهند، وكل منها لغة حية ذات ذخيرة، ولها أدب يانع مترعرع.
ومن هذه النظرة الجغرافية والتاريخية نأخذ فكرة عن الأديان في الهند التي هي أصل قضيتنا.
في (موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية) للدكتور أحمد شلبي قال ما يلي: "رأى مجموعة من علماء مقارنة الأديان مؤداه: أن الغزيرة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، وأنّ الاهتمام بالمعنى الإلهي، وبما فوق الطبيعة، هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية، كما ذكرنا أن هناك عوامل تقوي هذه الغريزة، من أهمها: اختلاف قوى الطبيعة، ومواجهة الإنسان لهذه القوى، وجهًا لوجه، وإحساسه بالضعف تجاهها".
والهند حقل رائع لتطبيق هذه المبادئ، فقد نشدت قوى الطبيعة وواجهها الإنسان الهندي وجهًا لوجه، وأحس بالضعف تجاهها؛ فأصبح متدينًا بطبيعته، يشغف بالروحانيات، ويسعى دائبًا إلى معرفة الله، ويتخذ الزهد وسيلة ليتخلص من دنيا
стр. 17
المادة، وينتظم في دنيا الروح، وهيهات أن تجد هندوسيًّا لا يعبد عددًا من الآلهة؛ فالعالم عنده زاخر بها، حتى أنه يصلي للنمر الذي يفترس أنعامه، ولجسر الخط الحديدي الذي يصنعه الأوروبي، وللأوروبي نفسه عند الاقتضاء.
وقد عرف الهنود القُدماء عبادة الحيوانات، وبخاصة البقرة، كما عرفوا قوى الطبيعة، وعرفوا كذلك عبادة عضو التلقيح؛ معتقدين أنه سبب الخلق، وكان هذا الإله يسمى عندهم "لينجا" وهي من اشتقاق كلمة إنجليزية "لينك" أي: صلة ورابطة، وفي العصور الآرية اندمج هذا الإله في الإله الذي تكون منه الثالوث الهندي، وعبادة الهنود للحيوانات نشأت عن الفكر التوطمي، أو عن اعتقادهِ بأن الله يتجلى في بعض الأحياء؛ فيحل فيها فيحتمل حلوله في هذا الحيوان أو ذاك، أو لأنهم آمنوا بالتناسخ، فجاز عندهم أن يكون الحيوان جدًّا قديمًا، أو صديقًا عائدًا إلى الحياة.
وقد كان للبقرة من بين الحيوانات قدسية خاصة، ولذلك سنخصها بالذكر فيما يلي، ثم نتكلم بعد الحديث عنها عن آلهة الهنود من الظواهر الطبيعية.
عبادة البقرة:
من بين المعبودات سالفة الذكر: حظيت البقرة في الهند بأسمى مكانة، وهي من المعبودات الهندية التي لم تضعف قداستها مع كر السنينن وتوالي القرون؛ ففي "الويدا" حديث عن قدسيتها والصلاة لها، ولا تزال البقرة حتى الآن تحتفظ بهذه القدسية؛ ففي الأدب المنسوب للمهاتما غاندي، تفسير لما حظيت به البقرة قديمًا وحديثًا من نفوذ ديني.
стр. 18
وفي مجلة تصدر في بومباي بالهند سنة ١٩٦٣ بها عدة مقالات عن عبادة البقر، نَقْتَبِس هُنا خُلاصة هذه المقالات، وأوّل ما نقتبسه نشيد من سامويدا نشرته المجلة في صفحة مُستقلة، داخل رسم تخطيطي للبقرة، ترجمة هذا النشيد: "صلاة إلى البقرة، أيتها البقرة المقدسة، لكي التمجيد والدعاء، في كل مظهر تظهرين به، أنثى تدرين اللبن في الفجر وعند الغسق، أو عجلًا صغيرًا أو ثورًا كبيرًا، فلنعد لك مكانًا واسعًا نظيفًا يليق بك، وماء نقيًّا تشربينه، لعلك تنعمين بيننا بالسعادة".
وهناك أسطورة تروى كمحادثة نقتبسها من المجلة، وهي محادثة جرت بين خنزير وملك، ونحن ننقلها فيما يلي: "ذهب الخنزير يومًا إلى ملك وهو يصلي أمام البقرة، ويعلن لها أنها معبوده الأسير عنده، فقال الخنزير للملك: متى ستعبدني؟ فثار الملك ونهر الخنزير، قائلًا: اخرج وإلا قتلتك. بكى الخنزير وانتحب، وقال: نعم، أنا أعرف أنك تحب فقط لحمي، فأنا أموت لأقدم لك ما تحب، ومع هذا؛ فإنك تعبد البقرة ولا تعبدني، فأجاب الملك: إنك أحمق أيها الخنزير إنني آخذ لحمك بعد موتك، أي بعد أن تكون في حال لا تستطيع أن تمنح، ولا أن تمنع، وسرعان ما ينتهي لحمك. أما البقرة فإنها تقدم لي طعامي، طائعة وهي حية، وكذلك تستمر تقديمه من يوم إلى يوم دون نهاية، إنها رمز الإيثار ولذلك فإنا أعبدها".
أما رأي المهاتما غاندي في عبادة البقرة؛ فجدير بأن نفسح له مكانًا وأن نحاول أن ننقله كله أو جله من هذه المجلة، وهو بعنوان: "أمي البقرة" وفيما يلي ترجمة أهم ما جاء به:
إن حماية البقرة التي فرضتها الهندوسية هي هدية الهند إلى العالم، وهي إحساس برباط الإخوة بين الإنسان وبين الحيوان، والفكر الهندي يعتقد أن البقرة أم للإنسان، وهي كذلك في الحقيقة، إنّ البقرة خير رفيق للمواطن الهندي،
стр. 19
وهي خير حماية للهند، عندما أرى بقرة لا أعدني أرى حيوانًا؛ لأنني أعبد البقرة وسأدافع عن عبادتها أمام العالم الأجمع.
وأمي البقرة تفضل أمي الحقيقية من عدة وجوه: فالأم الحقيقة ترضعنا مدة عام أو عامين، وتتطلب منا خدمات طول العمر نظير هذا؛ لكن أمنا البقرة تمنحنا اللبن دائمًا، ولا تتطلب منا شيئًا مقابل ذلك سوى الطعام العادي، وعندما تمرض الأم العادية تكلفنا نفقات باهظة، ولكن أمنا البقرة لا نخسر لها شيئًا ذا بال.
وعندما تموت الأم الحقيقية تتكلف جنازتها مبالغ طائلة، وعندما تموت أمنا البقرة تعود علينا بالنفع كما كانت تفعل وهي حية؛ لأننا ننتفع بكل جزء من جسمها حتى العظم والجلد والقرون.
أنا لا أقول هذا لأقلل من قيمة الأم، ولكن لأبين السبب الذي دعاني لعبادة البقرة؛ إنّ ملايين الهنود يتجهون للبقرة بالعبادة والإجلال، وأنا أعد نفسي واحدًا من هؤلاء الملايين.
وأما الآلهة الأخرى التي يعبدها الهنود؛ فهي ترتبط بالظواهر الطبيعية، الآلهة من الظواهر الطبيعية، من آلهة الآريين التي وردت في كتبهم المقدسة، مجموعة من الظواهر الطبيعية مثل: وارونا إله السماء، إندرا إله الرّعد، الذي يُسبب الأمطار، وكانت له الغلبة فيما بعد، الشمس وكانت تُعبد في خمسة أشكال؛ فتعبد لذاتها باسم سوريا، وتعبد كمصدر للانتعاش باسم ساوتري، وتعبد لتأثيرها في نمو الحشائش والنبات باسم بوشان، وتعبد كبنت السماء باسم مترا، وأخيرًا باسم وشنو أي النائب عن الشمس ثم استقل وشنو فعبد لذاته.
стр. 20
أيضًا أغنى إله النار، أوشا إله الصبح، رودرا إله العواصف، بارجينيا إله المطر والمياه والإنهار وايواتو إله الرياح، ويعلق الكتاب هنديوسم على كثرة الإلهه بقول: إن هذه الديانة توزع الآلهة حسب المناطق، وحسب الأعمال التي تناط بهذه الإلهه؛ فلكل منطقة إله، ولكل عمل وظاهرة إله.
ويقول مولانا محمد عبد السلام الرنبوري: كانت الأمة الهندية متسامحة في كل ما يعرض عليها من الأفكار والمعتقدات تكثر عندها الآراء والابتكارات، وكان الناس حيارى مُشرفين على القبول والمعاضدة، عقائدهم متضاربة، وأفكارُهم متباينة؛ فشتْ فيهم رهبانية، وسرت فيهم باطنية، قامت حلقات الفكر في كل نواحي القطر، يتزعمها العرفاء والعلماء، ونشأت دراسات أخلاقية، قصدها العامة والخاصة.
قد عمت الرياضات الشاقة المتعبة في سبيل حصول السيطرة على القوة الكونية، ورجى التبتل في الكهوف؛ للمراقبات النفسية، والانقطاع في الغابات لإتعاب الأبدان؛ لتبقى القوى الروحانية، وعلى هذا اشتهرت الهند بكثرة الأديان والمعتقدات التي تضارع في كثرتها لغات الهند، أو تقرب منها، وكانت الهندوسية أشهر هذه الأديان، وأوسعها انتشارًا؛ بل إنها الدين العام الذي حوى غالبية الهنود أو كلهم، وإذا تمردوا عليه أحيانًا، أو تمرد بعضهم عاد المتمردون بعد وقت قصير أو طويل إلى رحابه.
وقد وضح كتاب (هندوستم) السبب في ذلك بقوله: "إنه لمن الصعب أن يُطلق على الهندوسية دينًا بالمعنى الشائع؛ فالهندوسية أشمل وأعمق من الدين، إنها صفة لملامح المجتمع الهندي بنظامه الطبقي، ومكان كل طبقة فيه، إنها الحياة الهندية وأسلوبها الخاص، الذي يعتبر في ذاته شعيرة من الشعائر، إنها خليط
стр. 21
يشمل الأمور المقدسة، والأمور الدنيوية جميعًا، إذ لا يوجد في الفكر الهندي حد فاصل بين الاثنين، إنها الاتجاهات الروحية والخلقية والقانونية، وهي إلى جانب ذلك مبادئ وقيود وعادات توجه الحياة الهندية، وتسيطر عليها.
و (لويدا) كتاب الهندوس المقدس، يشمل مبادئ الفكر الهندي في أكثر مراحله، ويمكن أن نقسم تاريخ الفكر الهندي إلى العصور التالية:
أولًا: العصور الويدي: وكلمة ويدا أو فيدا، كلمة سنسكرتية معناها الحكمة والمعرفة، ولذلك أطلقوا على واضعيها كلمة أريشيون أو الحكماء والعارفون.
العصر الويدي الأول ويشمل ثلاث مراحل فرعية:
أ- مرحلة انتشار الأفكار البدائية، وعبادة قوى الطبيعة: سواء في ذلك ما جلبه الآريون، أو ما كان نابعًا من البيئة الهندية، ويبدأ ذلك من القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وفي الويدا معلومات مفيدة عن هذه المرحلة.
ب- مرحلة تدوين الويدا، وتأويلها على أيدي البراهمة، ويُسمى هذا التأويل البرهمانات، وتبدأ هذه المرحلة من حوالي قبل الثامن قبل الميلاد؛ فقد ظهر في هذا العصر جماعة من أهل العلم والنظر اهتموا بالشئون الدينية، وفكروا في
стр. 22
عقائدهم، فأدى التفكير بهم أو ببعضهم إلى آراء مغايرة للعقائد الموروثة؛ تكون مذهبًا هو "البرهمة".
ويرى ريري سدلت أن البراهمة قاموا بهذا التأويل لمصلحتهم، وليجعلوا امتيازاتهم مقدسة، ثم إنهم لاحظوا أن الاتصال بدأ يتم ويتعمق بين جنسهم وبين السكان الأصليين؛ فأرادوا أن يضعوا نظام الطبقات ليحول بين تمام الامتزاج، وسنزيد ذلك شرحًا إن شاء الله تعالى عند الكلام عن نظام الطبقات. وبهذه المرحلة تبدأ الهندوسية التي لا تزال موجودة.
ج- مرحلة تلخيص الويدا في أسفار مقدسة تسمى "الأوباميشدات" ألاوباميشدات، وهي مرحلة تبدأ من القرن السادس قبل الميلاد وتستمر إلى ما بعد الميلاد بعدة قرون.
أما المرحلة الثانية فهي: عصر الإلحاد في رأي أتباع لويدا، وفيه ظهرت الديانة الجينية، والديانة البوذية، وضعفت الديانة الويدية ابتداء من القرن السادس قبل الميلاد.
ثالثًا: العصر الويدي الثاني هو عصر عود النصر للويدا وانتصارها على ديني الإلحاد الجينية والبوذية، ولكن مع التوسع في شروح الويدات، وبيان الخصائص الدينية والاجتماعية التي وردت بها.
ومن أهم هذه الشروح قوانين "منو" التي وضعت حوالي القرن الثالث قبل الميلاد، وبقوانين منو هذه تتضح الهندوسية، وتستقر معالمها وسنعود لشرائع منو بمزيد من الشرح فيما بعد إن شاء الله.
وبهذا تصبح أكبر الديانات في الهند متمثلة في الديانات الثلاث: الهندوسية، والجينية، والبوذية. مع ما لهذه الديانات من كتب مقدسة لدى الهنود.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 23
الدرس: ٢ فلسفة الموت والروح، وعقيدة خلق العالم، والخلاص من الشر .
стр. 24
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني
(فلسفة الموت والروح، وعقيدة خلق العالم، والخلاص من الشر)
تقسيم أبي الريحان البيروني لاعتقاد الهنود
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فنشير هنا -إن شاء الله تعالى- إلى بقية القضايا؛ حيث فلسفة الموت والروح وعلاقتها بالبدل، وعقيدة الهندوس في خلق العالم، وفكرة الخلاص من الشر؛ فنقول -وبالله التوفيق-:
يُقسم أبو الريحان البيروني الهنود بالنسبة إلى اعتقادهم في البرهمية إلى خاصة وعامة، ويفترض أنّ الخاصة موحدون، وغيرهم وثنيون، وهو يقول في هذا المقام: إنما اختلف اعتقادهم الخاص والعام في كل أمة؛ بسبب أن طباع الخاصة تنازع المعقول، وتقصد التحقيق في الأصول، وطباع العامة تقف عند المحسوس، وتقتنع بالفروع.
ويقول البيروني أيضًا: واعتقاد الهند في الله أنه الواحد الأزلي، من غير ابتداء ولا انتهاء، والمختار في فعله القادر الحكيم المدبر، المنفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد، وأما منشأ الوثنية في الديانة البرهمية: فهي أنهم كانوا يعبدون القوة المؤثرة في الكون، ثم لم يلبثوا أن جسدوا تلك القوى بأن اعتقدوا حلولها في بعض الأجسام؛ فعبدوا الأصنام بحلولها فيها، وتعددت آلهتهم حتى وصلت إلى ثلاثة وثلاثين إلهًا، ثم اعترى عقائدهم التغيير والتبديل، حتى انحصر الآلهة في ثلاثة أقانيم، وذلك أنهم توهموا أن للعالم ثلاثة آلهة وهي: "برهما" وهو الإله الخالق مانح الحياة، القوي الذي صدرت عنه جميع الأشياء، وينسبون إليه الشمس.
الثاني: سيفا أو سيوا، وهو الإله المخرب المفني، الذي تصفر به الأوراق الخضراء، ويأتي بالهرم بعد الشباب، وينسبون إليه النار؛ لأنها عنصر مدمر مخرب.
الثالث: "وشنو أو يشن" على حد تعبير البيروني ويعتقدون أن "وشنو" هذا حل في المخلوقات؛ ليبقي العالم من الفناء التام.
стр. 25
وهذه هي الإلهه الثلاثة أقانيم لإله واحد في زعمهم، والإله الواحد هو الروح الأعظم، واسمه ادما، والهنود يعتقدون أن بعض آلهتهم حلت في إنسان اسمه كريشنا، والتقى فيه الإله بالإنسان، أو حل اللاهوت في الناسوت في كرشينا، ويصفونه بأنه البطل الوديع المملوء ألوهية، لأن الإله وشنو قد حل فيه؛ فعندهم إذن فكرة الاتحاد والحلول، وفكرة الأقاليم الثلاثة، تلك التي آلت بعد إلى النصرانية.
أما النفس وخلودها وتناسخ الأرواح: فهو أيضًا من أهم معتقدات الهندوسية؛ فالنفس في نظر البراهمة جوهر خالد صافٍ، ما دام منفصلًا عن الجسم، والنفس عندهم خالدة باقية لا يعتريها الفناء، ولا يتطرق إليها البلى، وهي تنتقل من جسم إلى جسم، ومن ذلك جاء اعتقادهم في تناسخ الأرواح، وقد قامت عقيدة التناسخ على دعائم ثلاث:
١ - اعتقادهم خلود الأروح.
٢ - اعتقادهم أن الروح بعد مغادرة الجسم تكون في حنان دافعًا إلى الأجسام، لما انطبع فيها من المحسوسات.
٣ - النفس في حالة بقائها في الجسم تُحيط علمًا بالجزئيات والكليات.
وحول النّفس وخلودها يقول البيروني أيضًا: إذا تجردت النفس عن المادة كانت عالمة؛ فإذا تلبست بها كانت بقدراتها جاهلة، وظنت أنها الفاعلة، وأن أعمال الدنيا معدة لأجلها؛ فتمسكت بها، وانطبعت المحسوسات فيها؛ فإذا فارقت البدن كانت آثار المحسوسات باقية، فلم تنفصل عنها بالتمام، وحنت إليها وعادت نحوها، وهذه النظرية التي تُقرر
стр. 26
أنّ النّفس عالمة قبل اتصالها بالجِسْم، تُقارب نظرية أفلاطون في المثل العليا في النفس، ورُبّما كانت أصلًا لها، فالعالم لا يقع في قبضة أحد، بل هو يتنقل في البلاد والأمم تنقل الرياح والأمطار فيها، لا تقف دونه الحاجزات، ولا تسد الطريق عليه سدود من حدود وحصون.
والنفس عندهم خالدة باقية لا يعروها الفناء، ولا يتطرق إليها البلى، ولقد صرح بذلك كتبهم، وهذا ما نقله البيروني يشهد بما نقول؛ قال باسيدو لأرجل يحرضه على القتال، وهما بين الصفين: إن كنت بالقضاء السابق مؤمنًا؛ فأعلم أنهم ليسوا ولا نحن بموتى، ولا زاهبين ذهابًا لا رجوع معه، فإن الأرواح غير مائتة ولا متغيرة، وإنما تتردد في الأبدان على تغير الإنسان، من الطفولة إلى الشباب والكهولة، ثم الشيخوخة التي عقباها موت البدن ثم العودة له.
وقال أيضًا: كيف يذكر الموت والقتل من عرف أن النفس أبدية الوجود لا عن ولادة، ولا إلى تلف وعدم، بل هي ثابتة قائمة، لا سيف يقطعها، ولا نار تحرقها، ولا ماء يبثها، ولا ريح تيبسها؛ لكنها تنتقل من بدنها نحو آخر، كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق؛ فما عملك لنفس لا تريد.
ومن هذا النص يفهم أن عقيدتهم في النفس أنها لا تريد، وأنها تنتقل من جسم إلى جسم، ومن ذلك جاء اعتقادهم في تناسخ الأرواح، وهو الطابع الذي امتازت به الديانة البرهمية؛ حتى لقد قال في ذلك البيروني: كما أن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين، والتثليث علامة النصرانية، والأسبات علامة اليهودية؛ كذلك التناسخ علم النحلة الهندية، من لم يتنحله لم يكن منها.
ولذلك فاعتقادهم في بقاء النفس، وأنّ النفس في بقائها في الجسم تحيط علمًا بالجزئيات، وإن كان علمها بالصورة الكلية ثابتًا لها، وهي في تنقلها من جسم
стр. 27
إلى جسم تستفيد من كل جسم علمًا جديدًا بجزئيات لم تكن تعلمها؛ فليس من المعقول أن تحيط بكل الجزئيات علمًا؛ ببقائها أمدًا قصيرًا في جسم واحد، ولذلك احتاجات إلى تتبع الجزئيات، واستقراء الممكنات، وإن كانت متناهية عددها كثير، والإتيان على الكثرة وإحصاؤها علم يحتاج إلى فسحة في الأمد، ولذلك لا يحصل ذلك العلم للنفس إلا بمشاهدة الأشخاص والأنواع، وما يتناوبها من الأفعال والأحوال؛ حتى يحصل لها في كل واحد تجربة، وتستفيد بها جديدًا في المعرفة.
لهذا كله كانت الأرواح تنتقل في الأجسام، وتنتقل متدرجة في الرقي من جسم إلى جسم، حتى تصل إلى الكمال المطلق، وتكون في صف الروحانيات المتجردة، وهي الملائكة، وتكون غير محجوبة عن التصرف في السماوات والأرض وتدبير الكون، وإذا كانت الروح قد ارتكبت خطايا في أثناء حلولها في أحد الأجسام أركست في حيوان دون الذي كانت فيه؛ لتكفر عن خطيئاتها، وتطهر من سيئاتها، ثم تسير قدمًا إلى الرقي، لا يعوقها عن بلوغ أوجه إلا خطايا تتأثم بها ثم تتطهر، وتستمر كذلك حتى تصل إلى الملكوت الأعلى مع الملائكة في أعلى عليين، وتتجرد من الغلاف الجسمي، وقد يكون تدرجها في أدنى؛ فتهوى إلى جهنم على حسب الأقوال عندهم.
ولعقيدة التناسخ التي استولت على الفكر الهندي، وأثرت فيه كانوا يعتقدون أن الروح الواحدة، تحل في عدة من الأجسام، وأن الشخص قد تكون روحه قد حلت في مئات الأجسام قبله، يحكي البيروني عن ملك من ملوكهم أنه رسم لقومه أن يحرقوا جثته بعد موته في موضع لم يحرق فيه
стр. 28
ميت قبل، وأنهم طلبوا موضعًا كذلك فأعياهم؛ حتى وجدوا صخرة من البحر ناتئة؛ فظنوا أنهم ظفروا بالبغية، فقال لهم "باسيدو": إن هذا الملك أحرق على هذه الصخرة مرات كثيرة؛ فافعلوا ما تريدون؛ فإنما قصد إعلامهم وقد قضيت حاجتهم.
ويقول الإمام محمد أبو زهرة: من عادات الهنود الدينية أن أجسامهم أكبارهم تحرق بعد الموت، وذلك لأنّ النار في اشتعالها تعلو شعلاتها إلى أعلى بخط عمودي على أفق الأرض، والعامود أقرب المستقيمات من السطوح والخطوط، ولذا تتجه الروح بهذا الاحتراق إلى أعلى، سائرة باتجاه عامودي فتصعد إلى السماء في الملكوت الأعلى في أقرب زمن، هذا سبب من أسباب حرق أجسام كبرائهم بعد موتهم، وهناك سبب آخر هو أن في الاحتراق تخليصًا للروح من غلاف الجسم تخليصًا تامًّا، وذلك أن في الجسم نقطة بها يكون الإنسان وهي متئشبه بالجسم متصلة به.
فَلا تَخْلُص منه إلا باحتراق أمشاجه، وصيرورتها ذرات صغيرة بالاحتراق؛ فعندئذ تتخلص تلك النقطة، وهي معنى الإنسان، وبتخلصها تتخلص الروح من الجسم، وتعلو عنه لتتصل بجسم آخر، أو لتسمو لدرجة الملائكة، إن كانت قد وصلت إلى درجة الخلاص، وإذا تخلصت الروح من الجسم كان أمامها ثلاثة عوالم:
أولها: العالم الأعلى وهو الملائكة، تصعد إليه الروح إن كانت بعملها تستأهل الصعود إليه، والخلاص من الجسم، والسمو إلى الملكوت الأعلى.
والعالم الثاني: عالم الناس، وهو عالمنا الحاضر معشر الآدميين، والنفس تعود إليه بالحلول في جسم إنساني آخر؛ لتكتسب عمل خير، ولتتجنب عمل شر، إذا
стр. 29
كانت أعمالها في الجسم الأول لا ترفعها إلى مراتب التقديس في أعلى عليين، ولا تنزل بها إلى أسفل سافلين في العالم الثالث وهو عالم جهنم، وهذا العالم يكون لمرتكب الخطايا الواقعين في الذنوب، وليس هناك جهنم واحدة، بل لكل أصحاب ذنب جهنم خاصة بهم؛ فالمدعون على غيرهم حقوق كاذبة، وشهود الزور لهم جهنم خاصة بهم، وسافك الدم وغاصب حقوق الناس، والمغير عليهم وقاتل البقر لهم جهنم خاصة بهم.
وقاتل البرهمي وسارق الذهب ومن صحب الأمراء الذي لا ينظرون إلى رعاياهم لهم جهنم خاصة، والذي يرد قول أستاذه ولا يرضاه، ويستخف بالناس ويستهين بالكتب المقدسة، أو يكتسب بها في الأسواق له جهنم أيضًا خاصة، وهكذا لكل صنف من الآثمين جهنم بمقدار يتناسب مع ذنبه، ومقدار ما فيه من فسوق، ومقدار ما فيهم من فسوق عن الدين وخروج من حظيرته. ثم هل جهنم دائمة وكذلك الجنة؟
منهم من يرى أن الجنة نزلها دائم، وأن الجحيم كذلك، وأنها لا الجنة ولا الجحيم أبدًا، على مقدار ما قدم الشخص من عمل؛ فإن كان العمل في الحياة لا يرفع إلى الجنة، ولا ينزل إلى الجحيم، أعيدت الروح إلى جسم آخر لتعمل ما يعليها أو يرديها، ومنهم من يرى أن طريق الاكتساب هي الإنسانية وحدها، وأن التردد فيها مكافأة قاصرة عن درجة الثواب والعقاب الأخروي، أما الجنة؛ فإنها في علوها تكون للنعيم الذي يستحقه من قدم عملًا حسنًا؛ ويكون البقاء فيها إلى أمد محدود.
وإذا كان العمل الإنساني أثمًا وخطيئة تردت روح الشخص في الحيوان والنبات، وعقابًا لها على ما اجترحت من سيئات وقدمت من خطايا. وبقيت في ذلك أبدًا
стр. 30
حتى تتطهر مما اجترحت، وليست جهنم إلا هذا التردي عند هؤلاء فالجنة والجحيم ليستا أبديتين عند هؤلاء، بل هما مؤقتتان بهذا التأقيت وبعدها تصعد الروح درجة إلى العالم العلوي أو تنزل إلى مرتبة الإنسانية، وكلا الرأيين يسيرُ على مناهج تناسخ الأرواح، وإن اختلفت أنظارهم فيه، ومهما يكن من خلاف في هذا المقام؛ فالمُتّفق عليه أن البعث في العالم الأخروي إنما هو للأرواح لا للأجساد؛ فالروح أما في روح وريحان، وأما في شقوة وجحيم على نحو ما بينا.
وعن فكرة الخلاص من الشر أيضًا يقول الدكتور طلعت أبو سيف في كتابه (أضواء على مقارنة الأديان): وروح كل شيء تعود في نهاية المطاف إلى مصدرها الأول الذي نشأت منه، وهو الإله والإنسان أحد الكائنات له ما يعرض لها، وروحه قطرة من نور الله، انفصلت عن الله أجلًا محدودًا، واتصلت به ثم تتصل بعده بكائن آخر وآخر، وهكذا ثم في النهاية تعود إلى الله متى جاء الأجل، وذلك عندما تتوقف الميول والشهوات وينقلب الإنسان على نفسه، ويتخلص عندئذ من تكرار المولد ويمتزج بالإله، وهذا هو الهدف الأسمى للحياة عند الديانة الهندوسية إذ يتحرر الإنسان من رق الأهواء، وتنعدم حقيقة الحواس ويتحد بالإله.
ويقول الدكتور رءوف شلبي في كتابه (الأديان القديمة في الشرق) والذي كان يسمى بـ (آلهة في الأسواق) في طبعة سابقة، عن مسألة الروح كما يَدينُ بها البَراهمة أو كما هي في الديانة الهندوسية يقول: "لقد أودع الإله في كل امرئ نفسًا تُسمى عندهم آتما، وهذه النفس في البدن بمنزلة السائق من العربة؛ فكل الحواس لا يمكن أن تؤدي وظائفها إذا لم تكن "آتما" وهي النفس صاحبة القيادة والإرادة،
стр. 31
وذلك لأن النفس "آتما".
هذه أصلها من براهما، الذي يعتبر لها كقرص الشمس، وهي شعاعه تلك الأشعة التي تدخل في كل مكان على امتداد العمران والكرة الأرضية، وهذه النفس لها أوصاف ذكرها الهندوس في الكتاب الحادي عشر في الفقرات الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين، وترجمتها كالآتي: لا تؤثر فيها الأسلحة، ولا تؤثر فيها الرياح، لا يَبُلّها المَاء لا تحرقها النيران؛ خالدة أبدية، مَوجُودة في كل مكان، لا تنتقل من شخص إلى آخر، دائمًا مع صاحبها، لا تتحرك لم تولد لا تتبدل ولا تتغير، لا يحيط بها فكر، كاملة سواء كانت للرجال أو للنساء.
إن النفس كاملة، ولكن البدن الذي يولد ليس كاملًا بل هو ناقص، واتصال النفس بالبدن علاقته غير معروفة أولها.
ولهذا؛ فإن البدن عليه أن يستغل وجود الروح فيه ليعمل أعمالًا كثيرة، على مظنة أنه لا حياة بعد ذلك أبدًا، وأن الموت الذي سيأتي ولا يمكن دفعه أبدًا سوف يقضي على الحياة نهائيًّا، والروح بعد ذلك سوف لا تنقل إلى بدن آخر، ولهذا وجب أن يحرق البدن حسب تعليم "كارما" الذي يقضي باتحاد الروح مع الجسد، وإحراقهما عند الموت، أما الروح فهي أبدية باقية، فحسب أعمال صاحبها تنال الجزاء؛ فهي إما في الجنة، وإما في النار حسب أعمال صاحبها.
وعن عودة الأرواح يقول: وبعد أن تنال الروح نصيبها من النار أو من النعيم، لا تستقر هناك، بل تُولد من جديد، وتظل هكذا مرارًا وتكرارًا، حتى تعرف حقيقتها؛ فتنفرد بذاتها، بإلهها، وهنا تتخلص من مسؤولياتها الدنيوية، ثم تعود إلى رَبّها في عالم البهجة والسعادة، ويتم ذلك إذا انتهت كل البواعث التي
стр. 32
تشد "آتما" التي هي النفس، إلى العودة إلى الدنيا؛ فلا يبقى لها من أهل، إلا أن تتحد مع "آتما" إلهها وذلك هو المأرب الأخير للروح.
ثم يعقب الدكتور رءوف شلبي تحت عنوان ملاحظة يقول: في النصوص التي قرأتها باللغة الشرقية عبارات تفيد:
أ- أن الروح لا تنتقل من بدن إلى بدن آخر.
ب- ولكنها بعد أن تنال نصيبها من النعيم أو الجحيم تولد من جديد.
ج- لم تبين النصوص محل هذه الولادة ولكنها ذكرت أن هذه العملية تكرر دون أن تصف المحل التي تحل فيه الروح.
د- غاية الأمر أن عملية تكرار نعيم الروح وعذابها، ثم ولادتها من جديد لها نهاية هي: أنّ الرّوحَ تَتّصلُ منفردة بربها؛ فتَعْرِفَ حَقيقتها، وعندئذ يكتب لها الخلود والبقاء.
ولعل هذا المعنى بعيد كل البعد عن مفهوم تناسخ الأرواح، أو لعل هذا مذهب في مفهوم تناسخ الأرواح، صحيح أن الشهرستاني قرر أن أصحاب التناسخ مختلفون في تقرير هذا المبدأ، لكنه عنف الهندوس ووصفهم بأنهم أشد الناس اعتناقًا في التناسخية، ولعل هؤلاء الذين وصفهم بذلك غير البرهانية لأنه ينطبق عليهم وصف الشهرستاني لأصحاب الروحانيات، الذين أثبتوا متوسطات روحانية جاءت برسالة من عند الله في سورة البراهمة، التي نقلت عنها أسماء الريش، الملهمون الذي نزلت عليهم كتب لويدا.
وإذا فليس صحيحًا على الإطلاق أن يقال: إن الهندوسية تقول بالتناسخ بمفهومه المصطلح عليه، أن تحل الأرواح في صورة حيوانات،
стр. 33
ويُؤكد هذه النحلة الجينية، وهِي النِّحلة التي قامت تُعارض الهندوسية، تقول بتناسخ الأرواح، وهذا يُبَرهِنُ على أن الهندوسية لا تقول به؛ لأن الجينية قامت خاصة لمعارضة التدين الهندوسي.
ولست أدافع عن الهندوسية؛ فهي نحلة ضالة -ولا شك في ذلك- ولكنني أحب أن أكون أمينًا في ما قرأته من مصادرهم المباشرة أنهم يقولون: ببغي نقل الروح إلى بدن آخر، ويقولون كذلك بعودة الروح إلى الوجود الذي يتكرر؛ حتى تخلص الروح إلى ربها، فتخلد في عالم السرور والبهجة، وذلك حسب منطقهم ولغتهم؛ فمن استطاع أن يثبت لهم تناسخ بأدلة علمية، فلست مُحاجًا ولا خصمًا في هذه القضية. انتهى كلامه - رحمه الله تعالى.
وعن مسألة العمل والجزاء يقول: "كارما بهالا" هاتان عبارتان معناهما العمل والجزاء العمل كارما، والجزاء بهالا؛ فالأعمال الخيرة جزاؤها لا بد أن يكون خيرًا وحسنًا، والأعمال الشريرة لا بد أن يكون جزاؤها مثلها شرًّا ومقتًا؛ ولهذا فإن فكرة الخير والشر هذه تدفع الإنسان إلى أن يحرص دائمًا كل تصرفاته بفعل الخير، وأن يبتعد عن كل ما يفسد الخلق والسلوك والحياة.
أنواع الجزاء:
والجزاء الذي يعطى للمحسنين الخيرين ثلاثة أنواع:
سان شيتا: وهي النِّعم والآلاء التي يعيشُ فيها الإنسان حاليًا، ولها دوام في المستقبل، و"بارابدا"؛ النِّعمُ التي نعيشُها في وقت محدود، وليس لها استمرار،
стр. 34
و"كريامانا" الجزاء الطيب الذي لم نحصل عليه في حياتنا المعاصرة سوف نحصل عليه في الحياة المستقبلة بعد الموت، فالمحسنون الطيبيون في الدنيا الذي لا يحصلون على أجر في الدنيا سوف يدخر لهم جزاؤهم الطيب في الحياة الآخرة.
ويقولُ عن مسألة الخلاص أيضًا: الخلاص من جاذبية الدنيا إنّ غاية الغايات للإنسان ليس فقط أن يقدم الخير لنفسه وللمجتمع، وليس فقط أن يرتفع عن الآلام والبلايا، ولكن غاية الغايات أن يتمكن من الخلاص من جاذبية الحياة الدنيا، التي يعبر عنها بلغة القوم "موسكا" والخلاص من جاذبية مشاغل الحياة الدنيا ليس بالموت والفناء، بل يُمكن الحصولُ على هذه الغاية والإنسان ما زال حيًّا، وذلك عن طريق الفداء والتضحية المستمرة، حتى يحصل على رضوان الإله "سانج هانج ويدي".
على رضوان الإله الخالق، ووسيلة ذلك هي ممارسة رياضة "اليوجا" تلك الرياضة التي تقوم على أساس من التذكر والتفكير والصمت، وبهذه الرياضة يحصل الفرد على "جنانا" الوسيلة الوحيدة للخلاص من كل الآلام والبلايا والمصائب، تلك التي تأتي لتمحص الإنسان، وتدفعه إلى أعلى؛ ليحل فيه الروح المُقَدّس التي يشعر بسببها بسمو روحه، وترفعها على الشعور بالمصائب والآلام؛ فالبلايا في صورتها السهلة مثلما تفعله الأم بولدها، عندما تَربط يديه كي لا يأكل التراب؛ فهو يبكي ويتألم، ولكنها مسرورة؛ لأنها تدفع عنه شرًّا وبيلًا، وكذلك البلايا أنها تأتي بخير الإنسان، وعليه أن يتخلص منها بالرياضة والحصول على "جنانا".
فالرّجل المُتدين هو الذي يبتسم للأذى؛ فذلك أرقى أنواع الطب الروحاني، وبذلك أيضًا في الآلام والبلايا لا تترك أثرًا في البدن الجسماني، أما عن "اليوجا" التي هي وسيلة الحصول على السعادة الروحية "موسكا" فهي
стр. 35
أولًا: الاتصال والوحدة مع الإله، وهي "جنانا يوجا".
ثانيًا: العملُ على أن يَحصُل المَرء على "جنانا" بأسلوب العبادة الخالصة، وفعل الخيرات وهي باللغة السنسكرتية "بهيكتي يوجا".
ثالثًا: أن يفعل المثل العليا دون انتظار شكر من الناس وهي بلغة القوم "كارما يوجا".
رابعًا: أن يعيش زاهدًا "تيبا" آمنًا خاشعًا متبتلًا وهي بلغة "رايجا يوجا".
وهذه الفواصل الأربعة كلها مساو للبعض، وكلها يؤدي إلى بعض، وكلها مساو في الوسيلة التي تؤدي إلى الغاية، وهي "موسكا" أي: الخلاص والسعادة والسرور، ومِمّا يرتبط بهذه الفكرة؛ فِكْرَةُ الخَلاص من الشر، والوصول إلى السعادة والسرور، ما ذُكر في الديانة الهندوسية، تحت عنوان "المنجيات والمهلكات".
أولًا: المُهلكات: وهي النفس والنسيان، والغضب والسكر، والحيرة والحقد، وهذه الأمور الستة تتعلق بالوجدانات والأفئدة، وبقيت المهلكات في ستة أفعال تتعلق بالهدم، وهي: أن تحرق مال غيرك، أن تسم غيرك، أن تمارس السحر، أن تحدث فوضى أن تكون عنيفًا، أن تفتن الناس.
ومن المهلكات أيضًا: سبع خصال هي:
الجمال الثراء الذكاء النسب الرفيع الفتوة شرب الخمر، الانتصار.
стр. 36
ثانيًا: المنجيات: "تليكايا" ومعناها: ثلاثة أسس للتعريف البشري، وكلمة "باري سدها" معناها الواجب تنظيفه وتطهيره، والمسائل المحتاجة إلى هذا التطهير بالقطع، تكون أساسًا للسلوك، وهي أُسس التفكير، أسس المحادثة، أسس الفعل، وتفصيل ذلك عندما يوجد التفكير الصالح يلحقه الحديث الصالح، وينتج عن ذلك الفعل الصالح؛ فتكون جميع السلوكيات صالحة، ومثمرة وطيبة.
أ- أسس التفكير الصالح ثلاثة وهي:
١ - لا نؤجل ولا نرغب في شيء ليس حلالًا.
٢ - لا نفكر بسوء أو بشر نحو أي من البشر.
٣ - لا ننكر الثواب الذي يدخره الله للصالحين.
أسس الحديث الصالح أربعة وهي:
١ - عدم محبة الشتائم.
٢ - عدم محبة الألفاظ النابية.
٣ - عدم محبة الفتنة.
٤ - لا ينكر الوعد ولا يخلفه.
ج- أسس الفعل الصالح ثلاثة وهي:
١ - لا يعذب أحدًا ولا يقتل نفسًا.
٢ - لا يسرق.
٣ - لا يزني.
стр. 37
هذه باختصار المنجيات والمهلكات؛ حسب تبويب كتاب النحلة الهندوسية، نقلًا من مصادرها الأساسية، ولقد جانب الصواب كثير من كتاب الغرب وغيرهم، إذ عدو هذه الصفات فنقصوا وغيروا، وفي مقدمة هؤلاء "المستر جلف صمويل داو" في كتابه (المجتمع ومشاكله) نقلًا عن كتاب (الأديان القديمة في الشرق) للدكتور رءوف شلبي رحمه الله تعالى.
وفيما يرتبط بذات القضية في كتاب (قصة الديانات) للأستاذ سليمان مظهر، قال عن ثواب الحياة الأخرى: وقال الكهنة البرهميون: إذا كنت صالحًا في هذه الحياة؛ فستجازى عن صلاحك في الحياة الأخرى، وتساءل القوم: أي حياة؟ فأجاب الكهنة: لكل كائن حي روح، وهذه الروح تأتي من براهمة روح العالم، وبراهمة لا يموت قط. وهكذا فإن روح الكائنات الحية التي تأتي من روح العالم لا تموت قط، وتساءلوا من جديد: إذًا ما الذي يحدث للروح عندما يموت الإنسان؟ وكان الجواب: عندما يموت الإنسان تخرج روحه من جسده، وتدخل على الفور جسد طفل ولد لتوه، فإذا كان الإنسان ممن يحيا حياة طيبة صالحة، ولد في طائفة أعلى، بينما يولد في طائفة أدنى إذا كان يحيا حياة فاسدة مليئة بالشر.
وسأل بعض الناس: وما الذي يحدث للإنسان إذا هو استمر يحيا حياة فاسدة، بعد حياة أخرى أكثر فسادًا؟ فأجاب الكهنة مثل هذا الإنسان يظل يولد في طائفة أدنى من طائفته مرة بعد أخرى، وقد يولد عليلًا ليظل يشقى طوال حياته عقابًا له على ما أساء، بل وما
стр. 38
من بأس في أن يولد حيوانًا أعجم، وقد يولد إنسان الذي هو غاية في السوء فيلًا، وإذا صار فيلًا شريرًا؛ فإنه بعد موته يولد مرة أخرى كلبًا، وإذا كان كلبًا فاسدًا ظل ينحدر كلما ولد؛ حتى يولد برغوثًا أو بعوضة.
وأراد القوم أن يعرفوا السر الذي يجعل أرواح الصالحين من الناس تتجسد في طوائف أعلى، بينما يجعل أرواح السيئين تتجسد أجسامًا من الطوائف الدنيا، أو الحيوانات؛ فقال الكهنة: هناك قانون للحياة يقول "جزاء الخير خير مثله، وعقاب الشر شر مثله" وهذا القانون اسمه "الكارما" ورأى الناس بالفعل أن هذا ما يجب أن يكون، فالعمل الصالح يجب أن يثاب عليه، والعمل السيء يجب أن يعاقب عليه المرء، وبدا صواب لديهم أن يكون في الحياة مثل هذا القانون.
وظهر سؤال: ولكن ما الذي يحدث للمرء إذا هو استمر يحيا حياة صالحة بعد حياة صالحة أخرى؟ وأجاب الكهنة: إذن يثاب؛ فإذا كان رجل من طائفة غاية في الانحطاط يحيا حياة طيبة، فإنه يولد في المرة التالية في طائفة أعلى، وإذا ظل مواظبًا على الصلاح، يظل يرتفع مرة بعد مرة حتى يصبح كاهنًا برهميًّا، وماذا يحدث لو أن الكاهن ظل صالحًا، فبأي صورة يولد من جديد؟ عندئذٍ لا يولد مرة أخرى، فهنا تنتهي دورة الحياة، ولكن ما مصير تلك الروح التي تظل خيرة مع مجرى الزمن؟ إن أرواح الكائنات تأتي من "براهمة" روح العالم؛ فعندما تنتهي الروح من دورة الحياة، تعود إلى روح العالم، وتتحد مع براهما، وهذا هو ما يسمى بـ"النرفانا" وتلك أعظم سعادة يمكن أن تتمناها روح، ومن هنا كان على كل الناس أن يحيا حياة صالحة، وألا يفعلوا الشر؛ حتى يمكن في الحياة أن يتحدوا مع روح العالم وأن يدخلوا النرفانا.
стр. 39
فكرة تناسخ الأرواح كما يؤمن بها الهندوس
من هنا بالذات جاء تناسخ الأرواح، كما يؤمن به الهندوس؛ فالروح تتقمص عديدًا من الأجساد خلال رحلتها في الفضاء الخارجي، حتى تصل إلى هدفها النهائي، وتنطبق نظرية التناسخ على كل الكائنات سواء أكانت بشرية، أم حيوانية، أم حشرية، أم نباتية؛ فكلها يحكمها قانون واحد ولا تختلف روح عن روح إلا بقدر ما يقوم صاحبها به من أعمال.
وعن فكرة التقمص هذه أو تناسخ الأرواح، وأسسها الفلسفية، وآثارها في حياة الإنسان، يقول "سيرغي كوكاريث" في كتابه (الأديان في تاريخ شعوب العالم) ترجمة الدكتور أحمد محمد فاضل: الإيمان بالتقمص تبدأ في هذا العصر بالبروز، واحدة من النظريات الدينية الهامة، والتي اعتبرت فيما بعد حجر الزاوية في الديانة الهندوسية: إنها فكرة التقمص، ويَكَادُ الشك لا يُخَامِرُنا فِي أنّ هذه الفكرة انتقلت لتحل في الديانة البرهمية من معتقدات محلية قديمة، ثم إنّ التّصورات في دين فيدا لدى الآريين حول مصير الروح بعد الموت، كانت تتصف عمومًا بالضبابية؛ أما الإيمان بتجسيد ثان لروح الميت، فكان على ما يبدو معدومًا تمامًا.
وكان الأمر على النقيض في معتقدات القبائل المحلية "الدراوديين والموندا" حيث شغلت التصورات التطومية عن تكرار التجذر، كما تشغل الآن مكانة مرموقة، لقد لاحقت تطورها بشكل ما في البرهمية، غير أنه كان تطور خاصًّا يرتبط بالبنيان الطائفي،
стр. 40
توجد تعاليم في قوانين "مانو أو منو" حول انتقال الأرواح، غير أنها منصوصة فقط في الفصل الأخير الثاني عشر، ويَجري بدلًا منها في الفصول الأخرى، تصوير أفكار عن تعذيب الآثمين في جهنم، وإنما في المؤلفات البرهمية المتأخرة، في "الأبوماشيدات" تسود فكرة انتقال الروح.
وحسب التصورات البرهماتية؛ فإن روح الإنسان لا تهلك بعد موته، بل تنتقل لتحل في جسد مادي آخر، أما في أي شيء ستتجسد؛ فهذا يرتبط بسلوك المرء في حياته الحالية، وقبل كل شيء بدرجة مراعاته وتقيده بالقواعد الطائفية، إن القواعد الرئيسة والأساسية هي التقيد بقواعد الطائفة، فإذا قام "شودري" بخدمة الطوائف الأخرى بكل استقامة وخنوع، مُنفذًا كافة مبادئ سلوك طائفته، فسيحظى عند وفاته، بإمكانية الولادة ثانية متقمصًا في إنسان من طائفة أكثر رفعة.
وعلى العكس فالمرء الذي يخرق مبادئ طائفته، لن يتمكن في التقمص المقبل في أن يكون في طائفة أدنى فحسب، بل ربما يتحول إلى أكثر الحيوانات وضاعة، حتى إن البرهماتيين وضعوا مقولة الذنوب التي ينال الإنسان عنها حسابًا محددًا، ولقاء الذنب السابق التصميم على المرء أن يتقمص كمندوب لطائفة دنيا، وكحيوان مقابل آثم اللسان، إما لسلوك كله ذنوب فيكون التقمص في مادة جامدة لا روح فيها، وهكذا اتخذ الإيمان القديم بالتقمص شكل عقيدة خاصة بذاتها، عن يوم حساب الآخرة؛ لتصبح في خدمة التكريس النظام الاستثماري الطائفي دينيًّا.
وأما عن "الكارما" فيقول: تَمّت في الفلسفة الدينية الهندية، وقتذاك صياغة أساس نظري لتعاليم التجدد، أي: إعادة الولادة، إنها فكرة "كارما" ومفهوم
следующие страницы →