بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تعالى أوضح سبيل الدعوة ومنهاجها بقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) .
قال ابن كثير ﵀: ". . . أن هذه سبيله، أي: سبيل رسول الله ﷺ وطريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي " (٢) .
وقد عرّف العلماء البصيرة، فقال البغوي ﵀: " والبصيرة: هي المعرفة التي تُميّز بها بين الحق والباطل " (٣) .
وقال القرطبي ﵀: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] أي: على يقين وحق " (٤) .
стр. 3
وقال الراغب ﵀: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] أي: على معرفة وتحقيق " (١) .
وذكر الكفوي ﵀ البصيرة بأنها: " قوة في القلب تدرك بها المعقولات، وقوة القلب المدركة بصيرة " (٢) .
وبين ابن عاشور ﵀ البصيرة بأنها: " هي الحجة الواضحة " (٣) .
ولأهمية البصيرة كانت من الفرائض، كما أشار إلى ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في مسائل: " كتاب التوحيد ".
قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: " ووجه ذلك: أن اتباعه ﷺ واجب، وليس أتباعه حقًّا إلا أهل البصيرة، فمن لم يكن منهم فليس من أتباعه، فتعيّن أن البصيرة من الفرائض " (٤) .
والبصيرة من أعلى درجات العلم، كما أشار إلى ذلك ابن القيم بقوله: " أعلى درجات العلم: البصيرة؛ التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر، وهذه هي الخِصّيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة، وهي أعلى درجات العلماء " (٥) .
والبصيرة في الدعوة لا تختص بالعلم الشرعي فقط، بل تشمل: العلم بالشرع، والعلم بحال المدعو، والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود، وهو الحكمة، فيكون بصيرا بحكم الشرع، وبصيرا بحال المدعو، وبصيرا بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة.
تظهر أهميّة البصيرة في الدعوة في أمور منها:
أن البصيرة صفة من صفات الأنبياء والعلماء الراسخين.
стр. 4
٢ - أن البصيرة ركن من أركان الدعوة وقاعدة من قواعدها الكبرى.
٣ - البصيرة في الدعوة تجنب الداعية الضعف في الرأي، والانحراف في المنهج.
٤ - بالبصيرة تستثمر الأوقات، وتعرف الأولويات، ويُعطى كل ذي حق حقه.
وقد أجاد الشيخ عزيز بن فرحان العنزي في كتابه " البصيرة في الدعوة إلى الله " حيث احتوى كتابه على محورين هامين؛ هما. البصيرة فيما يدعو إليه الداعية، والبصيرة في حال المدعوين، وكيفية دعوتهم، وقد ضمَّن المحورين فصولًا مهمة، ربط المؤلف فيه بين المنهج العلمي والعملي في طرحه لهذا الموضوع فجزاه الله خيرا، وشكر الله له صنيعه، ووفقه وإخوانه الدعاة لخدمة الإسلام والمسلمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . .
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ
стр. 5
[المقدمة]
المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الدعوة إلى الله تعالى: وظيفة جليلة، وقربة عظيمة، لها منزلة عالية في الشريعة، ويكفيها شرفا ومنزلة كونها وظيفة الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (١) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٢) .
وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥] (٣) .
ولقد كان الرسول ﷺ يبعث الدعاة إلى الناس؛ ليعلموهم وليفقهوهم، وليرشدوهم إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، بل إن الصحابة
стр. 6
رضوان الله عليهم، فهموا أن الدعوة إلى الله تعالى واجبة، فكانوا يبادرون بسؤال الرسول ﷺ تعليمهم وتفقيههم؛ ليقوموا بدعوة أقوامهم من خلفهم، بل كان من يسلم حديثا يدرك أهمية الدعوة إلى الله تعالى، وأن تبليغها واجب، فعن ابن عباس، ﵄، في حديث وفد عبد القيس وفيه: قالوا: يا رسول الله، فمرنا بأمر نعمل به، وندعو إليه من وراءنا (١) .
وقد بُوبَ عليه في صحيح الإمام مسلم: " باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه من لم يبلغه " (٢) .
لأن الناس لا بد لهم من الدعوة إلى الله تعالى؛ وذلك لإخراجهم من الظلمات إلى النور.
من ظلمات الشرك والكفر إلى نور الإسلام.
ومن ظلمات البدع إلى نور السنة.
ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة والهداية.
ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، كل بحسبه.
فحاجة الناس وضرورتهم إلى الدعوة إلى الله تعالى والهداية أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، بل لا يستقيم أمر العالم إلا بالدعوة إلى الله تعالى، ولولا ذلك لأصبحت الأرض رجراجة متكفئة، ولعاش الناس فوضى كالبهائم؛ فجنس الإنسان لا يستغني عن الأمر والنهي؛ لأنه لا يمكن أن يستقل بمعرفة الحق والخير على الكمال والتمام، وإن كان يدرك الشر والخير بالجملة، وذلك بما وهبه الله من عقل وحواس، إلا أنه لا يعرف حقائق الأشياء على التفصيل إلا بالوحي من الله تعالى، ولذلك احتاج الخلق إلى إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقيام الحجة.
стр. 7
ولقد كان النبي ﷺ يحث أصحابه على الدعوة إلى الله تعالى، ويُلهب حماستهم لذلك، ويبيّن ما لهم من الأجور ورفعة الدرجات عند الله إن هم قاموا بذلك.
فعن سهل بن سعد ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (١) .
وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله» (٢) .
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. . .» (٣) .
وقد صدقوا رضي الله تعالى عنهم رَبَّهُمْ تعالى بأقوالهم وأفعالهم، وقاموا بالدعوة إليه تعالى أتم قيام، وأدوها أحسن أداء، وقد تسلحوا ﵃ في دعوتهم بتمام الإخلاص، وصدق التوكل، والفقه عن الله تعالى، وعن رسوله ﷺ ، واتخذوا الصبر مطية، والأجر الموعود أعظم ثمن وهدية، فاعتلت شجرة دعوتهم تزاحم النجوم في عليائها، وآتت أكلها طيبة الثمار، وما زال المسلمون يتفيؤون ظلال دعوتهم المباركة، وستبقى إلى أَن يرث الله الأرض ومن عليها، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
والمتتبع لنصوص القرآن والسنة وما أُثر عن السلف الصالح يجد أن فضائل الدعوة إلى الله تعالى وخصائصها ومزاياها كثيرة جدا.
стр. 8
فمن فضائل الدعوة ومزاياها: أولا: أنها أحسن القول لمن اشتغل بها، مع العمل الصالح.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] (١) .
قال ابن كثير: " وهذه عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد، ورسول الله ﷺ أولى بذلك. . . " (٢) .
وثانيا: كونها من أسباب حصول الخيرية لهذه الأمة، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٣) .
قال ابن كثير: " فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ في حجة حجها رأى من الناس سرعة فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها، رواه ابن جرير.
ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] اهـ (٤) .
وثالثا: الفلاح متحقق بإذن الله تعالى لمن قام بأعبائها، وتحمل مشاقها، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (٥) .
стр. 9
قال ابن كثير ﵀: " والمقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه " (١) .
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، فكفى بها شرفا وعزا وفخرا!! .
ومن شرط صحة هذه الدعوة أن تكون على بصيرة كما بين الله تعالى ذلك في كتابه، حيث قال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] (٢) .
والبصيرة هي: العلم الشرعي المؤصل المبني على الدليل من الوحي المنزل من عند الله تعالى، وعلى لسان رسوله ﷺ ، والفهم لمراد الله تعالى فيما أنزله، أي: على علم ويقين وبرهان شرعي وعقلي فيما يدعو إلى فعله، وفيما يدعو إلى تركه، وفي أسلوب الدعوة، وفي حال المدعوين، وسلوك الطريق الصحيح في ذلك.
وأي دعوة تخلو من هذا الشرط وهو: البصيرة فإنها دعوة مهلهلة أساسها غير متين، سرعان ما ينهار ويتقوض فيخر السقف من فوقه.
ولذلك سمى الله تعالى العلم بصيرة؛ لأنه يحصل به الصواب، ويتبين به الحق، وتقوم به الحجة، ويردع به الباطل، ويمكن لصاحب البصيرة أن يُوصل الحق إلى من يستحقه.
وفي الواقع أننا في هذا الوقت نلمس حماسة للإسلام - ولله الحمد - من قبل كثير من المسلمين، وهناك رجوع إلى الدين، وإنه لأمر يثلج صدر كل مسلم، خاصة في ظل تداعيات عالمية وحرب تشن على الإسلام بلا هوادة من أعدائه وكثير من أدعيائه، مما أفرز في هذا الاتجاه الطيب قيام كثير من المتحمسين من أهل الإسلام بالدعوة إلى الله تعالى، وذلك بأساليب
стр. 10
مختلفة ووسائل متعددة أثمرت في بعض جوانبها نتائج طيبة - ولله الحمد والمنة - إلا أن كثيرا من هذه الدعوات بسبب الحماسة والاستعجال في تبليغ الدين وعدم التسلح بالعلم وقعت في أخطاء جسيمة وأرزاء كبيرة، وإن كان كثير منها يقرب من الحق كثيرا؛ فإنه - والحالة هذه - يلزم أهل الاختصاص تصحيح هذه الأخطاء وتثبيت المفاهيم الصحيحة؛ ليستقيم المسار، ولتتضح الرؤية، حيث كان لهذه الأخطاء عواقب وخيمة ونتائج سيئة أثرت سلبا على مستقبل الدعوة إلى الله تعالى، وجعلت المتربصين بهذا الدين يحققون أشياء ليست بالقليلة من أهدافهم.
وبالتتبع والنظر أجد أن سبب ذلك: فقدان شرط البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى، وبفقدان هذا الشرط لا تَسلْ عن الأخطاء والمخالفات التي تقع من المشتغلين بهذا الأمر؛ لأن البصيرة هي الميزان الذي يزن به الداعية الأمور، ويقدر الأشياء، ولذلك نجد أن أغلب الدعوات الموجودة على الساحة إنما هي إفراز البيئة العاطفية المحضة؛ مما جعل للعقل العاطفي دورا كبيرا في أن يكون حكمًا على كثير من رموز تلك الدعوات وأتباعها ومناهجها، فأخذت تطوح بهم ذات اليمين وذات الشمال مما أوقع الكثير منهم في أخطاء جوهرية وشكلية ما يزال الناس يعانون من آثارها ونتائجها الوخيمة.
وغالب من يكتب في موضوع الدعوة إلى الله تعالى لا يشبعون مسألة البصيرة بحثا وتقسيما وتفريعا؛ ولذلك تجد غالب المصنفات في هذا الجانب لا تُربي - في تقديري - دعاة يُمكن أن يعتمد عليهم بعد الله تعالى؛ لأن الدعوة إلى الله تعالى ليست مجرد حركة وذهاب وإياب بقدر ما هي اتباع لمنهج النبي ﷺ وأصحابه ومن سار على منهجهم وطريقتهم من أهل العلم والدين.
فمن هذا المنطلق أحببت أن أساهم في هذا الموضوع والذي اخترت أن يكون عنوانه: " البصيرة في الدعوة إلى الله " لتبصير نفسي والعاملين في حقل الدعوة إلى الله تعالى بالأمور التي يجب على الداعية أن
стр. 11
يسلكها في دعوته، مع بيان شيء من مسائل وأحكام ووسائل وأساليب الدعوة إلى الله، والأولويات الواجب على الداعية أن يسلكها في دعوته، وشيء من الحكمة في التعامل مع المدعوين وبيئتهم، ولا أزعم الإحاطة فيما أشرت إليه، وإنما هي محاولات وإلماحات ونقولات، وقد جعلت الحديث عن هذا الموضوع يدور في محورين اثنين:
الأول: البصيرة فيما يدعو إليه.
الثاني: البصيرة في حال المدعوين وكيفية دعوتهم.
والله المسؤول أن يوفقنا وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع مجيب.
وكتب
عزيز بن فرحان العنزي
١٤٢٥ -
стр. 12
[فصل في معنى البصيرة]
فصل
في معنى البصيرة البصيرة، يقال: بصُر بالشيء علم به، وبصر الأمر: عرفه، وبصرته بالشيء: أوضحته له (١) .
وهي: قوة الإدراك والفطنة والعلم والخبرة (٢) .
وهي أعلى درجات العلم.
ولذلك يقال للمحقق في العلوم: ذو بصيرة ونظر.
وكثير من ذوي التحقيق من أهل العلم يرى أن: البصيرة لها معان متعددة، وقد تكون هذه المعاني على حسب ما يُساق له الكلام.
فمن معاني البصيرة: المعرفة، والتحقق، والحجة، واليقين، والبرهان الشرعي والعقلي.
فالبصيرة إذا هي: العلم الذي ينير القلب، فهو للأرواح كالماء للأرض اليابسة، وللقلوب كالضياء للبصر.
وأما معنى الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة فهي: أن يكون الداعية
стр. 13
إلى الله عالما بما يدعو إليه، وعالما بحال المدعوين وإيصال ما يصلح لهم وينفعهم، وعالما أيضا بطريقة الدعوة إلى الله تعالى، مؤطرا كل ذلك بالنصوص الشرعية وما عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم، مع الأخذ بالأساليب والوسائل الشرعية المتاحة، وترك الوسائل المنهي عنها.
стр. 14
[المحور الأول البصيرة فيما يدعو إليه]
[فصل فيما يدعو إليه الداعية]
المحور الأول
البصيرة فيما يدعو إليه
стр. 15
فصل
فيما يدعو إليه الداعية من البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى: أن يكون الداعية (١) إلى الله على علم فيما يدعو إليه، فإن من دعا الناس بجهل فقد خالف أمر الله تعالى بالدعوة إليه على بصيرة وعلم.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٢) .
ولقد سمى الله تعالى العلم بصيرة؛ لأنه يحصل به الصواب، ويتبين به الحق، وتقوم به الحجة، ويردع به الباطل، ولهذا كان أول ما نبئ به النبي ﷺ هو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] (٣) .
فكانت هذه الآيات الكريمات المباركات أول اتصال بين السماء والأرض في الإسلام، لتُبين فضل العلم، وأنه لا نجاح ولا فلاح إلا بالعلم، وهي رحمة رحم الله بها عباده، ونعمة أنعم الله بها عليهم.
стр. 16
وفي هذه الآيات أيضا: التنبيه على أن من عظيم كرم الله تعالى وكبير منته على عباده: أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرَّفه وكرَّمه بهذا العلم، وميَّزه عن باقي خلقه، قال الله تعالى مخاطبا نبيه محمدا ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] (١) .
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] (٢) .
والمقصود: أن أول ما بدأ الله نبيه ﷺ بالعلم قبل الدعوة والعمل الصالح المقرب إليه، فجعل العلم أصلا والعمل تابعا له.
ولمكانة هذا العلم وعظيم منزلته وجليل قدره عند الله تعالى وطيّب آثاره فإن الله تعالى حث نبيه محمدا ﷺ على حسن الاستماع إلى هذا العلم الذي نزل به جبريل عليه، وأمره بأخذه بعناية تامة، وأن يطلب المزيد منه، ولم يطلب المولى الاستزادة من شيء إلا من العلم الشرعي، قال الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ - إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ - فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ - ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] (٣) .
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (٤) .
قال ابن حجر ﵀: " والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يُفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عبادته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائص " (٥) .
стр. 17
وأمره تعالى بأن يعتني بأهم المهمات وأوجب الواجبات وهو التوحيد، وذلك بتحقيق كلمة لا إله إلا الله، ولا يتم تحقيقها إلا بالعلم، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] (١) وقال جل شأنه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] (٢) .
فقدم العلم على القول والعمل والدعوة؛ لأن تقدم العلم على العمل ضروري للعامل حتى يعلم ما يريده، ويقصد العمل للوصول إليه، وتكون عبادته صحيحة مقبولة.
والمراد بالعلم هو: ما قام عليه الدليل من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله ﷺ .
الأصول الكبرى التي يُدعى إليها: والداعية إلى الله تعالى إنما يدعو إلى دين الإسلام، فهو يدعو إلى التوحيد والسنة، ويحارب الشرك والبدعة، ويبين الأحكام الشرعية لأصول العبادات وفروعها، وينهى الناس عن الخطأ فيها، ويدعو إلى محاسن الأخلاق، وفضائل الآداب، وينهى عن ضدها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الدعوة إلى الله، هي: الدعوة إلى الإيمان به وما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا " (٣) .
وقال العلامة عبد العزيز بن باز ﵀: " الشيء الذي يدعى إليه، ويجب على الدعاة أن يوضحوه للناس كما أوضحه الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو: الدعوة إلى صراط الله المستقيم، وهو: الإسلام، وهو
стр. 18
دين الله الحق، هذا هو محل الدعوة كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) .
وقد بيّن ﵀ الأصول العامة والخطوط العريضة للإسلام والتي يجب على الداعية أن يدعو إليها فقال: " وعلى رأس الدعوة إلى الإسلام: الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، إلى الإخلاص لله وتوحيده بالعبادة، والإيمان به وبرسله، والإيمان باليوم الآخر، وبكل ما أخبر الله به ورسوله، هذا هو الأساس الصراط المستقيم، وهو: الدعوة إلى شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
ومعنى ذلك: الدعوة إلى توحيد الله والإخلاص له، والإيمان به وبرسله عليهم الصلاة والسلام.
ويدخل في ذلك الدعوة إلى الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسله مما كان وما يكون من أمر الآخرة، وأمر آخر الزمان، وغير ذلك. . .
ويدخل في ذلك أيضًا: الدعوة إلى ما أوجب الله من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، إلى غير ذلك.
ويدخل أيضا في ذلك: الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والأخذ بما شرع الله في الطهارة، والصلاة، والمعاملات، والنكاح، والطلاق، والجنايات، والنفقات، والحرب والسلم، وفي كل شيء؛ لأن دين الله دين شامل، يشمل مصالح العباد في المعاش والمعاد، ويشمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وينهى عن سفاسف الأخلاق، وعن سيئ الأعمال. . . " (٢) .
وهذه الأصول التي يقوم الداعية بالدعوة إليها لا بد فيها من العلم الشرعي المؤصل وإلا لو دعا إليها بجهل أو بنصف علم لأفسد أكثر مما أصلح.
стр. 19
[فصل منهج الأنبياء هو الدعوة إلى الله تعالى لا إلى شخص ولا إلى جماعة]
فصل
منهج الأنبياء هو الدعوة إلى
الله تعالى لا إلى شخص ولا إلى جماعة وإن من أعظم البصيرة أن تكون الدعوة إلى الله تعالى وحده لا إلى شخص أو حزب أو طائفة أو جماعة، أو مذهب.
فإن العبادة إذا لم تكن خالصة صوابا فهي غير مقبولة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (١) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] (٢) .
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٣) .
ولذلك نجد نصوص الدعوة الواردة في القرآن كلها تضيف الدعوة إلى الله، بأن تكون خالصة لله تعالى، من ذلك:
стр. 20
قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) .
وقال تعالى: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [الحج: ٦٧] (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧] (٣) .
وهذا هو منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلم تكن دعوتهم إلا إلى الله تعالى، ولذلك قالت الجن عن نبينا ﷺ بعدما انتهوا من سماع القرآن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣١ - ٣٢] (٤) .
ولذلك لما اعتقد المكذبون للرسل أن الأنبياء ﵈ ما خالفوا ما هم عليه إلا لطمع دنيوي، عرضوا عليهم شيئا من أمور الدنيا، فكان رد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حاسما وواضحا، بأنهم لم يدعوا لأجل شيء من هذا، وإنما دعوتهم خالصة لله تعالى، ويحتسبون الأجر من عنده وحده.
قال تعالى على لسان نوح: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] (٥) .
وقال تعالى على لسان هود: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] (٦) .
стр. 21
وقال تعالى على لسان صالح: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] (١) .
وقال تعالى على لسان لوط: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] (٢) .
وقال تعالى على لسان شعيب: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] (٣) .
والآيات في هذا الباب كثيرة.
خطر الانحراف عن منهج الأنبياء: ومن أخطر ما أضر بالدعوة إلى الله على مدار التاريخ الإسلامي هو ما شابها من الدعوات إلى مذاهب وطوائف وأشخاص باسم الدعوة إلى الله تعالى وإلى دينه، فكل دعوة ترفع شعارا مخالفا لشعار الأخرى، وتستحدث طرقا وأساليب ومصطلحات ومناهج توالي عليها وتعادي مما فرق الأمة حذائق، ومزقها طرائق.
ومعلوم: أن المسميات وإن كانت شرعية أو سائغة في الأصل إذا كان يحصل بسببها ولاء وبراء لغير الحق وتكون سببا في التفريق بين المؤمنين فإنها محرمة من هذا الباب، والدليل على ذلك: ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدا، حتى تداعوا؛ فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي ﷺ فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ ، ثم قال: ما شأنهم؟ فأُخبرَ بكسعة المهاجري للأنصاري، قال: فقال النبي ﷺ : دعوها فإنها خبيثة» (٤) .
стр. 22
ومن نفائس كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب، والذي يمثل قاعدة عند أهل السنة والجماعة قوله: " وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن: من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية؛ بل «لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار قال النبي ﷺ : أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ وغضب لذلك غضبا شديدا» (١) .
وقال ﵀: " فهذان الاسمان: المهاجرون والأنصار اسمان شرعيان، جاء بهما الكتاب والسنة، وسماهما الله بهما، كما سمانا المسلمين من قبلُ، وفي هذا.
وانتساب الرجل إلى المهاجرين أو الأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرم كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى، ثم - مع هذا - لما دعا كل منهما طائفته منتصرا بها أنكر النبي ﷺ ذلك، وسماها: (دعوى الجاهلية) حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما غلامان، لم يصدر ذلك من الجماعة؛ فأمر بمنع الظالم، وإعانة المظلوم، ليبين النبي ﷺ أن المحذور إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقا فِعْلَ أهل الجاهلية، فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو مستحب " (٢) .
فيا لله والإسلام من واقعنا الذي تفرق فيه أهل الإسلام إلى طوائف وفرق وجماعات ومذاهب، كل واحدة ترفع شعارا واسما ومنهجا وطريقة تخالف الأخرى، بل إن بعض أصحاب الجماعة الواحدة لأدنى اختلاف ينشب بين رموزها وقد يكون حول أفكار أو رؤى يسعها الخلاف، لا يلبث أن تشتعل بينهم حربُ مصطلحات ومسميات، ويتفرقون إلى جماعتين أو حزبين، ترمي كل واحدة منهما الأخرى بفظائع الأمور، وتبالغ في التنقص منها، وقد يصل الأمر إلى إخراجها من دائرة الإسلام، وسبب هذا مخبآت النفوس والضمائر والذي كَمُنَ فيها تقديس الذات وحب الشهرة
стр. 23
والهوى والحرص على الدنيا كمون النار في الزناد؛ فاقدح زناد من شئت ينبيك شرره عما في زناده.
قال العلامة ابن باز ﵀: " والخلاصة: أن الواجب على الداعية الإسلامي أن يدعو إلى الإسلام كله، ولا يفرق بين الناس، وألا يكون متعصبا لمذهب دون مذهب، أو لقبيلة دون قبيلة، أو لشيخه أو رئيسه أو غير ذلك، بل الواجب أن يكون هدفه: إثبات الحق وإيضاحه واستقامة الناس عليه وإن خالف رأي فلان أو فلان، ولما نشأ في الناس من يتعصب للمذاهب ويقول: إن مذهب فلان أولى من مذهب فلان جاءت الفرقة والاختلاف حتى آل ببعض الناس هذا الأمر إلى ألا يصلي مع من هو على غير مذهبه، فلا يصلي الشافعي خلف الحنفي، ولا الحنفي خلف المالكي، ولا خلف الحنبلي، وهكذا وقع من بعض المتطرفين المتعصبين، وهذا من البلاء، ومن اتباع خطوات الشيطان. . . فالأئمة أئمة الهدى: الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأشباههم، كلهم أئمة هدى ودعاة حق، دعوا الناس إلى دين الله، وأرشدوهم إلى الحق، ووقع هناك مسائل بينهم اختلفوا فيها لخفاء الدليل على بعضهم، فهم بين مجتهد مصيب له أجران، وبين مجتهد أخطأ الحق فله أجر واحد، فعليك أن تعرف لهم قدرهم وفضلهم، وأن تترحم عليهم، وأن تعرف أنهم أئمة الإسلام ودعاة الهدى، ولكن لا يحملك ذلك على التعصب والتقليد الأعمى فتقول: مذهب فلان أولى بالحق بكل حال، أو مذهب فلان أولى بالحق بكل حال لأنه لا يخطئ، لا! هذا غلط! عليك أن تأخذ بالحق، وأن تتبع الحق إذا ظهر دليله ولو خالف فلانا أو فلانا، وعليك ألا تتعصب وتقلد تقليدًا أعمى بل تعرف للأئمة فضلهم وقدرهم، ولكن مع ذلك تحتاط لنفسك ودينك فتأخذ بالحق، وترضى به، وترشد إليه إذا طلب منك، وتخاف الله وتراقبه جل وعلا، وتنصف من نفسك مع إيمانك بأن الحق واحد، وأن المجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد - أعني: مجتهدي أهل السنة، أهل العلم والإيمان والهدى - كما صح بذلك الخبر عن رسول الله ﷺ " (١) اهـ.
стр. 24
[فصل العلم قبل الدعوة]
فصل
العلم قبل الدعوة فإذا عرف الداعية إلى الله تعالى ما يدعو إليه؛ فالواجب عليه قبل أن يباشر الدعوة إلى الله، ويخوض غمارها، ويدخل ساحتها: أن يتسلح بالعلم الشرعي، وهو ما أنزله الله على رسوله ﷺ من الكتاب، والحكمة، ومعرفة ما أراد الله من ذلك وفهمه على نحو ما فهمه الصحابة والتابعون وأتباعهم من أئمة الهدى والدين في الأمة، حتى يحقق شرط البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن نجاح الدعوة إلى الله تعالى مرهون بهذا العلم الموروث عن نبينا محمد ﷺ ، والذي نقله إلينا أصحابه ﵃ أجمعين - نقلًا صحيحًا، وهم الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وكانوا أدرى الناس بأحوال النبي ﷺ ومراده، وكانوا معه في ظعنه وإقامته، وفي سلمه وحربه، وفي أيام فرحه وترحه، بل لم يفارقوه لا في خلوة ولا جلوة، وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ على علم، وميزهم من بين عباده بما جبلهم عليه من الأمانة والصدق والفهم، وقد رضي عنهم وأرضاهم، وجعل قلوبهم بيضاء نقية أطهر قلوب العباد بعد قلب النبي ﷺ ، فكانوا على الهدي المستقيم.
الوحي هو مصدر العلم: والمتأمل في نصوص الوحيين يجد أن الله تعالى قد جمع لنبيه ﷺ أفضل علوم الأنبياء والمرسلين قبله وأصحها وأكملها، وزاده عليها مما
стр. 25
فيه هداية الخلق وصلاحهم ونفعهم في الدنيا والآخرة، وأرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقد قام النبي ﷺ بمهمة التبليغ أتم قيام، وأداها أكمل أداء، فبين للأمة ما أنزل إليه من ربه: بقوله وفعله وتقريره بيانا شافيا لا مزيد عليه، فما من خير يعلمه لهم إلا دلهم عليه، وأرشدهم إليه، وما من شر يعلمه إلا حذرهم منه ونهاهم عنه، تحقيقا لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (١) .
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] (٢) .
ولما تلا الحسن البصري ﵀ قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] (٣) قال: " هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله؛ أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله " (٤) .
مدى حاجة العباد إلى الرسل: وضرورة العباد إلى معرفة ما جاء به الرسول ﷺ من الهدى ودين الحق فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليه فوق كل حاجة، فإنه لا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث، والصحيح من السقيم، من: الاعتقادات، والأقوال، والأفعال، والأحوال على التفصيل إلا من جهته ﷺ ، ولا سبيل إلى الفوز بالسعادة في المعاش والمعاد إلا من طريقه ﷺ .
стр. 26
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] (١) .
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] (٣) .
فأي حاجة فرضت، وأي ضرورة عرضت؛ فحاجة العباد، وضرورتهم إلى معرفة ما جاء به النبي ﷺ من الهُدى ودين الحق فوقها بكثير، لأن الأنبياء هم المُبلّغون عن الله تعالى، وهذه المعرفة الضرورية لا تتحقق إلا بالعلم الصحيح، ولا يمكن للناس أن يعرفوا هذه الأمور إلا بالتعليم والدعوة، وهذه هي مهمة الدعاة إلى الله تعالى الذين ورثوا هذا العلم.
فعن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (٤) .
стр. 27
[فصل في فضل العلم والتعليم]
فصل
في فضل العلم والتعليم وقد جاء في فضل العلم ووجوب طلبه وبيان منزلته في الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة نصوص كثيرة، الأمرُ الذي جعل كثيرا من أهل العلم يذهبون إلى إفراد مصنفات بهذا الخصوص، بل لا تكاد تقف على مصنف في دواوين السنة إلا وتجد كتبًا أو أبوابا معقودة في بيان فضل العلم وأهله.
والداعية إلى الله تعالى من أولى الناس حرصا على التأهل بالعلم قبل الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن دعوته قائمة على العلم، وهو أحد أهم أركانها، وبدونه يهوي البنيان ولا يتماسك.
وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تشير إلى فضل العلم وأهله، وفيما يلي ذكر شيء منها: قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١] (١) .
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] (٢) .
стр. 28
وقال الله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] قال زيد بن أسلم ﵁: " بالعلم " (١) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨] (٢) .
الأحاديث النبوية والآثار السلفية في فضل العلم: وردت أحاديث كثيرة في فضل العلم وأهله منها:
عن أبي هريرة ﵁: قال ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» (٣) .
وعن معاوية ﵁ قال: قال ﷺ : «من يُرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (٤) .
وعن عمر بن الخطاب ﵁: قال ﷺ : «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين» (٥) .
وأما أقوال السلف الصالح في هذا الباب فهي كثيرة، من ذلك (٦) .
يقول أبو هريرة ﵁: " لأن أجلس ساعة فأتفقه في ديني أحب إلي من إحياء ليلة إلى الصباح ".
وقال أيضا: " لكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه، وما عُبِدَ اللهُ بشيء أفضل من فقه في الدين ".
стр. 29
وقال معاذ بن جبل ﵁: " تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، وتعليمه جهاد. . . إلخ ".
وقال أيضا: " لأن تغدو فتتعلم بابا من أبواب العلم خير لك من أن تصلي مائة ركعة ".
وقال ابن عباس ﵁: " تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها ".
وفي " مسائل إسحاق بن منصور ": قلت لأحمد: قوله " تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها "، أي علم أراد؟ قال: " هو العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم "، قلت: في الوضوء والصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا؟ قال: " نعم ".
وقال محمد الباقر ﵀: " عالم يُنتفع بعلمه أفضل من ألف عابد ".
وقال الربيع ﵀: سمعت الشافعي يقول: " طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة ".
وقال سفيان الثوري ﵀: " ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت فيه النية ".
يقول سهل التستري ﵀: " من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء، يجيء الرجل فيقول: يا فلان أيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: طلقت امرأته، ويجيء آخر فيقول. . . وليس هذا إلا لنبي أو عالم فاعرفوا لهم ذلك ".
تحذير السلف من الجاهل: ولقد كان السلف الصالح يعدون من يتصدر للتعليم والوعظ والخطابة ولا علم له من السفلة ومحلا للاستهجان والتندر؛ لأنه يفسد أكثر مما يصلح، ويضل أكثر مما يرشد، ومن قدروا على منعه منعوه،
стр. 30
حسمًا للمفاسد التي تترتب على ولوج هذا الباب العظيم؛ لأن الجاهل بالله وبشرعه وبما جاء به رسوله ﷺ وبأصول الدين وقواعده قد يُبغّض الله تعالى إلى خلقه من حيث لا يعلم، وقد يتعاظم عند هذا الجاهل الذنب فيقنط الناس من رحمة الله، ويقطع عليهم طريق التودد إليه ، والتحبب بالطاعة والتوبة والإنابة، وقد يقرأ آثارا وأخبارا صحيحة لا يفهمها على مرادها الصحيح فيتألى على الله تعالى بإخراج مسلم من الإسلام، أو يحدث في الأمة فتنة عظيمة تأتي على الأخضر واليابس، وقد يبيح فروجا محرمة، أو يحرم فروجا مباحة، وقد يجني على مسلم فيذهب نفسه كلها أو بعضها فيستحق دعاء الرسول ﷺ : «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال» (١) أو قد يفهم نصوصا على غير مرادها، ولذلك يكمن خطر هذا الجنس عند الدهماء والعامة الذين لا يميزون الرغوة من الصريح، وينخدعون بالمظاهر لأول وهلة، فمن تزيا بزي العلماء وحدثهم بأمور الشرع والدين صدقوه على أنه من العلماء، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقد قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان " (٢) ولأجل خطورة هذا الصنف كان الولاة وأهل العلم والفتوى يحتسبون على هؤلاء ويمنعونهم من الحديث، فإن لم يستجيبوا عزروهم بما يستحقون، ويرى كثير من الفقهاء الحجر على المفتي الماجن حسما لمادة شره، فكيف بالجاهل؟ !! ومما يستأنس به في مثل هذا المقام ما ذكره العلامة ابن القيم، قال: " كان بعض خلفاء بني العباس يلعب الشطرنج، فاستأذن عليه عمه، فأذن له، وغطى الرقعة، فلما جلس، قال: يا عم، هل قرأت القرآن؟ قال: لا، قال: هل كتبت شيئا من السنة؟ قال: لا، قال: فهل نظرت في الفقه
стр. 31
واختلاف الناس؟ قال: لا، قال: فهل نظرت في العربية وأيام الناس؟ قال: لا، قال الخليفة: اكشف الرقعة ثم العب، وزال احتشامه وحياؤه منه، وقال له ملاعبه: يا أمير المؤمنين تكشفها ومعنا من تحتشم منه! قال: اسكت فما معنا أحد " (١) .
وبالجملة فإن السلف ﵏ كانوا يوصون بالعلم، ويحرضون على طلبه، ويعدونه من أهم وأجل ما ينبغي على المرء فعله، وكانوا يرجون للمتعلم، ويخافون على الجاهل من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
يقول العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في وصيته للدعاة عن ضرورة طلبهم العلم الشرعي، واعتنائهم به، ويرشدهم إلى الكتب النافعة التي يجب عليهم أن يتعاهدوها ويتعلموها قبل أن يتصدروا لتعليم الناس ووعظهم: " أعظم كتاب وأشرف كتاب أنصح به هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأنصح كل داع إلى الله وكل آمر بالمعروف وناه عن المنكر ومعلم ومدرس ومرشد - ذكرا كان أو أنثى - أن يعتني بكتاب الله ويتدبره، ويكثر من قراءته، فهو أصل كل خير، وهو المعلم وهو الهادي إلى الخير، كما قال : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] (٢) .
وهو يهدي بهداية الله إلى الطريق الأقوم إلى سبيل الرشاد، فالواجب على الدعاة والآمرين بالمعروف والمعلمين أن يجتهدوا في قراءته وتدبر معانيه، فإنهم بذلك يستفيدون الفائدة العظيمة، ويتأهلون بذلك للدعوة والتعليم بتوفيق الله ، ثم أنصح بالسنَّة، وما جاء فيها من العلم والهدى، وأن يراجع الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والمدرس - ذكورًا وإناثا - كتب الحديث وما ألفه الناس من هذا حتى يستفيد من ذلك، وأهم كتب الحديث وأصحها: (صحيح البخاري) ، و (صحيح مسلم) ، فليكثر من مراجعتهما، والاستفادة منهما ومن بقية كتب الحديث
стр. 32
(كالسنن الأربع) ، و (مسند الإمام أحمد) ، و (موطأ الإمام مالك) ، و (سنن الدارمي) وغيرها من كتب الحديث المعروفة، كما أوصي بمراجعة كتب أهل العلم المفيدة، مثل: (المنتقى للمجد ابن تيمية) ، و (رياض الصالحين) ، و (بلوغ المرام) ، و (عمدة الحديث) ، و (جامع العلم وفضله لابن عبد البر) ، و (جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب) ، و (زاد المعاد في هدي خير العباد للعلامة ابن القيم) ، و (إعلام الموقعين) ، و (طريق الهجرتين) ، و (الطرق الحكمية) كلها له أيضا. . . وكذلك ما كتبه أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية في (السياسة الشرعية) ، و (الحسبة في الفتاوى) ، و (منهاج السنة) ، فهو من الأئمة العظماء الذين جربوا هذا الأمر، وبرزوا فيه، ونفع الله به الأمة ونصر به الحق، وأذل به البدع وأهلها، فجزاه الله وإخوانه العلماء عن صبرهم وجهادهم أفضل ما جزى به المحسنين إنه جواد كريم. . . .
فأنا أنصح كل مسلم وكل معلم وكل مرشد أن يعتني بهذه الكتب المفيدة بعد العناية بكتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ . . . ".
فيا لها من وصية عظيمة تكتب بماء الذهب من عالم مجرب وداعية متمرس.
إذا علمنا أن الداعية إلى الله تعالى يجب عليه أن يتسلح بالعلم الشرعي (١) وأن مقدار إصابته الحق تكون بقدر ما يحمله من علم، وأن
стр. 33
الأمان عليه ومنه يكون على قدر فهمه لنصوص الوحيين، فما هي العلوم الواجب عليه تعلمها وإتقانها والدعوة إليها؟ !
стр. 34
[فصل في علم العقيدة]
فصل
في علم العقيدة المقصود بالعقيدة: الأحكام الاعتقادية المتعلقة بأنواع التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات (١) .
فيجب على المسلمين عمومًا وعلى الدعاة إلى الله تعالى على وجه الخصوص الاعتناء بمعرفة الله تعالى، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وآثار ذلك في الأنفس والآفاق، ووحدانيته جل وعلا في ربوبيته وأسمائه وألوهيته، وحقه على عباده، وما أخبر به من النبوة والكتب، وما سيكون في اليوم الآخر من الأحوال والأهوال؛ فيحقق أركان الإيمان الستة وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
فإن هذه أصول الدين التي يجب العلم بها واعتقادها والعمل بمقتضاها، وهي أساس الأحكام العملية؛ فإنها تتوقف عليها ولا تصح إلا بها، والدعاة هم الذي يبلغون الناس ما أنزل الله على نبيه ﷺ من العلم والهدى والنور، فلزم أن يكونوا من أولى الناس اعتناء بهذا الجانب ومحافظة عليه.
تصحيح العقيدة واجب الدعاة الأول: ولذا كان تصحيح العقيدة والاهتمام بها هي القضية الأولى التي تصدى لها الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، فإن أهم المهمات،
стр. 35
وأولى الواجبات التي قاموا بها هي الدعوة إلى تحقيق التوحيد، فيدعون الناس إلى أن يشهدوا ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويُعرّفون الناس بربهم الحق ومعبودهم الذي ليس لهم معبود سواه، وينزهونه عن ضد ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (١) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٢) .
ولقد ترجم الأنبياء ﵈ هذا الأمر إلى واقع من خلال دعوتهم الناس، فكان التوحيد من أولى أولويات دعوتهم وأهمها، ولقد بين الله تعالى ذلك بقوله حكاية عنهم وأن كلمتهم السواء: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] (٣) .
ومعنى اعبدوا أي: (وحدوا) .
يقول الناظم من أهل السنة:
أول واجب على العبيد ... معرفة الرحمن بالتوحيد
ومعرفة الله تعالى، وتحقيق الإيمان به، والإخلاص له، هو الأصل الأصيل، والركن الركين الذي يقوم عليه الدين، فهو كالقاعدة للبناء، وأي بناء لا يقوم على أصل راسخ وأساس محكم فإنه سرعان ما ينهار، فكل من فقد العقيدة الصحيحة الراسخة التي تجعله يخاف الله ويرجوه، ويرغب إليه، ويرهب منه، فيبادر إلى امتثال أوامره، والانكفاف عما نهى الله، ويعبد الله كأنه يراه، ويعتقد أن الله تعالى رقيب عليه، يسمع أقواله، ويرى
стр. 36
أفعاله، ويعلم أحواله، وسره وعلانيته، وأنه تعالى سيجزيه على ذلك، فإنه لا يبالي بترك فرض أو واجب، ولا يكف عما يعرض له من معصية الله أو ظلم لعباده إذا قدر عليه وأمن من عقوبة السلطان.
ولذا أمضى النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة كلها في الدعوة إلى (لا إله إلا الله) ، فكان يدعو إلى أن يعبد الله وحده، ويُترك الشرك به، وتُكسر الأوثان، وكان يدعو معها أيضا إلى الأمور التي اتفقت عليها شرائع المسلمين قبله من بر الوالدين، وصلة الأرحام، والصدقة، والنهي عن الزنا، وقتل الأنفس المعصومة، وأخذ الأموال بغير حق، ونحو ذلك.
فالتوحيد إذًا هو أصل الدين وقاعدته التي لا تصلح الحياة البشرية كلها في أصولها وفروعها إلا به، فإن الناس إذا عرفوا الله، وآمنوا به، ووحدوه، سهل عليهم الانقياد لفعل الأوامر واجتناب النواهي رغبة في الثواب، وخشية من العقاب والجزاء.
فينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يكون بصيرا بهذا العلم، وأن يلتزم مذهب السلف الصالح (أهل السنة والجماعة) في تأصيل العقيدة، والتوحيد، والعمل بها، والدعوة إليها، وذلك ببيان العقيدة الإسلامية الصحيحة، والاهتمام بمصادرها تأصيلا واستدلالا، وفهمًا على نصوص الوحيين، وأقوال الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ومن أهل العلم والدين السائرين على طريقة السلف الصالح، رضوان الله عليهم أجمعين.
ومن أهم ما ينصح الداعية بقراءته كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنها اعتنت بهذا المنهاج وهي من أفضل ما قرر مسائل العقيدة السلفية، وكذلك تلميذه ابن القيم ﵀، وأيضا قراءة كتب أئمة الدعوة، وبالخصوص (الدرر السنية في الأجوبة النجدية (قسم العقيدة) ، ولا ينسى الداعية كتب العقيدة التي أطلق عليها أصحابها كتب السنة مثل: كتاب (السنَّة للإمام عبد الله ابن الإمام أحمد) ، و (السنَّة للطبراني) ، و (السنَّة للخلال) ، و (السنة للأثرم) ، و (السنة لابن أبي عاصم) ، و (شرح السنة للبربهاري) ، والتي صنفت للرد على كتب البدعة والزندقة.
стр. 37
[فصل واجبنا نحو العقيدة]
[شبهات وردود]
فصل
شبهات وردود ومن تأمل في واقع معظم المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وجد أن معظم المخالفات الكبرى قد شاعت فيها، وانتشرت بين أهلها إلا من رحم الله تعالى، ومن ذلك: الشرك الأكبر، من عبادة غير الله، وذلك بالسجود لغيره قصدا، وتقديم النذور والقرابين للمقبورين، وتعظيم القبور والعكوف عندها، وكذلك: الشرك الأصغر، وأنواع البدع، وكبائر المعاصي والآثام، واتباع أكثر الناس سنن من كان قبلهم في غير الحق، وسلوكهم سبيلهم حذو القذة بالقذة.
ويكاد يكون محل اتفاق عند المشتغلين بالدعوة إلى الله تعالى على بصيرة أن سبب انتشار الشرك ووسائله والبدع بأنواعها وتأصلها في المجتمعات المسلمة هو التقصير العظيم من قبل الدعاة إلى الله في تقرير مسائل العقيدة، والدعوة إلى التوحيد، والاهتمام والانشغال بأشياء تأتي دون ذلك من جهة الترتيب والأولوية، والإغراق في الأمور السياسية التي استولت على القلوب، وأدى الاهتمام بها من قبل كثير من الدعاة إلى التقصير في الجانب العظيم من الدين.
والأهم من ذلك رسوخ بعض الشبه الإبليسية والدسائس الشيطانية في نفوس كثير من المتصدرين للدعوة إلى الله تعالى، والتي ساهمت وبشكل كبير في إضعاف هذا الجانب العظيم، مما جعل بعضهم يَزهدُ، ويُزهدُ في
стр. 38
الاعتناء بهذا الجانب المهم، وهذه الشبه ليس لها أساس متين، ولا بنيان رصين، بل لا تعدو أن تكون طنين ذباب، أو صرير باب، يردده كثير من الناس.
فمن هذه الشبه:
أ- دعوى بعضهم: أن هذا الزمان يختلف عن زمان النبي ﷺ ، وأنه لا يوجد ما يمكن أن يركز عليه في الدعوة إلى الله من الأمور الشركية والقضايا العقدية.
ب- ومن ذلك أيضا: أن الحديث عن العقيدة ومحاربة الشرك وجعلها من أولويات الدعوة يثير مشاعر الكثيرين من المسلمين، ممن ألِفوا البدع والوقوع في الشركيات، فتكون المصلحة في تركه، وذلك لغرض الاجتماع، وعدم الافتراق.
ج- ويقول آخرون: إن الحديث عن العقيدة في مثل هذا الوقت لا تجد من يسمع له، وذلك لانشغال المسلمين بما يفعله عدوهم من الكيد والمكر والعدوان، فيحتاجون إلى التركيز على الجوانب السياسية لمواجهة العدو، فهي من أولى المهمات في الوقت الراهن، وتبقى قضية تصحيح العقيدة راجعة إلى ظرفها.
ونحو هذه الشبه التي يُدرك فسادها ووهاؤها بمقدمات العقول قبل أواخرها.
[فساد العقيدة هو سبب مصائب المسلمين]
فساد العقيدة هو سبب مصائب المسلمين: وفي حقيقة الأمر أنه ما وقعت الفتنة، ولا حصلت الفرقة، ولا تشرذم المسلمون طرائق، وتمزقوا حذائق؛ إلا بسبب إهمال الدعاة والعلماء لجانب العقيدة، فإنا لله وإنا إليه راجعون!!
وما برزت الطفيليات المذهبية على السطح من اشتراكية وشيوعية ورأسمالية وقومية وغيرها كثير، وأُشرب حبها كثير من المسلمين إلا بسبب إهمال الحديث عن العقيدة.
стр. 39
وما استنكر الناسُ بعض مسائل التوحيد، وعسرت على كثير من المسلمين السنن، وما نجمت البدعة، ولا شُيدت القباب والأضرحة إلا بسبب ترك الحديث عن العقيدة، والتي هي قطب رحى الأعمال، ومدار القبول، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] (١) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٢) .
وما تسلط العدو، ولا انقلب حال الدهر، ولا سُلب المسلمون عادة الظهور والقهر، وما بدل الله حالنا إلى ما نحن عليه؛ إلا بسبب ضياع العقيدة والتوحيد من نفوس المسلمين وواقعهم، وقيام رموز الوثنية، وانتشار المعالم الشركية، وغربة التوحيد وأهله.
فليكن الداعية إلى الله تعالى على حذر من التلبيسات الباطلة والشبه الباهتة، فنحن كما أننا مأمورون باتباع النبي ﷺ في العقيدة والعبادة والسلوك، بل وفي قضايانا الاجتماعية، كذلك يجب علينا متابعته ﷺ في منهجه في الدعوة إلى الله تعالى، وطريقته في التبليغ، وأن نبدأ بما بدأ به، وأن نركز على ما ركز عليه، وألا نجعل من منهج الدعوة إلى الله تعالى محلا للاجتهاد والأخذ والرد، ونُحدث لهذه الدعوة أصولا وقوانين جديدة من عند أنفسنا لم تثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، فنجعل من أمر التوحيد مثلا والدعوة إليه أمرا ثانويا فرعيا، ونزعم أن المصلحة تقتضي ذلك.
إن المصلحة الحقيقية كامنة في اتباعه ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] (٣) .
стр. 40
وإن تأخر النصر على المسلمين، أو عدم استجابة المدعوين، أو مرور المسلمين بظرف ما، لا يسوغ أبدا إحداث أمر يخالف ما عليه الرسول ﷺ فقضية هداية التوفيق، أو نزول النصر والفتح، أو غير ذلك ليست إلينا، فنحن مأمورون بإحسان الطريق فقط، والنتائج ليست إلينا، ولا بأيدينا، إنما هي بيد الله تعالى القائل: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] (١) .
وبسبب عدم فهم هذه القضية حق الفهم تفرق الناس طرفين ووسط، فذهب فريق إلى التواكل، وعدم العمل، والاتكاء على كلمة صدق وحق، ولكن أرادوا بها باطلًا، وهي أن الهداية بيد الله تعالى، وأنه مهما عملنا فمن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا، وهذا خلل كبير، وصاحبه على خطر عظيم، خاصة إذا كان ممن عناهم أمر الدعوة والتبليغ، فيخشى أن يضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ويلعنهم كما لعن من كان قبلهم.
يقول تعالى لنبيه ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (٢) .
ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٣) .
ويقول تعالى واصفا حال هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٤) .
[قاعدة الغاية تبرر الوسيلة]
قاعدة الغاية تبرر الوسيلة: والفريق الآخر ذهب إلى استنفار جميع ما يمكن من وسائل وأساليب في سبيل الوصول إلى الغاية، بغض النظر عن حِل الوسيلة أو عدم جوازها،