← Общие книги

Общие книги · id 30916

البصيرة في الدعوة إلى الله

عزيز بن فرحان العنزي

Полный текст (132 стр.). Показаны 106–132 · переход к 111.

стр. 106

وقال أيضا لابنه عبد الملك: يا بني، إن نفسي مطيتي، وإن حملت عليها فوق الجهد قطعتها. وقال بعض الحكماء: حادثوا هذه القلوب بالذكر فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد.

стр. 107

[فصل التنويع في الخطاب الدعوي] فصل التنويع في الخطاب الدعوي وهنا تنبيه يجب بيانه، وهو أنه ينبغي على الداعية أيضا أن ينوع أسلوبه الخطابي من عمل لآخر من الأعمال الدعوية، وفق دلالات المعنى الذي تقتضيه الوسيلة من: خطبة، أو درس، أو محاضرة، أو موعظة، وألا يسير على وتيرة واحدة في الإلقاء، سواء في الوسيلة الواحدة، أو في الوسائل المتنوعة، فما تحدثه لغة الصوت من أثر في نفسية المستمع من: قوة وشدة، ونعومة ولين، وخفض ورفع، وما يصاحبها من وضع انفعالي يتناغم مع الحركة والصوت، أمر في غاية الأهمية والضرورة، وأثره يلمسه المشتغل في ميدان الدعوة، والمستقرئ لسيرة النبي ﷺ يجد هذا ظاهرا. وقد أصبحنا نشاهد خلطا كبيرا لدى شريحة من الدعاة والخطباء في العالم الإسلامي بين هذه المناشط من جهة الالتزام بالمنهج الشرعي لها، ومن جهة أسلوب الأداء. فخطبة الجمعة مثلا قائمة على التنبيه، ولذلك وصفت خطب النبي ﷺ بالاختصار والإيجاز والقصد، وجعل النبي ﷺ قصر خطبة الرجل وطول صلاته علامة على فقهه (١) وكان النبي ﷺ يستعمل في خطبة

стр. 108

الجمعة رفع الصوت، حتى يصفه بعض الصحابة بأنه «إذا خطب علا صوته، واشتد غضبه، واحمر وجهه؛ كأنه منذر جيش، يقول صبَّحكم أو مساكم» (١) . وكان كلامه سهلا مستعذبا، لا تمله الأسماع، يفهمه كل من سمعه. [من أخطاء الخطباء] من أخطاء الخطباء: ولقد أصبحنا نشاهد كثيرًا من المخالفات الظاهرة لدى شريحة كبيرة ممن يرقَوْن أعواد المنابر، وأذكر هنا ما يتعلق بالأسلوب الخطابي، من ذلك: الإلقاء المجرد عن الحماس والانفعال المنضبط بالقواعد الشرعية، والأصول المرعية، وجلب اهتمام المصلي وتفاعله مع الخطيب، حتى إن النوم ليتسلل إلى المستمع بسبب برودة الإلقاء وضعفه، خاصة إذا صاحب ذلك قراءة الخطبة من ورقة أو يكون في الخطبة سردُ خلاف أهل العلم في المسائل الفقهية؛ فتجد بعضهم يفصل في المسألة بسرد خلاف الفقهاء، وينتقل إلى الترجيح عن طريق المسالك العلمية، والمدركات، وفي الحقيقة إن المنبر ليس مكانًا لهذا التفصيل، والعرض للمسائل الخلافية، ولا يخفى أن أغلب الحضور من العامة، فإيقافهم على هذا النمط من التعليم إفساد لهم، وتشتيت لأفكارهم، وزعزعة لثوابتهم. نعم من الممكن أن تكون هيبة الصعود على المنابر قد زالت في هذا الوقت، بسبب عوامل عديدة، من ذلك توافر الخطب المكتوبة، وانتشار الكتب والبرامج التي تدرب على الخطابة، فتجد مثلا بعض الخطباء في الجمعة يستخدم أساليب خطب الاحتفالات: من كثرة الالتفات، والنظر إلى الحضور جميعهم، وكثرة التعبير بالإشارة، والتجاوز بها موضع الحاجة، وأيضًا محاولة استجواب المستمعين عن طريق طرح أسئلة ما، ومطالبة المصلين بالإجابة على سؤاله، سواء كان إنكاريا، أو غيره؛ ظنا منه أنه بهذه الطريقة يستطيع جلب اهتمام المصلين والحفاظ على قدر كبير من حضورهم

стр. 109

وتفاعلهم معه، بل إن بعض الأساليب تمثل خروقا لقدسية الخطبة من خلال تعمد الإتيان بقصص، أو مواقف مضحكة، لا يملك المستمع إلا الضحك معها. فخطبة الجمعة عبادة لها أركانها، وشروطها، وواجباتها، وسننها، وآدابها، فليس هناك مساحة للاجتهاد في هذه العبادة، ولا تشبه بباقي الخطب؛ وذلك لخصوصيتها الشرعية. [الأسلوب الأمثل للمحاضرات] الأسلوب الأمثل للمحاضرات: وفي المقابل نجد في مناشط الدروس العلمية والمحاضرات العامة ظواهر من جهة الأسلوب الإلقائي، من هذه انتشار ظاهرة رفع الصوت رفعا كبيرا، حتى إن المار وهو يسمع صوت الملقي ليظن أنه يخطب للجمعة، أو أنه منذر جيش، ومعلوم أن الدرس العلمي والمحاضرة العامة قائمتان على التفهيم والتفصيل والبسط، ويحتاجان من الملقي إلى: هدوء تام، وخفض صوت بالقدر الذي يمكن أن يصل إلى المستمع، وقد يحتاج الملقي إلى تكرار الكلام ثلاثا للتفهيم كما كان يفعل النبي ﷺ . «فعن عائشة، ﵂، قالت: كان كلام رسول الله ﷺ كلاما فصلا يفهمه كل من يسمعه. وقالت: كان يحدثنا لو عده العاد لأحصاه. وقالت: إنه لم يكن يسرد الحديث كسردكم» (١) . وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ : «أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه فإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم ثلاثًا» (٢) . أما رفع الصوت بهذه الطريقة فليس من المنهج الشرعي ولا الطبعي في الدروس العلمية ولا المحاضرات العامة، ولا يمكن أن يخرج المتلقي بفائدة وهو يتلقى بهذه الطريقة التي لم يكن مهيأ لها نفسيا وبدنيا بسبب

стр. 110

الانفعال، ورفع الصوت، ولا يمكن أن يسير الملقي أيضا على وتيرة ثابتة تربط آخر الموضوع بأوله. فينبغي للداعية أن يتحرى في الدرس تفهيمه بأيسر الطرق، وأن يذكره مسترسلا، مرتلا، مبينا، واضحا، ويؤخر ما ينبغي تأخيره، ويقدم ما ينبغي تقديمه، ويقف في موضع الوقف، ويصل في موضع الوصل، ويكرر ما يشكل من معانيه وألفاظه، إلا إذا وثق بأن جميع الحاضرين يفهمونه من غير ذلك. وإذا فرغ من مسألة أو باب أو فصل يسكت قليلا حتى يتكلم من في نفسه كلام عليه، أو يطلب إيضاحا، وهذا ينطبق على المحاضرة أيضا. وأما الواعظ فهو لا يبعد كثيرا عن خطبة الجمعة من جهة الاختصار، والابتعاد عن كثرة الاستدلال، وضرورة ضغط العبارة، ومن أراد أن يختبر طريقته في الوعظ فلينظر في كتابين عظيمين يحكيان الأسلوب الأمثل والصحيح للواعظ، الأول: " صيد الخاطر " لابن الجوزي ﵀، والثاني: " الفوائد " لابن قيم الجوزية ﵀. [الصورة الثالثة ترك وعظ المنشغل عنك] ٣ - الصورة الثالثة: ترك وعظ المنشغل عنك: فمن حسن الموعظة أن من كان منشغلا عنك بحديث أو عمل وكذا المستثقل والمكابر أن تترك وعظهم، وأن تؤجله إلى وقت آخر أنفع لك ولهم، وذلك لعدم الفائدة من ذلك، وإبقاء للود، وحفاظا على منزلة الموعظة والنصيحة. وقد قيل فيمن لا يستمع لوعظه: فلان في وعظه كنافخٍ في قفص، وقاص في مقبرة. قال ابن عبد البر ﵀: كان يقال: ستة إذا أهينوا فلا يلوموا أنفسهم: الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها، وطالب الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين في حديثهما من غير أن يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس مجلسا ليس له بأهل، والمقبل بحديث على من لا يسمع منه، ولا يصغي إليه.

стр. 111

وقيل: وعظ من لا يعيرك سمعه ولا يشحذ وعظك طبعه كمن وضع مائدة لأهل القبور، ورام بخرقة تليين الصخور. وقيل: من استثقل سماع الحق فهو للعمل به أكثر استثقالا. وقد يكون من البصيرة أيضًا ترك من لا يتعظ بالموعظة ممن أشربت قلوبهم حب المعصية، وذلك خشية أن يتجاوز في بغية إلى مفاسد عظيمة كسب الدين، أو الإساءة للشريعة. وقد قيل: لا ينجح الوعظ في القلوب القاسية كما لا يزكو البذر في الأرض الجاسية. [الصورة الرابعة اللين في الموعظة] ٤ - الصورة الرابعة: اللين في الموعظة: فمن حسن الموعظة أن يستخدم الداعية في وعظه اللين في مكانه والشدة في مكانها؛ فالقاعدة العامة هي استعمال الرفق واللين مع المدعوين، وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة في الأمر بلين القول، وحسن الخلق، والترفق مع الغير. قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] (١) . وقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] (٢) . قال تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] (٣) . قال تعالى: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] (٤) . وعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» (٥) .

стр. 112

عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (١) . فينبغي على الداعية أن ينتقي ألين الكلمات وأرقها وألطفها ليصيد بها الموعوظ، وليأسر قلبه. وقد قيل: من لانت كلمته وجبت محبته. وقيل: البشاشة مصيدة المودة. قال سفيان بن عيينة: طلاقة الوجه عنوان الضمير، بها يُستنزل الأمل البعيد. والمستعمل لهذا الأسلوب، موفق بإذن الله تعالى، وفي حُمرة الخد ما يغني عن الخجل. وقد يحتاج الداعية مع بعض الأشخاص إلى نوع غلظة وشدة في الموعظة، وهذا من الفقه والبصيرة التي ينبغي أن يسلكه الداعية، وهي الاجتهاد في حال الموعوظ. ولذلك أرشدنا النبي ﷺ إلى تخصيص المحتضر بأحاديث الرجاء، وألا يذكر عنده شيء من الوعيد، وذلك لاقتضاء حاله، ولجعله يكون على حال من حسن الظن بالله، حتى يغفر الله تعالى له. فعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» (٢) . وفي المقابل يجب الوعظ بنصوص الوعيد على من هو مقيم على معصيته، أو متلبس بكبيرة، أو مقيم عليها، فليس من الشرع ولا العقل ذكر أحاديث الرجاء لهذا الجنس من الناس، بل المناسب لحالهم نصوص الوعيد.

стр. 113

وقد يكون من المناسب التغيظ على الموعوظ والخشونة معه، وذلك بعد الاجتهاد بحاله، مثل كون العمل الواقع فيه لا يليق بمثله، كما فعل الرسول ﷺ لما تغيظ على عمر بن الخطاب حين رأى بيده ورقة من التوراة، فقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والله لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان أخي موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي» ، فقال عمر: أتوب إلى الله (١) . أو يكون الداعية إلى الله تعالى قد توصل بعد الاجتهاد إلى أن هذا الجنس من الناس لا يمكن أن ينتبه ولا يرعوي إلا بنوع غلظة وشدة، فإن الداعية إلى الله تعالى، أشبه حالا بالطبيب مع المريض، فقد يستعمل الطبيب أشياء مؤلمة كالقطع والبط وذلك لمصلحة المريض؛ فكذلك الداعية إلى الله تعالى، فقد يكون من المناسب له في بعض الأحوال مع بعض الأشخاص أن يستعمل معهم هذا النوع رحمة بهم، وتعبيرا عن خطر ما هم عليه، خروجا عن القاعدة العامة في هذا الباب، وهي اللين والرفق مع المدعوين، وما شرع الجهاد ولا الحدود والتعزير ولا هجر المبتدع وغيرها من الأحكام إلا لهذا الغرض. [الصورة الخامسة استعمال السر والعلانية في الموعظة] ٥ - الصورة الخامسة: استعمال السر والعلانية في الموعظة: فإذا كانت الموعظة تتعلق بمجموع الأمة أو جماعتها فالأصلح فيها التعميم، ولكن من دون ذكر أسماء أو تجريح، أو ذكر كلام يفهم من أن المراد به فلان من الناس أو الجنس الفلاني، فلقد كان النبي ﷺ إذا كره أمرا أحدثه بعض أصحابه يقول: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا» (٢) . من ذلك: ما بلغه عن بعض أصحابه تنزههم من أشياء فعلها

стр. 114

هو ﷺ ، فخطب فحمد الله ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن شيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية» (١) . وأيضا بلغه أن أهل بريرة ﵂ شرطوا أن الولاء لهم بعد بيعها، فقام فخطب الناس فقال: «ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة مرة شرط الله أحق وأوثق» (٢) . وقد جرت عادة علمائنا ومشايخنا على ذكر النصائح العامة، وقد يستعمل في تبليغها وسائل الإعلام الحديثة، وفي الجزء التاسع من " الدرر السنية في الأجوبة النجدية " شيء عظيم من هذا. وأما الموعظة الفردية فيجب أن تكون خاصة، تراعى فيها السرية التامة لا سيما مع ولاة الأمور؛ حتى يتحقق الهدف منها، فعن عياض بن غنم الفهري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذه بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذلك، وإلا كان قد أدى الذي عليه» (٣) . وكانوا يعدون النصيحة بين الناس نوعا من الفضيحة. وقال الشافعي: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. وقال أبو الدرداء: من وعظ أخاه بالعلانية فقد شانه، ومن وعظه سرا فقد زانه. يقول الشافعي: تعمدني بنصحك في انفراد ... وجنبني النصيحة في الجماعه فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه

стр. 115

[الصورة السادسة الترغيب والترهيب] ٦ - الصورة السادسة: الترغيب والترهيب: فالترغيب والترهيب أسلوب قرآني، فالله تعالى كثيرا ما يقرن بين الترغيب والترهيب في القرآن، كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥] (١) وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] (٢) وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] (٣) وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٣] (٤) وقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ - إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ - وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٤] (٥) والنصوص في بيان هذا الأمر كثيرة. فالداعية الموفق هو الذي يستخدم أسلوب الترغيب والترهيب في مكانه المناسب، وألا يجعل أسلوب وعظه الترهيب على الدوام، ولا الترغيب على الدوام، فقد يحتاج إلى الجمع بينهما في مقام واحد، وقد يحتاج إلى الاقتصار على واحد منهما حسب المقام، وهذا يقتضيه الظرف، وطبيعة المناسبة.

стр. 116

[فصل في المجادلة بالتي هي أحسن] [أساس المجادلة الرغبة في الوصول إلى الحق] فصل في المجادلة بالتي هي أحسن المجادلة هي: مقابلة الحجة بالحجة، وكشف الشبه لدى من تجادله بالأدلة المقنعة والبراهين الواضحة. فالمجادلة والجدل في الأصل هو الاحتجاج لتصويب رأي ورد ما يخالفه، فهو حوار وتبادل في الأدلة ومناقشتها؛ لأن من الناس من لا تقنعه الموعظة ولا التوجيه والإرشاد، فيحتاج إلى مجادلة ومناظرة لإقناعه وتوجيهه، فقد تكون عند البَعض شبهة، أو يقع في تأويل ما، فهذا الجنس من الناس يحتاج إلى مجادلة ومناظرة، بما يراه المُجادل والمناظر مناسبا من حاله، مع الأخذ بالاعتبار طبيعة الزمان والمكان، وأيضا عقيدة المناظر ومذهبه، فإن هذا من الحكمة. والمجادلة قد تكون بين مسلمَيْن في أصول الدين وفروعه، وقد تكون بين مسلم وكافر، ولقد أثريت المكتبة الإسلامية بالمناظرات الفقهية، وتفتقت تلك المناظرات عن أشياء خدمت الحركة الفقهية بشكل لم يسبق له نظير. أساس المجادلة: الرغبة في الوصول إلى الحق: وغالب المناظرات التي وصلتنا كانت تقوم على أساس من الاحترام المتبادل، والرغبة من الطرفين في الوصول إلى الحق، واستخدام أدوات المجادلة الصحيحة، وتصحيح النيات، وعدم استعمال خلفيات مسبقة، وإنما

стр. 117

إحسان الظن بالخصم، وعدم سحب نتائج المجادلة إلى الحياة العملية، إنما تنتهي بانتهاء مجلسها، يقول يونس الصفدي: " ما رأيت أعقل من الشافعي ناظرته يوما في مسألة ثم افترقنا، ولقيني وأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة " (١) . وأما مع غير المسلمين فالواجب أيضا استعمال الأسلوب الحسن في النقاش، واحترام الخصم المقابل، وإن سوء أدب المقابل، وقلة حيائه لا يسوغ أبدا معاملته بالمثل؛ لأن المسلم يتعامل من منطلق ما يمليه عليه دينه، وما تفرضه أخلاقه إلا الذين ظلموا منهم، فيجوز- والحالة هذه- التعنيف عليهم، وزجرهم بالقول الذي يكون وقعه شديدًا على نفوسهم من باب العقوبة والزجر لهم. [أدب القرآن السامي في هذا الباب] أدب القرآن السامي في هذا الباب: وقد أعطانا القرآن الكريم نماذج تطبيقية للمجادلة بالتي هي أحسن تربية لنا وتعليما، منها: قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] (٢) . وقد أمر الله تعالى نبييه موسى وهارون ﵉ أن يجادلا الطاغية فرعون بالتي هي أحسن، وأن يُلينا له القول، قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] (٣) . لأن للرياسة سُكرا والتغليظ لا يناسب من هو في مثل حاله، وقد بين ربنا ﵎ هذا القول اللين بقوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨] (٤) فأخرجه

стр. 118

مخرج السؤال لا الأمر، وذلك لموضع تجبر فرعون وعتوه. وقال تعالى مادحا نبيه ﷺ بما امتن عليه من جعله رحيمًا بالمدعوين، مشفقًا عليهم، وأن ذلك من أسباب إقبالهم عليه فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (١) . وأيضا قد يكون في التعنيف والغلظة على الكافر مفاسد كبيرة، فقد يقوده ذلك لسب الله تعالى، أو سب الرسول ﷺ ، أو سب الإسلام، ولأجل هذا نهى الله تعالى عن سب آلهة الكفار مع أن سبها من الدين، وذلك خشية تولد منكر أعظم قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] (٢) . وإذا كنا قد أُمرنا بمجادلة أهل الكتاب والملحدين بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم فأهل الإسلام أولى بأن يراعى في جدالهم الرفق واللين، وإظهار الرحمة بهم، وليست هذه قاعدة مطردة، فقد يحتاج المجادل إلى نوع إغلاط وشدة حسب مقتضيات الحال، كما بينت في البصيرة في الوعظ وذلك لمصلحته، لكونه قد يستفيد من الإغلاظ أكثر من الترفق. على كل حال، فإن حسن الخلق مع الغير قيمة أعلى الإسلام من شأنها، وأكد عليها، وأكثر من الإشارة إليها؛ فهي أحد معايير القرب من الله تعالى. إلا أننا نلحظ في الآية الكريمة تقييد الموعظة والمجادلة بالحسن، وإطلاق الحكمة. يقول ابن القيم جوابا على هذا: " أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة؛ إذ كلها حسنة، ووصْفُ الحسن لها ذاتي، وأما الموعظة فقيدها بوصف الإحسان، إذ ليس كل موعظة حسنة، وكذلك الجدال قد يكون

стр. 119

بالتي هي أحسن، وقد يكون بغير ذلك، وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل، وغلظته، ولينه، وحدته، ورفقه، فيكون مأمورا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن، ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به من المطلوب، والتحقيق أن الآية تتناول النوعين " (١) . [حاجة الداعية إلى فن الجدل والمناظرة] حاجة الداعية إلى فن الجدل والمناظرة: ومن المتطلبات الضرورية للداعية حاجته إلى فهم أصول الجدال، والحوار، والمناظرة؛ فإن كثيرا من الناس بدافع المحبة والعاطفة للإسلام يفسد أكثر مما يصلح، إما بالسب والشتم للمقابل، أو بعدم التمكن من التحاور لسرعة غضبه وحمقه، وقد يكون البعض من الدعاة صيدا ثمينا لخاتل مارق يريد أن يفسد عليه، وذلك بإثارته، والتشغيب عليه، وجره إلى شبهات ينهزم أمامها في أول جولة، إن لم تتزعزع ثوابته، وتختلط عليه الأمور، وقد رأينا شيئًا من هذا في مناسبات متعددة. ولذلك ينبغي على الداعية أن ينظر في ما كتب استقلالا في أصول الجدل والمناظرة، وما تضمنته كتب أصول الفقه من شروط وآداب الجدل والمناظرة، وأن يتدرب على ذلك، وألا يدخل الماء إلا وهو يحسن السباحة. وأيضا قد يكون من المناسب والمفيد أن يطلع على الأجوبة المسكتة، في مناظرات الأئمة، خاصة في أبواب الاعتقاد؛ ليعتاد على مثلها، ولتكون حاضرة إذا ورد عليه شبيهها ومثلها. ومن أجمل ما وقفت عليه من المناظرات والتي تمثل قواعد المحاورة الصحيحة وكيفية المحاجة ومعرفة تراتيب الأشياء والاستدلال بنصوص الوحيين ما حصل في فتنة القول بخلق القرآن، فقد ذكر صالح بن علي الهاشمي قال: " حضرت يوما من الأيام جلوس المهتدي للمظالم، فرأيت

стр. 120

من سهولة الوصول إليه ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي فيما يتظلم به إليه ما استحسنته، فأقبلت أرمقه ببصري إذا نظر في القصص، فإذا رفع طرفه إلي أطرقت، فكأنه علم ما في نفسي، قال لي: يا صالح، أحسب أن في نفسك شيئا تحب أن تذكره، قال: فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأمسك، فلما فرغ من جلوسه أمر ألا أبرح ونهض، فجلست جلوسا طويلا، فقمت إليه وهو على حصير الصلاة، فقال لي: يا صالح، أتحدثني بما في نفسك أم أحدثك به؟ فقلت: بل هو من أمير المؤمنين أحسن، فقال: كأني بك وقد استحسنت ما رأيت من مجلسنا، فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول بقول أبيه من القول بخلق القرآن! فقلت: نعم. فقال: قد كنت على ذلك برهة من الدهر، حتى أقدم على الواثق شيخ من أهل الفقه والحديث من أذنه من الثغر الشامي مقيد طوال حسن الشيبة، فسلم غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في حماليق عيني الواثق والرحمة عليه. فقال: يا شيخ، أجب أبا عبد الله أحمد بن أبي دؤاد عما يسألك عنه. فقال: يا أمير المؤمنين، أحمد يصغر ويضعف ويقل عند المناظرة. فرأيت الواثق وقد صار مكان الرحمة عليه والرقة له غضبا، فقال: أبو عبد الله يصغر ويضعف ويقل عند مناظرتك؟ ! فقال: هون عليك يا أمير المؤمنين، أتأذن في كلامه؟ فقال له الواثق: قد أذنت لك. فأقبل الشيخ على أحمد، فقال: يا أحمد، إلام دعوت الناس؟ فقال أحمد: إلى القول بخلق القرآن، قال له الشيخ: مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها من القول بخلق القرآن أداخلة في الدين فلا يكون الدين تاما إلا بالقول بها؟ قال: نعم، قال الشيخ: فرسول الله ﷺ دعا الناس إليها أم تركهم؟ ؛ قال: تركهم، قال له: فعلمها أم لم يعلمها؟ قال: علمها، قال: فلم دعوت الناس إلى ما لم يدعهم رسول الله ﷺ وتركهم منه؟ فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه واحدة. ثم قال له: أخبرني يا أحمد، قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فقلت أنت: إن الدين لا يكون تاما إلا

стр. 121

بمقالتك بخلق القرآن، فالله أصدق في تمامه وكماله أم أنت في نقصانك؟ ! فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، وهذه ثانية. ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا أحمد، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها فيما بلغه رسول الله ﷺ إلى الأمة أم لا؟ فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، وهذه ثالثة. ثم قال له بعد ساعة: أخبرني يا أحمد لما علم رسول الله ﷺ مقالتك هذه التي دعوت الناس إلى القول بها اتسع له أن أمسك عنهم أم لا؟ قال أحمد: بل اتسع له ذلك، فقال الشيخ: وكذلك لأبي بكر، وكذلك لعمر، وكذلك لعثمان، وكذلك لعلي رحمة الله عليهم؟ قال: نعم. فصرف وجهه إلى الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين، إذا لم يتسع لنا من اتسع لرسول الله ﷺ ولأصحابه فلا وسع الله علينا، فقال الواثق: نعم، لا وسع الله علينا إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله ﷺ ولأصحابه. ثم قال الواثق: اقطعوا قيوده، فلما فكت جاذب عليها، فقال الواثق: دعوه، ثم قال: يا شيخ، لم جاذبت عليها؟ قال: لأني عقدت في نيتي أن أجاذب عليها، فإذا أخذتها أوصيت أن تجعل بين بدني وكفني حتى أقول: يا ربي، سل عبدك: لم قيدني ظلما وأراع بي أهلي؟ فبكى الواثق وبكى الشيخ وكل من حضر. ثم قال له الواثق: يا شيخ، اجعلني في حل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حل إعظاما لرسول الله ﷺ ، ولقرابتك منه. فتهلل وجه الواثق وسر، ثم قال له: أقم عندي آنس بك، فقال له: مكاني في ذلك الثغر أنفع، وأنا شيخ كبير، ولي حاجة، قال: سل ما بدا لك، قال: يأذن أمير المؤمنين في الرجوع إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم، قال: قد أذنت لك، وأمر له بجائزة فلم يقبلها.

стр. 122

فرجعت من ذلك الوقت عن تلك المقالة، وأحسب أيضا أن الواثق رجع عنها " (١) .

стр. 123

[خلاصة نفيسة للعلامة السعدي] خلاصة نفيسة للعلامة السعدي: إن البصيرة في حال المدعوين تكون في معاملة " كل أحد على حسب حاله وفهمه، وقبوله وانقياده، ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل، والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة وإلا فينتقل معه إلى الدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها، وإما ذكر إكرام من قام بدين الله، وإهانة من لم يقم به، وإما بذكر ما أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل، وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل، فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق، أو كان داعية إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا، ومن ذلك: الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وألا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة، تذهب بمقصودها ولا تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها " (١) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " ومن الحكمة إيضاح المعنى وبيانه بالأساليب المؤثرة التي يفهمها المدعو، وبلغته التي يفهمها

стр. 124

حتى لا تبقى عنده شبهة، وحتى لا يخفى عليه الحق بسبب عدم البيان، أو بسبب عدم إقناعه بلغته، أو بسبب عرض بعض الأدلة، وعدم بيان المرجح، فإذا كان هناك ما يوجب الموعظة وعظ وذكر بالآيات الزواجر، والأحاديث التي فيها الترغيب والترهيب، حتى ينتبه المدعو، ويرق قلبه، وينقاد للحق، فالمقام قد يحتاج فيه المدعو إلى موعظة وترغيب وترهيب على حسب حاله، وقد يكون مستعدا لقبول الحق، فعند أقل تنبيه يقبل الحق، وتكفيه الحكمة، وقد يكون عنده بعض التمنع وبعض الإعراض فيحتاج إلى وعظه، وإلى توجيه، وإلى ذكر آيات الزجر " (١) .

стр. 125

[فصل في تأثير القدوة الصالحة على الناس] [الدعوة بالعمل قبل القول] فصل في تأثير القدوة الصالحة على الناس أحببت أن أختم هذه الرسالة بأمر هام وهو أن أعظم أسلوب يقوم به الداعية إلى الله تعالى هو امتثاله الإسلام، وتطبيقه السنة، فما يحمله الداعية من أخلاق المسلم الحق كفيلة بإذن الله تعالى أن يأسر القلوب الشاردة في أودية الضلال، وأن يكون محل الاحترام والتقدير والقبول لدى الصغير والكبير، فدليل الفعل أرشد من دليل القول، ولذلك لما أرادت قريش أن تطعن بالرسول ﷺ ، اختلقت كل خلق مشين لإلصاقه به، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلًا، ولم يصدقهم الناس، وذلك لظهور الأخلاق العظيمة، وجريان الآداب الفاضلة على جوارحه، جريان الماء الرقراق في الجداول النقية، وقد قيل: ما تخفيه السريرة يظهر على السيرة. ولهذا فإن من أبلغ وسائل التأثير على الناس هو القدوة الحسنة؛ فالنفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه، ولا ينتفع به؛ ولأجل هذه النفرة قال شعيب ﵇ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] (١) . فكم من داعية أثر على الناس بعلمه وبحاله من دون أن يعظهم ويذكرهم، فسيرته تستنطق الأفواه بالتسبيح، وكم من أمم دخلت في دين الإسلام بسبب القدوة الصالحة، والتاريخ خيرُ شاهد.

стр. 126

قال بعضهم: ليس الحكيم الذي يلقنك الحكمة تلقينا، وإنما الحكيم الذي يعمل العمل فتقتدي به. قال عدي: ونفسك فاحفظها من الغي والردى ... متى تغوها تُغوِ الذي بك يقتدي فلا يمكن بحال أن يكون الواعظ مقبولا عند شخص يعظه وينهاه عن الغيبة أو النميمة، أو الكذب مثلا، وهو واقع فيها، منغمس في بحرها. الدعوة بالعمل قبل القول: يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " ومن الأخلاق والأوصاف التي ينبغي بل يجب أن يكون عليها الداعية العمل بدعوته، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عن شيء ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين، نعوذ بالله من ذلك، أما المؤمنون الرابحون فهم دعاة الحق، يعملون به وينشطون فيه ويسارعون إليه، ويبتعدون عما ينهون عنه، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] (١) . هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله ينبغي أن يكون ذا عمل صالح، يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضا، ولهذا قال بعده: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣] فهو داعية إلى الله باللسان، وداعية بالعمل، ولا أحسن قولا من هذا الصنف من الناس هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، وهم يوجهون الناس بالأقوال والأعمال، فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم، وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى الله بالأقوال والأعمال، والسيرة. . . وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال ولا سيما العامة، وأرباب العلوم القاصرة؛ فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأفعال الصالحة ما لا ينتفعون من

стр. 127

الأقوال التي قد لا يفهمونها، فالداعي إلى الله من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة، وذا عمل صالح، وذا خلق فاضل، حتى يُقتدي بفعاله وأقواله " (١) . ومما يفيد في هذا المعنى: أن رجلا جاء إلى ابن عباس، فقال إني أريد أن أعظ، فقال: أوبلغت ذلك؟ ! إن لم تخش أن تفضح بثلاث آيات من كتاب الله تعالى فافعل، قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] (٢) . وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] (٣) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] (٤) . أحكمت هذه الآيات؛ قال: لا، قال:: فابدأ إذا بنفسك. وقال بعض السلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنهي، فإذا أمرت بشيء فكن أول الفاعلين له، والمؤتمرين به، وإذا نهيت عن شيء فكن أول المنتهين عنه. وقد قيل: يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام من الضنى ... ومن الضنى تمسي وأنت سقيم لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم

стр. 128

مع أنه لا يعني بالضرورة ألا يمتثل الناس إلا ممن يعمل بعلمه، أو كان مطبقا للمأمور، مجتنبا للمنهي عنه، لكن هذا من دواعي القبول، وسرعة التأثير. قال بعض أهل العلم: لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تعملوا بأحسن ما تسمعون منا. وقال بعضهم: لا تنظر إلى عمل العالم ولكن اسأله يصدقك. ووقف رجلٌ - يظهر أنه حاسد - على ابن عيينة وهو يعظ الناس فأنشد: وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو مريض فأنشده ابن عيينة: اعمل بعلمي وإن قصرتُ في عملي ... ينفعك علمي ولا يضرُرْك تقصيري والمستقرئ لكتب السنَّة يجد كيف كشفت لنا سيرة الرسول ﷺ التطبيق النموذجي لتأثيره على الناس، من خلال الخلق العظيم والأدب السامي الذي كان يتصف به ﷺ ، فكان يزور الناس، ويغشاهم في أسواقهم ومجامعهم، وكان يكلمهم ويدعوهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وكان يستقبل الوفود، ويعفو عمن ظلمه، ويحلم على من أساء إليه، وكان دائم الذكر والفكر، وغيرها كثير، مما يجعلنا نُفعِّل هذا الجانب، ونُعْمِله في واقع دعوتنا. [كلمة جامعة عن آداب الداعية] كلمة جامعة عن آداب الداعية: فينبغي على الداعية أن يكون صالحا في نفسه بأن يكون تقيًّا، ورعا، زاهدا، صادقا، مراقبًا، مؤديا الفرائض والأركان والنوافل، متتبعا السنة، يشهد الجمعة والجماعة، تاليا للقرآن، ممتثلا معنى العبودية لله تعالى، مصاحبا للأخيار، مجتنبًا الأشرار.

стр. 129

وأن يكون بارا بوالديه، وبرهما خفض الجناح، ولين الكلام، وألا ينظر إليهما إلا بعين المحبة والإجلال والتقدير، ولا يعلو عليهما في مقال ولا حال؛ إلا أن يريد إسماعهما، ويبسط أيديهما في نعمته، ولا يستأثر عليهما في مطعمه ولا مشربه، ولا يتقدم أباه إذا مشى معه، ولا يتقدمه في القول في مجلسه، ويتوقى سخطهما بجهده، ويسعى في مسرتهما بمبلغ طاقته، وإدخال الفرح عليهما من أفضل أعمال البر. وعليه أن يمتثل الآداب الشرعية والأخلاق الإسلامية من إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وعيادة المريض، وشهود الجنازة، وأن يدل على الخير، ويرشد إليه، وأن يتعاهد النصح للناس، وأن ييسر ولا يعسر، وعليه أن يعتزل شرور الناس، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وأن يحسن الظن، ولا يتجسس، ولا يغتاب، ولا ينم، ولا يكذب، ولا يظلم، ولا يبهت، ولا يسخر من أحد، ويجتنب قول الزور، ولا يغش، ولا يخدع، ولا يغدر، ولا يخلف في الوعد، وليحذر من الجدال والمراء والمزاح الذي فيه كذب، أو أذية لأحد، وعليه أن يتواضع ولا يتكبر، ويحلم ويعفو، ولا يظلم ويحمق، وأن يجل الكبير، ويعطف على الصغير، ويسعى بالصلح بين المسلمين، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتجنب ما يقدح في المروءة، ولو كان من المباحات. وعليه أن يتعاهد نظافته ومظهره، فلا يجعل الناس يروا أو يشموا منه ما ينفرهم عنه، ويتعاهد السنة في ذلك من نتف الإبطين، أو حلقهما، ويقص شاربه حتى يبدو الإطار، ويقلم أظفاره، وأن يكون طاهر الفم على الدوام، فيستعمل السواك، أو ما يقوم مقامه، والسواك أفضل؛ لأنه مطهرة للفم، مرضاة للرب. وعليه أن يتأدب بآداب الإسلام مع الآخرين، فيحسن إلى جيرانه، ويكرم ضيفه، وينصر أخاه ظالما أو مظلوما، وإذا دخل مجلسا فليظهر التواضع الذي عليه المسلم، فيجلس حيث تناهى به المجلس، ولا يفرق بين متصافيين، أو أب وابن، أو أخوين، إلا أن يفسحا له، وإذا أكل أو

стр. 130

شرب فليأكل بيمينه، وليشرب بيمينه، ولا يأكل ولا يشرب بشماله؛ إلا من عذر أو ضرورة، وإذا أكل فليأكل مما يليه، إن كان الطعام جنسا واحدا، وأما إن كان مختلفا فلا بأس أن تجول يده في الصحفة، ولا يجوز له إذا أكل مع غيره أن يقرن بين تمرتين، ولا تينتين ونحو ذلك، وحق الطعام أن يسمي الله ﵎ آكله عند ابتدائه، ويحمده عند فراغه، ويبدأ باليمنى في الانتعال أيضا، وكان رسول الله ﷺ يحب التيامن في أمره كله. وينبغي عليه التقيد بجميع آداب الإسلام، فإذا تثاءب فيكظم ما استطاع، ويضع يده على فيه، وإذا عطس فليغض من صوته ما أمكنه، ويعلن بعدها حمده لله تعالى، ويُسمع من يليه، فإذا قال له من سمعه: يرحمك الله فليرد عليه بـ: يهديكم الله ويصلح بالكم كما ورد. ومن حسن الأدب إذا تجشأ أن يخفي صوته ما استطاع، ويكره له أن يتناجى مع آخر ومعهما ثالث، وغيرها من الآداب التي لا تخفى.

стр. 131

[خلاصة] خلاصة إن البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى في كل ما تقدم من المسائل التي طرحت أثناء هذه الرسالة، تثمر النتائج التالية: أولا: تحقيق الشخصية الصحيحة للداعية إلى الله تعالى، والذي يتحمل أعباء تبليغ الدين، وذلك بما يحمله من علم يؤهله للاستمرار والبقاء. ثانيًا: الأمان - بإذن الله - على الدعاة من أن تزل أقدامهم، أو يسقطوا أمام شبه المناوئين لهذا الدين، متى ما حملوا لواء العلم، وتبصروا فيه. ثالثا: كسب أكبر قدر ممكن من الناس الذين هداهم الله تعالى وذلك عن طريق قنوات متعددة، ووسائل شرعية متنوعة، يُعملها الدعاة في واقع دعوتهم. رابعا: إقامة مجتمع رباني قائم على توحيد الله تعالى، وتجريد المتابعة للنبي ﷺ ، واتباع السلف الصالح، وذلك بفضل الدعوة الصحيحة القائمة على المنهاج النبوي في ترتيب الأولويات، والبدء بالمهمات. خامسا: الحصول على عدد ليس بالقليل من الدعاة الراسخين، والذين يقودون الأمة إلى بر الأمان ممن لا تستفزهم البدايات، ولا يُحكمون العواطف في قضايا الأمة المصيرية، من خلال ضبطهم لقواعد الدين، وتحكيمهم العلم المؤصل في النوازل والحوادث والمستجدات.

стр. 132

سادسا: ضمان تحقيق قدر كبير من الاجتماع والائتلاف بين الأمة، وذلك بإعمال الدعاة المتبصرين لوسائل الاجتماع، وحسم ذرائع الافتراق وتبصير الأمة بها.