[تقديم بقلم أ. د عبد الله بن عبد المحسن التركي]
التدرج في دعوة النبي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
تقديم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الدعوة إلى الله هي مهمة الأنبياء والرسل، وواجب المؤمنين عامة وأهل العلم منهم خاصة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]
إن المكانة الرفيعة للدعوة الإسلامية هي التي جعلت مركز البحوث والدراسات الإسلامية يستهل بها سلسلة " الكتاب الإسلامي "، فكان موضوع الكتاب الأول من هذه السلسلة: " مسؤولية الدول الإسلامية عن الدعوة ونموذج المملكة العربية السعودية "، وها هو المركز يواصل اهتمامه بأمر الدعوة إلى الإسلام، فيصدر كتاب: " التدرج في دعوة النبي ﷺ " الذي يبحث في قضية عظيمة الأهمية في فقه الدعوة أسيء فهمها على أيدي بعض المشتغلين بالدعوة الإسلامية، ممن يفتقرون إلى التأهيل العلمي والسلوكي، فهؤلاء يجهلون - أو يتجاهلون - أن الخير كل الخير في اتباع سنة المصطفى ﷺ ، وأن الشر كل الشر في الابتداع وتنكب الهدي النبوي الكريم.
стр. 4
وإن من يتأمل في رسالة الإسلام منذ بعثته ﷺ إلى أن اختاره الله إلى جواره يتضح له أن التدرج كان السمة البارزة في مسار الرسالة، فالقرآن الكريم أنزل على رسول الله ﷺ منجما، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] فلقد بدأ الإسلام بأركان الإيمان لإفراد الله بالعبودية ونبذ الشرك والوثنية، وبعد بضع سنوات من تثبيت عقيدة التوحيد في نفوس الجماعة المؤمنة فرضت الصلاة ثم الصيام والزكاة والجهاد والحج، وبالتدرج نفسه جرى تحريم المنكرات، فتحريم الخمر - للتمثيل لا الحصر - تم على مراحل، بدأت بالتحذير من مضاره وآثامه، ثم انتهت إلى تحريمه على وجه القطع. وأما في المدعوين أنفسهم فقد تدرجت دعوة النبي ﷺ إذ بدأ بمحيطه القريب جدا " زوجته خديجة، وصاحبه أبي بكر، وابن عمه علي بن أبي طالب، وغلامه زيد بن حارثة "، ثم اتسعت الدائرة لتشمل محيطًا من أقاربه أوسع من ذي قبل عملًا بقوله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]
وبعد أن أنذر ﷺ أهل مكة وصبر على أذاهم طويلًا دعا أهل الطائف ثم أعيان قبائل العرب ممن يقدمون على بيت الله الحرام.
وبعد الإذن بالهجرة إلى المدينة دعا ﷺ أهل الكتاب، ثم أزال بالجهاد الذين كانوا يعيقون إبلاغ الدعوة إلى الناس، ثم أرسل الكتب إلى زعماء الروم والفرس والحبشة وغيرهم يدعوهم إلى الدخول في دين الله، وعلى النهج ذاته سار
стр. 5
خلفاؤه الراشدون، إذ لم يجاهدوا خارج جزيرة العرب إلا بعد أن أكمل الله على أيديهم تطهير الجزيرة من براثن الشرك والوثنية.
وهكذا فإن الدعاة في حاجة دائمة إلى التزود من فقه النبوة في الدعوة إلى الله، ليحوز عملهم - بإذن الله - شَرْطَيِ القبول وهما: الِإخلاص لله، والصواب بموافقة الكتاب الكريم والسنة المطهرة.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
أ. د عبد الله بن عبد المحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
والمشرف العام على مركز البحوث والدراسات الإسلامية
стр. 6
[تزكية بقلم الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان]
تزكية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد اطَّلعت على الكتاب المسمى: " التدرج في دعوة النبي ﷺ " من إعداد: الشيخ إبراهيم المطلق عضو هيئة التدريس في كلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فوجدته كتابًا جيدًا في موضوعه يحتاج إليه من يدعو إلى الله ليسير على ما وضحه فضيلته من سيرة النبي ﷺ في الدعوة وتدرجه مع المدعوين ومخاطبتهم على قدر استعدادهم وهذا مما ينقص كثيرًا ممن يشتغلون في الدعوة مما سبب خللًا كبيرًا في دعوتهم حيث لم يرجعوا إلى منهج الرسول ﷺ في الدعوة وإنما يرجعون إلى رسوم رسمها لهم متبوعوهم من رؤسائهم وجماعاتهم، فعلى كل من ينتمي إلى الدعوة العودة إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ واستمداد المنهج منهما من أجل أن تثمر دعوتهم وتنجح جهودهم بإذن الله، وهذا الكتاب يضع لبنة في بناء المنهج الصحيح للدعوة، جزى الله مؤلفه خير الجزاء، ووفقه لما فيه الخير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
كتبه:
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
٢٠ - / ٨ / ١٤١٦ هـ
стр. 7
[المقدمة]
المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، الذي بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده حتى تركنا على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى آله وصحبه وأتباعه، ومن اهتدى بهديه وتمسك بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة الرسل جميعا، ومن أجلها بعثهم الله تعالى إلى الناس، فكلهم بلا استثناء دعوا أقوامهم ومن أرسلوا إليهم إلى الإيمان بالله، وإفراده بالعبادة على النحو الذي شرعه لهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (١) .
فرسل الله هم الدعاة، وقد اختارهم الله لحمل دعوته وتبليغها، وقد ختم الله الرسالات بنبينا محمد ﷺ الذي بعثه الله داعيا إلى الحق ورحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] (٢) .
стр. 8
فقام ﷺ بمهمة الدعوة على أكمل وجه وأتمه، إذ كان عليه أن يبلغ رسالة ربه كما أمره: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] (١) .
وكان عليه أن يخرج الناس من ظلمات الجهل والشرك إلى نور العلم والإيمان بإذن الله، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] (٢) .
وقد بُعِثَ ﷺ في مجتمع جاهلي، عبد أهله الأصنام والأوثان، وأعرضوا عن عبادة الله وحده، فكان من حكمته ﷺ في الدعوة أن قدّم لهم الدِّين الإسلامي كما يُقدَّم العلاج للمريض، فلم يفاجئهم ﵊ بتسفيه أحلامهم، وشتم آلهتهم، بل دعاهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، متدرجًا معهم في بيان أحكام الله وشرائعه وتطبيقها في واقع الحياة، فكان من نتيجة ذلك أن استجاب الناس لدعوته، فلم تصعد روحه الطاهرة إلى بارئها، حتى أقر الله عينه بإقبال الناس أفواجًا على هذا الدِّين، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] (٣) .
стр. 9
[أهداف البحث]
أهداف البحث (١) لقد توخيت من خلال كتابة هذا البحث تحقيقَ أمور من أهمها:
١ - الإسهام في بيان الطريقة الصحيحة والناجحة في الدعوة إلى الله، لتكون نبراسًا يضيء للدعاة طريقهم.
٢ - توجيه الدعاة إلى أهمية العناية بالتدرج في الدعوة، وأنه الطريقُ الأمثل في الدعوة.
٣ - توضيح ما يترتب على التفريط بالتدرج في الدعوة من آثار سلبية ونتائج عكسية.
٤ - بيان أهمية هذا المسلك في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.
أهمية البحث وأسباب اختياره: تتضح لنا أهمية هذا البحث من خلال النشاط الدعوي في هذا الزمن، لأنه وإن اختلف الزمان لم يختلف المدعو وهو الإنسان، فالمدعو إنسان يتأثر بظروف بيئته الخاصة، كظروف أسرته التي يعيش فيها، وما عليه هذه الأسرة من غنى وفقر، وعلم وجهل، وجاه وضعف، ونحو ذلك، هذه الظروف تؤثر في شخصية المدعو ونفسيته ونظرته إلى الحياة، وكما يتأثر المدعو بظروف بيئته العامة، كظروف العصر الذي يعيش فيه، وما يوجد في هذا العصر من تقدم علمي وتقني، ومن تيارات سياسية، ومن طغيان القوي على الضعيف، وغير ذلك من الأمور.
ولا شك أن النفس البشرية، قد زُيِّن لها حُب الشهوات والملذات، كما قال
стр. 10
تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] (١) .
ولقد بُعِثَ النبي ﷺ والبشرية تعيش في دياجير الظلام، فكانت بعثته لإخراجها من الظلمات إلى النور، وعلى ذلك فإن مهمته أن يمكن الناس من إدراك حقيقة ما جاء به، والاقتناع بسلامته، ثم اعتناقه بعد ذلك، والالتزام به مدى الحياة.
ولقد كان لتدرجه ﷺ في الدعوة الأثر العظيم، وقد ظهر هذا الأثر واضحا في نفوس كثير من المدعوين بقبولهم للحق وسرعة استجابتهم له.
ولا شك أن حال الناس اليوم في جوانب عديدة - وخصوصا الانحراف الفكري والسلوكي - يشبه حالهم وقت بعثته ﷺ ، ولا سبيل لإخراجهم من الظلمات إلى النور إلا بالدعوة والنشاط الدعوي الذي تكمن صورته المثلى في منهجه ﷺ في الدعوة.
وإدراكا لأهمية هذا الموضوع، وإحساسا بالحاجة الملحة إلى عرضه بصورة تختلف عما هو موجود فيما كتب، حيث غلب عليه الرصد والاختصار، دون بيان موضوعه ووسيلته وأسلوبه، فقد وجهت نيتي له بإذن الله بعد القراءة المستفيضة حوله، والاستشارات العلمية، بالإضافة إلى أسباب أخرى أهمها:
١ - الحاجة الملحة إلى التدرج في الدعوة في هذا العصر.
стр. 11
٢ - عدم وجود كتابات تفصيلية قديمة أو حديثة عن هذا الموضوع.
٣ - ارتباط البحث بتخصصي العلمي حيث تخرجت في قسم الدعوة بكلية الدعوة والإعلام.
هذا وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني للإخلاص في النية، والصواب في العمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12
[التعريف بمصطلحات البحث]
التعريف بمصطلحات البحث: (ا) التدرج:
التدرج لغة:
بالنظر في معاجم اللغة العربية نجد الكلمات:
دَرَجَ - درَّج - تدرَّج - استدرج - الدراجة.
ومعنى ذلك أن اللفظ جاء فعلًا مجردًا، ومزيدًا بالتضعيف، وبه وبالتاء، وجاء اسمًا، ومع الاختلاف اليسير في معاني الكلمات، إلا أنها تدل على المشي والحركة الهينة، والصعود في المراتب.
فقد جاءت كلمة (درج) بمعنى المشي والمضي فيه. ففي معجم مقاييس اللغة:
(دَرَجَ) الدال والراء والجيم أصل واحد يدل على مضي الشيء، والمضي في الشيء، من ذلك قولهم: درج الشيء، إذا مضى لسبيله (١) .
وفي الصحاح:
يُقال: درج الرجل ويدرج دروجًا ودرجانًا أي مشى (٢) .
وجاء في المعجم الوسيط:
درج الصبي: أخذ في الحركة، ومشى قليلًا أوّل ما يمشي، ودرَجت
стр. 13
الريح: مرت مرًّا هينًا (١) .
وأما درَّج بتشديد الراء فمعناها التأنِّي في تناول الشيء أو بلوغه، ففي لسان العرب: يقال: درَّجت العليل تدريجًا، إذا أطعمته شيئًا قليلًا، وذلك إذا نقِه، حتى يتدرج إلى غاية أكله، كما كان قبل العلة درجةً درجةً (٢) .
ودرَّج فلانًا إلى الشيء: أدناه منه قليلًا قليلًا وعوّده إياه.
ودرَّج الطعام ودرَّج الأمر فلانًا: حملاه على التدرج فيهما (٣) .
ويُقال: (درَّجه) : جعله درجات.
وأما (تدرَّج) فهو مطاوع درَّجه.
في اللسان: درَّجه إلى كذا واستدرجه بمعنى، أي أدناه منه على التدريج، فتدرّج هو (٤) .
فإذا خرجنا من دائرة الفعل، واتجهنا إلى الاسم وجدنا:
الدرَّاجة: بالفتح وهي التي يدرَّج عليها الصبي إذا مشى، حكاه أبو النصر (٥) .
ودَرَجُ البناء ودُرَّجه، بالتثقيل، أي تشديد الراء، وهي المراتب بعضها
стр. 14
فوق بعض. والدَّرَجة: المرقاة، والدرجة واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب، ودرجات الجنة منازل أرفع من منازل (١) .
وفي القرآن الكريم: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣] (٢) وقال تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥] (٣) .
ومما تقدَّم تتضح لنا العلاقة جلية بين الفعل والاسم، لأن الدراجة يدرج عليها الصبي، وصعود البناء يحتاج إلى درجة، ومراتب بعضها فوق بعض، وكذلك درجات الجنة، منازل بعضها فوق بعض.
وكلمة " التدرّج " التي نحن بصدد بحثها تشتمل على المعاني السابقة التي ذكرناها في الفعل والاسم.
التدرج في الاصطلاح:
من خلال معاني التدرج في اللغة يمكن الوصول إلى تعريف للتدرج هو: " التقدم بالمدعو شيئًا فشيئًا للبلوغ به إلى غاية ما طلب منه وَفْقَ طرق مشروعة مخصوصة ".
стр. 15
(ب) الدعوة:
الدعوة لغة:
تأتي الدعوة في اللغة لمعانٍ عدة:
منها: إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك، والدعوة إلى الطعام، والنداء، والحث على قصد الشيء.
ومن الدعوة جاء اشتقاق الداعية وهو: الذي يدعو إلى دين أو فكرة، والهاء للمبالغة (١) .
والدعاة: قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، واحدهم داع (٢) .
قال تعالى مخبرا عن الجن الذين استمعوا القرآن:
﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] (٣) .
والنبي ﷺ داعي الله تعالى، وكذلك المؤذن (٤) .
قال تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] (٥) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] (٦) .
стр. 16
وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) .
ونخلص من هذا بأن للدعوة في اللغة معاني عديدة، منها إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك، والدعوة إلى الطعام، والنداء والحثّ على قصد الشيء - كما سبق أن ذكرنا - وهناك معان أخرى، منها التمني، والطلب، والزعم. . .
والذي يعنينا من هذه المعاني اللغوية هو الحثّ لأن الداعية يحثّ المدعوين على الفكرة التي يريدها، والدِّين الذي يدعو إليه.
الدعوة في الاصطلاح:
كلمة الدعوة في الاصطلاح تطلق ويُقصد بها معنيان:
١ - الإسلام. ٢ - نشر الإسلام بين الناس. والذي يهمنا في بحثنا هذا هو المعنى الثاني.
وقد عرّف الدعوة بهذا التعريف كثير من الكتّاب والدعاة المعاصرين نقتصر منها على التعاريف التالية:
(ا) عرَّفها الأستاذ أبو المجد نوفل بقوله: " إن الدعوة هي قيام من
стр. 17
عنده أهلية النصح والتوجيه السديد من المسلمين في كل زمان ومكان بترغيب الناس في الإسلام اعتقادًا ومنهجًا، وتحذيرهم من غيره بطرق مخصوصة " (١) .
(ب) وعرَّفها آخر بقوله: " إن الدعوة إلى الله هي قيام من له أهلية بدعوة الناس جميعًا في كل زمان ومكان لاقتفاء أثر الرسول ﷺ ، والتأسِّي به قولًا وعملًا وسلوكًا " (٢) .
(جـ) وعرفها آخر بقوله: الدعوة هي: " الحث على فعل الخير واجتناب الشر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحبيب بالفضيلة، والتنفير عن الرذيلة، واتِّباع الحق ونبذ الباطل " (٣) .
ولعل أقرب هذه التعريفات إلى الصواب هو تعريف الدكتور أبو المجد نوفل، وهو التعريف الأول من تعريفات المعنى الثاني للدعوة.
(جـ) الموضوع:
عرف يوسف خياط الموضوع بقوله: " موضوع كل علم ما يبحث فيه عوارضه الذاتية، كبدن الإنسان لعلم الطب، فإنَّه يبحث فيه عن أحواله من حيث الصحة والمرض، وكالكلمات لعلم النحو، فإنَّه يبحث فيه عن أحوالها
стр. 18
من حيث الإعراب والبناء " يوسف خياط، (١) .
وفي المعجم الوسيط: الموضوع: هو المادّة التي يبني عليها المتكلم أو الكاتب كلامه (٢) .
وموضوع الدعوة الإسلامية بحسب حال المدعو فإن كان المدعو مسلمًا فموضوع دعوته بحسب حاله، وهو لا يخرج عن دعوته إلى التمسك بطاعة الله ورسوله والعمل بالكتاب والسنة (٣) .
وإن كان المدعو غير مسلم فموضوع دعوته الإسلام توحيدًا وشريعة (٤) .
ونقصد بموضوع الدعوة هنا موضوع دعوته ﷺ منذ بعثه الله إلى أن صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها وهو محصور في التوحيد والشريعة وهو شامل للمسلمين وغير المسلمين.
(د) الوسيلة والأسلوب والفرق بينهما: ١ - الوسيلة في اللغة:
(وسل) فلان إلى الله بالعمل (يسل) وسلًا: رغب وتقرّب (٥) .
والوسيلة القربة، والواسل الراغب إلى الله، وتوسل إليه بكذا: تقرب إليه
стр. 19
بحرمة آصرة تعطفه عليه (١) .
والوسيلة ما يتقرب به إلى الغير، والجمع وسائل (٢) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] (٣) .
يقول ابن كثير: الوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود ابن كثير، (٤) .
ويقول الفخر الرازي: الوسيلة هي التوصل إلى تحصيل المقصود (٥) .
وفي المفردات: الوسيلة هي التوصل إلى الشيء برغبة (٦) .
ويقول ابن الأثير في النهاية: الوسيلة هي ما يتوصل به إلى الشيء، ويتقرب به، وجمعها وسائل (٧) .
٢ - الوسيلة في الاصطلاح:
للوسيلة في الاصطلاح تعاريف نكتفي منها بالآتي:
(ا) الوسيلة: هي كل ما يتم به تبليغ الأساليب وحملها إلى المدعو (٨) .
стр. 20
(ب) الوسيلة: هي الطريقة التي يصل بها الأسلوب إلى المدعو (١) .
(جـ) الوسيلة في الدعوة أو الاتصال الدعوي هي: القناة الموصلة للغاية، أو الأداة المستخدمة في نقل المعاني والأفكار للناس (٢) .
من مجموع تعاريف الوسيلة في اللغة والاصطلاح أستطيع القول بأن الوسيلة هي: الأداة المستخدمة في إيصال المعاني ونقل الأفكار من الداعي إلى المدعو.
٣ - الأسلوب في اللغة:
الأسلوب: الطريق، والوجه، والمذهب، يُقال: أنتم في أسلوب سوء، ويجمع أساليب، والأسلوب الطريق تأخذ فيه.
والأسلوب بالضم الفن، يُقال: أخذ فلان في أساليب القول، أي أفانين منه (٣) .
وفي المعجم الوسيط:
الأسلوب: الطريق، ويُقال: سلكت أسلوب فلان في كذا: طريقته ومذهبه، وطريقة الكاتب في كتابته (٤) .
٤ - الأسلوب في الاصطلاح:
للأسلوب في الاصطلاح تعاريف عديدة، نكتفي بذكر ثلاثة منها:
стр. 21
(ا) الأسلوب: هو طريقة الإنشاء أو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير (١) .
(ب) الأسلوب: هو الطريقة الكلامية التي يسلكها المتكلم في تأليف كلامه، واختيار مفرداته (٢) .
(جـ) الأسلوب: عرض ما يراد عرضه من معان وأفكار وقضايا في عبارات وجمل مختارة، لتناسب فكر المخاطبين وأحوالهم، وما يجب لكل مقام من المقال (٣) .
من معاني الأسلوب في اللغة وتعريفاته في الاصطلاح أصل إلى تعريف للأسلوب فأقول: الأسلوب هو: فن العرض والتأثير والإقناع.
٥ - الفرق بين الوسيلة والأسلوب:
تبين لنا مما سبق أن الوسيلة هي: الأداة المستخدمة في إيصال المعاني، ونقل الأفكار من الداعي إلى المدعو.
أما الأسلوب فهو: فن العرض والتأثير والإقناع، والفرق بينهما أن الوسيلة أعم من الأسلوب إذ إنها هي الأداة التي تنقل الأسلوب وتوصله للناس.
(هـ) المدعو: يُقصد بالمدعو إذا أطلق كل مكلف بالعبودية
стр. 22
والدينونة لله تعالى، وهم الثقلان (١) قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٢) .
ولكن في بحثي هذا أعني بالمدعو هو كل من اتّصل به النبي ﷺ من بني آدم، ودعاه إلى الله تعالى.
والمدعو أصناف، فمنهم المشرك بالله تعالى، فيحتاج إلى جهد كبير، وأسلوب مناسب، ووسيلة مناسبة، ليتم إقناعه بالإسلام، ومنهم المؤمن، لكن إيمانه فيه ضعف، وللنفس والشيطان عليه سبيل، فهو يحتاج إلى جهد مضاعف، لكنه أقلّ من الجهد مع الصنف الأول، ومنهم الزعيم المغرور بزعامته، فهو بحاجة إلى أسلوب معين فيه لطف وليونة (٣) قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] (٤) .
أنواع التدرج: من أبرز أنواع التدرج في بعثته ﷺ نوعان هما:
(ا) التدرج في التشريع:
اقتضت حكمة الباري تعالى أن يتدرج في التشريع شيئًا فشيئًا، من أجل ذلك نزل القرآن منجمًا، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] (٥)
стр. 23
أي أنزلناه شيئًا بعد شيء، ونجمًا بعد نجم، ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا (١) .
يقول الفخر الرازي: " لو أنزل الكتاب جملة واحدة لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك، أما لو نزل مفرقًا منجمًا، لا جرم نزلت التكاليف قليلًا قليلًا فكان تحملها أسهل " (٢) .
ومن أول من أشار إلى الحكمة من التدرج في التشريع أم المؤمنين عائشة ﵂ حيث تقول: ". . . إنما نزل أوَّل ما نزل منه - أي القرآن - سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا. . . . " (٣) . وقد بيَّن ابن حجر ﵀ في شرحه لهذا الحديث الحكمة من هذا التدرُّج فقال: " أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب النزول، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد، والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة، وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام، ولهذا قالت: " ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندعها " وذلك لما طبعت عليه
стр. 24
النفوس من النفرة عن ترك المألوف (١) .
لقد أدرك العلماء سر التدرج في التشريع، ولاحظوا أنه أدعى إلى قبول الناس للأحكام بخلاف ما لو نزل التشريع دفعة واحدة، فإنه كان ينفر من قبوله كثير من الناس لنزول الفرائض والنواهي جملة واحدة، يثقل على النفس حملها (٢) .
(ب) التدرج في الدعوة:
نقصد بالتدرج في الدعوة تدرجه ﷺ في تبليغ الإسلام والدعوة إليه، تدرجه في الدعوة إلى الموضوع توحيدًا وشريعة، وتدرجه في اتخاذ الوسائل المناسبة لعمل دعوته ﷺ ، ونقلها إلى الناس، وتدرجه في اتخاذ الأساليب المناسبة في الدعوة، وكذلك تدرجه ﷺ مع المدعوين، وهذا النوع من التدرج هو موضوع بحثنا وسأتناوله بشيء من التفصيل في صلب هذه الرسالة إن شاء الله تعالى.
стр. 25
[الفصل الأول التدرج في الدعوة باعتبار الموضوع]
[المبحث الأول التوحيد]
[أولًا مفهوم التوحيد]
الفصل الأول
التدرج في الدعوة باعتبار الموضوع وفيه تمهيد ومبحثان: المبحث الأول: التوحيد
المبحث الثاني: الشريعة
стр. 26
تمهيد بينت في تعريف الموضوع أن المدعو إذا كان غير مسلم فموضوع دعوته الإسلام توحيدًا وشريعة، وقد بُعِثَ ﷺ في أمة جاهلية تعبد الأوثان وتشرك بالله الملِك الديَّان، فكان موضوع دعوتهم الإسلام مبتدئًا بالتوحيد، ثم الشريعة، وقد قسَّمت هذا الفصل إلى مبحثين:
المبحث الأول: التوحيد.
المبحث الثاني: الشريعة.
وفيما يلي تفصيل هذين المبحثين:
стр. 27
المبحث الأول
التوحيد أولًا: مفهوم التوحيد: ١ - تعريف التوحيد:
سُمِيَ دين الإسلام توحيدا لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله، لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته، لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته، لا ندّ له (١) وهذا الأخير هو الذي دعت إليه الرسل، فالتوحيد إذًا هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده (٢) وهو العلم والاعتراف بتفرد الرب بصفات الكمال والجلال والعظمة، وإفراده وحده بالعبادة (٣) .
فتوحيد الله معناه: اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، ونفي المثيل والنظير عنه، والتوجُّه إليه وحده بالعبادة (٤) .
стр. 28
وهذا المفهوم للتوحيد هو الحق الموافق للصواب؛ لشموله لتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ولموافقته لما كان يعتقده السلف الصالح ﵃.
٢ - أنواع التوحيد: التوحيد نوعان:
النوع الأول: توحيد في المعرفة والإثبات، ويشمل توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
النوع الثاني: توحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الألوهية والعبادة.
أما توحيد الربوبية فهو: توحيد الله بأفعاله، مثل الخلق، والرزق، والإحياء والإماتة ونحوها، وهو الذي أقر به المشركون في زمنه ﷺ ، ولم يدخلهم في الإسلام، بل قاتلهم الرسول ﷺ واستحلَّ دماءهم وأموالهم (١) ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس: ٣١] (٢) .
فقريش ومن قبلهم من الأُمم مقرّون بهذا النوع من التوحيد، ولم تقع بينهم وبين أنبيائهم خصومة فيه، ومع ذلك لم يدخلهم في الإسلام، ولم ينجهم من نقمة الله تعالى وعذابه (٣) .
стр. 29
أما توحيد الأسماء والصفات: فهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه (١) .
ودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] (٢) .
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣) وهذان هما النوع الأول وهو التوحيد في المعرفة والإثبات.
أما توحيد الألوهية: فهو إخلاص العبادة لله وحده من جميع الخلق (٤) فلا يعبد إلا الله وحده، ولا يشرك معه في العبادة أحدًا، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، فضلًا عمّن دونهما، وهذا الذي يدخل الرجل في الإسلام (٥) ودليله قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٦) .
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] (٧) .
стр. 30
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) .
وهذا التوحيد هو النوع الثاني وهو التوحيد في الطلب والقصد، وهو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأمم ورسلهم، من لدن نوح إلى محمد ﵊، وهو الذي أرسل الله الرسل من أجله، وأنزل الكتب، ومن أجله خلق الله الجن والإنس، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٢) .
وهذا النوع من التوحيد هو الذي سأبين أهمية البدء به في الفقرة التالية.
[ثانيا أهمية البدء بالتوحيد]
ثانيا: أهمية البدء بالتوحيد: الدعوة إلى التوحيد هي غاية بعثة الرسل ﵈، لذا كان كل واحد منهم يستفتح دعوته بقوله (٣) ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] (٤) .
فمن أجله خلق الله الخلق وأنزل الكتب وأرسل الرسل (٥) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] (٦) فدلَّت الآية على أن التوحيد هو أصل الدِّين الذي
стр. 31
لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينًا سواه (١) فرسل الله ﵈ كلهم متفقون على البدء بالدعوة إليه وإن اختلفت شرائعهم (٢) ذلك أنه أوجب حقوق الخالق على المخلوقين، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] (٣) .
وحين تأملي للسيرة العطرة للرسول الكريم ﷺ تبيَّن لي أهمية البدء بالدعوة إلى هذا النوع من التوحيد من وجوه:
الأول: بقاؤه ﷺ ما يقارب نصف عمره بعد الرسالة يدعو إلى هذا التوحيد، ويركز عليه دون غيره، يدل على ذلك ما رواه الإمام مسلم عن أبي أمامة قال: «قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت، وأنا في الجاهلية، أظن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيا جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: " أنا نبي "، فقلت: ما نبي؟ قال: " أرسلني الله "، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلت بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء. . .» الحديث (٤) . وروى البخاري عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول
стр. 32
الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. .» الحديث (١) .
وروى الإمام أحمد «أن النبي ﷺ كان يطوف على الناس بذي المجاز يقول لهم: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» (٢) بل مما يؤكِّد أهمية البداءة بالتوحيد استمراره ﷺ طيلة زمن الرسالة يبدأ بعرض التوحيد أولا، يدل على ذلك قصة إسلام ضمام بن ثعلبة، ووفد عبد القيس، ومكاتبته ﷺ للملوك يدعوهم إلى التوحيد (٣) ثم إرشاده لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يبدأ بالدعوة إلى التوحيد، ونبّه الإمام ابن حجر إلى الحكمة في ذلك فقال: " ووقعت البداءة بهما - أي الشهادتين - لأنهما أصل الدِّين الذي لا يصح شيء إلا بهما " (٤) .
الثاني: ولاؤه ﷺ وبراؤه من أجله، فقد أحبّ قومًا وهم من أبعد الناس عنه نسبا من أجل التوحيد، وأبغض آخرين وهم من أقرب الناس إليه نسبًا من أجله، مقتديًا في ذلك بأبيه الخليل ﵇، إذ يقول الله عنه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤] (٥) .
стр. 33
فموالاة الله بعبادته والبراءة من كل معبود سواه هو معنى لا إله إلا الله (١) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ - وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] (٢) . قال المفسرون: هي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده، والمعنى جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في ذرية إبراهيم يتوارثها الأنبياء وأتباعهم (٣) ومنهم نبينا محمد ﷺ فقد كان يوالي ويعادي من أجل هذه الكلمة مهتديًا بقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] (٤) فدلَّت الآية على أنَّه لا يوجد مؤمن يواد المحادين لله ورسوله ذلك أن نفس الإيمان ينافي موادته كما ينفي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتفي ضده، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلًا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب (٥) ومما يدل على هذا الولاء والبراء من سيرته العطرة ﵊ هجرته من مكة - دار الشرك - إلى المدينة دار الإسلام، فقد كانت الهجرة واجبة عليه وعلى
стр. 34
أصحابه من أجل نصرة الإسلام وموالاة أهله (١) فهاجر ﷺ امتثالًا لأمر ربه، وبراءة من الشرك وأهله وحينما نهى عن الاستغفار للمشركين في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] (٢) أي ما ينبغي لهم ذلك وهو خبر بمعنى النهي (٣) فانتهى ﷺ عن الاستغفار لعمه أبي طالب، وتبرأ من الشرك وأهله.
وحينما نُهي عن الصلاة على أهل النفاق في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] (٤) انتهى وتبرأ منهم؛ لأنهم فقدوا أصل الإيمان وهو التوحيد.
وكما كان براؤه من أجل التوحيد، فقد كان ولاؤه ﷺ من أجل التوحيد، مهتديًا بقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (٥) .
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] (٦) .
وقد جاءت السنة تبين محبته ﷺ لأهل التوحيد، فقد صرَّح ﷺ بذلك لأحدهم يوم خيبر، حيث قال: «لأعطين هذه الراية غدا رجلًا يفتح الله على
стр. 35
يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» (١) فهذا الولاء منه والبراء أصل في التوحيد مما يدل على أهمية البداءة به.
الثالث: عدم تنازله ﷺ عن شيء في التوحيد، فحينما عرضت عليه قريش أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدون إلهه سنة (٢) نزلت المفاصلة في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ - لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ - وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ - وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ - وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ - لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١ - ٦] (٣) .
وحينما طلبوا منه أن يتركهم وآلهتهم ويتركوه وإلهه لم يقبل ﷺ وكان جوابه: قولوا لا إله إلا الله (٤) .
وحينما طلب منه وفد ثقيف أن يدع لهم الطاغية - اللات - بعض الوقت لم يقبل ﷺ ولم يأذن لهم في التوحيد شيئًا مما دلَّ على أهمية البدء به (٥) .
стр. 36
[المبحث الثاني الشريعة]
[أولا مفهوم الشريعة]
المبحث الثاني
الشريعة أولا: مفهوم الشريعة: ١ - الشريعة في اللغة:
مشرعة الماء، وهو مورد الشاربة.
والشريعة: ما شرع الله لعباده من الدِّين، وقد شرع لهم يشرع شرعا، أي سن. والشارع: الطريق الأعظم، وشرعت في هذا الأمر شروعا أي خضت (١) .
وفي المفردات: الشرع نهج الطريق الواضح.
يُقال: شرعت، والشرع مصدر، ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له: شرعٌ وشريعة واستعير ذلك للطريقة الإلهية شرعة ومنهاجا (٢) .
٢ - الشريعة في الاصطلاح:
عندما تطلق الشريعة في الاصطلاح يراد بها معنيان:
الأول: عام، وذلك إذا أطلقت مفردة، فإنَّها تشمل كل ما شرع الله من الدين عقائد وأحكاما، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] (٣) ومما وصَّى به نوحا التوحيد، والفضائل، وأصول الشرائع (٤) .
стр. 37
وقد عرف الشريعة بهذا القول الدكتور محمد بن صالح عثمان حيث يقول: الشريعة: " هي النظم التي شرعها الله تعالى، أو شرع أصولها، ليأخذ الإنسان بها نفسه، في علاقته بربه، وعلاقته بأخيه المسلم، وعلاقته بأخيه الإنسان، وعلاقته بالحياة " (١) .
وعرفها آخر بقوله:
الشريعة: ما شرعه الله لعباده من العقائد والأحكام في شؤون الحياة كلها (٢) .
الثاني: خاص، ويقصد بها ما شرع الله من الأحكام والأوامر والنواهي، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (٣) .
ومعلوم أن المقصود في الآية الشرائع دون العقائد، لأن العقائد واحدة في كل أمة، وعلى لسان كل نبي، وقد خصت كل أمة بشرعة تناسبها (٤) .
وقد عرف الشريعة بهذا القول الإمام القرطبي حيث يقول: الشريعة في الاصطلاح الشرعي هي: الأحكام التي شرعها الله لعباده، سواء أكان تشريع هذه الأحكام بالقرآن، أم بسنة النبي ﷺ ، من قول أو فعل أو تقرير (٥) .
стр. 38
وعرفها الدكتور ناصر العقل بقوله: الشريعة في الاصطلاح: فروع الدين وأحكامه الفقهية (١) .
وهذا المعنى للشريعة هو الذي أعني في بيان التدرج في الدعوة إليه في هذا البحث.
[ثانيًا صلة الشريعة بالتوحيد]
ثانيًا: صلة الشريعة بالتوحيد: هناك تلازم بين الشريعة والتوحيد، فالتوحيد مستلزم للشريعة، والشريعة متضمنة للتوحيد (٢) فالإيمان يطلق أحيانًا ويُراد به كل من التوحيد والشريعة، يدل على ذلك قوله ﷺ لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله وحده، قال: " أتدرون ما الإيمان بالله وحده "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس. . .» (٣) ففسَّر ﵊ الإيمان بالتوحيد والشرائع (٤) ويُطلق الإسلام ويُراد به التوحيد والشريعة، يدل على ذلك حديث جبريل: «قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به
стр. 39
شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. .» (١) ففسَّر الإسلام أيضا بالتوحيد والأعمال المشروعة من صلاة وزكاة وصيام.
فالتوحيد هو الركن الأساسي والأصل، والشريعة تبع له وثمرة من ثمراته، يدل على ذلك حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (٢) فالتوحيد مثاله أوسط الأعمدة في بيت الشعر، وبقية الأركان تمثل الشريعة، فما دام الأوسط قائمًا فالبيت موجود، ولو سقط منها ما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده أشياء، وأيضًا بالنظر إلى أسه وأركانه، الأس هو الأصل، والأركان تبع وتكملة (٣) فالأس هو التوحيد وهو الأصل، والأركان هي الشريعة.
стр. 40
فأفضل شُعَب الإيمان التوحيد، وهو الأصل والأساس، وباقي الأعمال فروع وثمرات لا تصح إلا بعد صحته (١) يدل على ذلك قوله ﵊: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. .» الحديث (٢) فصحة التوحيد شرط في قبول تلك العبادات، بل إن تلك الأعمال لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت كالحدث إذا دخل في الطهارة (٣) قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧] (٤) وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (٥) ففي هذه الآية إشارة إلى أن سبب بطلان العمل الكفر (٦) والعمل الذي يقبله الله هو ما يصدر من الموحِّدين (٧) ومما سبق