← Общие книги

Общие книги · id 30916

البصيرة في الدعوة إلى الله

عزيز بن فرحان العنزي

Полный текст (132 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أفعاله، ويعلم أحواله، وسره وعلانيته، وأنه تعالى سيجزيه على ذلك، فإنه لا يبالي بترك فرض أو واجب، ولا يكف عما يعرض له من معصية الله أو ظلم لعباده إذا قدر عليه وأمن من عقوبة السلطان. ولذا أمضى النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة كلها في الدعوة إلى (لا إله إلا الله) ، فكان يدعو إلى أن يعبد الله وحده، ويُترك الشرك به، وتُكسر الأوثان، وكان يدعو معها أيضا إلى الأمور التي اتفقت عليها شرائع المسلمين قبله من بر الوالدين، وصلة الأرحام، والصدقة، والنهي عن الزنا، وقتل الأنفس المعصومة، وأخذ الأموال بغير حق، ونحو ذلك. فالتوحيد إذًا هو أصل الدين وقاعدته التي لا تصلح الحياة البشرية كلها في أصولها وفروعها إلا به، فإن الناس إذا عرفوا الله، وآمنوا به، ووحدوه، سهل عليهم الانقياد لفعل الأوامر واجتناب النواهي رغبة في الثواب، وخشية من العقاب والجزاء. فينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يكون بصيرا بهذا العلم، وأن يلتزم مذهب السلف الصالح (أهل السنة والجماعة) في تأصيل العقيدة، والتوحيد، والعمل بها، والدعوة إليها، وذلك ببيان العقيدة الإسلامية الصحيحة، والاهتمام بمصادرها تأصيلا واستدلالا، وفهمًا على نصوص الوحيين، وأقوال الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ومن أهل العلم والدين السائرين على طريقة السلف الصالح، رضوان الله عليهم أجمعين. ومن أهم ما ينصح الداعية بقراءته كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنها اعتنت بهذا المنهاج وهي من أفضل ما قرر مسائل العقيدة السلفية، وكذلك تلميذه ابن القيم ﵀، وأيضا قراءة كتب أئمة الدعوة، وبالخصوص (الدرر السنية في الأجوبة النجدية (قسم العقيدة) ، ولا ينسى الداعية كتب العقيدة التي أطلق عليها أصحابها كتب السنة مثل: كتاب (السنَّة للإمام عبد الله ابن الإمام أحمد) ، و (السنَّة للطبراني) ، و (السنَّة للخلال) ، و (السنة للأثرم) ، و (السنة لابن أبي عاصم) ، و (شرح السنة للبربهاري) ، والتي صنفت للرد على كتب البدعة والزندقة.

стр. 37

[فصل واجبنا نحو العقيدة] [شبهات وردود] فصل شبهات وردود ومن تأمل في واقع معظم المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وجد أن معظم المخالفات الكبرى قد شاعت فيها، وانتشرت بين أهلها إلا من رحم الله تعالى، ومن ذلك: الشرك الأكبر، من عبادة غير الله، وذلك بالسجود لغيره قصدا، وتقديم النذور والقرابين للمقبورين، وتعظيم القبور والعكوف عندها، وكذلك: الشرك الأصغر، وأنواع البدع، وكبائر المعاصي والآثام، واتباع أكثر الناس سنن من كان قبلهم في غير الحق، وسلوكهم سبيلهم حذو القذة بالقذة. ويكاد يكون محل اتفاق عند المشتغلين بالدعوة إلى الله تعالى على بصيرة أن سبب انتشار الشرك ووسائله والبدع بأنواعها وتأصلها في المجتمعات المسلمة هو التقصير العظيم من قبل الدعاة إلى الله في تقرير مسائل العقيدة، والدعوة إلى التوحيد، والاهتمام والانشغال بأشياء تأتي دون ذلك من جهة الترتيب والأولوية، والإغراق في الأمور السياسية التي استولت على القلوب، وأدى الاهتمام بها من قبل كثير من الدعاة إلى التقصير في الجانب العظيم من الدين. والأهم من ذلك رسوخ بعض الشبه الإبليسية والدسائس الشيطانية في نفوس كثير من المتصدرين للدعوة إلى الله تعالى، والتي ساهمت وبشكل كبير في إضعاف هذا الجانب العظيم، مما جعل بعضهم يَزهدُ، ويُزهدُ في

стр. 38

الاعتناء بهذا الجانب المهم، وهذه الشبه ليس لها أساس متين، ولا بنيان رصين، بل لا تعدو أن تكون طنين ذباب، أو صرير باب، يردده كثير من الناس. فمن هذه الشبه: أ- دعوى بعضهم: أن هذا الزمان يختلف عن زمان النبي ﷺ ، وأنه لا يوجد ما يمكن أن يركز عليه في الدعوة إلى الله من الأمور الشركية والقضايا العقدية. ب- ومن ذلك أيضا: أن الحديث عن العقيدة ومحاربة الشرك وجعلها من أولويات الدعوة يثير مشاعر الكثيرين من المسلمين، ممن ألِفوا البدع والوقوع في الشركيات، فتكون المصلحة في تركه، وذلك لغرض الاجتماع، وعدم الافتراق. ج- ويقول آخرون: إن الحديث عن العقيدة في مثل هذا الوقت لا تجد من يسمع له، وذلك لانشغال المسلمين بما يفعله عدوهم من الكيد والمكر والعدوان، فيحتاجون إلى التركيز على الجوانب السياسية لمواجهة العدو، فهي من أولى المهمات في الوقت الراهن، وتبقى قضية تصحيح العقيدة راجعة إلى ظرفها. ونحو هذه الشبه التي يُدرك فسادها ووهاؤها بمقدمات العقول قبل أواخرها. [فساد العقيدة هو سبب مصائب المسلمين] فساد العقيدة هو سبب مصائب المسلمين: وفي حقيقة الأمر أنه ما وقعت الفتنة، ولا حصلت الفرقة، ولا تشرذم المسلمون طرائق، وتمزقوا حذائق؛ إلا بسبب إهمال الدعاة والعلماء لجانب العقيدة، فإنا لله وإنا إليه راجعون!! وما برزت الطفيليات المذهبية على السطح من اشتراكية وشيوعية ورأسمالية وقومية وغيرها كثير، وأُشرب حبها كثير من المسلمين إلا بسبب إهمال الحديث عن العقيدة.

стр. 39

وما استنكر الناسُ بعض مسائل التوحيد، وعسرت على كثير من المسلمين السنن، وما نجمت البدعة، ولا شُيدت القباب والأضرحة إلا بسبب ترك الحديث عن العقيدة، والتي هي قطب رحى الأعمال، ومدار القبول، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] (١) . وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٢) . وما تسلط العدو، ولا انقلب حال الدهر، ولا سُلب المسلمون عادة الظهور والقهر، وما بدل الله حالنا إلى ما نحن عليه؛ إلا بسبب ضياع العقيدة والتوحيد من نفوس المسلمين وواقعهم، وقيام رموز الوثنية، وانتشار المعالم الشركية، وغربة التوحيد وأهله. فليكن الداعية إلى الله تعالى على حذر من التلبيسات الباطلة والشبه الباهتة، فنحن كما أننا مأمورون باتباع النبي ﷺ في العقيدة والعبادة والسلوك، بل وفي قضايانا الاجتماعية، كذلك يجب علينا متابعته ﷺ في منهجه في الدعوة إلى الله تعالى، وطريقته في التبليغ، وأن نبدأ بما بدأ به، وأن نركز على ما ركز عليه، وألا نجعل من منهج الدعوة إلى الله تعالى محلا للاجتهاد والأخذ والرد، ونُحدث لهذه الدعوة أصولا وقوانين جديدة من عند أنفسنا لم تثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، فنجعل من أمر التوحيد مثلا والدعوة إليه أمرا ثانويا فرعيا، ونزعم أن المصلحة تقتضي ذلك. إن المصلحة الحقيقية كامنة في اتباعه ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] (٣) .

стр. 40

وإن تأخر النصر على المسلمين، أو عدم استجابة المدعوين، أو مرور المسلمين بظرف ما، لا يسوغ أبدا إحداث أمر يخالف ما عليه الرسول ﷺ فقضية هداية التوفيق، أو نزول النصر والفتح، أو غير ذلك ليست إلينا، فنحن مأمورون بإحسان الطريق فقط، والنتائج ليست إلينا، ولا بأيدينا، إنما هي بيد الله تعالى القائل: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] (١) . وبسبب عدم فهم هذه القضية حق الفهم تفرق الناس طرفين ووسط، فذهب فريق إلى التواكل، وعدم العمل، والاتكاء على كلمة صدق وحق، ولكن أرادوا بها باطلًا، وهي أن الهداية بيد الله تعالى، وأنه مهما عملنا فمن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا، وهذا خلل كبير، وصاحبه على خطر عظيم، خاصة إذا كان ممن عناهم أمر الدعوة والتبليغ، فيخشى أن يضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ويلعنهم كما لعن من كان قبلهم. يقول تعالى لنبيه ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (٢) . ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٣) . ويقول تعالى واصفا حال هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (٤) . [قاعدة الغاية تبرر الوسيلة] قاعدة الغاية تبرر الوسيلة: والفريق الآخر ذهب إلى استنفار جميع ما يمكن من وسائل وأساليب في سبيل الوصول إلى الغاية، بغض النظر عن حِل الوسيلة أو عدم جوازها،

стр. 41

وهم يسيرون على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، سواء قالوها بألسنتهم أو ترجمتها أفعالهم، ولذلك تجد هذا الصنف كثير التخبط والتقلب والترحل في أمور الدنيا والدين، ويغلب على من سلك هذا السبيل الطيش، والعجلة، والتهور، والمغامرة. وهذا الفكر ينزع في الغالب إلى التسخط على الناس، ورميهم بالعظائم؛ كتكفيرهم وإخراجهم من الملة لاعتقادهم وجوب استجابة الناس لكل ما يدعون إليه، ولزوم امتثالهم للنصيحة، وهذا ليس من منهج أهل السنَّة والجماعة. يقول ابن حزم الأندلسي ﵀: ". . . ولا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة وملك لا مؤدي حق أمانة وأخوة، وليس هذا حكم العقل، ولا حكم الصداقة، ولكن حكم الأمير مع رعيته، والسيد مع عبده " (١) . وقد يحصل منهم أيضا جناية على الدين وأحكامه، وأيضا جناية على المسلمين، وذلك باستعمالهم وسائل غير مشروعة، قد تعود بالضرر على المسلمين أفرادا أم جماعات. وأما الوسط فهم أهل الحق والصواب الذين يعتقدون أن هداية التوفيق بيد الله تعالى، ولكن ذلك لا يمنعهم من العمل والدعوة والتبليغ، بل يتفانون فيهما، ويبذلون أقصى ما يمكنهم، ولكن وفق المنهج الشرعي الذي جاء به نبينا محمد ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. [أصحاب المنهج الحق] أصحاب المنهج الحق: وأهل هذا المنهج هم نتاج البيئة العلمية النظيفة التي لم تكدرها بدعة ولا خرافة، ولم يَشُبها شيء من هوى النفوس، المقتدون بالعلماء الربانيين، السائرون على طريقة السلف الصالح، رضوان الله عليهم أجمعين،

стр. 42

ولذلك تجدهم من أكثر الناس ثباتا، وألينهم عريكة، وأوسعهم أفقا، وفي التاريخ القريب والبعيد خير شاهد على ما أقول. وفي الفتن تجد هذا الصنف على طول الزمان من أوفق الناس تعاملا معها، وإعمالا لقواعد المصالح والمفاسد، وفهما للوسائل والمقاصد، فدعوتهم كشجرة أصلها ثابت، وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. فعلى الداعية إلى الله تعالى الانقياد التام، والتسليم الكامل للنبي ﷺ ، وتقديم قوله ومنهجه ورأيه على قول كل أحد من البشر، وأن يجعل هواه تبعا لما جاء عن النبي ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (١) .

стр. 43

[فصل في منهج الدعوة إلى الله تعالى] فصل في منهج الدعوة إلى الله تعالى ولتعلم - أرشدني الله وإياك للحق والصواب - أن منهج الدعوة إلى الله تعالى أمر توقيفي؛ لأن الدعوة إلى الله عبادة من العبادات، وقربة من القرب. فالدعوة إلى الله تعالى ليست أرضا مباحة لكل أحد، يجتهد فيها وفق ذوقه ورأيه بل لا بد فيها من التسليم والاتباع التام للنبي ﷺ . وأوقفك - أوقفني الله وإياك مواطن رضاه - إلى جواب فصل في هذه المسألة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ذكر فيه نكتا ولُمعا لا يستغني عنها داعية، ولا طالب علم، وذلك في معرض جوابه على سؤال أورد عليه وهو: " وسئل. . . عن جماعة يجتمعون على قصد الكبائر من القتل وقطع الطريق والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك. ثم إن شيخا من المشايخ المعروفين بالخير واتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك، فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعا (١) يجتمعون فيه بهذه النية، وهو بدف بلا صلاصل (٢)

стр. 44

وغناء المغني بشعر مباح بغير شبابة، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة، وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي يتورع عن الشبهات، ويؤدي المفروضات، ويجتنب المحرمات. فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه لما يترتب عليه من المصالح مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا؟ ". فأجاب ﵀ فقال: الحمد لله رب العالمين. أصل جواب هذه المسألة وما أشبهها: أن يعلم أن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأنه أكمل له ولأمته الدين كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١) . وأنه بشر بالسعادة لمن أطاعه، والشقاوة لمن عصاه، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] (٣) وأمر الخلق أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعثه به، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٤) . وأخبر أنه يدعو إلى الله وإلى صراطه المستقيم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] (٥) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] (٦) وأخبر أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحل

стр. 45

الطيبات ويحرم الخبائث، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] (١) . وقد أمر الله الرسول ﷺ بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب، وحرم كل خبيث، وثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم» (٢) وثبت عن العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، قال: فقلنا: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٣) . وثبت عنه ﷺ أنه قال: «ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا قد أمرتكم به، وما تركت شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه» (٤) . وقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (٥) .

стр. 46

وشواهد هذا الأصل العظيم الجامع من الكتاب والسنة كثيرة، وترجم عليه أهل العلم في الكتب " كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة " كما ترجم عليه البخاري والبغوي وغيرهما، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين. وكان السلف - كمالك وغيره - يقولون: السُّنَّة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق. وقال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة. إذا عرف هذا فمعلوم أن ما يهدي الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به على العاصين لا بد أن يكون فيما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة، وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول ﷺ لا يكفي في ذلك لكان دين الرسول ناقصا محتاجا تتمة. وينبغي أن يُعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب والأعمال الفاسدة نهى الله عنها. والعمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة فإن الشارع حكيم إن غلبت مصلحته على مفسدته شَرَعَه، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه، بل نهى عنه، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] (١) . وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] (٢) . ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك، وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربا إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله؛ فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه وإلا فلو كان نفعه أعظم غالبا على ضرره لم يهمله الشارع، فإنه ﷺ

стр. 47

حكيم لا يهمل مصالح الدين، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين. إذا تبين هذا فنقول للسائل: إن الشيخ المذكور قصد أن يُتَوِّب المجتمعين على الكبائر، فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعي، يدل أن الشيخ جاهلٌ بالطرق الشرعية التي بها تتوب العصاة، أو عاجز عنها؛ فإن الرسول ﷺ والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية التي أغناهم الله بها عن الطرق البدعية. فلا يجوز أن يقال: إنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه ما يتوب به العصاة، فإنه قد علم بالاضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعي؛ بل السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - وهم خير أولياء الله المتقين من هذه الأمة - تابوا إلى الله تعالى بالطرق الشرعية لا بهذه الطرق البدعية. وأمصار المسلمين وقراهم قديما وحديثا مملوءة ممن تاب إلى الله واتقاه وفعل ما يحبه الله ويرضاه بالطرق الشرعية، لا بهذه الطرق البدعية، فلا يمكن أن يقال: إن العصاة لا تمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية، بل قد يقال: إن في الشيوخ من يكون جاهلا بالطرق الشرعية عاجزا عنها، ليس عنده علم بالكتاب والسنَّة وما يخاطب به الناس ويسمعهم إياه مما يتوب الله عليهم فيعدل هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية - إما مع حسن القصد إن كان له دين، وإما أن يكون غرضه الترؤس عليهم، وأخذ أموالهم بالباطل - كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] (١) فلا يعدل أحد عن الطرق الشرعية إلى البدعية إلا لجهل، أو عجز، أو غرض فاسد " (٢) اهـ.

стр. 48

[فصل في الإكثار من الحديث عن العقيدة] فصل في الإكثار من الحديث عن العقيدة فإذا وفق الله الداعية، ونال نصيبا وافرا من هذا العلم العظيم، فعليه أن يكثر من الحديث عن أمور العقيدة، والتوحيد، والنهي عن الشرك ووسائله، والكفر وذرائعه، تأسيا بالأنبياء ﵈، وسيرًا على طريقة السلف الصالح، وأن يجعلها أهم مهماته، وأولى بداياته، فإن هذه هي وظيفة الأنبياء والمرسلين - كما تقدم - وأتباعهم إلى يوم القيامة، وليحذر أشد الحذر من إغفال الكلام عن الشرك، ووسائله، والخرافة، وخصال الجاهلية الباقية في الأمة، والتي تقل في وقت، وتكثر في آخر، وغيرها من القوادح، والانشغال بما هو من نتائجها. وعليه، إن وُفِّق للتصنيف أيضا أن يشتغل بالكتابة، والرد على المناوئين لهذه العقيدة، والمخالفين لها من أهل الأهواء والبدع من سائر الطوائف، وتفنيد شبههم، والرد على افتراءاتهم في النصوص الشرعية، وتلبيساتهم الكلامية والعقلية، وذلك باستخدام الوسائل الممكنة والمتاحة لإيصال الحق وتبليغه ودفع الباطل وتبكيته. وقد يكون من الواجب على الداعية مطالعة الردود السلفية التي كتبها علماء السنة على أهل البدع في القديم والحديث، للدُربة أولا، وللوقوف على ما لا يمكن أن يجده الداعية في كثير من الكتب من الأدلة السمعية والعقلية.

стр. 49

[فصل في علم السنة] [حث السلف على التمسك بالسنَّة] فصل في علم السنة ومن العلوم التي يجب على الداعية معرفتها والاعتناء بها علم السنة، فإنه لا يمكن أن يُعرف الصحيح من الضعيف والموضوع من الحديث إلا بمعرفة السنَّة وعلومها. ولذلك من العي في الداعية ألا يكون ذا معرفة أو اطلاع على هذا الفن العظيم؛ لأنه قد يبني مسألة أو حكما أو يتحدث في قضية يكون مصدرها وأساسها حديثا ضعيفا أو موضوعا، وهذا مما يُعجل في سرعة سقوطه، ويكون سببا في فقدان الثقة به، وفوق ذلك القول على الله بلا علم. قال الشعبي ﵀: إنما هلكتم حين تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس. ومتى يعرف الناس السنة، إذا كان الداعية إلى الله تعالى لا يحسنها، وهو الموجه لهم، والمصوب لخطئهم، والمقوم لاعوجاجهم. فعن العرباض بن سارية ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :. . «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١) .

стр. 50

ولقد حث النبي ﷺ على حمل السنة وتبليغها للناس، وبين ما للداعية إلى السنة من الأجر العظيم، والثواب الجزيل. فعن زيد بن ثابت ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها» (١) . حث السلف على التمسك بالسنَّة: وقد وردت آثار كثيرة عن السلف الصالح تحث على الاعتناء بجانب السنة والاهتمام بها، وجعلها من أولويات الطلب والتعليم والدعوة، فمن ذلك (٢) . قول سفيان الثوري ﵀: إنما العلم كله بالآثار. وقول الأوزاعي ﵀: عليك بالأثر وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي، وأنت فيه على طريق مستقيم. وقوله أيضا: إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث، فإياك أن تأخذ بغيره، فإنه كان مبلغا عن الله. وعن سعيد بن جبير ﵀، عن ابن عباس ﵄ قال: «تمتع رسول الله ﷺ » فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون - أو يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء - أقول: قال رسول الله ﷺ ، ويقول: نهى أبو بكر وعمر. ومع هذا الاهتمام الشديد من السلف الصالح - رضوان الله عليهم - فإن هذا الأمر قد يتأكد وجوبه وشدة العناية به على الدعاة إلى الله تعالى

стр. 51

في هذا الوقت بالخصوص؛ وذلك لكثرة انتشار الأحاديث الضعيفة والمكذوبة، وكثرة المروجين لها، ناهيك عن التعصب لأقوال الرجال، ونصبها للانتصار، والموالاة والمعاداة عليها وترك سنة النبي ﷺ ، وسنة أصحابه رضوان الله عليهم، فأصبح كثير من الناس سواء في المسائل العملية الفروعية أو في المسائل الفكرية والمنهجية يذكر من أقوال شيخه وإمامه أو من تأثر به من الأشخاص ويستدل بها أكثر من ذكره لسنة النبي ﷺ واستدلاله بها، وبما قاله أصحابه ﵃ حتى أصبحت السنة مهجورة، وعندما تذكر فإنها تعرض باستحياء ووجل، فإنا لله وإنا إليه راجعون. [احتراز] احتراز: ونحتاج - أيها الموفق - ونحن في غمرة الحث على التزام السنَّة، وحشد النصوص الكثيرة الآمرة باتباعها، وضرورة إشاعتها، ودعوة الناس إليها، إلى أن نتنبه وإياك إلى أن الدعوة إلى تطبيق السنة ينبغي أن تكون بالرفق واللين لا بالعنف والغلظة والمخاصمة. كلا! فالواجب في حق الداعية إلى الله تعالى على بصيرة أن يُعرف الناس بالسنة، وأن ينشرها بقوله وعمله، وذلك من غير خصومة ولا عنف، وإنما بالتحبيب واللين خاصة إذا علمنا أن الناس قد ألفوا كثيرا من الأمور المخالفة للسنة، وهم على ذلك منذ عهد بعيد، يَشِبُّ عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، فكان من البصيرة أن تكون الدعوة إلى السنة باللين واللطف، وقد قرر هذا غير واحد من أهل السنة. فقد سأل رجلٌ الإمام أحمد ﵀ فقال: أكون في المجلس فتذكر فيه السنة لا يعرفها غيري أفأتكلم بها؟ فقال: أخبر بالسنة، ولا تخاصم عليها، فعاد عليه القول فقال: ما أراك إلا رجلا مخاصما. وقال صالح ابن الإمام أحمد ﵀: سألت أبي عن رجل يبتلى بأرض ينكرون فيها رفع اليدين في الصلاة، وينسبونه إلى الرفض، إذا فعل ذلك هل يجوز له ترك الرفع؟ قال أبي: لا يترك، ولكن يداريهم.

стр. 52

[فصل في الوسائل لفهم نصوص الوحيين] فصل في الوسائل لفهم نصوص الوحيين وينبغي أن يكون للداعية إلى الله تعالى اهتمام في بعض العلوم والفنون، والتي يستطيع من خلالها فهم نصوص الوحيين، ومن ذلك: أولا: تفسير القرآن العظيم، وليكن اهتمامه منصبا على التفاسير الخالية من البدعة، أو المشحونة بالنقولات عن بني إسرائيل، أو المليئة بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، إلا أن يكون مميزا للصحيح من غيره، وعنده أدوات التمييز في هذا الشأن، ومن أفضل ما يوصى به: تفسير ابن جرير الطبري، وتفسير ابن كثير، وتفسير البغوي، وتفسير السعدي. ثانيا: شروح الحديث، وسيأتي مزيد بيان عليها. ثالثا: الآثار الصحابية، فالداعية إلى الله تعالى لا بد أن تكون له عناية كبيرة بالآثار عن الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، فإن من علامة التوفيق للداعية أن يفهم ما يشكل عليه من النصوص بأقوال الصحابة ومن تبعهم، فإنهم شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وقولهم مقدم على من جاء بعدهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وانظروا إلى عموم كلام الله ورسوله لفظا ومعنى حتى تعطيه حقه، وأحسن ما استدل به على معناه آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده، فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة، وجريها على الأصول الثابتة " (١) .

стр. 53

وقال ﵀ مبينا منزلة الصحابة في الدين: " وللصحابة فهمٌ في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين، كما أن لهم معرفة بأمور السنَّة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين؛ فإنهم شهدوا الرسول والتنزيل، وعاينوا الرسول وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله ما يستدلون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك. . . " (١) . رابعًا: العلوم المساعدة، والمقدمات في العلوم والفنون؛ كأصول الفقه، والقواعد الفقهية، والمصطلح، وغيرها من هذا الجنس من العلوم. خامسا: الإعراب: خشية الوقوع في اللحن، ولفهم مراد الشارع الحكيم. وقد ذكر بعض أهل العلم أن من العلوم التي تلزم صاحب الحديث معرفته للإعراب؛ لئلا يلحن، وليورد الحديث على الصحة. ولذلك يشين بالداعية إلى الله تعالى أن يلحن في الحديث، ويسقط قدره عند ذلك. قال عبد الملك بن مروان ﵀: اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدري في الوجه. وقال ابن شبرمة ﵀: إذا سرك أن تعظم في عين من كنت في عينه صغيرا، أو يصغر في عينك من كان فيها كبيرا، فتعلم العربية؛ فإنها تجرئك على المنطق، وتدنيك من السلطان.

стр. 54

[فصل في العناية بمعرفة الأحكام] فصل في العناية بمعرفة الأحكام والمقصود: ما يحتاجه الناس من أمور العبادات، والمعاملات، وغير ذلك من شؤونهم الخاصة والعامة، فينبغي للداعية أن يكون بصيرا بهذا كله، وأن يعتني بمعرفة الأحكام الشرعية على التفصيل، وتحقيق المسائل، وذلك بالرجوع إلى كتب أهل العلم في كل فن، مثل كتب المحدثين، والمفسرين، والفقهاء، ويراجع الأكابر من أهل العلم المعاصرين للإفادة من تجاربهم في التعليم والفتوى، وفقه الخلاف، ويتدرب على معرفة الراجح فيما فيه اختلاف، ووجه رجحانه، ومعرفة أدلة المخالفين من أهل المذاهب المعتبرة؛ لأن من الفقه معرفة الخلاف، كما قال سعيد بن جبير ﵀: أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف. وليس المقصود بمعرفة الاختلاف حفظ الأقوال في المسألة الواحدة عن الأئمة الأربعة وغيرهم فقط، فهذا قد يحسنه كل أحد، وبإمكان أصغر طويلب علم أن يراجع بداية المجتهد لابن رشد، أو المغني لابن قدامة، ويقول: في المسألة قولان، أو ثلاثة أقوال، وإنما المقصود معرفة قواعد الأئمة وأصولهم، وطريقة استنباطهم للأحكام، وكيفية تعامل فقهاء المذاهب مع أصول الأئمة. فمعرفة هذا الأمر تورث الداعية إلى الله تعالى ملكة في كيفية التعامل مع النصوص الشرعية، وكيفية الاستنباط، وسعة الأفق، ومعرفة الراجح في المسألة، ووجه رجحانه، وتزرع في قلبه محبة لهؤلاء الأفذاذ من أهل

стр. 55

العلم، عندما يقف على اجتهاداتهم واستنباطاتهم، وأنهم على علم عميق، وفهم دقيق، فرحمهم الله، وأعلى درجتهم، آمين. وينبغي على الداعية إلى الله تعالى على بصيرة أيضا أن يعتني بالكتب التي شرحت الأحاديث على طريقة الفقهاء، وأيضًا لا يغفل قراءة فتاوى وتقريرات العلماء الأكابر المقروءة منها والمسموعة. فالداعية إلى الله تعالى لا يكفيه أن يعرف ظاهر السنة فقط، بل لا بد من الغوص في فقهها، وجمع الأحاديث في الباب الواحد، وطريقة الترجيح في حال التعارض الذهني بينها. فإن هذه هي الطريقة السلفية والمحجة الصحابية التي ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله تعالى أحق بها وأهلها. فكما أن السلف الصالح حاربوا ظاهرة اعتماد أقوال الرجال، والتعصب والانتصار لها، وليّ أعناق النصوص وإخضاعها وفق قواعد الأئمة، فإنهم أيضا خطأوا ما ذهب إليه بعضهم من اعتماد ظاهر الحديث دون النظر إلى فقهه، ولقبوا أصحاب هذا النمط من التعامل مع النصوص بالظاهرية، لوقوفهم على ظاهرة النص فقط. ولذلك نجد في نصوص الأئمة الأكابر تغليظا على صنفين من أهل الحديث، صنف أوغل في معرفة الأسانيد فقط، وذهب فيها أبعد مذهب، وتوسعوا فيها توسعًا زائدًا عن حده في معرفة طرق الحديث وعلله حتى فاتهم الفقه. وصنف اهتم بظاهر النص، ولم يلتفت إلى فقهه، ولا الحكمة والتعليل فيه، إن كان مما يصلح فيه التعليل. [حث الأئمة على التفقه] حث الأئمة على التفقه: وإليك - يا رعاك الله - بعض النقولات عن الأئمة في فضل الفقه (١)

стр. 56

وضرورة إتقانه، والنهي عن الانشغال عنه، قال أحمد بن الحسن الترمذي ﵀: سمعت أبا عبد الله يعني: الإمام أحمد يقول: إذا كان يعرف الحديث ويكون معه فقه أحب إليَّ من حفظ الحديث ولا يكون معه فقه. وقال الأثرم ﵀: سأل رجل أبا عبد الله عن حديث، فقال أبو عبد الله: الله المستعان تركوا العلم، وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم. وقال الشافعي ﵀ ليونس بن عبد الأعلى: عليك بالفقه فإنه كالتفاح الشامي يحمل من عامه. وقال ابن الجوزي ﵀: الفقه عمدة العلوم. وأملى الشافعي ﵀ على مصعب بن عبد الله بن الزبير أشعار هذيل ووقائعها وأيامها حفظا، فقال له: يا أبا عبد الله، أين أنت بهذا الذهن عن الفقه؟ فقال: إياه أردت. وقال محمد بن الحسن ﵀: كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام، وكان يقول: لعن الله عمرو بن عبيد لقد فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم. وقال الربيع ﵀: مر الشافعي بيوسف بن عمرو وهو يذكر شيئا من الحديث فقال: يا يوسف، تريد تحفظ الحديث وتحفظ الفقه؟ ! هيهات. ومن البصيرة في هذا الباب العظيم: أن يتفطن الداعية إلى الله تعالى على بصيرة إلى أن العلم ليس هو الحفظ فقط، أو الوصول إلى الراجح من الأقوال بل هو الفقه في أدائه وتبليغه، فليس كل ما يعرف يقال، ولذلك من اللازم على طالب العلم معرفة المعتمد من الفتوى عند أهل البلد، والفقه في التعامل مع هذا المعتمد، الذي خالفه باجتهاد رآه مثلا، مع الأخذ بالاعتبار توفر أدوات الاجتهاد والاستنباط عند الداعية المجتهد،

стр. 57

فقاعدة الشرع التي لا تنخرم هي وجوب الاجتماع، وبذل أسبابه ووسائله، والنهي عن الافتراق وسد ذرائعه ومفضياته، ولذلك من البصيرة أن يحتفظ الداعية في المسألة التي اجتهد فيها، وهو في بلد يعتمد خلاف ذلك، مما يسوغ فيه الخلاف، بل قد يحتفظ بما عنده، ولو كان مما لا يسوغ فيه الخلاف، من اختلاف التضاد، إذا كانت المخالفة تفضي إلى مفسدة راجحة، متحققة كانت أو مظنونة، خاصة إذا كان في بلد قد أوغل أهله في البدعة وفي التعصب لأصحاب المذاهب أو لأقوال الرجال. ومن البصيرة في أبواب الفقه: أن يحتاط الداعية للعامة في الأشياء الجائزة لسد باب التساهل أو الخلل، وهذا هو منهج الأئمة ﵏، ولعل من المناسب أن نضرب على ذلك مثالا: فقد سئل مالك ﵀ عن المرة الواحدة في الوضوء، قال: لا، الوضوء مرتان مرتان، أو ثلاث ثلاث، مع أنه لم يحد في الوضوء ولا في الغسل إلا ما أسبغ. قال اللخمي ﵀: " وهذا احتياط وحماية؛ لأن العامي إذا رأى من يقتدي به يتوضأ مرة فعل مثل ذلك، وقد لا يحسن الإسباغ بواحدة، فيوقعه فيما لا تجزئ الصلاة به " (١) . [خطر الإفتاء بغير علم] خطر الإفتاء بغير علم: ولا يضر الداعية أن يتوقف في المسائل المشكلة التي لم يتبين فيها وجه الصواب، أو لم يحضره الدليل، فلا شيء يعدل السلامة، فيسعه ما وسع غيره من أهل العلم، بل الجهابذة من العلماء كانوا يتوقفون في المسائل التي لا يحضرهم الدليل فيها، ويقولون: لا نعلم، وجعلوا من نصف العلم قول " لا أعلم " حتى إن التوقف في المسائل الفروعية مذهب مرتضى يذكره الفقهاء في كتب الخلاف.

стр. 58

قال ابن عباس ﵄: إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله. وقال مالك ﵀: كان يقال: إذا أَغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله. وقال: كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين، وسيد العالمين، يُسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء. وقال الشعبي ﵀: لا أدري نصف العلم. وقال أحمد ﵀ في رواية المروذي: كان مالك يُسأل عن الشيء فيقدم ويؤخر يتثبت، وهؤلاء يقيسون على قوله ويقولون: قال مالك. عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: مِنْ علم الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم؛ لأن الله قال لرسوله ﵊: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (١) . وقال الإمام أحمد ﵀ في رواية المروذي: ليس كل شيء ينبغي أن يتكلم فيه، وذكر حديث النبي ﷺ : «كان يُسأل فيقول: لا أدري حتى أسأل جبريل» . وقال عبد الله ابن الإمام أحمد رحمهما الله تعالى: سمعت أبي يقول: كان سفيان لا يكاد يفتي في الطلاق ويقول من يحسن ذا؟ ! من يحسن ذا؟ ! وقال في رواية أبي الحارث: وددت أنه لا يسألني أحد عن مسألة، أو ما شيء أشد علي من أن أسأل عن هذه المسائل. وقال سفيان ﵀: لقد كان الرجل يُستفتى فيفتي وهو يرعد.

стр. 59

وقال أيضًا: من فتنة الرجل إذا كان فقيها أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت. وقال المروذي ﵀ لأبي عبد الله: إن العالم يظنونه عنده علم كل شيء، فقال: قال ابن مسعود ﵁: إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون. وكان الإمام أحمد ﵀ ينكر على من يتهجم في المسائل والجوابات ويقول: ليتق الله عبد، ولينظر ما يقول، وما يتكلم، فإنه مسؤول. ونقل محمد بن أبي طاهر ﵀ عن الإمام أحمد أنه: سئل عن مسألة في الطلاق، فقال: سل غيري، ليس لي أن أفتي في الطلاق بشيء. وقال الإمام أحمد ﵀: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدم وإلا فلا يفتي. وقال أيضا ﵀: من تكلم في شيء ليس له فيه إمام أخاف عليه الخطأ. قال ابن أبي ليلى ﵀: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتوى. وقال مالك ﵀ عن القاسم بن محمد: إن من إكرام المرء لنفسه ألا يقول إلا ما أحاط به علمه. وقال سعيد بن جبير ﵀: ويل لمن يقول لما لا يعلم إني أعلم. وقال ابن مهدي ﵀: سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة فطال ترداده إليه فيها، وألح عليه، فقال: ما شاء الله يا هذا! إني لم أتكلم إلا فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه.

стр. 60

وقال ابن وهب ﵀: سمعت مالكا يقول: العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق، وكان يقال: التأني من الله والعجلة من الشيطان. وقال محمد بن المنكدر ﵀: العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم. وقال يحيى بن سعيد ﵀: كان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتيا، ولا يقول شيئا إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني. قال ابن معين ﵀: الذي يحدث بالبلدة وبها من هو أولى منه بالحديث فهو أحمق. وقال أيضا: إذا رأيتني أحدث في بلدة فيها مثل علي بن مسهر فينبغي للحيتي أن تحلق، وأمر يده على عارضيه. وقال سفيان ﵀: أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا، حتى لا يجدوا بُدًّا من أن يفتوا. وقال: أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها، وأجهلهم بها أنطقهم فيها. وبكى ربيعة ﵀، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. يقول الشعبي ﵀: والله، إني لأستحي أن أعرف الحق ثم لا أرجع إليه. وقد يستغرب القارئ الكريم من كثرة نقلي عن السلف في هذا الأمر، وغرضي من ذلك إيقاف القارئ على حال السلف، رضوان الله عليهم أجمعين، وخوفهم من الفتوى، وهروبهم عنها، وتمنيهم لو أنهم كُفُوا من غيرهم، بخلاف ما نحن عليه في هذا الزمان من الجرأة العجيبة على الفتوى، والتقول على الله بغير علم من جهال لم يفقهوا، وجذعان لم يقرحوا، وأيضا التسرع لدى كثير من طلبة العلم في إصدار الفتاوى والأحكام من دون روية ولا دراسة، وقد تكون بعض الأحكام التي

стр. 61

توصلوا إليها على صواب بحثا، لكن قد يكون من المصلحة كتمانها، أو تأخير وقت إعلانها، أو غير ذلك مما يدركه أهل الفقه والدين، فنحن في وقت لسنا بحاجة فيه إلى بيان ضرورة التصدر والتعليم؛ لكوننا مبتلين بالتجاوز فيه، فلدينا جرأة غريبة على القول بالتحليل والتحريم من أناس قد يفتقدون إلى أبجديات العلم، فالحاجة ملحة إلى بيان خطورة الفتوى، والتسرع فيها، وبيان عواقبها.

стр. 62

[فصل في ضرورة الاعتناء بمعرفة القواعد والضوابط العامة للدين ومقاصد الشريعة وأصولها] فصل في ضرورة الاعتناء بمعرفة القواعد والضوابط العامة للدين ومقاصد الشريعة وأصولها إن من أهم الأشياء التي يجب على الداعية الاعتناء بها وضبطها هي القواعد والأصول العامة للدين، والألفاظ العامة والخاصة الواردة في القرآن والسنة وضبطها، مثل لفظ: " الظلم والمعصية، والفسوق، والفجور، والموالاة، والتولي، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة التي قد يراد مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية. . . " (١) . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن معرفة حد الأسماء التي علق الله تعالى بها الأحكام في الكتاب والسنة: " منها ما يعرف حده ومسماه في الشرع، فقد بينه الله ورسوله كاسم الصلاة والزكاة، والكفر والنفاق، ومنه ما يعرف حده باللغة كالشمس، والقمر، والسماء والأرض، ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس وعرفهم، فيتنوع بحسب عادتهم كاسم البيع والنكاح، والقبض والدرهم والدينار، ونحو ذلك من

стр. 63

الأسماء التي لم يحدها الشارع بحد، ولا لها حد واحد يشترك فيه جميع اللغة " (١) . فمعرفة دلالات الألفاظ على المعاني ومباحث الألفاظ والدلالة والحقيقة والمجاز المبسوطة في كتب الأصول وتحريها في مرتبة الضرورة للداعية، وهي تزيد من قيمته، لأنه بهذا المنهج يستطيع أن يتعامل مع الوقائع والأحداث الفردية والعامة، والحوادث، والنوازل، بكل يسر وسهولة، ولا خوف عليه، إنما الذي يخشى عليه من يفقد هذا النوع من الفقه؛ فإن أحكامه في الغالب تأتي مشلولة أو متناقضة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم " (٢) . ويظهر مما سبق ذكره أن من أكثر المجالات التي يحتاج فيها الداعية إلى ضبط ألفاظها ومصطلحاتها هو المجال الفقهي؛ ذلك لأن أكثر أحوال الناس وأعمالهم منضبطة بالشرع من الناحية العملية، لما يترتب عليه من إصدار الفتاوى. وأيضا مما ينبغي على الداعية التبصر به في هذا الباب المصطلحات العصرية، والألفاظ الدارجة على ألسنة العامة أو أصحاب الاختصاصات، وتخريجها على القواعد والأصول المعروفة في كتب الفقه؛ لأنه لا يمكن أن يكون المرء فقيها بحق إلا بمعرفة هذه الأشياء التي قد تتعلق بالطلاق، والأيمان، وفي العقود، والمعاملات، والسندات، والعولمة، وغيرها كثير. ولذلك يعظم قدر الداعية إلى الله ويشرف بقدر إحاطته بالنصوص الشرعية، وتتبع أقوال السلف فيها، وإلمامه بالقواعد والضوابط والأصول

стр. 64

العامة للدين، ومعرفة أقوال أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين لا سيما سلف الأمة، ومعرفة مقاصد الشريعة، والمصالح والمفاسد وضبطهما؛ لأنه يخاطب الناس، ويتحدث إلى شرائح متنوعة في المجتمعات، ويتعرض لمواقف كثيرة، ونوازل ومستجدات عظيمة، ولذلك تجد الملم بقواعد الدين وأصوله أقرب الناس إلى روح السلف الصالح، والألصق إلى لغتهم في التعبير ولهجتهم في الخطاب، فهو يعرف ما حقه التقديم، وما حقه التأخير، ويعرف خير الخيرين، وشر الشرين؛ فمعرفة الخير من الشر - في الواقع - لا تحتاج إلى إعمال فكر وتعب، ولا يتميز شخص عاقل بأنه يعرف الخير من الشر؛ فهذه تدرك بمقدمات العقول قبل أواخرها، وباستطاعة كل ذي عقل أن يدركها، فهي من البدهيات، إنما الذي يحتاج إلى إعمال فكر وتعب هو معرفة خير الخيرين، وشر الشرين، وأيهما أحق بالتقديم أو التأخير. إن اللبيب إذا بدا من جسمه ... مرضان داوى الأكبرا يقول ابن رجب ﵀: " فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه أولا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشُغل لمن بالعلم النافع عُني واشتغل " (١) . والداعية الذي له صلة بالقواعد والضوابط الشرعية والأصول المرعية التي قعَّدها السلف الصالح - وهم الذين أُمرنا بالاقتداء بهم والسير على طريقهم - في جميع أموره وأحواله، ويجعلها منطلقا له في دعوته وتوجيهه الناس سيوفق بإذن الله، وقد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع.

стр. 65

قال ابن القيم ﵀: " صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المُنْعَم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أُمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة؛ وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى " (١) . وأيضا عليه الاهتمام بمقاصد الشريعة، وحِكمها، ومحاسنها، فإن الاهتمام بمقاصد الشريعة من أولى ما ينبغي على الداعية الاهتمام به. يقول ابن القيم في أول الفصل الذي عقده في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، وأن بناء الشريعة على مصالح العباد في المعاش والمعاد: " هذا فصل عظيم النفع جدا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله ﷺ ، أتم دلالة وأصدقها، وهي

стр. 66

نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء، والدواء والنور، والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود، فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس، وقوام العالم، وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة " (١) . فهذه الأمور من المهم للداعية أن يتقنها، وذلك لضمان نجاح دعوته بإذن الله، ولا يعني هذا بالضرورة أن يكون ملما بكل ما سبق، فهذا مما لا يحصل إلا نادرا، بل هناك أشياء يجب وجوبًا عينيا أن يكون محيطا بها، وهناك أشياء هي من مكملات وظيفته تطلب من مظانها.

стр. 67

[المحور الثاني البصيرة في حال المدعوين وكيفية دعوتهم] [مدخل] المحور الثاني البصيرة في حال المدعوين وكيفية دعوتهم

стр. 68

مدخل قد مضى الحديث عن البصيرة فيما يدعو إليه من تصدر للدعوة إلى الله تعالى، وعلمنا أن نجاح الدعوة إلى الله تعالى مرهون بالعلم الشرعي المؤصل، وأن من دعا إلى الله تعالى بجهل، فإنه قد خالف أمر الله تعالى في الدعوة إليه على بصيرة وعلم، وأن ضرره وفساده متحقق ولا شك. فإذا وفق الله تعالى الداعية إلى العلم الشرعي، ونال نصيبًا وافرًا منه، فإن الواجب عليه أن يعرف كيفية أداء هذا العلم، والطريق المناسبة التي يبلغ بها الدين، وهذا لا يتم إلا بمعرفة أصناف المدعوين، ولن ينجح الداعية إلى الله تعالى إذا لم يعرف من يدعوهم، سواء كانوا مسلمين أو كفارا، ولا مستويات ثقافتهم، وأيضًا لن يوفق إذا لم يكن عنده دراية ومعرفة بوسائل وأساليب وطرق الدعوة إلى الله تعالى، فهذه هي الأدوات التي يستعملها الداعية إلى الله تعالى لكسب المدعوين، وهذا ما سأتناوله في هذا المحور، وهو البصيرة في حال المدعوين وكيفية دعوتهم، مبينًا أصناف المدعوين، ومضمنا الحديث عن الوسائل والأساليب الشرعية التي يمكن للداعية أن يستخدمها في مجال دعوته.

стр. 69

[فصل البصيرة في حال المدعوين وكيفية دعوتهم] فصل البصيرة في حال المدعوين وكيفية دعوتهم من البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى: أن يكون الداعية على علم بحال المدعوين، فلا يمكن أن يكون خطاب الداعية إلى الله تعالى واحدا لجميع المدعوين، فالناس فيهم الكبير والصغير، والحاكم والمحكوم، والذكر والأنثى، والكافر والمسلم، والعاصي والمؤمن، والأعجمي والعربي، والمثقف والعامي، وهؤلاء يتفاوتون بلا شك من جهات شتى، فيحتاج كل واحد منهم إلى خطاب يخصه به، وقد يجمع الموفق في الخطاب الواحد ما يناسب الجميع. وأيضا من البصيرة في حال المدعوين دراسة البيئة المحيطة بهم، ومحاولة ترتيب الأولويات التي ينبغي البدء بها، ومعرفة عادات الناس، وهذه الاهتمامات لا يوفق إليها إلا النابه من الدعاة، الذي يتلمس النجاح لدعوته عن طريق استيعاب هذه الأشياء. ولذلك علمنا ربنا كيف ندعو إليه، مبينا لنا أصناف المدعوين والفوارق البينية بينهم في قوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) ويؤكد هذا

стр. 70

النبي ﷺ تأكيدا بينا واضحا بقوله وبفعله، ففي بعثه لمعاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن علمه كيف يدعو القوم هنالك بعد أن أعلمه بحالهم وجنسهم وثقافتهم، فقال ﵊: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة» (١) . وقد سجلت لنا السيرة مواقف عظيمة في استعمال النبي ﷺ أساليب ووسائل متنوعة في دعوة الآخرين بناء على اختلاف أجناسهم، وأفهامهم، وهيئاتهم، وسيمر معنا شيءٌ من هذا في ثنايا هذا القسم من الرسالة. فإذا امتلك الداعية إلى الله هذا النوع من البصيرة تجاه المدعوين؛ فهذا يعني بالضرورة أنه قادر على التكيف والانسجام، والتعامل بوضوح مع الحقائق، ولديه الاستطاعة على ترتيب الأولويات، في مخاطبة الجمهور والأفراد. ولنعد إلى الآية الكريمة التي أمرت بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، فهي تشير في الحقيقة إلى أصناف المدعوين الذين يواجههم الداعية في ميدان دعوته، وهم ثلاثة أصناف: صنف يدعى بالحكمة. صنف يدعى بالموعظة الحسنة. وصنف يجادل بالتي هي أحسن. وقد بين شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية ﵀ هذه الأصناف الثلاثة بقوله: " الناس ثلاثة أقسام، إما أن يعترف بالحق ويتبعه، فهذا صاحب الحكمة، وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به، فهذا يوعظ حتى

стр. 71

يعمل، وإما ألا يعترف به، فهذا يجادل بالتي هي أحسن؛ لأن الجدال فيه مظنة الإغضاب، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل " (١) . ولنشرع في ذكر ذلك على سبيل التفصيل:

стр. 72

[فصل الدعوة إلى الله بالحكمة] [المعنى اللغوي للحكمة] فصل الدعوة إلى الله بالحكمة المعنى اللغوي للحكمة: ذُكرت الحكمة في نصوص الكتاب والسنة، وتطلق ويراد بها معان عديدة، فتطلق ويراد بها العلم، والفقه في الدين، والسُّنة، والعقل، والورع، وأشياء أخرى، قال القرطبي ﵀: " وهذه الأقوال كلها قريبة بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الحبس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه ﷺ حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل حكمة " (١) . وفي تعريفات اللغويين نجدهم حينما يعرفون الحكمة يرجعونها إلى أصلها اللغوي، وهي (٢) حَكَمة اللجام، وهي الحديدة التي تحيط بحنكي الدابة، والغرض منها منع الدابة من الجري الشديد، والمتأمل في هذا يجد أن هناك ارتباطا وثيقًا بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ فكأن صاحب الحكمة يمنع نفسه من أن تطوح به بعيدا، ويلجمها بهذه الحكمة، فتأخذ أسهل الطريق وأصوبه (٣) .

стр. 73

ولذلك يعرفون الحكيم بأنه: المتقن للأمور، المانع من الفساد (١) . فنفعه متعد، فهو صالح في نفسه مصلحٌ لغيره. [المراد من الحكمة في باب الدعوة] المراد من الحكمة في باب الدعوة: إذا الحكمة كلمة عظيمة، وهي من الألفاظ المشتركة كما تبين تعريفها مما سبق، ويبقى التعريف المناسب لها في المجال الدعوي الذي نحن بصدده، وفي الحقيقة لم أجد أبلغ من تعريف ابن القيم ﵀ لها حيث ذكر بأنها: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي (٢) . وأما معناها في هذه الآية فيراد منها الأدلة المقنعة الواضحة والكاشفة للحق والداحضة للباطل من الكتاب والسنَّة، والطرق الصحيحة الموصلة لهذه الأدلة من الكتاب والسنة، واستخدام الوسائل والأساليب المشروعة في الدعوة إلى الله تعالى، وذلك لدلالة سياق النص عليها، وأنها جاءت في معرض الدعوة إلى الله تعالى. [معاني الحكمة في القرآن الكريم] معاني الحكمة في القرآن الكريم: ويذكر ابن القيم ﵀ أنواع الحكمة الواردة في القرآن فيقول: " إن الحكمة في كتاب الله نوعان: مفردة، ومقرونة بالكتاب، فالمفردة كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٣) وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (٤) . وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] (٥) . . .

стр. 74

أما الحكمة المقرونة بالكتاب فهي السنة من أقوال النبي ﷺ ، وأفعاله، وتقريراته، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] (١) (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١] (٣) . وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] (٤) . ونقل عن الشافعي ﵀ وغيره من الأئمة تفسيرهم للحكمة هنا بمعنى السنَّة (٥) . والداعية إلى الله تعالى يحتاج إلى الحكمة في بيان أصول الدين وفروعه، وفي طريقة التبليغ، وأسلوب الأداء، وأستطيع الجزم بأن من لم يؤطر دعوته بالحكمة ويجعلها منطلقا له في جميع أموره ومواقفه فإن الفشل حليفه لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (٦) .

стр. 75

[فصل في أركان الحكمة] [الركن الأول العلم] فصل في أركان الحكمة يذكر كثير من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل التحقيق والنظر أن الحكمة لها أركان ثلاثة لا بد من توافرها، فهي عمادها وأسها، وهذه الأركان هي: العلم، والحلم، والأناة. الركن الأول: العلم: فالمقصود به العلم النافع، وقد ذكرت جملة من النصوص والآثار بخصوصه في أول الرسالة، ويذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى تقسيم العلم النافع إلى ثلاثة أقسام (١) . الأول: العلم بالله وأسمائه وصفاته، مثل سورة الإخلاص، وآية الكرسي، ونحوها. الثاني: العلم بما أخبر به مما كان وما يكون وما هو كائن، مثل القصص، والوعد والوعيد. الثالث: العلم بما أمر الله به من العبادة الظاهرة، والباطنة، مثل العلم بأصول الإيمان، وقواعد الإسلام، والأحكام الفقهية، ونحوها من علوم الدين. اهـ.
следующие страницы →