يعمل، وإما ألا يعترف به، فهذا يجادل بالتي هي أحسن؛ لأن الجدال فيه مظنة الإغضاب، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل " (١) .
ولنشرع في ذكر ذلك على سبيل التفصيل:
стр. 72
[فصل الدعوة إلى الله بالحكمة]
[المعنى اللغوي للحكمة]
فصل
الدعوة إلى الله بالحكمة المعنى اللغوي للحكمة: ذُكرت الحكمة في نصوص الكتاب والسنة، وتطلق ويراد بها معان عديدة، فتطلق ويراد بها العلم، والفقه في الدين، والسُّنة، والعقل، والورع، وأشياء أخرى، قال القرطبي ﵀: " وهذه الأقوال كلها قريبة بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الحبس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه ﷺ حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل حكمة " (١) .
وفي تعريفات اللغويين نجدهم حينما يعرفون الحكمة يرجعونها إلى أصلها اللغوي، وهي (٢) حَكَمة اللجام، وهي الحديدة التي تحيط بحنكي الدابة، والغرض منها منع الدابة من الجري الشديد، والمتأمل في هذا يجد أن هناك ارتباطا وثيقًا بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ فكأن صاحب الحكمة يمنع نفسه من أن تطوح به بعيدا، ويلجمها بهذه الحكمة، فتأخذ أسهل الطريق وأصوبه (٣) .
стр. 73
ولذلك يعرفون الحكيم بأنه: المتقن للأمور، المانع من الفساد (١) .
فنفعه متعد، فهو صالح في نفسه مصلحٌ لغيره.
[المراد من الحكمة في باب الدعوة]
المراد من الحكمة في باب الدعوة: إذا الحكمة كلمة عظيمة، وهي من الألفاظ المشتركة كما تبين تعريفها مما سبق، ويبقى التعريف المناسب لها في المجال الدعوي الذي نحن بصدده، وفي الحقيقة لم أجد أبلغ من تعريف ابن القيم ﵀ لها حيث ذكر بأنها: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي (٢) .
وأما معناها في هذه الآية فيراد منها الأدلة المقنعة الواضحة والكاشفة للحق والداحضة للباطل من الكتاب والسنَّة، والطرق الصحيحة الموصلة لهذه الأدلة من الكتاب والسنة، واستخدام الوسائل والأساليب المشروعة في الدعوة إلى الله تعالى، وذلك لدلالة سياق النص عليها، وأنها جاءت في معرض الدعوة إلى الله تعالى.
[معاني الحكمة في القرآن الكريم]
معاني الحكمة في القرآن الكريم: ويذكر ابن القيم ﵀ أنواع الحكمة الواردة في القرآن فيقول: " إن الحكمة في كتاب الله نوعان: مفردة، ومقرونة بالكتاب، فالمفردة كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٣) وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (٤) .
وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] (٥) . . .
стр. 74
أما الحكمة المقرونة بالكتاب فهي السنة من أقوال النبي ﷺ ، وأفعاله، وتقريراته، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] (١)(٢) .
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١] (٣) .
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] (٤) .
ونقل عن الشافعي ﵀ وغيره من الأئمة تفسيرهم للحكمة هنا بمعنى السنَّة (٥) .
والداعية إلى الله تعالى يحتاج إلى الحكمة في بيان أصول الدين وفروعه، وفي طريقة التبليغ، وأسلوب الأداء، وأستطيع الجزم بأن من لم يؤطر دعوته بالحكمة ويجعلها منطلقا له في جميع أموره ومواقفه فإن الفشل حليفه لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (٦) .
стр. 75
[فصل في أركان الحكمة]
[الركن الأول العلم]
فصل
في أركان الحكمة يذكر كثير من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل التحقيق والنظر أن الحكمة لها أركان ثلاثة لا بد من توافرها، فهي عمادها وأسها، وهذه الأركان هي: العلم، والحلم، والأناة.
الركن الأول: العلم: فالمقصود به العلم النافع، وقد ذكرت جملة من النصوص والآثار بخصوصه في أول الرسالة، ويذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى تقسيم العلم النافع إلى ثلاثة أقسام (١) .
الأول: العلم بالله وأسمائه وصفاته، مثل سورة الإخلاص، وآية الكرسي، ونحوها.
الثاني: العلم بما أخبر به مما كان وما يكون وما هو كائن، مثل القصص، والوعد والوعيد.
الثالث: العلم بما أمر الله به من العبادة الظاهرة، والباطنة، مثل العلم بأصول الإيمان، وقواعد الإسلام، والأحكام الفقهية، ونحوها من علوم الدين. اهـ.
стр. 76
[الركن الثاني الحلم]
الركن الثاني: الحلم: وأما الحلم: فهو أيضا أحد أركان الحكمة، ويعرفه العلماء بأنه ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب (١) .
وقد جاء الثناء على صفة الحلم، وعلى المتصفين به في الكتاب والسنة كثيرا، وقد أثنى الله تعالى على عبده وخليله إبراهيم ﵇ بالحلم فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] (٢) .
وقال تعالى لخاتم رسله ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٣) .
وقال تعالى في وصف الصالحين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (٤) .
وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] (٥) .
وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٦) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: «قال رسول الله ﷺ لأشج عبد قيس لما وفد عليه مع قومه: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (٧) .
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (٨) .
стр. 77
وعنها أيضا ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (١) .
وقد جعل النبي ﷺ من لا يتصف بالرفق محروما من الخير، فعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» (٢) .
فالحلم إذا هو: تجرع الغيظ هنا وهو دعامة العقل، وعلامة على علو الهمة، وثقة النفس، فلا يحركها الغضب بسرعة، فتجد الحليم من أوسع الناس صدرا، وألينهم عريكة، وأشدهم ثباتا، وأقواهم جنانا، لا تستفزه بداءات الأمور، وينظر إلى عواقبها ومآلاتها، ولذلك من يفتقد هذه الخلة قد يفسد أكثر مما يصلح (٣) .
قيل لعمر بن الأهتم: من أشجع الناس؟ قال: من رد جهله حلمُه.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، ومروءته خلقه.
وقال الحسن البصري: ما استودع الله أحدا عقلا إلا استنقذه به يوما ما.
وقال بعض الأدباء: صديقُ كل امرئ عقله، وعدوه جهله.
[الركن الثالث الأناة]
الركن الثالث: الأناة: وأما الأناة: فهي التثبت وعدم العجلة، سئل علي بن أبي طالب ﵁ عن الحلم والأناة، فقال: توأمان ينتجهما علو الهمة.
وقد ورد النهي عن العجلة في نصوص الكتاب والسنة، وفي أقوال السلف، والحكماء، والشعراء، والمقصود بالعجلة في غير أمور الآخرة.
стр. 78
قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ - إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ - فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ - ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] (١) .
فأمره سبحانه بعدم العجلة، وذلك بمسابقة المَلَك في قراءته، وتكفل له أن يجمع له القرآن في صدره، وأن ييسر له بيانه.
وقال : ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (٢) .
وبين تعالى أن العجلة من طبع الإنسان؛ لتنبيهه على ضرورة التعامل بضدها، فقال : ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] (٣) .
وأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتأني في جميع الأمور، والتثبت منها، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] (٤) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] (٥) .
فنلحظ مما سبق أن أركان الحكمة بينها ارتباط وثيق، وأنها كالقلب والجناحين للطائر.
فالعلم هو القلب، والحلم والأناة هما الجناحان.
стр. 79
ولا يمكن للطائر أن يطير إلا بهما، وهكذا الداعية في دعوته.
ويأتي العمل بالحكمة في الدعوة إلى الله تعالى على صور شتى، وذلك على حسب نوعية العمل الذي يقوم به الداعية، ولنأخذ بعض التطبيقات على ذلك.
стр. 80
[فصل تطبيقات الحكمة في أبواب التعليم والفتوى وغيرهما]
[المسألة الأولى الحكمة في باب التعليم]
[اختيار المتعلم]
فصل
تطبيقات الحكمة في
أبواب التعليم والفتوى وغيرهما وأذكر في هذا الفصل المسائل التالية:
المسألة الأولى: الحكمة في باب التعليم: ينبغي على الداعية إلى الله تعالى، أن يكون بصيرا بأحوال المتعلمين، عارفا بهم، مقدما لهم ما يصلحهم وينفعهم، مربيًا لهم على المنهاج الصحيح في التعليم، مؤدبا لهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (١) قال ابن عباس ﵄: الرباني: هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره اقتداءً بالرب في تيسير الأمور (٢) .
وقد ذكر أهل العلم جملة من الآداب التي ينبغي أن يكون عليها المُعلم مع المتعلمين، وهي من الحكمة في التعليم وذلك لدقتها، ولكونها أكثر نفعا وفائدة من تركها أو التخلي عنها، ولأجل هذا يوصف من يحسنها من أهل العلم، بالفطن، والكيِّس، واللوذعي، والحكيم، ومن ذلك:
стр. 81
١ - اختيار المتعلم: فمن البصيرة في هذا الباب احترام هذا العلم وعدم ابتذاله، فالداعية مع المتعلمين كالطبيب الحاذق، يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع، ولذلك كان أهل العلم يوصون بألا يُعلَّم من لا يستحق العلم، كما أنه لا يحرم من يستحقه إجلالًا لهذا العلم وتعظيما له.
يقول الشافعي ﵀:
ومن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
وقد قيل: ما كل تريبةٍ تحتمل القلائد، ولا كل ضريبةٍ تستحق الفوائد.
قيل لأبي سنان ﵀: تموت وتدخل علمك معك القبر! فقال: ذاك أحب إلي من أن أجعله في إناء سوء.
فعلى الداعية أن يكون حكيما في هذا الأمر، ولا يعطي العلم إلا من يستحقه، وليحذر من تعليم أهل الأهواء والبدع، وأهل الفسق والمجون، فإن مفاسد تعليمهم عظيمة، ومخاطرها جسيمة، وليتخير لعلمه.
[اختيار الفن المناسب للمتعلم]
٢ - اختيار الفن المناسب للمتعلم: فمن الحكمة أن يلتصق المعلمُ بالطالب، وأن يختار له الفن المناسب، وذلك بعد الاجتهاد في حاله، ومعرفة ما يحسنه، أو يكون الأنسب له.
فكثير من العلماء وطلاب العلم بعيدون عن طلابهم، غير سابرين لأغوار نفوسهم، ولا لمدى قدراتهم واستيعابهم، وقد يكون هذا الطالب من الحريصين على التعلم، ما يجعله لا يكاد يغيب يوما واحدا عن الدرس، لكنه لو كان في فن آخر كان خيرا له، فكان مما يوصى به العلماء تفقد الطلبة، والقرب منهم.
قيل: إن يونس كان يختلف إلى الخليل يتعلم منه العروض، فصعب
стр. 82
عليه تعلمه، فقال له الخليل يوما: من أي بحر قول الشاعر:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
ففطن يونس لما عناه الخليل فترك العروض.
وكانوا يقولون: لكل تُربة غرس، ولكل بناء أُس.
[من الحكمة جعلهم يتفاعلون معه]
٣ - من الحكمة جعلهم يتفاعلون معه: يُقال: نشاط المحدث على قدر فهم المستمع، ولذلك يوجد من المُعلمين من لا يبالي بوضع طلابه، أو من يحضر درسه، فقد يصحو الطالب بعد انتهاء المعلم من درسه إثر نوم عميق، وسبات طويل، ولا يتنبه لذلك المعلم، فالفتور الذي يحصل في الدرس غالبا ما يكون على نوعين:
أ- فتور عام من غالب الحاضرين؛ فينبغي والحالة هذه محاولة إزالة ما يمكن أن يكون سببا في ذلك؛ كحر أو برد شديدين، أو ارتفاع صوت مكبرات الصوت (المايكروفون) أو انخفاضه بحيث لا يصلهم صوت المعلم، أو غير ذلك من الأشياء الظاهرة.
فإن لم يكن ثمة سبب واضح، حاول المعلم أن يلطف الجو التعليمي باستطراد غير ممل، يخرجهم فيه عن الرتابة، أو يشوقهم بقصة ما، أو يطرح سؤالا ما، أو يطلب من أحدهم عمل شيء معين، فإن لم ينفع شيء من هذا كله، فعليه أن يمسك عن الحديث، ويختم الدرس، حفاظًا على قيمة العلم، وإبقاء لمودة المتعلمين له.
قال بعضهم: إن للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن مقدار الاحتمال دعا إلى الاستثقال والكلال.
قال بعض أهل العلم: كنا مرة عند بعض إخواننا، فتكلم وأعجبه من نفسه البيان، وحسن الاستماع حتى أفرط، فعرض لبعض من حضر ملل، فقال: إذا بارك الله في الشيء لم يفْنَ، وقد جعل الله في حديث أخينا البركة.
стр. 83
ب- فتور خاص، فإذا أنكر المعلم عين السامع، أو وجده كثير الحركة والتململ، حاول استفهامه عن معنى حديثه، وماذا قال، فإن وجده قد أخلص له الاستماع شكره وأثنى عليه، وإن كان لاهيا عنه نبهه، وعرفه بسوء الاستماع والتقصير في حق المتحدث.
ولقد كان شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ يستعمل هذا الأسلوب مع الطلبة والحضور، بل يستعمله في المحاضرات العامة، فقد يكون مقدم المحاضرة مشغولا عنه، فإذا رأى انصرافه عن المحاضرة طرح عليه سؤالًا مما تقدم من قوله، ليرده إلى روضة العلم، ولينبهه إلى ضرورة الانتباه.
[من الحكمة كتمان بعض العلم للحاجة]
٤ - من الحكمة كتمان بعض العلم للحاجة: فمن الحكمة في أبواب العلم: كتمان العلم الذي قد يساء فهمه أو لا يحسن ذكره بحضور العامة، التي لا تتحمله عقولهم، أو قد يفتح بابا من التساهل وعدم المبالاة، فتقود إلى ما لا تحسن عقباه، ولذلك في حديث معاذ العظيم، والذي بين فيه النبي ﷺ «حق العباد على الله، وحق الله على العباد، وما لهم من الجزاء إن هم فعلوا ذلك، قال معاذ: أفلا أبشر الناس؟ قال: لا، فيتكلوا» ، وقد بوب البخاري في " صحيحه " بابا أسماه: باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا (١) .
وعن قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدري ﵁ وهو مكثور عليه، أي: عنده ناس كثيرون، فلما تفرق الناس عنه قلت: أسألك عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقال: ما لك في ذلك من خير، فأعاد عليه فأجابه، وذكر الحديث.
قال النووي: معناه: أنك لا تستطيع الإتيان بمثلها، وإن تكلفت ذلك شق عليك ولم تحصله، فتكون قد علمت السنة وتركتها (٢) .
стр. 84
وقال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله؟ (١) .
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة (٢) .
قال ابن حجر ﵀: " وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم في حديث الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب " (٣) .
قال المروذي ﵀: سألت أبا عبد الله عن شيء من أمر العدل، فقال: لا تسأل عن هذا فإنك لا تدركه.
قال ابن عقيل ﵀: حرام على عالم قوي الجوهر أدرك بجوهريته وصفاء نحيزته (٤) علما أطاقه، فحمله أن يرشج به إلى ضعيف لا يحمله، ولا يحتمله، فإنه يفسده.
وقال ابن الجوزي ﵀: ولا ينبغي أن يُملي ما لا يحتمله عقول العوام.
وقال النضر بن شميل ﵀: سئل الخليل عن مسألة، فأبطأ بالجواب فيها، قال: فقلت: ما في هذه المسألة كل هذا النظر؟ قال:
стр. 85
فرغت من المسألة وجوابها، ولكني أريد أن أجيبك جوابا يكون أسرع إلى فهمك.
وقال الربيع ﵀: سمعت الشافعي يقول: لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه، لكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمه.
فينبغي على الداعية الفطن أن يسالم العوام بالموعظة، وإياه والمشتبهات والغرائب، وما لا تحتمله عقولهم.
[اختيار الوقت المناسب]
٥ - اختيار الوقت المناسب: فإن من الحكمة تحري الوقت المناسب للدرس، حتى تنشط همم الطلبة، وتقوى عزائمهم، ولا يمل السامعون عن الاستماع للحق خاصة مثل زماننا الذي فترت فيه الهمم، وضعفت العزائم، ومات الطموح، وحل الكسل والخمول، فأصبح العلماء الكبار يعرضون على الطلبة وقت الدرس، ونوعية الفن، ومع ذلك تجد الكثير ينتقي ما يشاء هو، ويرد على الشيخ بكل خشونة وجلافة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولو عاش هؤلاء العلماء في زمن من مضى لضربت إليهم آباط الإبل، ولعقدت عندهم الخناصر، ولتقاتل الناس على مجالسهم.
[استعمال وسائل للتفهيم وتقنيات التعليم]
٦ - استعمال وسائل للتفهيم، وتقنيات التعليم: والمقصود أن يقوم الداعية إلى الله تعالى بتطبيق الشيء الذي يدعو إليه عمليا، أو استخدام وسائل أخرى للتعليم والتفهيم.
مثل تطبيق الوضوء أو الصلاة عمليا أمام الناس لتعليمهم، ومثل استخدام بعض الأجهزة الحديثة التي تساعد على الشرح، مثل: جهاز التلفاز، أو الفيديو، أو ما يسمى بـ " البرجكتور "، وغيرها مما يمكن استعماله.
فإن هذه الوسائل لها أصل مشروع، وفيها فوائد وعوائد كثيرة منها:
стр. 86
* أنها توفر على الداعية إلى الله تعالى الكثير من الكلام المجرد الذي يريد شرحه والإسهاب فيه.
* وأنها تجذب له انتباه المستمعين، وترسخ المعلومة المراد إيصالها إليهم.
* وأنها عامل حيوي في توضيح الفكرة بشكل أكبر من الكلام المجرد.
* وأنها ترسخ غالبا في ذهن المستمع وتنطبع في عقله أكثر من الكلام النظري.
[المسألة الثانية الحكمة في باب الفتوى]
[الزيادة على الجواب]
المسألة الثانية: الحكمة في باب الفتوى (١) .
١ - الزيادة على الجواب: إذا اعتقد الداعية أن السائل يحتاج إلى ذلك فلا بأس بالزيادة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، وليس معنا ماء، أفنتوضأ بماء البحر؟ قال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٢) .
وقد يكون من الحكمة عدم الزيادة، وذلك خشية عدم الفهم، أو الالتباس، أو النسيان.
[الإجابة عما فيه فائدة]
٢ - الإجابة عما فيه فائدة: فقد يكون السائل لا يحسن السؤال فيسأل عن شيء يريد فعله أو تركه، والعكس هو الصحيح؛ فينبغي على الداعية إرشاده إلى ما فيه نفعه وفائدته، وهذا أسلوب قرآني ومنهج نبوي، يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥] (٣) .
стр. 87
فالسؤال هنا عن جنس المنفَق، فعدل عنه في الجواب إلى ذكر المنفق عليه؛ لأنه أهم وأنه من الأولى أن يعتنى بالسؤال عنه.
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] (١) فالصحابة سألوا النبي ﷺ عن الهلال لِمَ يبدو صغيرا ثم لا يزال يتزايد حتى يكبر، فجاء الجواب الرباني بالعدول عن جوابه إلى ما هو أهم منه وأنفع في معرفة الأهلة، وكونها مواقيت للناس لعبادتهم وحجهم وحقوقهم وغيرها.
وفي السنة عن ابن عمر ﵄ قال: «سأل رجل النبي ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرنس» (٢) . فالرجل سأل عن الأشياء التي يلبسها المحرم فعدل الرسول ﷺ بالجواب إلى الأشياء التي لا يلبسها المحرم؛ لأن الأليق بالسائل السؤال عما يتركه فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وهذا الأسلوب يسميه بعض علماء المعاني الأسلوب الحكيم.
[حسم مادة الشر عند المستفتي]
٣ - حسم مادة الشر عند المستفتي: فقد يكون المستفتي ناويا الشر، عاقدا العزم عليه، وقد بدت علاماته عليه، ويريد مسوغا شرعيا لذلك، فمن الحكمة أن يجتهد الداعية في حاله، وألا يعطيه ما يريد، وقد روي أن رجلا جاء لابن عباس يسأله عن القاتل، هل له توبة؟ فقال: لا، فقيل لابن عباس في ذلك، فقال: رأيته يريد القتل، فخشيت أن يهلك (٣) .
стр. 88
[التمييز بين المستفتين]
٤ - التمييز بين المستفتين: فمن الحكمة الاجتهاد في أحوالهم في الأشياء التي يسوغ فيها الاجتهاد، فقد يُفتي للشيخ في أمر لا يُفتى به للشباب، فقد صح أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ يسأله عن القبلة للصائم فرخص له، وسأله آخر فلم يرخص له، فتبين أن الذي رخص له كان شيخا كبيرا، وأن الذي منعه كان شابا (١) .
ومن هذا النوع إتقان باب المفاضلات بين العبادات والأقوال والأشخاص وغيرهم، جنسا وقدرا، وتنقيح المناط في المستفتين، والاجتهاد في المسترشدين: " فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرف أسباب الفضل أولا، ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض، والموازنة بينها ثانيا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثا كثرة وقوة، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعا، فرب صفة هي كمال لشخص وليست كمالا لغيره، بل كمال غيره بسواها؛ فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه، وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا؛ فهذه أربعة مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل، وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص وأبعد من الهوى والغرض، وهاهنا نكتة خفية لا ينتبه لها إلا من بصره الله، وهي أن كثيرا ممن يتكلم في التفضيل يستشعر نسبته وتعلقه بمن يفضله ولو بعد ثم يأخذ في تقريظه وتفضيله، وتكون تلك النسبة والتعليق مهيجة له على التفضيل والمبالغة فيه، واستقصاء محاسن المفضل والإغضاء عما سواها، ويكون نظره في المفضل عليه بالعكس، ومن تأمل كلام أكثر الناس في هذا الباب رأى غالبه من هذا، وهذا منافٍ لطريقة العلم والعدل التي لا يقبل الله سواها ولا يرضى غيرها، ومن هذا تفضيل كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ كل منهم لمذهبه وطريقته أو شيخه، وكذلك الأنساب والقبائل والمدائن والحرف والصناعات، فإن كان الرجل ممن لا يشك في علمه وورعه خيف عليه من جهة أخرى،
стр. 89
وهو أن يشهد حظه نفعه المتعلق بتلك الجهة، ويغيب عن نفع غيره بسواها؛ لأن نفعه مشاهد له أقرب إليه من علمه بنفع غيره، فيفضل ما كان نفعه وحظه من جهته باعتبار شهوده وغيبته عن سواه " (١) .
٥ - النظر في المعتمد عند أهل البلد: درءا للفتنة، وتحقيقا للمصلحة، وقد مر الحديث عنه.
[المسألة الثالثة وسائل تأليف القلوب]
[الشفاعة لمن احتاج إليها]
المسألة الثالثة: وسائل تأليف القلوب: ومن الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى تأليف القلوب على الإسلام، وتقويتها على الإيمان والخير، وذلك ببذل ما يستطيعه الداعية بنظره الثاقب، وخبرته وحنكته من وسائل وأساليب لتأليف القلوب، ومن ذلك:
١ - الشفاعة لمن احتاج إليها: إن من أهم وسائل التأثير قضاء حوائج الناس، والشفاعة لهم عند ولاة الأمر وغيرهم من ذوي الحقوق.
وقد ورد في فضل الشفاعة نصوص كثيرة:
يقول تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] (٢) .
ومن السنَّة ما رواه أبو موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اشفعوا تؤجروا» (٣) .
فالإنسان أسير من أحسن إليه، والنفوس مجبولة على محبة من أسدى إليها معروفا.
стр. 90
ولقد كان الرسول ﷺ يشفع، ويحث على الشفاعة، فعن ابن عباس ﵄ قال: «كان زوج بريرة عبدا يقال له: مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي ﷺ للعباس: ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا؟ فقال النبي ﷺ : لو راجعتيه فإنه أبو ولدك، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: لا إنما أشفع، قالت: فلا حاجة لي فيه» (١) .
وجاء رجل إلى الحسن بن سهل يستشفع به في حاجة فقضاها فأقبل الرجل يشكره، فقال له الحسن بن سهل: علام تشكرنا ونحن نرى أن للجاه زكاة؟ وفي لفظ: ونحن نرى كتب الشفاعات زكاة مروآتنا، ثم أنشأ يقول:
فرضت علي زكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع ... فاجهد بوسعك كله أن تنفعا
وذكر عن هارون الرقي ﵀، أنه قد عاهد الله ألا يسأله أحد كتاب شفاعة إلا فعل، فجاءه رجل فأخبره أن ابنه قد أسر، وسأله أن يكتب إلى ملك الروم في إطلاقه، فقال له: ويحك! ومن أين يعرفني؟ وإذا سأل عني قيل: هو مسلم فكيف يقضي حقي؟ فقال له السائل: اذكر العهد مع الله تعالى، فكتب إلى ملك الروم، فلما قرأ الكتاب قال: من هذا الذي قد شفع إلينا؟ قيل: هذا رجل قد عاهد الله ألا يسأل كتاب شفاعة إلا كتبه إلى أي من كان، فقال ملك الروم: هذا حقيق بالإسعاف أطلقوا أسيره، واكتبوا جواب كتابه وقولوا له: اكتب بكل حاجة تعرض، فإنا نشفعك فيها.
قال الفزاري:
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
стр. 91
قيل لبعض الناس: أي الناس أحب إليك؟ قال: من أولاني معروفا، قيل: فإن لم يكن؟ قال: من أوليته معروفا.
وقيل: أكرم الناس من كثرت الأيادي إليه.
وكان أبو المظفر الخزاعي يلزم نفسه بقضاء حوائج الناس، ويرفعها إلى المتولي فيوقع عليها بقضائها، فقيل له مرة: أيها الشيخ ربما وقع ضجر من إنهائك ما تنهيه، فقال: أنا لا أزال أكتب، فإن قُضيت حاجة من كتبت فذلك الغرض، وإن لم تُقض فقد أعذرت، ولا أتأثر بذلك.
وجاء في ترجمة الإمام محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي أنه كثيرا ما كان يكتب إلى أرباب الولايات شفاعات لمن يقصده، فقال له المتولي يوما: إنك تكتب إلينا في قوم لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة، ونشتهي ألا نرد رقعتك، فقال: أما أنا فقد قضيت حاجة من قصدني، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا ورقتي وإلا فلا، فقال له: لا نردها أبدا.
ولقد كان سماحة شيخنا الوالد العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ أنموذجا رائعا في هذا الجانب، فمما اشتهر به ﵀ من الصفات والأخلاق الطيبة الزاكية شفاعته للناس، فما كان يرد أحدًا (١) .
[الهدية]
٢ - الهدية: فلقد حث النبي ﷺ على الهدية، وبين أنها سبب من أسباب التحاب، والتآلف، والتقارب؛ فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «تهادوا تحابوا» (٢) ولقد كان ﷺ يُهدي، ويقبل الهدية، ويكافئ عليها، فالهدية لها تأثير كبير على النفوس والقلوب.
стр. 92
قال بعضهم:
أتتنا هدايا منه أشبهن فضله ... ومن علي منعما ومتفضلا
ويحسن اختيار الظرف المناسب للهدية، حتى تكون أكثر وقعا على قلب المهدى إليه.
[عيادة المرضى والشاكين]
٣ - عيادة المرضى والشاكين: من حق المسلم على أخيه المسلم أن يعوده إذا مرض لغرض تأنيسه، وإدخال السرور عليه، وطمأنته، والتحدث إليه بما ينفعه، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حق المسلم على المسلم خمس. . . وذكر منها: وعيادة المريض» (١) .
وعلى الداعية إلى الله إذا زار أخاه المسلم أن يبشره بالبرء والكفارة، ويدعو له، ويجتهد في أن ينتقي له أطيب الكلام، مثل ما ورد: «لا بأس عليك طهور إن شاء الله» (٢) .
أو يقول له مثلا: جعل الله علتك ماحية لذنوبك، ومضاعفة لثوابك، والتقيد بالمأثور أولى.
وأيضا ينشطه على شرب الدواء، ويسهل له الأمر، ويفتح له باب الأمل، ثم يدخل عليه بعد ذلك بما يريد أن يعظه، مع الاجتهاد في الحال التي عليها المريض، وإذا كان كافرا دعاه برفق إلى الإسلام.
[الزيارة]
٤ - الزيارة: فإن للزيارة سحرا تصنعه في قلوب كثير من الناس خاصة العصاة والمذنبين، ولقد كان الرسول ﷺ يزور الناس في أنديتهم، وبيوتهم، وأماكن عملهم، بل كان يزور الكفار بغرض دعوتهم وهدايتهم.
стр. 93
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» (١) .
إن كثيرا من الأسر في زماننا قد فقدت السيطرة على أبنائها، بسبب التفلت، والخروج على التعاليم الشرعية، والآداب والأعراف المرعية، فيحتاج الوالدان في الغالب إلى طرف ثالث يعالج هذا الانحراف لدى الأبناء، وليس هناك أقدر على مثل هذا النوع من الداء من أطباء القلوب، وهم الدعاة إلى الله تعالى، فلا بأس بأن يبادر الداعية إلى الله فيعرض على الوالدين مساعدتهما، أو يلبي طلبهما إذا هما دعواه، أو يطلب منهما إحضار ولدهما، فإن مجرد تلبية رغبتهما فيه كسب عظيم لهما؛ فضلا عن توقع تأثر الولد بكلامه.
وأذكر في هذا المعنى قصة جميلة لتنشيط نفوس الدعاة الذين فترت هممهم في هذا الجانب، وأصبحت الزيارة في باب الدعوة والدعاة خاصة بفئة من الناس يعرفون بتجمع معين، وطريقة خاصة في الدعوة، تقوم على الوعظ والتذكير، وتخلو من العلم والتأصيل، مع أن أسلوب الزيارة منهج نبوي، وطريقة سلفية.
هذه القصة حدث بها إبراهيم بن سليمان الزيات قال: كنا عند سفيان الثوري، فجاءت امرأة فشكت ابنها وقالت: يا أبا عبد الله أجيئُك به تعظه؟ فقال: نعم، جيئي به، فجاءت به، فوعظه سفيان بما شاء الله، فانصرف الفتى، فعادت المرأة بعد ما شاء الله، فقالت: جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله، وذكرت بعض ما تحب من أمر ابنها، ثم جاءت بعد حين فقالت: يا أبا عبد الله ابني ما ينام الليل، ويصوم النهار، ولا يأكل ولا
стр. 94
يشرب فقال: ويحك مم ذاك؟ قالت: يطلب الحديث، فقال: احتسبيه عند الله (١) .
وزيارة الوجهاء وزعماء القبائل وكبار العوائل من أشد الأساليب تأثيرًا في نفوسهم، فإن أتباع هؤلاء لهم من المحبة في قلوبهم الشيء الذي ينبغي أن يستثمره الداعية في إيصال دعوته، كما فعله سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وكانا أشياخ قومهما، فقد دعا كل منهما قبيلته، فدخلوا جميعا في الإسلام في ليلة واحدة.
وقد جرب كثير من الدعاة في وقتنا معالجة بعض المخالفات الاجتماعية عن طريق زيارة مشايخ القبائل، وكبار الأسر، فكان لتلك الزيارات من التأثير السريع والنتيجة العجيبة الشيء الذي ينبغي استثماره والتأكيد عليه.
والناظر في سيرة النبي ﷺ يجد شيئا كثيرا من هذا.
[الإعانة المالية]
٥ - الإعانة المالية: الداعية إلى الله تعالى كالطبيب الماهر، يشخص المرض، ثم يعطي العلاج المناسب، فإذا علم الداعية إلى الله تعالى أن المدعو لا يرسخ الإيمان في قلبه إلا بالمال، فعليه أن يسارع إلى إعطائه، أو يسعى له عند من يعطيه إن لم يكن قادرا، وذلك لأجل تثبيته على الإسلام والإيمان.
وهذا منهج نبوي، فلقد كان الرسول ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان الأعرابي يرجع منه إلى قومه ويقول لهم: أيها الناس، أسلموا، فوالله إني جئتكم من رجل يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فتسلم القبيلة بأسرها.
ولقد كان ﵊ يتألف قلوب الضعفاء بالمال خشية أن يكبوا في النار، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال
стр. 95
النبي ﷺ : «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكب في النار على وجهه» (١) .
وهنا وقفة عظيمة مع قول الرسول ﷺ : «خشية أن يكب في النار على وجهه» وهي أن الرسول ﷺ حريص على دعوة الناس، وأنه لا يقصد بالإعطاء تكثير السواد، أو تجميعهم حوله، كما يصنع بعضهم ممن سيَّسوا الإسلام، فأصبحوا يدفعون الزكوات والصدقات لغرض كسب الأصوات في الانتخابات أو تكثير الأتباع وشراء ذممهم.
كلا إنما يعطيهم خشية أن يفتنوا فيذهب إيمانهم، فيكونوا من أهل النار.
стр. 96
[فصل الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة]
[العظة مسلك الأنبياء في الدعوة]
فصل
الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة يعرف العلماء الموعظة (١) بأنها كلام مصحوب بزجر، وقيل: هي النصح والتذكير بالعواقب، وقيل: هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.
فقد يكون عند بعض المدعوين شيء من الجفاء والإعراض والصدود، مع معرفته بالحق وعلمه به، فهذا يدعى بالموعظة الحسنة، والمتأمل في واقع الناس يجد أن هذا الصنف هو الغالب وذلك بسبب غلبة الشهوة على نفوسهم، من شهوة البطن، أو شهوة الفرج، وغيرها كثير، وإن كانت شهوة البطن وشهوة الفرج أصل كل شهوة، ولذلك تجد العصاة أكثر من المطيعين، والمنحرفين أكثر من المستقيمين، وذلك لاستحكام الشهوات من نفوسهم، وإطباقها على عقولهم وقلوبهم؛ فهذا الجنس من الناس يستخدم معه أسلوب الوعظ العام والخاص، من ذكر نصوص الترغيب والترهيب، على حسب المقام والحال، ومن التذكير بأيام الله، وما جرى للظالمين والعصاة والفاسقين، ويرغبون في الحق، ويبين لهم محاسنه وفضائله، حتى يتركوا ما ألفوه من باطل، فانتزاع ما ألفه الناس من باطل ليس بالأمر الهين، بل دونه مفاوز وعقبات، لا يجتازها إلا من وفقه الله تعالى.
стр. 97
ولذلك أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالعظة، فقال تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] (١) .
وهذا مسلك الأنبياء قبله، يقول تعالى عن نبيه هود ﵊ وقومه يردون عليه موعظته: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] (٢) .
والقرآن أغلبه عظة، ففيه الترغيب والترهيب، وذكر الجنة والنار، وقصص الأولين وما حصل عليهم من المثلات، والتوعد للظالمين، بأن لهم أمثالها.
[القصص وأثرها في الوعظ]
القصص وأثرها في الوعظ: ومن أفضل أساليب الوعظ استعمال الأسلوب القصصي، وضرب الأمثال؛ لأن النفس البشرية مجبولة على محبة القصص، والميل إليها، والانتباه إلى الأمثال، وربطها بالواقع، وحفظها أكثر من غيرها من الأساليب، وبمجرد سردها تُقبل الأسماع عليها، وتتأثر بمضامينها تأثرا عظيما، فالنفوس مولعة بمتابعة القصة، وتهتز لها عند سماعها وتقبل لا سيما جنس العامة؛ فعلى الداعية إلى الله أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة أو المناسبة.
ولذلك أمر الله نبيه ﷺ بقص القصص فقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] (٣) .
وقص الله تعالى على نبيه ﷺ من أحوال الأمم السابقة، وما جرت عليهم من سنن الله تعالى التي لا تتبدل، وذلك لأخذ العبرة والعظة، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] (٤) .
стр. 98
بل إن الله تعالى جعل هذه القصص تثبيتا لقلب النبي ﷺ وتسلية له أمام طوفان العداء والمكر والكيد الذي كان يواجهه من المشركين، وأيضا تذكرة للمؤمنين الذين هم على هذا الدرب العظيم، فقال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] (١) وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] (٢) والقرآن مليء بقصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأحوالهم مع أقوامهم، وحجم المعاناة التي لاقوها في سبيل الله تعالى، وكيف أن الله تعالى جعل العاقبة الحميدة لهم.
وأيضا قصص القرون الخالية من الأمم والشعوب الذين أصبحوا أثرا بعد عين، بعد أن طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، وما أعطاهم الله من القوة والمنعة، وكيف دهمهم أمر الله، فلم تغن عنهم قوتهم ولا كيدهم شيئًا، وهكذا من القصص التي فيها الغنية عن كثير من القصص الواهية والمكذوبة.
وأكثر السور عرضا لهذه القصص: الأعراف، والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، والإسراء، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان، والشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس، والصافات، وص، والزمر، وغافر، ونوح.
وهكذا فإن النبي ﷺ استعمل أسلوب القصص مع أصحابه، وقد كشفت لنا سيرته ﷺ أنواعا من القصص، وألوانا من أحاديث مَنْ سبق مما أوحاه الله إليه، والتي كان يُذكر بها النبي ﷺ أصحابه، بعضها مطول، وبعضها موجز، تصف أحداثا عامة، أو حوادث فردية، وسلوكيات عامة
стр. 99
وفردية، وتنبه على أسباب نهاية الأمم، وتحرض على التوبة، والأمانة، وغيرها كثير، ليس هذا مجال سردها، ومظانها دواوين السنة.
وقد يكون من السهل سرد القصة، فالكثير يحسن ذلك ولكن شتان بين من يسوق قصة لا يزيد طنينها عن أن يعبر الأسماع كسحابة صيف، ولا يمكن أن يحرك في المستمع شيئًا، وبين من يسوق القصة نفسها، ولكنه يجعلها نابضة بالروح، ضاربة بأعماق المستمع، محركة له قسرا بالتفاعل معها، يربط فيها القاص من يستمع إليه بحلقات الإبداع من جهة استعمال نغمات الصوت حسب مقاطع القصة وفواصلها، رفعًا وخفضا، ومن جهة التركيز على سبكها وربطها وجمع شتاتها، وإخفاء ما يمكن إخفاؤه من أركان القصة لتشويق المستمع وجذبه حتى نهايتها.
لأن مهمة الداعية في قصته هي نقل المستمع إلى حياة القصة التي يسردها، بحيث يتيح له الاندماج التام في حوادثها، ويحمله على المعايشة الكاملة معها.
إذًا ينبغي على الداعية إلى الله إذا تيسر له النجاح في سرد القصة أن ينظر في طرحه للقصة من زاوية الفائدة والمصلحة، وهي كيفية توظيف هذه القصة في التأثير على المدعوين بشكل سليم.
[تحري الصحيح الثابت واجتناب ما سواه]
تحري الصحيح الثابت واجتناب ما سواه: ومن أخطر ما تتعرض له الدعوة إلى الله تعالى هو الكذب في القصص؛ لأجل كسب الناس إلى الخير، سواء ينسبها قائلها إلى النبي ﷺ ، أو إلى غيره، أو يخترع شيئا من كيسه، ويصوغه على شكل حدث وواقعة، ثم يروجها بين الناس، وهي من الأساليب المحرمة التي نص أهل العلم على حرمتها، وضلال أصحابها؛ لأن القصة تخلد في الأذهان أكثر من غيرها من الأساليب، وانتزاعها بعد رسوخها أمر دونه خرط القتاد.
ولقد جاء من النصوص في حرمة الكذب عامة وعلى الله والرسول خاصة ما فيه رادع لكل من وقع في هذا المرتع الوخيم، ومن لم تزجره
стр. 100
هذه النصوص الشديدة عن هذا الأسلوب، فهو مفتون، لن تملك له من الله شيئا.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» (٢) .
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (٣) .
وغيرها من النصوص التي لا تخفى على مطلع.
[الأمثال وأثرها في الوعظ]
الأمثال وأثرها في الوعظ: وأما ضرب الأمثال: فهو من الأساليب المؤثرة في النفس البشرية أيضا، وفي الكتاب والسنة من الأمثال المضروبة ما فيه بلاغ للناس، وقد بين تعالى أن هذه الأمثال إنما هي للتذكر والتفكر، والعظة، والعلم.
قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] (٤) .
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] (٥) .
والأمثال المذكورة في القرآن كثيرة، منها على سبيل المثال:
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] (٦) .
стр. 101
وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: ٣٢] (١) .
وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] (٢) .
وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] (٣) .
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ - صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧ - ١٨] (٤) .
[بعض الأمثال في السنَّة النبوية]
بعض الأمثال في السنَّة النبوية: وفي السنة جاء ضرب الأمثال على لسان رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة ابتداء منه ﷺ ، أو اهتبالًا لموقف عابر، أو لنازلة واقعة، فمن ذلك:
ما جاء عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه (٥) » (٦) .
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٧) .
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 102
«مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا؛ فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكان منها أجادب فأمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (١) .
ومن الأمثلة العظيمة التي ضربها الأنبياء لقومهم ما حدث به النبي ﷺ عن يحيى بن زكريا ﵉، فعن الحارث الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فكأنه أبطأ بهن، فأوحى الله إلى عيسى، إما أن يبلغهن أو تبلغهن، فأتاه عيسى فقال له: إنك أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن، فقال له: يا روح الله، أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، فجمع بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد في الشرفات، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن: أولهن أن تعبدوا الله، لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق، ثم أسكنه دارا فقال: اعمل وارفع إلي، فجعل العبد يعمل، ويرفع إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه، ولا تشركوا به شيئا.
وآمركم بالصلاة، وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله يقبل بوجهه على عبده ما لم يلتفت.
وآمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل معه صرة مسك في عصابة،
стр. 103
كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
وآمركم بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير، حتى فك نفسه. وآمركم بذكر الله كثيرا، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو، سراعا في أثره، فأتى حصنا حصينا، فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان، إذا كان في ذكر الله تعالى.
وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فإن من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوة الجاهلية فهو من جثاء جهنم، وإن صام وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوة الله، التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله» (١) .
[من صور الحسن في الموعظة]
[الصورة الأولى الاختصار فيها]
من صور الحسن في الموعظة: وهذه الموعظة التي سبق تعريفها، وذكرنا بعض صورها، والأدلة عليها، قد أمرنا الله تعالى بأن تكون حسنة، فقيدها تعالى بالحُسن، والحُسن في الموعظة يأتي في صور عديدة، نذكر بعضها:
١ - الصورة الأولى: الاختصار فيها: فالموعظة الحسنة لا بد أن تكون مختصرة، فالنفس البشرية لا تحتمل الإطالة، ولا يمكن للعقل البشري التركيز في حالة الإسهاب غالبًا، وهو أمر مشتهر ومعروف بالتجربة، والعرب قديما تهرب من التطويل إلى الاختصار، ومن الاستطراد إلى الاقتضاب، والمقدم فيهم من يوجز الجملة، ويضغط
стр. 104
العبارة، وهو منهج أكده الإسلام، وأرشد إليه، ونبه على ضده، فعن ابن مسعود ﵁، أنه كان يُذكِّر كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إنا نحب حديثك، ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أُمِلَّكم، إن رسول الله ﷺ «كان يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا» (١) .
وعن ابن مسعود ﵁، قال: حدِّثِ الناسَ ما أقبلت عليك قلوبهم، إذا حدقوك بأبصارهم، وإذا انصرفت عنك قلوبهم، فلا تحدثهم، وذلك إذا اتكأ بعضهم على بعض.
وعن ابن عباس ﵄، قال: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أكثرت فمرتين، فإن أكثرت فثلاثا، ولا تمل الناس من هذا القرآن، ولا تأت القوم وهم في حديث فتقطع عليهم حديثهم.
وقال: أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وإياك والسجع في الدعاء، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلونه.
وعن عمر بن الخطاب ﵁، أنه كان يقول على المنبر: أيها الناس، لا تبغضوا الله إلى عباده، فقيل: كيف ذاك أصلحك الله؟ قال: يجلس أحدكم قاصا، فيطول على الناس، حتى يبغض إليهم ما هم فيه، ويقوم أحدكم إماما، فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه.
وقالت عائشة ﵂ لعبيد بن عمير: إياك وإملال الناس وتقنيطهم، وكانت تقول له: إذا وعظت فأوجز.
[الصورة الثانية التنويع فيها]
٢ - الصورة الثانية التنويع فيها: فكثير من الدعاة يركز على جانب واحد في الوعظ، أو نوع واحد من الحديث، أو موضوع واحد يكرره في كل مواقفه الدعوية، لا يكاد يتخلف
стр. 105
عنه، وهذا لا شك أنه مدعاة إلى السآمة والملال، فينبغي على الداعية أن ينوع في وعظه، وفي حديثه، وليكن مبدعا، مبتعدا عن التكرار، وألا يلتزم طريقة واحدة في جميع المواعظ، فيحصل أن بعض الدعاة يتردد على مسجد واحد ما بين الفينة والأخرى، وليس عنده إلا نوع واحد من الوعظ أو الحديث، فيكفي رؤيته قائما مواجهة المصلين لتبعث في نفوس الحضور الملل والتململ.
فعلى الداعية أن يحاول دائما التعامل مع كل موعظة بشكل مستقل من حيث الطريقة والأسلوب، وليكن مبدعا في تنويع أساليب العرض، ولا ضير لو وضع في جيبه دفترا صغيرا يقسمه إلى قسمين، قسم يُذكره بعناصر الموعظة بعد تحضيرها، وقسم يذكره بالموعظة السابقة في المسجد الذي يقصده، حتى لا يتكرر كلامه.
كان الزهري ﵀: إذا سئل عن الحديث يقول: أَحْمضوا (١) اخلطوا الحديث بغيره، حتى تنفتح النفس.
وقال أيضا: نقل الصخر أيسر من تكرير الحديث.
وكان علي بن أبي طالب ﵁، يقول: إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان؛ فابتغوا لها طرائف الحكمة.
وقال ابن مسعود ﵁: أريحوا القلوب؛ فإن القلب إذا أكره عمي.
وقال أيضا: إن للقلوب شهوة وإقبالا، وفترة وإدبارا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها.
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: تحدثوا بكتاب الله وتجالسوا، وإذا مللتم فحديث من أحاديث الرجال حسن جميل.
стр. 106
وقال أيضا لابنه عبد الملك: يا بني، إن نفسي مطيتي، وإن حملت عليها فوق الجهد قطعتها.
وقال بعض الحكماء: حادثوا هذه القلوب بالذكر فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد.
стр. 107
[فصل التنويع في الخطاب الدعوي]
فصل
التنويع في الخطاب الدعوي وهنا تنبيه يجب بيانه، وهو أنه ينبغي على الداعية أيضا أن ينوع أسلوبه الخطابي من عمل لآخر من الأعمال الدعوية، وفق دلالات المعنى الذي تقتضيه الوسيلة من: خطبة، أو درس، أو محاضرة، أو موعظة، وألا يسير على وتيرة واحدة في الإلقاء، سواء في الوسيلة الواحدة، أو في الوسائل المتنوعة، فما تحدثه لغة الصوت من أثر في نفسية المستمع من: قوة وشدة، ونعومة ولين، وخفض ورفع، وما يصاحبها من وضع انفعالي يتناغم مع الحركة والصوت، أمر في غاية الأهمية والضرورة، وأثره يلمسه المشتغل في ميدان الدعوة، والمستقرئ لسيرة النبي ﷺ يجد هذا ظاهرا.
وقد أصبحنا نشاهد خلطا كبيرا لدى شريحة من الدعاة والخطباء في العالم الإسلامي بين هذه المناشط من جهة الالتزام بالمنهج الشرعي لها، ومن جهة أسلوب الأداء.
فخطبة الجمعة مثلا قائمة على التنبيه، ولذلك وصفت خطب النبي ﷺ بالاختصار والإيجاز والقصد، وجعل النبي ﷺ قصر خطبة الرجل وطول صلاته علامة على فقهه (١) وكان النبي ﷺ يستعمل في خطبة
стр. 108
الجمعة رفع الصوت، حتى يصفه بعض الصحابة بأنه «إذا خطب علا صوته، واشتد غضبه، واحمر وجهه؛ كأنه منذر جيش، يقول صبَّحكم أو مساكم» (١) .
وكان كلامه سهلا مستعذبا، لا تمله الأسماع، يفهمه كل من سمعه.
[من أخطاء الخطباء]
من أخطاء الخطباء: ولقد أصبحنا نشاهد كثيرًا من المخالفات الظاهرة لدى شريحة كبيرة ممن يرقَوْن أعواد المنابر، وأذكر هنا ما يتعلق بالأسلوب الخطابي، من ذلك: الإلقاء المجرد عن الحماس والانفعال المنضبط بالقواعد الشرعية، والأصول المرعية، وجلب اهتمام المصلي وتفاعله مع الخطيب، حتى إن النوم ليتسلل إلى المستمع بسبب برودة الإلقاء وضعفه، خاصة إذا صاحب ذلك قراءة الخطبة من ورقة أو يكون في الخطبة سردُ خلاف أهل العلم في المسائل الفقهية؛ فتجد بعضهم يفصل في المسألة بسرد خلاف الفقهاء، وينتقل إلى الترجيح عن طريق المسالك العلمية، والمدركات، وفي الحقيقة إن المنبر ليس مكانًا لهذا التفصيل، والعرض للمسائل الخلافية، ولا يخفى أن أغلب الحضور من العامة، فإيقافهم على هذا النمط من التعليم إفساد لهم، وتشتيت لأفكارهم، وزعزعة لثوابتهم.
نعم من الممكن أن تكون هيبة الصعود على المنابر قد زالت في هذا الوقت، بسبب عوامل عديدة، من ذلك توافر الخطب المكتوبة، وانتشار الكتب والبرامج التي تدرب على الخطابة، فتجد مثلا بعض الخطباء في الجمعة يستخدم أساليب خطب الاحتفالات: من كثرة الالتفات، والنظر إلى الحضور جميعهم، وكثرة التعبير بالإشارة، والتجاوز بها موضع الحاجة، وأيضًا محاولة استجواب المستمعين عن طريق طرح أسئلة ما، ومطالبة المصلين بالإجابة على سؤاله، سواء كان إنكاريا، أو غيره؛ ظنا منه أنه بهذه الطريقة يستطيع جلب اهتمام المصلين والحفاظ على قدر كبير من حضورهم
стр. 109
وتفاعلهم معه، بل إن بعض الأساليب تمثل خروقا لقدسية الخطبة من خلال تعمد الإتيان بقصص، أو مواقف مضحكة، لا يملك المستمع إلا الضحك معها.
فخطبة الجمعة عبادة لها أركانها، وشروطها، وواجباتها، وسننها، وآدابها، فليس هناك مساحة للاجتهاد في هذه العبادة، ولا تشبه بباقي الخطب؛ وذلك لخصوصيتها الشرعية.
[الأسلوب الأمثل للمحاضرات]
الأسلوب الأمثل للمحاضرات: وفي المقابل نجد في مناشط الدروس العلمية والمحاضرات العامة ظواهر من جهة الأسلوب الإلقائي، من هذه انتشار ظاهرة رفع الصوت رفعا كبيرا، حتى إن المار وهو يسمع صوت الملقي ليظن أنه يخطب للجمعة، أو أنه منذر جيش، ومعلوم أن الدرس العلمي والمحاضرة العامة قائمتان على التفهيم والتفصيل والبسط، ويحتاجان من الملقي إلى: هدوء تام، وخفض صوت بالقدر الذي يمكن أن يصل إلى المستمع، وقد يحتاج الملقي إلى تكرار الكلام ثلاثا للتفهيم كما كان يفعل النبي ﷺ .
«فعن عائشة، ﵂، قالت: كان كلام رسول الله ﷺ كلاما فصلا يفهمه كل من يسمعه. وقالت: كان يحدثنا لو عده العاد لأحصاه. وقالت: إنه لم يكن يسرد الحديث كسردكم» (١) .
وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ : «أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه فإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم ثلاثًا» (٢) .
أما رفع الصوت بهذه الطريقة فليس من المنهج الشرعي ولا الطبعي في الدروس العلمية ولا المحاضرات العامة، ولا يمكن أن يخرج المتلقي بفائدة وهو يتلقى بهذه الطريقة التي لم يكن مهيأ لها نفسيا وبدنيا بسبب
стр. 110
الانفعال، ورفع الصوت، ولا يمكن أن يسير الملقي أيضا على وتيرة ثابتة تربط آخر الموضوع بأوله.
فينبغي للداعية أن يتحرى في الدرس تفهيمه بأيسر الطرق، وأن يذكره مسترسلا، مرتلا، مبينا، واضحا، ويؤخر ما ينبغي تأخيره، ويقدم ما ينبغي تقديمه، ويقف في موضع الوقف، ويصل في موضع الوصل، ويكرر ما يشكل من معانيه وألفاظه، إلا إذا وثق بأن جميع الحاضرين يفهمونه من غير ذلك.
وإذا فرغ من مسألة أو باب أو فصل يسكت قليلا حتى يتكلم من في نفسه كلام عليه، أو يطلب إيضاحا، وهذا ينطبق على المحاضرة أيضا.
وأما الواعظ فهو لا يبعد كثيرا عن خطبة الجمعة من جهة الاختصار، والابتعاد عن كثرة الاستدلال، وضرورة ضغط العبارة، ومن أراد أن يختبر طريقته في الوعظ فلينظر في كتابين عظيمين يحكيان الأسلوب الأمثل والصحيح للواعظ، الأول: " صيد الخاطر " لابن الجوزي ﵀، والثاني: " الفوائد " لابن قيم الجوزية ﵀.
[الصورة الثالثة ترك وعظ المنشغل عنك]
٣ - الصورة الثالثة: ترك وعظ المنشغل عنك: فمن حسن الموعظة أن من كان منشغلا عنك بحديث أو عمل وكذا المستثقل والمكابر أن تترك وعظهم، وأن تؤجله إلى وقت آخر أنفع لك ولهم، وذلك لعدم الفائدة من ذلك، وإبقاء للود، وحفاظا على منزلة الموعظة والنصيحة.
وقد قيل فيمن لا يستمع لوعظه: فلان في وعظه كنافخٍ في قفص، وقاص في مقبرة.
قال ابن عبد البر ﵀: كان يقال: ستة إذا أهينوا فلا يلوموا أنفسهم: الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها، وطالب الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين في حديثهما من غير أن يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس مجلسا ليس له بأهل، والمقبل بحديث على من لا يسمع منه، ولا يصغي إليه.