← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 30912

الأديان الوضعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (451 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثانيًا: المنجيات: "تليكايا" ومعناها: ثلاثة أسس للتعريف البشري، وكلمة "باري سدها" معناها الواجب تنظيفه وتطهيره، والمسائل المحتاجة إلى هذا التطهير بالقطع، تكون أساسًا للسلوك، وهي أُسس التفكير، أسس المحادثة، أسس الفعل، وتفصيل ذلك عندما يوجد التفكير الصالح يلحقه الحديث الصالح، وينتج عن ذلك الفعل الصالح؛ فتكون جميع السلوكيات صالحة، ومثمرة وطيبة. أ- أسس التفكير الصالح ثلاثة وهي: ١ - لا نؤجل ولا نرغب في شيء ليس حلالًا. ٢ - لا نفكر بسوء أو بشر نحو أي من البشر. ٣ - لا ننكر الثواب الذي يدخره الله للصالحين. أسس الحديث الصالح أربعة وهي: ١ - عدم محبة الشتائم. ٢ - عدم محبة الألفاظ النابية. ٣ - عدم محبة الفتنة. ٤ - لا ينكر الوعد ولا يخلفه. ج- أسس الفعل الصالح ثلاثة وهي: ١ - لا يعذب أحدًا ولا يقتل نفسًا. ٢ - لا يسرق. ٣ - لا يزني.

стр. 37

هذه باختصار المنجيات والمهلكات؛ حسب تبويب كتاب النحلة الهندوسية، نقلًا من مصادرها الأساسية، ولقد جانب الصواب كثير من كتاب الغرب وغيرهم، إذ عدو هذه الصفات فنقصوا وغيروا، وفي مقدمة هؤلاء "المستر جلف صمويل داو" في كتابه (المجتمع ومشاكله) نقلًا عن كتاب (الأديان القديمة في الشرق) للدكتور رءوف شلبي رحمه الله تعالى. وفيما يرتبط بذات القضية في كتاب (قصة الديانات) للأستاذ سليمان مظهر، قال عن ثواب الحياة الأخرى: وقال الكهنة البرهميون: إذا كنت صالحًا في هذه الحياة؛ فستجازى عن صلاحك في الحياة الأخرى، وتساءل القوم: أي حياة؟ فأجاب الكهنة: لكل كائن حي روح، وهذه الروح تأتي من براهمة روح العالم، وبراهمة لا يموت قط. وهكذا فإن روح الكائنات الحية التي تأتي من روح العالم لا تموت قط، وتساءلوا من جديد: إذًا ما الذي يحدث للروح عندما يموت الإنسان؟ وكان الجواب: عندما يموت الإنسان تخرج روحه من جسده، وتدخل على الفور جسد طفل ولد لتوه، فإذا كان الإنسان ممن يحيا حياة طيبة صالحة، ولد في طائفة أعلى، بينما يولد في طائفة أدنى إذا كان يحيا حياة فاسدة مليئة بالشر. وسأل بعض الناس: وما الذي يحدث للإنسان إذا هو استمر يحيا حياة فاسدة، بعد حياة أخرى أكثر فسادًا؟ فأجاب الكهنة مثل هذا الإنسان يظل يولد في طائفة أدنى من طائفته مرة بعد أخرى، وقد يولد عليلًا ليظل يشقى طوال حياته عقابًا له على ما أساء، بل وما

стр. 38

من بأس في أن يولد حيوانًا أعجم، وقد يولد إنسان الذي هو غاية في السوء فيلًا، وإذا صار فيلًا شريرًا؛ فإنه بعد موته يولد مرة أخرى كلبًا، وإذا كان كلبًا فاسدًا ظل ينحدر كلما ولد؛ حتى يولد برغوثًا أو بعوضة. وأراد القوم أن يعرفوا السر الذي يجعل أرواح الصالحين من الناس تتجسد في طوائف أعلى، بينما يجعل أرواح السيئين تتجسد أجسامًا من الطوائف الدنيا، أو الحيوانات؛ فقال الكهنة: هناك قانون للحياة يقول "جزاء الخير خير مثله، وعقاب الشر شر مثله" وهذا القانون اسمه "الكارما" ورأى الناس بالفعل أن هذا ما يجب أن يكون، فالعمل الصالح يجب أن يثاب عليه، والعمل السيء يجب أن يعاقب عليه المرء، وبدا صواب لديهم أن يكون في الحياة مثل هذا القانون. وظهر سؤال: ولكن ما الذي يحدث للمرء إذا هو استمر يحيا حياة صالحة بعد حياة صالحة أخرى؟ وأجاب الكهنة: إذن يثاب؛ فإذا كان رجل من طائفة غاية في الانحطاط يحيا حياة طيبة، فإنه يولد في المرة التالية في طائفة أعلى، وإذا ظل مواظبًا على الصلاح، يظل يرتفع مرة بعد مرة حتى يصبح كاهنًا برهميًّا، وماذا يحدث لو أن الكاهن ظل صالحًا، فبأي صورة يولد من جديد؟ عندئذٍ لا يولد مرة أخرى، فهنا تنتهي دورة الحياة، ولكن ما مصير تلك الروح التي تظل خيرة مع مجرى الزمن؟ إن أرواح الكائنات تأتي من "براهمة" روح العالم؛ فعندما تنتهي الروح من دورة الحياة، تعود إلى روح العالم، وتتحد مع براهما، وهذا هو ما يسمى بـ"النرفانا" وتلك أعظم سعادة يمكن أن تتمناها روح، ومن هنا كان على كل الناس أن يحيا حياة صالحة، وألا يفعلوا الشر؛ حتى يمكن في الحياة أن يتحدوا مع روح العالم وأن يدخلوا النرفانا.

стр. 39

فكرة تناسخ الأرواح كما يؤمن بها الهندوس من هنا بالذات جاء تناسخ الأرواح، كما يؤمن به الهندوس؛ فالروح تتقمص عديدًا من الأجساد خلال رحلتها في الفضاء الخارجي، حتى تصل إلى هدفها النهائي، وتنطبق نظرية التناسخ على كل الكائنات سواء أكانت بشرية، أم حيوانية، أم حشرية، أم نباتية؛ فكلها يحكمها قانون واحد ولا تختلف روح عن روح إلا بقدر ما يقوم صاحبها به من أعمال. وعن فكرة التقمص هذه أو تناسخ الأرواح، وأسسها الفلسفية، وآثارها في حياة الإنسان، يقول "سيرغي كوكاريث" في كتابه (الأديان في تاريخ شعوب العالم) ترجمة الدكتور أحمد محمد فاضل: الإيمان بالتقمص تبدأ في هذا العصر بالبروز، واحدة من النظريات الدينية الهامة، والتي اعتبرت فيما بعد حجر الزاوية في الديانة الهندوسية: إنها فكرة التقمص، ويَكَادُ الشك لا يُخَامِرُنا فِي أنّ هذه الفكرة انتقلت لتحل في الديانة البرهمية من معتقدات محلية قديمة، ثم إنّ التّصورات في دين فيدا لدى الآريين حول مصير الروح بعد الموت، كانت تتصف عمومًا بالضبابية؛ أما الإيمان بتجسيد ثان لروح الميت، فكان على ما يبدو معدومًا تمامًا. وكان الأمر على النقيض في معتقدات القبائل المحلية "الدراوديين والموندا" حيث شغلت التصورات التطومية عن تكرار التجذر، كما تشغل الآن مكانة مرموقة، لقد لاحقت تطورها بشكل ما في البرهمية، غير أنه كان تطور خاصًّا يرتبط بالبنيان الطائفي،

стр. 40

توجد تعاليم في قوانين "مانو أو منو" حول انتقال الأرواح، غير أنها منصوصة فقط في الفصل الأخير الثاني عشر، ويَجري بدلًا منها في الفصول الأخرى، تصوير أفكار عن تعذيب الآثمين في جهنم، وإنما في المؤلفات البرهمية المتأخرة، في "الأبوماشيدات" تسود فكرة انتقال الروح. وحسب التصورات البرهماتية؛ فإن روح الإنسان لا تهلك بعد موته، بل تنتقل لتحل في جسد مادي آخر، أما في أي شيء ستتجسد؛ فهذا يرتبط بسلوك المرء في حياته الحالية، وقبل كل شيء بدرجة مراعاته وتقيده بالقواعد الطائفية، إن القواعد الرئيسة والأساسية هي التقيد بقواعد الطائفة، فإذا قام "شودري" بخدمة الطوائف الأخرى بكل استقامة وخنوع، مُنفذًا كافة مبادئ سلوك طائفته، فسيحظى عند وفاته، بإمكانية الولادة ثانية متقمصًا في إنسان من طائفة أكثر رفعة. وعلى العكس فالمرء الذي يخرق مبادئ طائفته، لن يتمكن في التقمص المقبل في أن يكون في طائفة أدنى فحسب، بل ربما يتحول إلى أكثر الحيوانات وضاعة، حتى إن البرهماتيين وضعوا مقولة الذنوب التي ينال الإنسان عنها حسابًا محددًا، ولقاء الذنب السابق التصميم على المرء أن يتقمص كمندوب لطائفة دنيا، وكحيوان مقابل آثم اللسان، إما لسلوك كله ذنوب فيكون التقمص في مادة جامدة لا روح فيها، وهكذا اتخذ الإيمان القديم بالتقمص شكل عقيدة خاصة بذاتها، عن يوم حساب الآخرة؛ لتصبح في خدمة التكريس النظام الاستثماري الطائفي دينيًّا. وأما عن "الكارما" فيقول: تَمّت في الفلسفة الدينية الهندية، وقتذاك صياغة أساس نظري لتعاليم التجدد، أي: إعادة الولادة، إنها فكرة "كارما" ومفهوم

стр. 41

كارما معقد، يفسر بأشكال مختلفة، من قبل تيارات الفلسفة الهندية المختلفة، وهو يطابق في اللغة الروسية أثنين من المفاهيم السبب والمصير، ويكتب الفلاسفة الهنود منهم شاتر، جيوج، داتا، اتشاتر جي، وجيم داتا، قائلين: إن قانون كارما يعني أن كل سلوك المرء الذاتي حسنًا كان أم سيئًا يستدعي نتائج مطابقة له في حياته؛ فإن كانت التصرفات تجري لقاء رغبات؛ فسيجني منها الثمار، أي: إذا كانت ناتجة عن سبق تدوير. إن كل تصرف حسن يؤدي إلى مكافئة الإنسان، وكل عمل طالح يستدعي العقاب، لكن القاعدة تقول: إن هذا لم يتم في هذه الحياة، بل في التقمص المقبل إن مصير الإنسان بالذات، أو أي كائن آخر في هذه الحياة، ليس سوى نتاج سلوكه في الوجود السالف، والإنسان نفسه يصنع مصيره في تقمصه المقبل بسلوكه، وهكذا ربطت فكرة "كارما" الفلسفية في أساس التعاليم البرهماتية حول التجدد. ويقول الدكتور محمد جابر عبد العال الحيني في كتابه (في العقائد والأديان) حول نهاية الروح الكاملة: يصور عادة نهاية الروح الكاملة التي فيها تتحد المادة والروح، بحالة شخص في نوم عميق بلا أحلام، و"الهندستانية" لا تعني بذلك عدم وجود الروح أو فنائها، ذلك بأن الروح عندهم خالدة، إنما يعنون بذلك الدُّخول في النفس العظيمة، وعلى ذلك فهي فيها بلا مادة تلك المادة التي كانت مجال نشاطها، وتُصبح الأغراض عملية في حالة لا وعي. وتذهب الهندوستانية والبوذية تتفق معها، إلا أن هذه الحالة للروح البشرية، هي حالة السعادة المذهلة، وهي النرفانا عند الهندوستانية، والنبانا عند البوذية،

стр. 42

وكلاهما يعنيان أنها حالة انتفاء لهيب الرغبة، ومن ثم فإن الموت لا دخل له في هذه الحالة، ولا يتأتى إلا في حالة من له طابع خاص، والذي يتوقع "استوس بتا" في هذه الحياة الدنيا، يقتضيه ذلك رياضة نفسه؛ حتى يصل إلى حالة النوم، وهي المرحلة النهائية في "اليوجا" وذلك عندما ينال "سنباها" التي معناها الحرفي: هو الجمع معًا أو الفناء، وهذه الحالة تكون إما وقتية وإما دائمة. ومن الواضح أن هذه العبارات تصور حالة الروح الكاملة بعد خلاصها من الجسد. وإليك النُّصوص التي تبين هذه النظرية في كتابه "هدبرينكا" في الفقرة الرابعة من الثالثة والسابعة عشرة: في حالة اليقظة هذه يسرع مرة ثانية بعد طوافه، ورؤيته الحسن والقبيح، إلى العودة لحالة النوم، وفقًا للمدخل وموضع الأصل وتبين "ألبير بري هدرينكا" "السوسبتا" في الفقرة من ثلاثة وعشرين إلى الثانية والثلاثين: حقًّا إنه حينما لا يرى هناك بعينيه؛ فهو على التحقيق رأي، وإن لم يكن يرى ما هو عادة يرى، لا لأنه لم يكن هناك توقف لرؤية رأي بسبب عدم فقدانه أنه رأي، ما يرى لا يكون شيء آخر غير نفسه، ومنفصلًا. حقًّا أنه حينما لا يفكر هناك، فهو على التحقيق مفكر، وإن كان لا يفكر بما تعوده من تفكير؛ لأنه لم يكن هناك توقف لتفكير مفكر، ما يفكر فيه لا يكون في شيء آخر غير في نفسه ومنفصلًا، وهذا التعبير نفسه يتكرر بالنسبة للشم والذوق والكلام والسمع واللمس والتعرف على نحو ما قيل في الرؤية والتفكير، وينهي الحكيم هذا الجزء من حديثه للملك قائلًا: "حقًّا حَيثُما يبدو أنه شيئًا آخر؛ فإن المرء يرى ويشم ويذوق ويتكلم، ويسمع ويفكر، ويَلْمَس ويَعرف هذا الشيء الآخر، ولكن أيها الملك إذا توحدت لرؤية بحر من غير تعدد، فإنه يصبح هو

стр. 43

الذي عالمه "براهمة" وبذلك يكون "يجنافاكيا" قد وجهه، وهذا أعلى طريق الإنسان، وهذا أقصى ما يبتغي، وهذا أسمى عالمه وهذا أعظم سعادة له. أما المخلوقات الأخرى، فلا تحظى في حياتها إلا بجانب من هذه السعادة. ويبدو أن هذا الحكيم "يجنافاكيا" مقتنع بأن الإنسان لا يستطيع أن يكون دائمًا في حالة "سوسبتا"؛ ذلك لأنه يمضي قائلًا: أن الإنسان وقد طاف واستمتع بحالة "السوبستا" وبِمَا فيها من سعادة كاملة، يقول: إنه وفقًا للمدخل، وموضع الأصل يعود المرء سريعًا إلى حالة اليقظة. وألخص هذه القضية من (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة) فنقول، حول معتقدات الهندوس في الكارما وتناسخ الأرواح وانطلاق وحدة الوجود: ١ - الكارما: قانون الجزاء أي: أن نظام الكون إلهي قائم على العدل المحض، هذا العدل الذي سيقع لا محالة، إما في الحياة الحاضرة، أو في الحياة القادمة، وجزاء حياة يكون في حياة أخرى، والأرض هي دار الابتلاء كما هي دار الجزاء والثواب. ٢ - تناسخ الأرواح: إذا مات الإنسان يسمى منه الجسد، وتنطلق منه الروح لتتقمص وتحل في جسد آخر، بحسب ما قدم من عمل في حياته الأولى وتبدأ الروح في ذلك دورة جديدة. ٣ - الانطلاق صالح الأعمال وفاسدها ينتج عنه حياة جديدة، متكررة لتثاب فيها الروح أو لتُعاقب؛ على حسب ما قدمت في الدورة السابقة. بل لم يرغب في شيء، ولَن يَرغب في شيء يتحرر من رق الأهواء، واطمأنت نفسه؛ فإنّه لا يُعاد إلى حواسه، بل تنطلق روحه لتتحد بالبراهمة.

стр. 44

يُؤخذ على هذا المذهب: أنّه جَعَل التصوف والسلبية، أفضل من صالح الأعمال؛ لأن ذلك طريق للاتحاد بالبراهمة. ٤ - وحدة الوجود: التجريد الفلسفي ارتقى بالهنادكة إلى أن الإنسان يستطيع خلق الأفكار، والأنظمة، والمؤسسات كما يستطيع المحافظة عليها أو تدميرها، وبهذا يتحد الإنسان مع الآلهة، وتصير النفس عين القوة الخارقة: أ- الروح كالآلهة أزلية سرمدية مستمرة غير مخلوقة. ب- العلاقة بين الإنسان وبين الآلهة كالعلاقة بين شرارة النار والنار ذاتها وكالعلاقة بين البذرة والشجرة. ج- هذا الكون كله ليس إلا ظهور للوجود الحقيقي والروح الإنسانية جزء من الروح العليا. أفكار ومعتقدات أخرى مرتبطة بهذه القضية عند الهندوس: الأجساد تحرق بعد الموت؛ لأن ذلك يسمح بأن تتجه الروح إلى أعلى وبشكل عامودي؛ لتصل إلى الملكوت الأعلى في أقرب زمن، كما أن الاحتراق هو تخليص للروح من غلاف الجسم تخليصًا تامًّا. عندما تتخلص الروح وتصعد يكون أمامها ثلاثة عوالم: ١ - إن العالم الأعلى عالم الملائكة. ٢ - إن عالم الناس مقر الآدميين بالحلول. ٣ - وإن عالم جهنم وهذا لمرتكب الخطايا والذنوب. ليس هناك جهنم واحدة بل لكل أصحاب ذنب جهنم خاصة بهم. البعث في العالم الآخر: إنّما هو للأرواح لا للأجساد يترقى البرهمي في أربع درجات:

стр. 45

١ - التلميذ وهو صغير. ٢ - رَبُّ الأسرة. ٣ - النّاسك ويقوم بالعبادة في الغابات إذا تقدم به السن. ٤ - الفقير الذي يخرج من حكم الجسد وتتحكم فيه الروح ويقترب من الآلهة، المرأة التي يموت عنها زوجها، لا تتزوج بعده بل تعيش في شقاء دائم وتكون موضع للإهانات والتجريح، وتكون في مرتبة أقل من مرتبة الخادم، قد تحرق المرأة نفسها إثر وفاة زوجها، تفاديًا للعذاب المتوقع الذي ستعيش فيه، وقد حرم القانون هذا الإجراء في الهند الحديثة. الديانة الهندية تجيز عقد القرآن للأطفال وهم يحبون، ويحدث أن يموت الولد فتشب البنت أرملة ابتداءً، ولكن القانون الهندي الحديث حرم ذلك ومنع عقد القرآن إلا في سن الشباب، ليس للفرد أهمية إلا إذا كان عضوًا في جماعة، وتكون هذه الجماعة عضو في جماعة أكبر، ذلك أن العناية للجماعة لا للفرد، يلاحظ هبوط المستوى الاقتصادي لمعتنقي الهندوسية؛ لأن بعض الطبقات لا تعمل، ذلك لأن العمل لا يليق بمكانتها السامية، كطبقة البراهمة مثلًا. نظام الطبقات يعطل مبدأ تكافؤ الفرص، رفضت الهندوسية حركة الإصلاح الداخلي المتمثلة في الإسلام، وقاومتها محتفظة بتعليماتها ومعتقداتها، وحاول الزعيم الهندي غاندي تقليص الحدة من الطبقات وبين المنبوذين، ولكن محاولاته ذهبت أدراج الرياح، بل كان هو ذاته ضحية لهذه المحاولة حاولت جماعة السيخ إنشاء دين موحد من الهندوسية والإسلام، لكنهم فشلوا إذ سرعان ما انغلقوا على أنفسهم؛ فصاروا متميزة يرفضون التزاوج مع غيرهم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 46

الدرس: ٣ الديانة الهندوسية (١) .

стр. 47

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (الديانة الهندوسية (١)) الأصول التاريخية للديانة الهندوسية ولسكان الهند الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: فأقول -وبالله التوفيق-: يرجع سكان الهند في أصولهم، إلى ثلاثة عناصر أساسية: "العنصر التوراني، والعنصر الدرافيدي، والعنصر الآري". أما التورانيون: فهم سكان البلاد الأصليون، ولم يعرف متى كانت وفادتهم إليها، فقد امتازوا بقصر القامة والألوان القاتمة، وكان لهم شيء من الرقي، في الفن المعماري والشئون الزراعية. والدرافيديون: حلوا في شبه الجزيرة الهندية قبل الميلاد، بحوالي ثلاثة آلاف سنة. أما العنصر الأخير فهو: العنصر الآري الأبيض: الذي وفد إلى البلاد من شمالي أوربا، من على ضفاف الدانوب الأزرق، ويمتازون بطول القامة وبياض البشرة. والمعروف أن قسمًا من القبائل الآرية، استقر في بلاد فارس وأعطاها اسم إيران، أما القسم الآخر فاتجه إلى الشرق الأقصى عبر سفوح جبال الهيمالايا، واقتحموا الهند من بابها الغربي، كان الآريون في بداية أمرهم، يهتمون برعاية الماشية، إلا أنهم تحولوا إلى الزراعة، وأحكموا سيطرتهم على التورانيين، وأبقوا على شعورهم المتعالي والمتفوق على العنصر التوراني، وهو شعور سوف يتكرس فيما بعد دينيا، لقيام العقيدة على أساس التمييز الطبقي.

стр. 48

وقد أشار "جوستاف لوبون": في كتابه الشهير عن الحضارة الهندية، إلى مدى نفوذ كل عرق من العرقين، الأصفر والأبيض في بلاد الهند، يقول: التورانيون هم أشد الغزاة تأثيرًا، على سكان البلاد الهندية من الناحية الجسمانية، والآريون تركوا أقوى الأثر، في عروق الهند من الناحية المدنية، وهكذا فإن سكان الهند أخذوا عن "التورانيين"، نِسب أجسامهم وأشكال وجوههم، وعن الآريين أخذوا اللغة والدين والقوانين والسجايا والطبائع. إن التمازج بين الآريين والتورانيين، لم يحصل دفعة واحدة، إذ احتاج إلى فترة زمنية طويلة، وأتت العقيدة الدينية لترسيخ التمايز الطبقي، لتبقى الأفضلية للعنصر الآري، فتشكلت من الآريين طبقة رجال الدين البراهمة وطبقة المحاربين، ومن التورانيين تكونت طبقة الصناع والتجار. أما الطبقة الرابعة وهي طبقة الخدم أو العبيد، فتكونت من بقايا السكان الأصليين من الهنود، ويسمون أيضًا بالمنبوذين، والاتصال بين هذه الطبقات بالتزاوج، كان محرما دينيًّا، لذلك حافظ العرق الأبيض الآري، على نقاوته واستعلائه على العناصر الأخرى. لقد علل الباحث "ويتش" ذلك، بقوله: إن السبب في عدم اختلاط الآريين بالهنود، هو أن الآريين دخلوا الهند كشعب مهاجر لا كجيش محارب، والفرق كبير بين الحالتين، فالجيش عماده الرجال، الذين عند استتباب الأمر وبسط السيطرة، سرعان ما يتصلون بنساء الشعب المغلوب، والآريون دخلوا البلاد الهندية، ومعهم ماشيتهم ونساؤهم وأطفالهم، ولم تكن لهم حاجة للنساء للتزاوج، وعدم الحاجة هذه صاحبه استعلاء ولده النصر، ولذلك نشأت الطبقات في الهند وتعددت الألوان. غير أن الحياة الجديدة التي باشرتها الشعوب الآرية، ونمط الإنتاج الزراعي الذي كان البديل عن النمط الرعوي والمناخ، كانت عناصر مهمة لتبديل خصالهم وتقاليدهم، وتبني خصال هندية عريقة، مثل: التوقف عن أكل لحوم الحيوانات

стр. 49

وعدم ذبحها، إلا في مناسبات تقديم القرابين للآلهة، وتخلت المرأة عن انطلاقتها ونفوذها في الأسرة، ثم إن الحرارة الشديدة في البلاد الجديدة، أكسبتهم البلادة والتراخي في الأعمال، وقلة النشاط والابتكار. وقد أثر اختلاف السكان في الهند، على عدد اللغات المتداولة، فأحصى "جوستاف لوبون" مائتين وأربعين لغة، وحوالي ثلاثمائة لهجة، إذ أن كل قبيلة من القبائل الوافدة إلى الهند، اعتزلت في منطقة واستقلت بها، يساعدها في ذلك حواجز طبيعية، من جبال وأنهار وغابات، أما اللغات التي أثرت على اللغات المتداولة في بلاد الهند، فهي: "الفارسية، والعربية، والتركية"، وقد سمح تعدد اللغات واللهجات للانجليز، لبسط نفوذهم وترويج لغتهم وجعلها لغة شائعة، ووسيلة للتفاهم بين سكان الولايات. ويعترف الدستور الحالي في الهند بلغة هندية رسمية، وبثلاث عشر لغة منتشرة في الولايات. إلا أن عدم انتشار اللغة الهندية الرسمية وشموليتها، جعل المؤسسات الرسمية تستمر في استخدام اللغة الانجليزية، لانتظار انتشار لغتهم الانتشار الكافي، الذي يؤهلها لأن تكون لغة البلاد الرسمية. الأصول الدينية: أقام الهندوس الأوائل صلواتهم في الهواء الطلق؛ نظرًا لعدم وجود معابد خاصة، وكانت الجماعة التي تؤدي شعائرها الدينية، تقوم بخدمة الطقس، لعدم وجود كهنة يقومون بهذه المهام، وكغيرهم من الشعوب في بداية أمرهم، نظروا بإجلال إلى مظاهر الطبيعة وقواها، والتفتوا إلى ضعفهم كبشر حيالها، فقدسوها

стр. 50

وجعلوا لكل ظاهرة الإله الذي يُحركها أو يسكنها، وقدسوا بعض الحيوانات وبخاصة البقرة، وفي أسفار "الفيدا" إشارات، حول المرحلة البدائية الأولى للديانات الهندوسية، حيث انتشار عبادات القوى الطبيعية، وهي مرحلة تبدأ من القرن الخامس عشر قبل الميلاد، إلى مرحلة تدوين "الفيدا" في القرن الثامن قبل الميلاد. تتضمن الفيدا أناشِيدَ وابْتِهَالاتٍ لعدد كبير من الآلهة، أهمُهّا: الإله فارونا، وهنا نتحدث عن أهم القصائد في الله وفي النفس، الإله "فارونا" إله التدبير والتنظيم للقوى الطبيعية، والأعمال والأخلاق الإنسانية، ومهمة فارونا لا تقتصر على التنظيم فقط، لأن دوره يتعدى ذلك، إلى المحافظة على نظام الطبيعة، وحماية الإنسان من الشرور والوقوع في الخطيئة، والإنسان الذي يقع في الخطيئة ويسيء التصرف، يرفع الصلاة ويطلب الغفران من فارونا، ويأمل منه المسامحة والمغفرة. ومن الآلهة القديمة عند الهندوس، "ياما" إله الموت أو الديان الذي يحاكم الموتى على أفعالهم في حياتهم، وياما هو أول إنسان مات، وارتفعت روحه إلى رحاب السماء وصار إلها، وفي الفيدا أغنية تخبر عن نشأة ياما، وتوضح دوره وتدعو إلى احترام ياما الملك، الذي يجمع الناس معا، وقد ارتحل إلى السماء العليا ليشق الطريق للكثيرين، فهو أول من وجد مكانًا، نستقر فيه ولا نخسره أبدا، وتدعو الأغنية الناس إلى ملاقاة ياما، الذي يجمع الموتى بآبائهم وأسلافهم، ويساعدهم في قطف ثمار الأعمال الحسنة في أعلى السماء، وتحذر الناس من الخطيئة، وتشير إلى الإنسان يكتسي في الحياة الثانية جسدا أخر. أما الإله "أندرا" وهو عندهم إله العواصف والحرب، فهناك أغنية تعظمه وتقدم أوصافه وقدراته، تقول الأغنية: "أن أندرا هو الأعلى من كل شيء، وهو

стр. 51

الأسمى ذو القوة العليا، الذي أمام قدرته الغالبة، ترتعد الأرض والسموات العالية، أيها الناس استمعوا لشعري، إنما هو أندرا إله الكون، هو الذي قهر الشياطين في الحساب، وأجرى الأقمار السبعة الصافية الكبار، واقتحم كهوف الكآبة والأكدار، وأخرج البقرات الجميلة من الأرحام، وأضاء النار القديمة من البرق في الغمام، ذلك هو أندرا البطل الجسور، الأرض والسماء تعترفان بسلطانه وكماله، والجبال المرتفعة تخر له وتسجد لجلاله، هو الذي يرسل صواعق السماء على أعدائه، فلتهدى إليه السبائك المقدسة، فإنه يقبل هذه الخمر ويمنحنا رضاه، ويستمع للشعر وأغاني الولاء". وكان للشمس والنار أناشيد كثيرة تعظمهم: منها في الشمس: "يجيء بالشمس جيادها الحمر، فيصل الفجر العظيم الجميل، ينعش الجميع بضيائه، وتأتي الإلهة على مركبة فخمة، وتوقظ الإنسان ليقوم بعمل نافع". وتقول أغنية للنار: "حينما أرى هذا الكائن المنير في قلبي، تدوي أذناي وتختلج عيناي، وتتيه نفسي في ارتياب، فماذا أقول وماذا أفكر، فيا أغنى "إله النار" مجدتك جميع الآلهة، واجفة ما تواريت في الظلام". وكان لأغنى أهمية خاصة في عبادات الهنود الأوائل، بسبب الحاجة إليه، عند إقامة طقوس الذبيحة، لذلك كانت ترفع إليه الصلوات والأناشيد لاستحضاره، وقارنوا بين النار وأغنى، فكما أن النار تنظف وتطهر كذلك أغنى، الذي ينتزع الخطيئة والشرور من القلوب، ويحمي المنازل التي يحل في مواقدها، ويطرد الشياطين عنها، كما أنه يحمي الزيجات ويباركها، ويغدق على المتزوجين السعادة والهناء.

стр. 52

نظر الهُنود الأوائل إلى الظواهر والقوى الطبيعية، نظرة إجلال وتقديس وشكر، كما اعتقدوا بأن لهذه الظواهر، أرواحًا ونفوسًا كامنة فيها تحركها وتسيرها، لذلك تقربوا من مظاهر الطبيعة وعبدوها، وقدموا إليها القرابين واعتبروها آلهة يمكن استرضائها ودعوتها، لمساعدتهم في حل مشكلاتهم ورفع الأسى والشقاء عنهم. وكان لبعض الحيوانات كالأفعى والثعابين والبقرة، قداسة خاصة، ويمنعون أذيتها أو إزعاجها، هذا بالإضافة إلى القداسة المميزة، التي كانت للمياه النظيفة الصافية بشكل عام، ولمياه نهر الغانج بوجه خاص، واعتقد الهنود بأن مياه الغانج لها قدرة، على تخليصهم من خطاياهم وذنوبهم عند الاغتسال بمياهه، فجعلوه المظهر الأرضي للمطهر السماوي. إن تقديس الهندوس لمظاهر الطبيعة، لم يحصل دفعة، إذ أن جمال المظاهر الطبيعية وعظمتها، هو الذي حرك فيهم الشعور الديني والإقبال عليها بكل عواطفهم، لدرجة أنهم صاروا إذا ما توجهوا، إلى واحدة من ظواهر الطبيعة غفلوا عن غيرها، وأطلقوا عليها أسمى الأوصاف وأجمل الأسماء، وألبسوها أفضل المعاني، ومع امتداد الزمن بدأ يتكون عندهم الشعور، بأن الآلهة تتفاوت في الرتبة والقوة والعظمة، وتنقسم إلى رؤساء ومرءوسين، حتى انتهوا إلى الاعتقاد، بوجود الإله الأعظم والأقوى، الذي لا يماثله غيره من الآلهة أو الموجودات. غير أن فكرة التوحيد، الناتجة عن الشعور بضرورة إله أقوى وأعظم، سبقتها فكرة التثليث الإلهي، لقد جمع الكهنة الهنود آلهتهم في إله احد، أعطوه أعظم الصفات وأجلها وأقواها، وحصروا فيه القدرة على إخراج العالم إلى الوجود

стр. 53

من ذاته ونفسه، وجعلوا قدرته تُهيمن على العالم وتحفظه أو تهلكه، لذلك اهتم الكهنة بثلاث صفات، هي الإيجاد والحفظ والتدمير أو الإلغاء، وأطلقوا على إلههم ثلاثة أسماء، فهو: "براهمة" من حيث هو موجد خالق للعالم، وهو "فشنو" من حيث هو حافظ للعالم وموجداته، وهو أيضًا "شيفا" المُهلك والمدمر للعالم وما فيه. ومن هذه التعددية في الوحدة: الوحدة في الوجود، والتعددية في الأفعال والصفات، سوف تنصب فيما بعد الجهود البشرية، لفهم العلاقة بين العالمين الطبيعي والفائق للطبيعة العالم الإلهي. وقبل طرح التعددية التثليث في الوحدة الإلهية، نظر الهنود كما تشير الفيدا، إلى ظاهر طبيعية ثلاث رئيسية، وجعلوا لكل ظاهرة إلهها الكامن فيها، فارونا إله السماء وهو فيها، وأندرا إله الهواء وقائم فيه، وأغنا إله الأرض أو التراب وساكن فيها، إن قيمة الآلهة الثلاثة "فارونا وأندرا وأغنا"، ودور كل واحد منها وقواها وتفريعاتها وصفاتها، خضعت لتقلبات عبر تطور الديانة الهندوسية، وتبلورت عبر فترة زمنية طويلة. إن أسماء وأدوار الآلهة في أشعار الفيدا الأولى، تعود إلى أصول هندوإيرانية، الإله سوما يُقابله في الإيرانية الهوما، والسوما في الأصل شراب مقدس مسكر، كان يعد في احتفالات طقسية معقدة، وقد أطلق البراهمة على مليكهم شعب السوما، وخصصت الريجفيدا كتابًا كاملًا لتراتيل وأناشيد تعظم الإله "سوما"، وخضع الإله سوما لعملية توحد فيما بعد مع إله القمر، وحصرت فيه السيادة على القمر، والإشراف على نمو الغلال في الحقول الفسيحة، ونمو الأجنة في الأرحام الحيوانية والإنسية.

стр. 54

أما الإله فارونا هو أقدم في الظهور من أندرا، فقد أصابه ما أصاب ديوس، إذ أضعف إله الحرب دوره وقلص ظهوره في "الريجفيدا"، والإله فارونا وهو إله ذكرى كسائر الآلهة الأوائل في الفيدا، وهو المنظم للعالم وتعاقب الفصول الأربعة المتتالية، و"فارونا" مُنظم الحياة الاجتماعية والأسرية، من خلال عيونه الكثيرة المنتشرة في كل الأنحاء، وتجعله يعلم كل ما يكنه الرجال والنساء، وفي الخلوات لا يجتمع اثنان إلا ويكون الفارونا ثالثهما، حتى إن مقاتل الفيدا الشجاع والذي لا يقهر، يمثل أمام فارونا منكسًا خاشعًا خاضعًا، وراجيًا العقاب العادل من فارونا القدير على كل شيء. ومن آلهة الهندوس الصغار الذين تذكرهم الفيدا، والذين تطورت فكرتهم ودخلت في تكوين فكرة الإله شيفا المدمر الإله "ياما"، الذي سبق الحديث عنه وهو إله الموت، الذي يحرس عالم الآباء بكلابه الداكنة، والإله "ردرا" الذي تحمل سهامه المرض، وهو أيضا إله الشفاء من المرض بالأعشاب، والجانب الأخير من صفات ردرا، هو الذي يجعله يقرب من الإله شيفا المبشر بالخير، إلا أن دور الإله ردرا بسيط جدًّا في الفيدا. المذاهب الأساسية: يلاحظ من خلال نظرة شاملة، أن الديانة الهندوسية محكومة بثلاثة أمور، هي: المذاهب أو الأنساق الست للمستويات العقلية، والملاحم. البرانس التي تروي الأساطير، ونظام الطبقات على صعيد السلوك الأخلاقي. أما المذاهب العقائدية: ففيها جملة الطرائق المؤدية إلى الانعتاق، والتحرر من العلائق المادية الأرضية، ويُمكن جمع هذه المذاهب في ثلاثة أزواج، هي: نيايا وفيشيسكا، وسنخايا، ويوغا وميمنسا، والفيدا ننتا،

стр. 55

يقوم مذهب نيايا على مجموعة من الأفكار المنطقية، ولفظ نيايا تعني التدليل والبرهنة، فالهدف الأول لهذا المذهب، هو هداية العقل وتوجيهه نحو الصواب في القول المعتقد، وواضح قواعد النيايا المنطقية هو جنانا، الذي يصرح عن سعيه إلى بلوغ حالة النرفانا، عن طريق التفكير الصحيح والواضح. ويشبه مذهب "فيشيسكا" مذهب ديمقريطس، صاحب المذهب الذري في الفلسفة اليونانية، ولفظة فيشيسكا تعني آكل الذرات، وواضع المذهب هو كانادا، الذي اعتبر أن العالم يس فيه إلا ذرات وفراغ، وعن اجتماع الذرات بالفراغ وجدت الأشياء، ثم إنّ الذرات أزلية ومغايرة للروح، عندما تتعرض الروح على الذرات تتحقق الانعتاق والتحرر. ويعتبر مذهب سنخايا وهو أقدم المذاهب، أن المادة براكريتي تعارض الروح بورشا، وأن الأرواح الفردية لا متناهية ومتفردة، وهي تحقق الانعتاق والخلاص عن طريق تحللها، من علائق المادة واستعادة طهارتها الأولى، ويقول مذهب سناخيا بوجود قوى جوناز ثلاث للكائنات، تسبب الخير والانفعالات والبلادة في الأشياء، وتعني لفظة يوغا النير، ويُقصد بها خضوع الإنسان لنير من نظام تقشفي قاس، يَبلُغ حالة الطهارة الكامِلة من أدران المادة.

стр. 56

وهناك تفسير آخر لمعنى لفظة يوغا، مستمد من أصلها اللغوي في السنسكريتية، وهو أن اللفظة تعني الاتحاد، وتطلق على حياة الزهد والتصوف، الهادف إلى التخلص من علائق المادة للإتحاد مع روح الكون المطلق، ويطلب مذهب "اليوغا" من أتباعه، نموذجا قاسيا من الرياضة الجسدية والروحية، توفر الاستغراق بالتأمل والانعتاق والممارسة، والممارس لليوغا يقوم بحركات جسدية صعبة جدا تسمى "هاتا يوغا"، تساعد على التأمل وزيادة الكونداليني، أي القوى الروحية المتصورة على هيئة أفعى، ترقد عند أسفل النخاع الشوكي في الرأس، وتمتد على طول العامود الفقري بمحاذاة الوريد، وعقيدة اليوغا مشتركة عند جميع المذاهب الهندية، لجهة هدفها السامي هو الإتحاد بالآلهة. ويمتاز مذهب "ميمنسا" عن المذاهب الأخرى، بكونه أقام مدرسة في تفسير الفيدانتا، ومعنى لفظة "فيدانتا" نهاية الفيدا ويقصد بها اليوبنشاد، أو الكتاب الذي يتضمن التراث الفلسفي الهندوسي حول الله والروح وبراهمة، وهو من أبرز الكتب التي تعتمد، في دراسة الديانة الهندوسية حتى أيامنا هذه، ومن أبرز شراح "اليوبنشاد" الفيلسوف الهندي شانكارا، الذي خلص إلى وضع تصور للواحد الأوحد أو براهمة أو الروح المطلق، الذي تتحدث عنه اليوبنشاد. امتزجت مُعتقدات الشعوب والقبائل الوافدة إلى الهند، مع معتقدات قبائل البلاد الأصليين، وتشكل من تدامجها بعضها مع بعض، مؤتلف من عقائد وطقوس

стр. 57

دينية خاصة، وبناء ديني متكامل ومُقدس، وقد اتخذت العقائد الدينية عبر العصور، قدسيتها وشرعيتها عند عموم سكان شبه الجزيرة الهندية، إن القبائل الآرية القادمة من إيران، بلغت بلاد الهند في القرن السابع عشر قبل الميلاد، إلا أنّ الأشعار الدينية التي اكتشفت، لا ترقى إلى أكثر من ألف خمسمائة قبل الميلاد، وهي تحمل ضمنًا الإشادة بمآثر الآريين المُجتاحين للبلاد. وحينئذ كتبت الكتابات المقدسة للهندوس، أسفار "الفيدا" والملاحم والأساطير، ومنها ملحمة مهابهرتا ويوغا فاسستي وملحمة راماينا. والذي يعنينا من هذا أن نذكر شيئًا من قصائدهم عن الله، حيث ورد في نشيد كان يتغنى به النساك المقاطع التالية: "في البدء لم يكن ما هو موجود، أو ما لم يوجد، لم يكن هناك ما تثبته وما تنفيه، لا أجواء ولا سماء وراء الأجواء، لم يكن موت ولم يكن خلود، لم يكن ثمة نهار ولا ليل، لم يكن سوى الأوحد، يتنفس حيث لا أنفاس ولا شيء سواه". إن الأوحد الذي يشير إليه النشيد، كان ولا شيء معه سوى الفراغ، الذي امتلأ برغبة جامحة "كاما"، ومن هذه الرغبة جاء الموجود الأول، وعنه أتى الموجود التالي، وهكذا دواليك، حتى وجدت جميع الموجودات العينية أو الحسية والظواهر الطبيعية، كل الأشياء وجدت عن الموجود الأول، وعن الرغبة الجامحة التي ولدت فيه، والتي تحولت إلى شكل زفرة أو نفخة، وفي هذه اللحظة ولدت الآلهة التي أوجدت بدورها البشر. وكتاب "الفيدا" تساءلوا كيف يأتي الوجود من العدم؟ وانتهوا إلى القول بأن العملية هذه، تحتاج إلى معجزة يعرفها موجود يحفظ هذا العالم، وهو وحده يعرف سر وجود الموجودات التوالي، التي تلت الموجود الأول، ولا بد من الإشارة إلى أن الواحد الأوحد الخالق والصانع للعالم، قد عُبّر عنه في تاريخ

стр. 58

الديانة الهندوسية بأسماء مختلفة، أو أنهم استبدلوا آلهة بآلهة أخرى، أو قللوا دور آلهة ورفعوا مقام أخرى. من ذلك أن "أندرا" قد خُلِع عدة مرات، مرة بواسطة "براجباتي" إله المخلوقات ورب كل حي، وسمي أيضًا بإله الشمس أو السنة الشمسية، وشيدت له مذابح مؤلفة من ثلاثمائة وستين حجر، وثلاثمائة وستين قنينه، لأن السنة الشمسية عندهم مؤلفة، من ثلاثمائة وستين نهارًا وثلاثمائة وستين ليلًا. كما نقرأ في البراهمان، وبرجباتي خالد خلود الدهر في دوراته المتتالية، وأعطوا البرجباتي أهمية كبرى، حتى إنّ البراهمي كان يعتقد أن الشمس لا تبزغ، إذا لم توقد النار لهذا الإله قبل الفجر، وأن القربان الذي يقدم لبرجباتي والتكريم، يعيد تأليفه ويعيد خلق العالم من جديد. وخلع "أندرا" مرة أخرى، وحل محله "فيشفا كرمان" صانع كل شيء، وخلع أندرا مرة أخرى؛ ليَحُلّ محله براهمة نسباكس، المعروف عنه أنه إله السحر الممسك بالكون، ومرة رابعة بواسطة فاش أو الكلمة، ونظرًا لقيمة التضحية في نفوس الهندوس؛ فإن هناك ترنيمة تقول: بأن عملية الخلق كانت نتيجة تضحية الإنسان الأول مانو، بنفسه وتمزيق جسده، وخروج الطبقات الاجتماعية من رأسه وذراعيه وفخذيه وقدميه، وبالطريقة نفسها خلقت الحيوانات والهواء والسماء والقمر والشمس، انبثقت السماء عن رأسه، والقمر من ضميره والشمس من نظرته، وأندرا وأغنى من فمه، والهواء عن زفراته. ولكي يجد الإنسان أصوله، عليه أن يقوم بالتضحيات الشبيهة بالتضحية الأولى، وهناك أغنية أخرى تقول: بأن الإنسان الأول مزق جسده على مذابح الآلهة، وحول هذا الجسد إلى ذرات صغيرة، توحدت من جديد فوجدت الأرض وكل ما يحيط بها.

стр. 59

هذا وترتكز الديانة البراهمانية، على أمرين اثنين متممين لبعضهم البعض: الأول: الذات البراهمانية: التي تقول بتوحد الذات الفردية، مع الروح الأزلية السرمدية. والثاني: التناسخ أو تقمص الروح أو تعدد الولادات للروح الواحدة. وتسليط الضوء على هذين الأمرين، يفضي إلى الكشف عن مجمل المعتقدات الدينية البراهمانية. براهمة تصوره نصوص "الأبيناشاد"، على أنّه الكَائِنُ المَوجود، الكائن الأقوى والأعظم، والمبدأ الميتافيزيقي للوجود الكائن، الذي يفوق في وجوده، ويتجاوز كل الأوصاف الممكنة في لغة البشر، والذي تحيط به أدق التحديدات التي يقدمها العقل، إنّه المَوجود الذي يعجز العقل عن وصفه وتحديده، وتعتبر البراهمانية المؤسس الحقيقي لمذهب الحلول الفلسفي، إذ تؤكد بأن براهمة كروح يحل في جميع الأشياء، ويتحد معها وهو قائم فيها، وبذلك يصبح للذات أو الأنا الشخصية المعبرة عن براهمة، مفهوما ميتافيزيقيا ينطبق على الذات والأنا البشرية، من جهة كونها المسكن للروح الكلية للعالم، والمنفتحة عليها في آن واحد، أي كون الروح الفردية تذوب في الروح الكلية يعني في براهمة. وبراهمة أو الروح الكلية للعالم، يحل في جميع الموجودات ويتحد معها، وهي لذلك تأخذ معنى روحيا، وتكتسب قدسيتها وسموها الوجودي، واتحاد براهمة مع الموجودات، يكسبها معنى الأزلية والديمومة، ويجعلها في حالة سعي دائمة للترقي والارتفاع إلى المطلق، في عمليات تنقية مستمرة مما فيها من أدران المادة، لبلوغ التوحد الكامل مع براهمة الروح المطلق والذوبان فيه.

стр. 60

وفي نُصوص "الأبينيشاد"، مَقَاطِعُ رائعة في وضوحها ودقة تعبيرها، حول وحدة الوجود، منها "براهمة المبدأ الأول منه تولد المخلوقات، وبفضله تعيش إذ تولد، وإليه تؤول إذ تموت، عليك أن تدركه، إنه البراهمة، إن روح المخلقات واحدة، لكنها ماثلة في كل مخلوق، إنها في الوقت نفسه وحدة ومجموعة كما القمر، الذي يتلألؤ على صفحات المياه. وبراهمة هو الحقيقة ويشبه الشرارة التي تخرج من اللهب، ثم ترجع إليه من جديد، هي هذه الحقيقة، كما من اللهب تتطاير ألوف الشرارات المتوهجة مثل، هكذا من هذا الكائن الأبدي تولد الكائنات، التي لا تلبث أن تعد إليه من جديد، وعلى صعيد الأفراد فالأمل بالعودة إلى براهمة دائم الحضور، هو هذا أنت ومهما أحسست نفسك ضعيفا بائسا ووحيدا، تبقى جزءا حيا من الروح الأزلية". وحول وحدة الوجود: جاء في أحد النصوص من كلام براهمة "تتعلق بي، كما تتعلق مجموعة من الخرزات بخيط، أنا من الماء العذب طعمه، وأنا من القمر فضته، ومن الشمس ذهبها، أنا موضع العبادة في الفيدا، والهزة التي تشق أجواز الأثير، والقوة التي تكمن في نطفة الرجل، أنا الرائحة الطيبة الحلوة، التي تعبق في الأرض المبتلة، وأن من النار وهجها الأحمر، وأنا الهواء باعث الحياة، أنا القدسية فيما هو مقدس من الأرواح، أنا حكمة الحكيم وذكاء العليم، وعظمة العظيم وفخامة الفخيم، إن من يرى الأشياء رؤية الحكيم، يرى أن براهمة المقدس والبقرة والفيل والكلب النجس، والمنبوذ وهو يلتهم لحم الكلب، كلها كائن واحد". وفي وصف براهمة والتعريف به: ورد في أحد النصوص: "هذه هي الذات، التي لا يمكننا وصفها بهذه أو بتلك من الصفات، فهي لا تخضع لوصف لأنها غير

стр. 61

مرئية، ولا تخضع لإزالة لأنها غير ملموسة، ولا تخضع للحفظ لأنها لا تضبط، وهي غير متصلة بشيء مع هذا، هي ثابتة وطيدة لا إلى اندثار". هذه المقاطع وغيرها مما هو من نوعها، لا يدرك أبعادها ومراميها الفلسفية إلا طبقة الكهنة، الذين بلغوا مرتبة الحكمة واكتسبوا نقاء الروح، الذي يسمح لهم بالتأمل والترقي، وربما كانت هذه الأقوال بعيدة المنال على الناس البسطاء، لكن القول بوحدة الوجود، وحلول الروح المطلق في الوجود الفردي، مدعاة للتفاؤل والأمل في الارتقاء، للعودة إلى الأصل إلى براهمة. مسألة التقمص أو نظرية التناسخ ومن ذلك كانت مسألة التقمص أو نظرية التناسخ، حيث توصل الفيلسوف الفرنسي "رينون"، بعد دراسة مستفيضة للديانة الهندية، إلى تعريف التقمص كالتالي: "هو سلسلة لا إلى انتهاء من تغيرات الحالات لدى الكاهن، على أن لكل حالة ظروفا خاصة بها، مما يخلق للكائن دائرة وجودات لا يجولها إلا مرة واحدة، وعلى أن الوجود الأرضي أو عامة الجسدي، ليس إلا حالة خاصة بين حالات أخرى لا عد لها". وفي نظام الطبقات في الديانة الهندوسية: لا يتم الانتقال من طبقة إلى طبقة عليا أو إلى طبقة سفلى، وأن ذلك غير ممكن في حياة واحدة، بل يكون عند ولادة جديدة، أي: أن الثواب والعقاب عن حياة حاضرة، يكون في حياة لاحقة، من هنا كان الاعتقاد بتعدد الولادات أو التقمص. ونشير هنا إلى أن نظرية التناسخ، كما تبلورت في العقيدة البرهمانية، ترتبط ارتباطا وثيقا بمسألة السلوك البشري، وتشكل حافزًا من حوافزه، كما أن هذه النظرية من مستلزمات

стр. 62

القول بوحدة الوجود، وحلول الروح الكلي براهمة في الكائنات، لذلك يختلط فيها التفاؤل والتشاؤم في نغم واحد، إذ أن الأمل باتحاد الروح الفردية بالروح الكلية، يعطي للفعل قيمة ودفعة تفاؤلية، بمحاذاة هذا الأمل يتولد القلق من تعددية الولادات، خصوصًا بالنسبة للطبقات الشعبية الدنيا، لتبلغ مرتبة البراهمة، عندها يصبح الناتج للفعل والسلوك مؤجلًا إلى عدد لا نهاية له، من تكرار الولادة والدخول في متاهات الوجود الإنساني، المثقل بهم الانعتاق والتحرر من مأساة الحياة، بالذوبان في الروح الكلية حيث السعادة المطلقة، وبمقدار ما يكون القلق من دورات الولادات المتعاقبة، يكون الشعور بتناقض القول بالذات البرهمانية الحالة في كل الكائنات، والقول بالتقمص، وعندئذ يلزم تأكيد التوافق بين النظريتين، ليخرج الإنسان من دائرة تعددية الولادات في السعي الدائم، للتخلص من علائق المادة. ونتوقف عند مسألة الثواب والعقاب، أو الجزاء على الأفعال، لارتباطها ارتباطًا مباشرًا بمسألة التقمص: وقانون الجزاء باللغة السنسكريتية يسمى كارما، إن السلوك وهو مجموع الأفعال التي يقوم بها الفرد، يؤثر على الآخرين وينعكس على حياته خيرًا أو شرًّا، ولهذا وجب تطبيق قانون الجزاء عليه، ولا مفر لأحد من البشرية، من أن ينال جزاءه على أفعاله، إذ ليس في الكون مكان لا الجبال ولا السماوات ولا البحار ولا الجنات، يفر إليه المرء من جزاء أعماله حسنة كانت أم سيئة، طبقًا لنظام العدل والكون بما فيه، خاضع لنظام عادل صارم، والعدل يقضي بالجزاء على كل عمل يقوم به الإنسان.

стр. 63

وهذا يُحَتّم إحصاء الحسنات والسيئات في أعمال البشر، لينال كل واحد جزاءه، لكن واقع الحياة يكشف أن الجزاء قد لا يحصل، ويموت الظالم دون أن ينال العقاب الذي يستحقه، والمُحسن يُقضى دون أن ينال الثواب المناسب على أعماله، والحل هو عندهم القول بالتناسخ والقول بعودة الروح، في جسد جديد وحياة جديدة وفي رتبة أعلى أو أدنى، من التي كان فيها في الحياة السابقة، والفرد بما هو فرد هو المسئول عن مصيره، أو مصيرها إذا كانت أنثى في حياتها اللاحقة، تبعا للسلوك الأخلاقي الذي يختاره. ونظرية التقمص تبطن فكرة الارتقاء والانعتاق، من عالم المادة والشقاء، إلى عالم الآلهة، واتحاد الروح "آتما" الفردية مع براهمة، الموجود المطلق الذي لا يقاس به أي شيء من موجودات العالم، وعملية التوحد والحلول في المطلق، تحتاج إلى حالات مديدة وصارمة الزهد والتنسك والأعمال الصالحة، والترفع عن علائق المادة بأنواعها المختلفة. ومن التقمص إلى الزهد: فكرة الزهد وتطبيقاته العملية السلوكية، خضعت للتطور كغيرها من الأفكار والاعتقادات الهندوسية، إذ تخبر أسفار الفيدا عن أشخاص صامتين، يرسلون شعرهم ولا يحلقون ذقونهم طوال حياتهم، وتتوقف اهتماماته على التركيز والتأمل الداخليين، بهدف بلوغ حالة الرؤية المميزة للحقيقة، التي يحصل الناسك منها عند بلوغها السعادة المطلقة، التي ليس بعدها سعادة، والذي ورد في أسفار الفيدا عن هؤلاء الأشخاص، هو في الحقيقة أخبار عن الناسك الباحث عن الفنوس، "الفنوس" كنسس الذي سوف تتضح صورته أكثر في العصور

стр. 64

التالية، وبالتحديد في عصر "اليوجونشاد"، في العصور اللاحقة لعصر الريجفيدا، هو الكتاب الذي يخبر عن بدايات التفكير الديني الهندوسي، وتزايد الحديث عن الناسك المتجول المعلم أو الشارمان، ومصطلح الشارمان يطال مؤسسي الديانة الجينية والبوذية المنبثقين من الهندوسية. النسك هو أعلى المراتب الدينية في العقيدة الهندوسية، وغاية الناسك الزاهد هي الانعتاق والخلاص من شرك الرغبات والشهوات، والحاجات المادية الرخيصة والدنيئة، وحياة الناسك سعي دائم وعراك مستمر، تهدف إلى بلوغ السكينة والاستقرار، استعدادا للذوبان في المطلق. البؤس والقضاء على الشهوات والرغبات، ولبس الثياب البالية وتعذيب النفس والتسول، هي العناوين الرئيسة لسلوك الراهب الهندوسي المنصرف إلى العبادة، وبها يتحدد نظامهم الحياتي، وقد حددت أربعة مراحل لا بد للناسك البرهمي من المرور بها، ومدة كل واحدة خمس وعشرون سنة، على أساس أن متوسط العمر عندهم هو مائة سنة. أما الدور الأول: فهو دور التربية والتنشئة الروحية والعقلية والجسدية، إنها مرحة التحضير للمرحلة الثانية الحاسمة، والمحدد لبقاء استمرار المريد الهندوسي. الدور الثاني: يتم فيه بناء أسرة متكاملة، فيكون للمريد زوجة أبناء، وفي هذا الدور ينصرف البرهمي، إلى العناية بأسرته حسب التعاليم الدينية ويقيم شعائرها الصارمة.

стр. 65

في الدور الثالث: ينتقل الزوج والزوجة من العلائق العائلية، للانصراف إلى الخدمة الاجتماعية والاهتمامات العامة، دون أن يكون لهما أي غاية شخصية أو منفعة مادية أو طموحات فردية. ويتوج الدور الرابع المراحل السابقة، إذ يتحول البرهمي من الأمور الشخصية والأسرية أو العائلية، والاجتماعية العامة، إلى ترك أمور الدنيا ومشاغلها، وينصرف إلى الرياضة الروحية، وإعداد نفسه للذوبان بالروح المطلق أو براهمة. إن الأدوار أو المراحل التي أشار إليها "البروفيسور أترية"، حول الحياة الروحية والاجتماعية للبراهمي، تكشف عن أحوال الترقي التي يمر بها البراهمي، من خلال الذوبان الكلي في شئون كل مرحلة من مراحل العمر، في المرحلة الأولى اهتمام صريح بشئون الذات الشخصية، من حيث هي بنية وحواس وقوى، وقوى جسدية وعقلية في علاقتها مع العالم المادي الخارجي، مما يتيح الفرصة للكائن أن يحقق وجوده الكامل، كفرد وكشخص أو الأنا الفردية، في بعدها الوجودي المعاش أو الحاضر، وغايتها حفظ الكائن وسلامته الشخصية، ثم المرحلة الثانية مرحلة بناء الأسرة، فهي إعداد الكائن في استمراره من خلال ذريته وتقديسه، وإقامة الطقوس عن روحه بعد الممات وتقديم القرابين. وبعد مرحلتي تثبيت الوجود وحفظه، وتأكيد الديمومة والاستمرار في الذرية، وكلاهما المرحلة الأولى والثانية، تكشفان عن البعد الذاتي أو طغيان الأنا الفردية، في حين أن المرحلة الثالثة، تبرز الأنا في سعيها للذوبان في الكائن الاجتماعي، بعد الاطمئنان والشعور بالتوازن الداخلي في المرحلتين السابقتين. تأتي المرحلة الرابعة حيث يتحقق للأنا الفردية والاجتماعية، إمكانية الذوبان والاتحاد في براهمة الكائن المطلق أو الوجود المطلق، وهكذا تكون المراحل أو الدورات درجات للترقي،

стр. 66

وترقي الكائن البشري المخلوق، يكمن في حركة العودة إلى الكائن المطلق الخالق والموجد. إن التأمل يشكل حلقة أساسية من حلقات الترقي البشري، لكن السلوك لا يقل أهمية في الإعداد لعملية الذوبان في اللامتناهي والمطلق، لذلك حددت العقيدة الهندوسية، شروط السلوك الصحيح لبلوغ الغاية المنشودة، وقهر الذات التغلب على شهواتها، من أهم الأمور التي شرططها العقيدة، وعملية قهر الذات تكون بالزهد، وهو على درجات تتناسب والمراحل الأربعة، التي يمر بها الكائن البشري. ومما جاء في شريعة "منو" وفي كتاب "يوغا وأسستج"، حول قواعد الزهد وغاية الحياة: "إن الجسد لا خير فيه، إنه محل للعاهات، ووعاء لسائر الآلام وهو سائر إلى الانحلال، تتصف الطفولة بالعجز والضعف، وعدم القدرة على الكلام والتجرد من العلم، ليس الشباب إلا كومضة برق تخطف أبصارنا، ثم لا تلبث أن تختفي، مفسحة الطريق للشيخوخة وقساوة متاعبها، ما الحياة إلا كنور السراج الموضوع في الخلاء، تلعب به الريح من كل جهة، وما بهاء الأشياء كلها إلا كومضة برق، تنير لحظة ثم تختفي ولا تعود مرة ثانية، الرغبة فينا متأرجحة دائمًا وقلقة كالقرد، والنفس لا تشبع أبدًا ولا تقنع بما ملكت اليد، ولا تزال متطلعة إلى ما لم تملكه، وكلما أشبعتها زاد جوعها وطلبت المزيد، وعظم طموحها لذلك، اجعل طعامك مما تنبته الأرض وتثمره الأشجار، ولا تقطف الثمر بنفسك، بل كل منه ما سقط من الشجرة من ذاته. وعليك أن تصوم يما وتفطر يوما، وابتعد عن أكل اللحم وشرب الخمر، عود نفسك على تقلبات الطقس، وتعرض للشمس المحرقة، واجه المطر الشديد في

стр. 67

موسمه، واترك رطوبة المطر تتسرب إلى معطفك ولا تتذمر، لا تفكر بالراحة البدنية، تجنب سائر الملذات اجعل الأرض فراشك، ولا تجعل خاطرك يرتاح إلى مكان أو موطن، إذا مشيت كن حذرا، حتى لا تدوس شعرة أو عظمة أو حشرة، وإذا شربت فاشرب بحذر، كي لا تبلتع بعوضة متناهية الصغر. لا تفرح لموجود ولا تحزن لمفقود، إن الذي تخلى عن كل ما في يده، أفضل من الذي حصل على كل شيء وتشبث به، إن الذي يتغلب على نفسه، يكون قد تغلب على حواسه التي تقوده إلى الشر؛ لأن النفس أمارة بالسوء، ولا تشبع أبدا وتطلب المزيد بصورة دائمة، عندما تسعى في طلب العلم، اترك طيبات الدنيا، فلا تأكل الحلوى وتجنب النساء، ولا تأكل اللحم، ولا تدلك جسدك بما له رائحة طيبة، ولا تكتحل ولا تلبس الحذاء، ولا تظلل نفسك بشمسية، ولا تسعى إلى رزقك وطعامك بغير التسول. عند بلوغك سن الشيخوخة، عليك أن تتخلى عن الحياة العائلية والاجتماعية، والإقامة في الغابة، وتترك شعر رأسك ولحيتك من غير قص، وعليك ألا تقلم أظافرك، أما السعادة فلا سبيل لها في هذا العالم، إذ كل نفس فيه ذائقة الموت، كل شيء في هذا العالم يسير إلى الزوال والفناء، ومسرات هذا العالم خادعة وكاذبة، والأفراح القليلة لا تعادل الأحزان الكثيرة، وإن كنا أحرارًا فإننا في الحقيقة نعمل كالعبيد المقهورين، ما قيمة الجسد والأفراح والثروة والجاه والملك، ما دام الموت قدرنا المحتم عاجلًا أم آجلًا، والموت قدر كل الأشياء بلا استثناء". هذا؛ وقد جاء في كلام "كريشنا": إن الذي تغلب على أهواءه النفسية، وملك حواسه كلها، فلا يخاف شيء ولا يطمع في شيء ولا يحب أحدًا، فهو الذي نال

стр. 68

العقل وجمعه، إن الحواس تتبع ميولها، فعلى المرء أن يجذب إلى قبضته حواسه من مشتهياتها، كما تجذب السلحفاة أطرافها إلى بعضها، أجل إن النفس لطاغية جامحة، إلا أنه يجب السعي لضبطها وتحويلها إلى الله، فالذي لا علاقة له بشيء ولا يخاف شيئًا ولا يطمع في شيء، وحواسه تحت أمره، فهو مطمئن حقا، وإن كان يقوم بأعمال الحياة الدنيا كغيره من الناس. أما العمل الحقيقي هو التحرر من سلطة النفس، فمن تحرر منها، فقد فاز بالطمأنينة الحقيقية واهتدى إلى الله وفاز بالنجاة". سأل أريجنا إن كانت النجاة لا سبيل إليها، إلا بالتغلب على الحواس وقهر النفس، فلماذا نهتم بأمور الناس؟، فأجاب كريشنا: "إن الذي يتجرد من الدنيا بترك واجبه، لا يصل إلى الكمال أبدًا، والأعمال التي تأثر الإنسان، هي التي يقوم بها لإرضاء نفسه، لا لأجل المصلحة العامة، فعلى المرء أن يجعل سائر أعماله، خالية منزهة من أهواء النفس، وما عاشت هذه الدنيا، إلا بمثل هذه الأعمال النبيلة المنزهة، والذي يطبخ الطعام ليأكله وحده لأثم، وإذا أكل فلا يأكل إلا إثمه، والذي لا يهتم بمصلحة غيره فهو سارق، والذي يحيا لإرضاء حواسه، فحياته كلها إثم، ليس لأحد أن يسخر غيره لإشباع ميوله، وإنما الطريق إلى الله، أن تكون الأعمال خالصة له ولنفع خلقه. فاعلم أن أشد أعداء الإنسان اثنتان الشهوة والغضب، فهما اللذان يدفعانه إلى الذنوب، وكما يغطي الدخان النار ويكدر الغبار صفاء المرآة، كذلك الشهوة والغضب يغطيان عقل الإنسان، فعلى الإنسان أن يقتل هذين العدوين، لا شيء يطهر الإنسان أكثر من هذا العرفان، والعَارِفُ يُدرِكُ بالتدريج أن الله معه وفيه، وأكبر ما يحتاج إليه الإنسان في سلوكه إلى الكمال، هو الإيمان وقهر النفس".

стр. 69

سأل أريجنا مرة أخرى: ما الأفضل للإنسان، التجرد من الدنيا ومراقبة النفس، أو تطهير النفس مع التعلق بأمور الدنيا؟، أجاب كريشنا: "إن الذين يفرقون بين الطريقتين أطفال لا يعقلون، أما العالم العاقل فلا يفرق بينهما، والإنسان يصل إلى الكمال بأي طريق سلكه، إن قام بشروطه حق القيام، والذي يرى الطريقين سبيلا إلى المقصود فهو المصيب، والناسك الحق هو الذي لا يبغض أحدًا، ولا يشتهي شيئًا، ولا يرى غير الله شيئًا، إنه يجري وراء واجبه دائما، قد طهر قلبه وتغلب على حواسه، فالنفس في قبضة يده، لا تنازعه ولا تحيد به عن الصواب، وهو يرى جميع الأرواح كروحه ولا يفرق بينها، ولا يقصد بعمله إلا وجهه تعالى وحده. والذي يقوم بواجبه كما قلت، يبزغ نور العرفان في داخله كما تبزغ الشمس في السماء، فيرى ربه بعين قلبه، ويسعد بالنجاة بعد أن تذهب ذنوبه، وتحل محلها الحسنات، واللذائذ الحسية عاقبتها الحزن والألم، فلا يجري العاقل وراءها، والذي ملك حواسه ونفسه في هذه الحياة، فهو الناسك حقّا، وهو الذي فاز بنعمة راحة البال، إنه يجد الطمأنينة والراحة والنور في روحه، ويصل إلى النجاة بفنائه في الخالق، ولا يسعد بهذا إلا من نسي نفسه وقهر هواه، ولا يزال في عمل مستمر لمصلحة الناس عامة. وليس الناسك من يتشبث بظواهر النسك وحدها، فلا يمس النار ويفعل هذا ولا يفعل ذلك كالمتنطعين، إنما النسك كيفية قلبية لا هيئة خارجية، فالذي لا يبالي بالعواقب في أداء واجبه، فهو الناسك الصادق، والذي يتخلى عن واجباته في الدنيا، فهو ليس من النسك في شيء، ليس للإنسان صديق إلا نفسه، وليس له عدو إلا نفسه، ومن تغلب على نفسه فهو صديق نفسه، ومن قهرته نفسه فهو عدو نفسه، فمن غلب نفسه فأصبح لا يبالي، بالحر والبرد، بالراحة والألم، بالسراء والضراء، فهو صاحب الروح

стр. 70

الأكبر، ومن يرى الصديق والعدو والقريب البعيد والسعيد والشقي، بعين واحدة فهو المهتدي. ليست النجاة للذين افتتنوا بالدنيا، ولا للذين هجروا الدنيا فارين من واجباتهم، بل هي للذين يلزمون الطريقة الوسطى، فلا يفرطون ولا يفرطون، في مآكلهم ومشربهم وملبسهم ومسكنهم، إنهم وسط في كل شيء، فيستريحون كما ينبغي وينصبون كما ينبغي، والناسك الحق هو الذي يرى، وجوده في وجود الآخرين ووجودهم في وجوده، وهو الذي لا يفرق بينهم وبينه، بل يدرك الله في الجميع ويدرك الجميع في الله، فمن كان هكذا فعلاقته بالله وثيقة لا انقطاع لها، فالذي يحمد الله في خلقه وينسى نفسه، فهو مع الله أينما كان وحيثما كان، ومن يرى سعادة الآخرين وشقائهم سعادته وشقائه، فهو حبيب الله حقًّا". ثم سأل أريجنا: أليس قهر النفس الأمارة كما تقول من أصعب الأمور؟ أجاب كريشنا: "أجل يا عزيزي، إنه من أصعب الأمور، لا يكون قهر النفس، إلا بصدق النية والتمرين والرغبة عن لذائذ الدنيا، والذي حرم قوة الإرادة والعزيمة، فلا يتمكن من قهر نفسه ولا ينال النسك، والشرائع الظاهرية والطقوس الرسمية لا تنفعه شيئًا، إنّ مُجرد الرغبة في هذا السلوك، يغني المرء عن "الفيدا" وعن شرائع الفيدا، هذه الرغبة تجعله فوق كل هذا، ومن سعى مع هذه الرغبة سعيا صادقا، وإن قليلًا ينتفع به، وإن اضطرب قلبه ولم ينجح في النسك كل النجاح، لأن طريق التقدم الروحي ينفتح أمامه يسلكه إذا وطد عزمه. والعارف الذي يعبد الله، يرى الكثرة في الوحدة والوحدة في الكثرة، وأينما يتجه بوجهه، يرى وجه الله الحي الذي لا يموت، والرب الذي به يكون كل شيء. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 71

الدرس: ٤ الديانة الهندوسية (٢) .

стр. 72

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (الديانة الهندوسية (٢)) التعريف بالهندوسية، وفكرة تأسيسها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: فنتحدث عن الهندوسية أكبر أديان الهند؛ من حيث التأسيس والتطور: الهندوسية ديانة الجمهرة العظمى في الهند الآن، قامت على أنقاض الويبية، وتشربت أفكارها وتسلمت عن طريقها، الملامح الهندية القديمة والأساطير الروحانية المختلفة، التي نمت في شبه الجزيرة قبل دخول الآريين، ومن أجل هذا عدها الباحثون امتدادا للويبية وتطورًا لها. وتسمى الهندوسية أو الهندوكية، إذ تمثلت فيها تقاليد الهند، وعاداتهم وأخلاقهم وصور حياتهم، وأطلق عليها البرهمية، ابتداء من القرن الثامن قبل الميلاد نسبة إلى براهمة، وهو القوة العظيمة السحرية الكامنة، التي تطلب كثيرا من العبادات، كقراءة الأدعية وإنشاد الأناشيد وتقديم القرابين، ومن براهمة اشتقت الكلمة البراهمة، لتكون علمًا على رجال الدين، الذين كان يعتقد أنهم يتصلون في طبائعهم بالعنصر الإلهي، وهم لهذا كانوا كهنة الأمة، لا تجوز الذبائح إلا في حضرتهم وعلى أيديهم. الهندوسية من حيث فكرة التأسيس: من مؤسس الهندوسية؟ من الذي وضع الهندوسية؟ من الذي وضع كتابها المقدس "الويدا"؟ في الإجابة على هذين السؤالين، نقرر أنه ليس هناك مؤسس للهندوسية، يمكن الرجوع إليه كمصدر لتعاليمها أحكامها، فالهندوسية دين متطور ومجموعة من التقاليد والأوضاع، تولدت من تنظيم الآريين لحياتهم جيلًا بعد جيل، بعدما وفدوا على الهند، وتغلبوا على سكانها الأصليين، واستأثروا دونهم بتنظيم المجتمع، وقد تولد من استعلاء الآريين

стр. 73

الفاتحين، على سكان الهند الأصليين ومن احتكاكهم بهم، تلك التقاليد الهندوسية التي اعتبرت على مر التاريخ دينًا، يدين به الهنود ويلتزمون بآدابه. ويمكن القول: أن أساس الهندوسية، هو عقائد الآريين بعد أن تطورت، بسبب اختلاط الآريين، وهم في طريقهم البطيء إلى الهند، بشعوب كثيرة وبخاصة بالإيرانيين، ثم تأثرت هذه العقائد بعد احتلال الآريين للهند، بسبب الاتصال بأفكار السكان الأصليين، وبفلسفات وأفكار نشأت في الهند، في مراحل متباعدة من التاريخ، حتى أصبحت الهندوسية بعيدة عن العقائد الآرية الأصيلة. والهندوسية أسلوب في الحياة، أكثر مما هي مجموعة من العقائد والمعتقدات، تاريخها يوضح استيعابها لشتى المعتقدات والفرائض والسنن، وليست لها صيغ محدودة المعالم، ولذا تشمل من العقائد ما يهبط لعبادة الأحجار والأشجار، وما يرتفع إلى التجريدات الفلسفية الدقيقة. وإذا كانت الهندوسية ليس لها مؤسس معين؛ فإن "الويدا" كذلك، وهي الكتاب المقدس الذي جمع العقائد والعادات والقوانين بين دفتين، ليس له كذلك واضع معين، ويعتقد الهندوس أنه أزلي لا بداية له، وملهم به قديم قدم الملهم، ويرى الباحثون من الغربيين والمحققون من الهندوس، أنه قد نشأ في قرون عديدة متوالية لا تقل عن عشرين قرنًا، بدأت قبل الميلاد بزمن طويل، وقد أنشأته أجيال من الشعراء والزعماء الدينيين والحكماء الصوفيين عقبًا بعد عقب، وفق تطورات الظروف وتقلبات الشئون، وينسب بيري كتابة "الويدا" إلى الآريين، سنعطي فيما بعد إن شاء الله معلومات كافية عن هذا الكتاب المقدس.

стр. 74

أهم الموضوعات المتعلقة بالهندوسية والموضوعات الجديرة بالدراسة حول الهندوسية، يمكن تلخيصها في الآتي: ١ - "الويدا". ٢ - الله في التفكير الهندسي. ٣ - نظام الطبقات. ٤ - أهم عقائد الهندوسية: (الكارمة، تناسق الأرواح، وحدة الوجود، الانطلاق). ٥ - من صور الأخلاق عند الهندوسيين: (مراحل الحياة، التسول، محاربة الملاذ، تعذيب الجسم). ٦ - نماذج من الفقه الهندوسي. ٧ - تعريف بالكتب المقدسة لدى الهندوس بعد "الويدا". ٨ - لمحة تاريخية عن الديانة الهندوسية. وسنتكلم عن هذه الموضوعات بشيء من التفصيل فيما يلي بإذن الله ﵎. أولًا: "الويدا": قلنا فيما سبق: إن "الويدا" كتاب الهندوس المقدس، لا يعرف له واضع معين، ولإعطاء صورة أقرب إلى الدقة عن "الويدا"، الذي يعد بحق دائرة معارف عن الهندوس، نلجأ إلى كاتب هندي قدير، وهو الأستاذ محمد عبد السلام، لنلخص بحثه عن "الويدا"، ضمن أبحاثه القيمة عن فلسفة الهند القديمة، يقول: للويدا قيمة تاريخية كبرى، إذ تنعكس في هذا الأدب الديني، حياة الآريين في الهند في عهدهم القديم ومقرهم الجديد، ففيه أخبار "حملهم وترحالهم، دينهم وسياستهم، حضارتهم وثقافتهم، معيشتهم ومعاشرتهم، مساكنهم وملابسهم، مطاعمهم ومشاربهم، مهنهم وحرفهم"، وترى فيه مدارج الارتقاء للحياة العقلية، من سذاجة البدو

стр. 75

إلى شعور الفلاسفة، فتوجد فيه أدعية ابتدائية تنتهي بالارتياب، وإلوهية تترقى إلى وحدة الوجود. و"الويدات" عبارة عن أربع كتب دينية، هي: ١ - الريج ويدا. وهو أشهر الأربعة وأهمها وأشملها، كما سيظهر من مقارنة موضوعاته، بموضوعات "الويدا"ت الثلاث الأخرى، ويقال: إن تأليف "الريج ويدا" يرجع إلى ثلاثة ألاف سنة قبل الميلاد، وتشمل ألف وسبعة عشر أنشودة دينية، وضعت ليتضرع بها أتباعها أمام الآلهة، أو يتغنون بها عن الآلهة، وأشهر الآلهة الذين ورد ذكرهم فيها هو الإله "أندرا" إله الآلهة، ثم يجيء بعده الإله "أغنى" إله النار وراعي الأسرة، فالإله "فارونا" فالإله "سوريا الشمس" وغيرهم، ولا زال الهنود يتغنون بأناشيد من الريج ويدا، يرتلونها في صلواتهم صباحًا ومساء، ويتيمنون بتلاوتها في حفلات زواجهم، كما كانوا يفعلون منذ ثلاثة آلاف عام. الثاني: "ياجور ويدا". وتشمل العبادات النثرية، التي يتلوها الرهبان عند تقديم القرابين. الثالث: "ساما ويدا". وتشمل الأغاني التي ينشدها المنشدون، أثناء إقامة الصلوات وتلاوة الأدعية. الرابع: "آثار ويدا". وتشمل المقالات في السحر والرقي والتوهمات الخرافية، مصبوغة بالصبغة الهندية القديمة. فالحياة الهندية كما يصورها آثار فيدا مملوءة بالآثام، والكون حافل بالشياطين والأغوال يخوفون الناس، والآلهة كفت أيديها عن الخير ولم
следующие страницы →